البريد للتواصل: drsregeb2@gmail.com

قضايا عقائدية

الاحتجاج بأحاديث الآحاد والرد على شبه المخالفين



  • نشر في: 4-4-2017م
  • ساعة: 12:33
  • طباعة

      ذهبت قديما طائفة من المتكلمين إلى رفض الاحتجاج بأحاديث الآحاد الصحيحة في باب العقائد، وتابعهم من المعاصرين بعص أدعياء العلم، فلا يحتجون إلاّ بالقرآن الكريم أو المتواتر من الأحاديث، ولا يثبتون العقيدة إلاّ إذا كان النص قطعي الدلالة أي لا يحتمل التأويل، وإذا لم يكن النص قطعي الدلالة فإنّه لا يجوز الاحتجاج به عندهم، ولذلك ردّوا النصوص الدالة على رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة.

شبهة رفض الاحتجاج بأحاديث الآحاد:

     ظلَّت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم عند الصحابة وسلف الأمة رضي الله عنهم محل التسليم والقبول، من غير تفريق بين المتواتر والآحاد، وبين ما يتعلق بأمور المعتقد وما يتعلق بالأحكام العملية، فكانوا يعملون بالحديث الصحيح سواء كثُر رواته أم قلُّوا، وكان الشرط الوحيد في قبول الحديث والعمل به هو صحته، ولم يكونوا يطلبون أمرًا زائدًا على الصحة، حتى ظهرت البدع في الاعتقاد، وتأثر البعض بالفلسفة وعلم الكلام، فأعملوا عقولهم وآراءهم وقدموها على الوحي، وعلى كلام الله وكلام رسوله عليه الصلاة والسلام، متظاهرين في ذلك بتقديس الوحيين، وتعظيم الله وتنزيهه عما لا يليق به.

     ولمَّا كانت نصوص الكتاب والسنة صريحة في إبطال ما أحدثوه، احتالوا في ردها حتى تسلم لهم عقيدتهم، فأولوا نصوص القرآن وصرفوها عن ظاهرها، ثم جاؤوا إلى السنة فمنعوا الاستدلال بها في العقيدة، بدعوى أنها أحاديث آحاد لا تفيد إلا الظن.    

     وشبهة هؤلاء أنَّ أدلة العقائد لا بد أن تفيد اليقين، وأحاديث الآحاد والنصوص القرآنية والأحاديث المتواترة إذا كانت دلالتها غير قطعية لا تفيد اليقين، بل هي ظنية، والظن لا يجوز أن يحتج به في هذا المجال لقوله تعالى: (إن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) الأنعام: 116. وقوله تعالى: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنّاً إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ) يونس:36. وقوله تعالى: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى) النجم:23. وقوله تعالى: (وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً) النجم:28. ونحو ذلك من الآيات التي يذم الله تعالى فيها المشركين لإتباعهم الظن. 

     واحتجاجهم بهذه الآيات وأمثالها مردود لأن الظن في الآيات ليس هو الظن الذي عنوه، فإن النصوص التي ردوها ورفضوا الاحتجاج بها في مسائل العقائد تفيد الظن الراجح، وأما الظن الذي ذمه الله تعالى في الآيات فهو الشك والتخمين والخرص، لقوله تعالى: (إن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) الأنعام:116. إذ لو كان الظنُّ المنعي به على المشركين هو الظن الغالب فإنه لا يجوز الأخذ به في الأحكام أيضاً، لأنَّ الله أنكر على المشركين الأخذ بالظنِّ إنكاراً مطلقاً، ولم يخصه بالعقيدة دون الأحكام.

حجية خبر الواحد:-

ومما يبيِّن أنَّ خبر الواحد العدل يفيد العلم أدلة كثيرة:-

الدليل الأول: قولـه تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ) سورة التوبة:122. وقد ورد في السنة ما يوضحه:  

1- فقد روى البخاري في صحيحه عن مالك بن الحويرث قال: "أتينا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ونحن شَبَبَة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين يوماً وليلة، وكان رسول الله رحيماً رقيقاً، فلما ظن أن قد اشتهينا أهلنا، أو قد اشتقنا، سأل عمن تركنا بعدنا، فأخبرناه، قال: ارجعوا إلى أهلكم، فأقيموا فيهم، وعلموهم، ومروهم وصلوا كما رأيتموني أصلي".([1]) فقد أمر كل واحد من هؤلاء الشباب أن يعلم كلُّ واحد أهله، والتعليم يعم العقيدة، بل هي أول ما يدخل في العموم، فلو لم يكن خبر الآحاد مما تقوم به العقيدة لم يكن لهذا الأمر معنى.

