البريد للتواصل: drsregeb2@gmail.com

قضايا عقائدية

عذاب القبر ونعيمه من العقائد المتواترة



  • نشر في: 30-3-2017م
  • ساعة: 12:17
  • طباعة

 

عذاب القبر ونعيمه من العقائد المتواترة

      إن مسألة عذاب القبر ونعيمه من المسائل العقدية والإيمانية الغيبية التي اتفق المسلمون على ضرورة الإيمان بها، وأنها من الإيمان باليوم الآخر، الذي هو أحد أركان الإيمان الستة المتفق عليها بين المسلمين. ومسألة القبر وما فيه من الأمور الغيبية، التي لا يمكن أبدًا بحال مهما تقدم العلم أن تخضع للبحث والتجرِبة، بل هي من الأمور التي تؤخذ من الوحي (القرآن والسنة)، ولا مجال للعقل فيها إلا التسليم المطلق للوحي، فإن صح الخبرُّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رضخ له العقل سمعًا وطاعة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم. ولكن خرج بعض المتأثرين بالثقافة الغربية أو من لبس عيهم إبليس فيستخدمون عقولهم القاصرة وأهوائهم في إنكار هذه العقيدة الثابتة بالكتاب والسنة وإجماع أهل العلم المعتبرين، فينكرون بجهلهم وقلة بضاعتهم العلمية، ما ثبت بالتواتر من العقائد الدينية ومنها عذاب القبر ونعيمه.


إثبات عذاب القبر ونعيمه من القرآن الكريم

1- قول الله تعالى ):وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) غافر. فعرضهم على النار من الواضح من سياق الآية أنه قبل يوم القيامة ومعنى يعرضون يحرقون , هل هناك شخص يفقه بديهيات اللغة العربية ولا يرى حرف العطف الواو بين (غدوا وعشيا و يوم القيامة أدخلوا).

2- وقال الله تبارك وتعالى:(وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) الأنفال:51. وقال عز وجل:(وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) سورة الأنعام. فقول ملائكة العذاب" اليوم" يدل على الزمن الحاضر، وهو بلا شك قبل يوم القيامة. فدل ذلك على أن الكفار يعذبون قبل البعث والحساب. 

3- ويقول الكافر عند الاحتضار ما يقوله في قبره في لهفة: أن يرجع إلى الدنيا حتى يعمل صالحا .... قال تعالى: (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون) سورة المؤمنون:99-100. يقول قتادة رحمه الله: إن الكافر لن يطلب أن يعود إلى مال أو أهل أو ولد إنما يتمنى أن يرجع إلى الدنيا حتى يعمل صالحا، فرحم الله امرأ عمل فيما يتمناه الكافر عندما يرى العذاب، والبرزخ الحاجز بين الدنيا والآخرة، وهي القبور حيث يُنعم المؤمنون ويُعذب الكافرون والعاصون .

4- قوله تعالى: (فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون)الطور: 45-47 . وقد استدل ابن عباس رضي الله عنه بهذه الآية في إثبات عذاب القبر. وقد روى الطبري عن ابن عباس في قوله تعالى: (وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك) يقول: "عذاب القبر قبل عذاب يوم القيامة". 

5- قال الله سبحانه عن المنافقين من هذه الأمة: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ) التوبة: 101، قال المفسِّرون: العذاب الأول في الدنيا، والعذاب الثاني في القبور، ثم يُرَدُّون في الآخرة إلى عذاب غليظ، وهو عذاب جهنم.

الأدلة من السنة النبوية:

الأحاديث فهي من الكثرة بمكان، وقد بلغت حد التواتر؛ لأن هؤلاء دائمًا يضعفون الأحاديث، ليس بالقواعد العلمية، ولكن طبعًا لأنها لا توافق عقولهم، والفيلسوف منهم يقول: هذه أحاديث آحاد، فكيف يؤخذ بها في العقائد؟! وفي حقيقة الأمر هو لا يفهم معنى الآحاد ولا المتواتر، لكنه يريد أن يثبت أنه يتبع منهجًا علميًّا وليس عقليًّا فقط، فنقول له: إن القبر وما فيه من نعيم قد تواترت الأحاديث فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليست أحاديث آحاد، ويكفي أن تعلم أن الإمام البيهقي في كتابه (إثبات عذاب القبر) جمع أكثر من مائتي (200) حديث وأثر تُثبِت عذاب القبر ونعيمه، وليس هذا كل الأحاديث والآثار، بل هذا ما جمعه البيهقي، وقد ترك غيرها.