2- لقد بعث النَّبي صلى الله عليه وسلم أفراداً من الصحابة إلى مختلف البلاد، ليعلموا الناس دينهم، فأرسل علياً ومعاذاً وأبا موسى رضي الله عنهم إلى اليمن، وكان أوَّل شيء أمرهم بتبليغه للناس أحكام العقيدة والتوحيد، فقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ في الحديث المتفق عليه: "إنَّك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أوَّل ما تدعوهم إليه عبادة الله عز وجل"، وفي رواية لمسلم: "فادعهم إلى شهادة أنَّ لا إله إلا الله، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أنَّ الله فرض عليهم خمس صلوات"، وهذا من الأدلة الظاهرة على أنَّ العقيدة تثبت بخبر الواحد، وإلاَّ لما اكتفى عليه الصلاة والسلام بإرسال معاذ وحده ليعلما الناس أمور الاعتقاد.

       وفـي صحيحي البخاري ومسلم أيضاً: أنَّ أهل اليمن قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: "ابعث معنا رجلاً يعلمنا السنة والإسلام، قال فأخذ بيد أبي عبيدة فقال: "هذا أمين هذه الأمة".([2]) فلو لم تقم الحجة بخبر الواحد لم يبعث الرسول صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة وحده، وكذلك يقال في بعثه صلى الله عليه وسلم غيره من الصحابة، ولا ريب أنَّ هؤلاء كانوا يعلمون العقائد من جملة ما يعلمون، فلو لم تكن الحجة قائمة بهم لم يبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أفراداً.([3])

3- أرسل النبي صلى الله عليه وسلم رسله إلى الملوك، يدعونهم إلى الإسلام ويبلغونهم رسالات الله، وكانوا آحاداً.

4- إنّ المسلمين لما أخبرهم الواحد وهم بقباء في صلاة الصبح أن القبلة قد حولت إلى الكعبة قبلوا خبره وتركوا الحجة التي كانوا عليها واستداروا إلى القبلة، ولم ينكر عليهم رسول الله عليه السلام بل شكروا على ذلك وكانوا على أمر مقطوع به من القبلة الأولى فلولا حصول العلم لهم بخبر الواحد لم يتركوا المقطوع به المعلوم لخبر لا يفيد العلم، وغاية ما يقال فيه: إنَّه خبر اقترنته قرينة، وكثير منهم يقول لا يفيد العلم بقرينة ولا غيرها وهذا في غاية المكابرة. ومعلوم أنَّ قرينة تلقى الأمَّة له بالقبول وروايته قرناً بعد قرن من غير نكير من أقوى القرائن وأظهرها، فأيُّ قرينة فرضتها كانت تلك أقوى منها.([4])

الدليل الثاني: أن الله تعالى قال: (أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) الحجرات:6، وفي قراءة أخرى (فتَثَبَّتُوا) وهذا يدل على الجزم بقبول خبر الواحد أنه لا يحتاج إلى التثبت، ولو كان خبره لا يفيد العلم لأمر بالتثبت حتى يحصل العلم. ومما يدل عليه أيضاً أن السلف الصالح وأئمة الإسلام لم يزالوا يقولون: قال رسول الله عليه السلام كذا، وفعل كذا، وأمر بكذا، ونهى عن كذا.

   وهذا معلوم في كلامهم بالضرورة، وفي صحيح البخاري قال رسول الله عليه السلام في عدة مواضع، وكثير من أحاديث الصحابة يقول فيها أحدهم قال رسول الله عليه السلام، وإنَّما سمعه من صحابي غيره، وهذه شهادة من القائل وجزم على رسول الله عليه السلام بما نسبه إليه من قول أو فعل. فلو كان خبر الواحد لا يفيد العلم لكان شاهداً على رسول الله عليه السلام بغير علم.

الدليل الثالث: أن أهل العلم بالحديث لم يزالوا يقولون صـح عن رسول الله عليه السـلام، وذلك جـزم منهم بأنه قاله، ولم يكن مرادهم ما قاله بعض المتأخرين إن المراد بالصحة صحة السند لا صحة المتن، بل هذا مراد من زعم أن أحاديث رسول الله عليه السلام لا تفيد العلم، وإنما كان مرادهم صحة الإضافة إليه، وأنه قال كما كانوا يجزمون بقولهم قال رسول الله عليه السلام، وأمر ونهى، وفعل رسول الله عليه السلام، وحيث كان يقع لهم الوهم في ذلك يقولون يذكر عن رسول الله عليه السلام ويروى عنه ونحو ذلك، ومن له خبرة بالحديث يفرق بين قول أحدهم هذا الحديث صحيح وبين قوله إسناده صحيح، فالأول جزم بصحة نسبته إلى رسول الله عليه السلام، والثاني شهادة بصحة سنده، وقد يكون فيه علة أو شذوذ، فيكون سنده صحيحاً ولا يحكمون أنه صحيح في نفسه.

الدليل الرابع: قوله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)التوبة:122، والطائفة تقع على الواحد فما فوقه فأخبر أنَّ الطائفة تنذر قومهم إذا رجعوا إليهم والإنذار الإعلام بما يفيد العلم، وقوله لعلهم يحذرون نظير قوله في آياته المتلوة والمشهودة: (لعلهم يتفكرون))..لعلهم يعقلون).. (لعلهم يهتدون) وهو سبحانه إنَّما يذكر ذلك فيما يحصل العلم لا فيما لا يفيد العلم.

الدليل الخامس: قول الله تعالى:) وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) الإسراء:36، أي: لا تتبعه ولا تعمل به ولم يزل المسلمون من عهد الصحابة يقفون أخبار الآحاد ويعملون بها، ويثبتون لله تعالى بها الصفات، فلو كانت لا تفيد علماً لكان الصحابة والتابعون وتابعوهم وأئمة الإسلام كلهم قد قفوا ما ليس لهم به علم.

الدليل السادس: الإجماع: إنَّ قولهم بأن خبر الآحاد لا يفيد العلم مردود حيث إنَّه لا نزاع في أنَّ خبر الواحد إذا وقع الإجماع على العمل بمقتضاه فإنَّه يفيد العلم لأنَّ الإجماع عليه قد صيره من المعلوم صدقه، وهكذا خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول. ولذلك قال الإمام السفاريني: "وخبر الآحاد إذا كان مستفيضاً مشهوراً أفاد علماً نظرياً… والذي عليه الأصوليون من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد رضي الله عنهم أجمعين أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقاً وعملاً به يوجب العلم إلا فرقة قليلة تبعوا طائفة من أهل الكلام أنكروا ذلك".([5])

       يقول ابن القيم: "فمن نص على أن خبر الواحد يفيد العلم مالك والشافعي وأصحاب أبي حنيفة وداود بن علي وأصحابه كأبي محمد بن حزم ونص عليه الحسين بن علي الكرابيسي، والحارث ابن أسد المحاسبي، قال ابن خواز منداد في كتاب "أصول الفقه" - وقد ذكر خبر الواحد الذي لم يروه إلا الواحد والاثنان- : ويقع بهذا الضرب أيضاً العلم الضروري نص على ذلك مالك، وقال أحمد في حديث الرؤية نعلم أنها حق، ونقطع على العلم بها، وكذلك روي عن المروذي قال: قلت لأبي عبد الله: ههنا اثنان يقولان: إنَّ الخبر يوجب عملاً، ولا يوجب علماً فعابه، وقال: لا أدري ما هذا، وقال القاضي: وظاهر هذا أنه يسوي بين العلم والعمل، وقال القاضي في أول "المحبر": خبر الواحد يوجب العلم إذا صح سنده، ولم تختلف الرواية فيه، وتلقته الأمة بالقبول، وأصحابنا يطلقون القول وإن لم تتلقه بالقبول".


[1]- صحيح البخاري 2/110، رقم 627، صحيح مسلم 1/465 كتاب المساجد رقم 674.

[2]- صحيح مسلم 4/1888 كتاب فضائل الصحابة رقم 2419.

[3]- انظر: العقيدة في الله، د. عمر الأشقر ص51-58.

[4]- يرى الإمام ابن القيم أن كل حديث صح عن رسول الله عليه السلام ولم يضعفه أحد من أئمة الحديث أن هذا تلق من الأمة بالقبول لهذا النوع من الأحاديث، وهذا بخلاف ما يفهم بعض الناس من القرائن ومن تلقي الأمة بالقبول، فإنهم يكادون يقصرونها على أخبار الصحيحين فقط، وما قرره ابن القيم هو الحق والله أعلم.

[5]- لوامع الأنوار البهية للسفاريني 1/17-18. 

 

هل أعجبك الموضوع؟