والأحاديثُ المتواترة في مسألة عذاب القبر، وهي شارحة ومفصلة لِما ورد في القرآن الكريم، ومنها:-

1- ما ورَد في الصحيحين عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ بقبرين، فقال: (إنهما لَيُعذَّبان، وما يعذبان في كبير؛ أما أحدهما، فكان لا يستبرئُ من البول،  وأما الآخر، فكان يمشي بالنميمة)، ثم دعا بجريدة، فشقَّها نصفين، فقال: (لعله يُخفَّف عنهما ما لم ييبسا).

2-جاء في صحيح مسلم عن زيد بن ثابت؛ قال: بينما رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في حائط لبني النجار على بغلته، ونحن معه؛ إذ حادت به، فكادت تُلقيه، فإذا أقبُرٌ ستة أو خمسة أو أربعة، فقال: (مَن يعرف أصحاب هذه القبور؟)، فقال رجل: أنا، قال: (فمتى مات هؤلاء؟)، قال: في الإشراك، فقال: (إن هذه الأمةَ تُبتَلَى في قبورها، فلولا ألاَّ تدافَنَوا، لدعوتُ اللهَ أن يُسمِعَكم من عذابِ القبر الذي أسمع منه).

3-  جاء في صحيح مسلم وجميع السنن عن أبي هريرة: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (إذا فرَغ أحدُكم من التشهد الأخير، فليتعوَّذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنةِ المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدَّجَّال).

4- في الصحيحينِ عن أبي أيوب قال: خرَج النبيُّ صلى الله عليه وسلم وقد وجَبَتِ الشمس، فسمع صوتًا، فقال: (يهودُ تُعذَّبُ في قبورها).

5- وفي الصحيحين عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: دخلَتْ عليَّ عجوزٌ من عجائز يهودِ المدينة، فقالت: إن أهل القبور يعذَّبون في قبورهم، قالت: فكذَّبتُها، ولم أُنعِمْ أن أصدِّقَها، قالت: فخرجَتْ، ودخل عليَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، إن عجوزًا مِن عجائز يهودِ أهل المدينة دخلَتْ فزعمَتْ أن أهل القبور يعذَّبون في قبورهم؟ قال: (صدَقَتْ؛ إنهم يعذبون عذابًا تسمعه البهائم كلُّها)، قالت: فما رأيتُه بعدُ في صلاة إلا يتعوذُ من عذاب القبر.

6- روى البخاري عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثَم والمَغْرم)، فقال له قائل: ما أكثَرَ ما تستعيذ مِن المغرم؟ فقال: (إن الرجل إذا غرِم حدَّث فكذَب، ووعَد فأخلَف).

7- روى مسلم عن عوف بن مالك يقول: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة، فحفِظْتُ من دعائه وهو يقول: (اللهم اغفر له وارحَمْه، وعافِه واعفُ عنه، وأكرِمْ نزله، ووسِّع مُدخَله، واغسِلْه بالماء والثلج والبَرَد، ونقِّه مِن الخطايا كما نقَّيْتَ الثوب الأبيض مِن الدَّنَس، وأبدِلْه دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وزَوْجًا خيرًا من زوجه، وأدخِلْه الجنة، وأعِذْه مِن عذاب القبر، أو مِن عذاب النار)، قال: حتى تمنيتُ أن أكون أنا ذلك الميت.

إثبات عذاب القبر ونعيمه بإجماع علماء الأمة:

    قد حكي أبو الحسن الأشعري الاجماع على الايمان بعذاب القبر ونعيمه، فقال: "وأجمعوا على أن عذاب القبر حق وأن الناس يسئلون في قبورهم بعد أن يحيوا فيها فيثبت الله من أحب". [رسالة أهل الثغر ص 88-89 ط: دار اللواء]. وهذا يحكيه الأشعري من جملة ما يجب على المؤمن الايمان به ويعتقده. وقال الحافظ ابن رجب: "وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في القبر والتعوذ منه" [أهوال القبور 43 و50 و58]. وقال الكتاني: "وقد روى عذاب القبر اثنان وثلاثون صحابياً" [نظم المتناثر: ص84]. وقال الجويني: "وقد تواترت الأخبار باستعاذة رسول الله بربه من عذاب القبر"، واحتج بقوله تعالى: "النار يعرضون عليها غدوا وعشيا) قال: "وهذا نص في إثبات عذاب القبر". وقال القول ذاته في أخبار الميزان وصفته. [الارشاد للجويني 374-375]. وجعل عبد القاهر البغدادي أحاديث عذاب القبر من الأحاديث المتواترة من أنواع المستفيض الذي رواه أول الأمر رواة ثقات ثم انتشر بعدهم رواته في الأعصار حتى بلغوا حد التواتر.[أصول الدين 13].

     وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "بل العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعاً باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن وتعذب متصلة بالبدن، والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين، كما يكون للروح مفردة عن البدن. (مجموع الفتاوى 4/282) وقال: "وإثبات الثواب والعقاب في البرزخ ما بين الموت إلى يوم القيامة: هذا قول السلف قاطبة وأهل السنة والجماعة، وإنما أنكر ذلك في البرزخ قليل من أهل البدع"( مجموع الفتاوى 4/262 ).

    وقال الحافظ ابن رجب في كتابه أهوال القبور:  "وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في عذاب القبر، ففي الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة أنها قالت: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن عذاب القبر، قال: نعم عذاب القبر حق".

    وللسيوطي رسالة بعنوان (شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور) ذكر فيها أحاديث متواترة في عذاب القبر. وقال القرطبي: "الايمان بعذاب القبر وفتنته واجب، والتصديق به لازم حسبما أخبر به الصادق. وهذا مذهب أهل السنة والذي عليه أهل الملة" التذكرة في أحوال الموتى وأمور القبور ص137. وأضاف "وأنكرت  الملاحدة ومن تمذهب بمذهب الفلاسفة عذاب القبر وأنه ليس له حقيقة" [التذكرة 139]. وقال: "صحت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم في عذاب القبر فلا مطعن فيها ولا معارض لها" [التذكرة 166].

     وقال ابن أبي العز فيشرح العقيدة الطحاوية : "وقد تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلا وسؤال الملكين ، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به ، ولا نتكلم في كيفيته إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته لكونه لا عَهد له به في هذه الدار، والشرع لا يأتي بما تحيلة العقول ولكنه قد يأتي بما تحار فيه العقول" .

وقال سعد الدين التفتازاني في شرح العقائد النسَفِيّة عند قوله : "وعذاب القبر للكافرين ولبعض عصاة المؤمنين ، وتنعيم أهل الطاعة في القبر بما يعلمه الله ويُريده ، وسؤال منكر ونكير ثابِت".

شبهة وجوابها:

  يستدل بعض منكري عذاب القبر ونعيمه من المعاصرين: بقوله تعالى: (قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا( يس: 52، وهذا من جهلهم وسوء نياتهم، ودليل على اتِّباعهم الآيات المتشابهات لفتنة الناس وإضلالهم، وللعلماء أجوبة عن هذه الشبهة، منها:-

- أن قبور الموتى مرقدٌ لهم، وإن كانوا يُعذَّبون فيها، فهم مضطجعون فيها إما في نعيم أو في عذاب، ولا يعني ذلك أنهم نائمون لا يُحِسُّون بنعيم ولا عذاب.

-  وقال بعض العلماء: هذه استعارة وتشبيه؛ يعني أن قبورهم شُبِّهت بالمضاجع، لكونهم فيها على هيئة الرقاد، وإن لم يكن رقاد في الحقيقة.

- وقال بعض العلماء: بعد النفخة الأولى ينقطع النعيم والعذاب في البرزخ، ثم إذا نُفخ في الصور النفخة الثانية رجعت الأرواح إلى الأجساد، وقال الكافرون حينئذٍ بعد نومةٍ ناموها: (يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ( يس: 52. وقال بعض العلماء: إن الكفار إذا عاينوا جهنم وما فيها من أنواع العذاب، صار ما عُذِّبوا به في قبورهم إلى جنب عذابها كالنوم، وقال بعض العلماء: لا يلزم أن يكون عذاب القبر مستمرًّا إلى يوم القيامة، فاستمرار التعذيب أو انقطاعه في البرزخ عائدٌ إلى الله عز وجل، وهو أحكم الحاكمين، إن شاء عذَّبهم عذابًا مستمرًّا، وإن شاء لم يُدِمْ عليهم العذاب.



 

هل أعجبك الموضوع؟