البريد للتواصل: drsregeb2@gmail.com

مقالاتي

بين داعش والخوارج



  • نشر في: 12-4-2017م
  • ساعة: 7:11
  • طباعة

بين داعش والخوارج

     إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمد عبده ورسوله. وبعد...

  فقد يظن بعض طلبة العلم أنَّ فرقة الخوارج هي التي ظهرت زمن الخليفة الراشد الرابع علي بن أبي طالب، عندما خرجوا عنه بعدما كانوا من شيعته وأتباعه، بزعم أنه حكَّم الرجال – فيما عرف بتحكيم عمرو بن العاص وأبي موسي الأشعري- فيما حصل بنه وبين معاوية رضي الله عن الجميع، فيكون تعريف الخوارج: هم من خرجوا على الإمام الحق، ولكن من خلال دراسة نصوص السنة النبوية والتاريخ الإسلامي نجد وجود جماعات سميت بالخوارج، أو أطلق عليه اسم الخوارج، وبيان ذلك:-

       عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإنَّ قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة"([1])، وعن عبد الله بن مسعود  رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يخرج قوم في آخر الزمان سفهاء الأحلام, أحداث أو حدثاء الأسنان، يقولون من خير قول الناس، يقرأون القرآن بألسنتهم لا يعدوا تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرَّميَّة، فمن أدركهم فليقتلهم، فإنَّ في قتلهم أجراً عظيماً عند الله لمن قتلهم".([2])

  وما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال:  " أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  بِالْجِعْرَانَةِ مُنْصَرَفَهُ مِنْ حُنَيْنٍ وَفِي ثَوْبِ بِلالٍ فِضَّةٌ وَرَسُولُ اللَّهِ يَقْبِضُ مِنْهَا يُعْطِي النَّاسَ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ اعْدِلْ. قَالَ: وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ؟ لَقَدْ خِبْتُ وَخَسِرْتُ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَقْتُلُ هَذَا الْمُنَافِقَ، فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنِّي أَقْتُلُ أَصْحَابِي، إِنَّ هَذَا وَأَصْحَابَهُ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْهُ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ".([3])

   وعن أبي سعيد الخدري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال بَعَثَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ بِالْيَمَنِ بِذَهَبَةٍ فِي تُرْبَتِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: الأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيِّ، وَعُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيِّ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلاثَةَ الْعَامِرِيِّ ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلابٍ، وَزَيْدِ الْخَيْرِ الطَّائِيِّ ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ، قَالَ : فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ قَالُوا : أَيْعُطِي صَنَادِيدَ نَجْدٍ وَيَدَعُنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِّي إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لأَتَأَلَّفُهُمْ، فَجَاءَ رَجُلٌ كَثُّ اللِّحْيَةِ مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ، غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، نَاتِئُ الْجَبِينِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ يَا مُحَمَّدُ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ إِنْ عَصَيْتُهُ؟ أَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ وَلا تَأْمَنُونِي؟ ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ فَاسْتَأْذَنَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فِي قَتْلِهِ"، يَرْوُونَ أَنَّهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ" فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ".([4])  

      لقد تميَّز الخوارج بصفات قلَّ أن توجد في سواهم، وهذه الصفات يتميَّز بها أتباع داعش هذه الأيام، ومنها هذا الخصال:-

1- التكفير بالمعاصي غير المكفِّرة، وخاصة للمخالفين لهم وللخصوم. واستحلال الدماء لمن يكفرونهم، ولو كانوا على منهجهم السلفي، كما فعلوا مع تنظيم القاعدة وجبهة النصرة، ومن يرجع  إلى تاريخ الخوارج القدامى ويقرأ عقيدة من بايعه هؤلاء الخوارج خليفة، وهو عبد الله بن وهب الراسبي، يأخذه العجب كيف يكفَّر أقرب المسلمين إليهّ! فقد قال: "فأشهد على أهل دعوتنا من أهل قبلتنا أنهم قد اتبعوا الهوى، ونبذوا حكم الكتاب، وجاروا في القول والأعمال، وأن جهادهم حق على المؤمنين".([5])

2- الجهل بأحكام الشريعة، والسطحية في فهم النصوص القرآنية، وأخذها على ظاهرها.

3- التشدُّد في العبادة والمبالغة فيها، وبهذا الورع وبهذا الإيمان لا يتهمون في دينهم وإخلاصهم، فقد كانوا مخلصين لدين الله تعالى، ساعين لخير الإسلام، لكنَّهم قد ضلوا الطريق من حيث لا يعلمون، وقد وصفهم عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أحسن وصف، حين قال لهم: "إنكم أردتم الآخرة فأخطأتهم سبيلها".([6])

4- حبُّ الفداء والرغبة في الموت، والاستهداف للمخاطر من غير رادع قوى، وربَّما كان منشؤه هوساً عند بعضهم، لا مجرد الشجاعة، وإذا لم يكن الخوارج متهمين في دينهم ومقاصدهم، وأنَّهم لم يكونوا أعداء مباشرين للإسلام والمسلمين بطريق مباشرة، فإنهم بتمسكهم الشديد بآرائهم، وسطحيتهم في فهم تعاليم الدين، قد آل أمرهم ليصبحوا أعداءً خطرين للإسلام والمسلمين، إذ ابتدعوا في الدين ما ليس منه، واستباحوا دماء المسلمين وأموالهم، وأعاقوا نشاط الدَّولة الإسلامية ردحاً من الزمن، وتسببوا في هدر الكثير من الجهود والطاقات، التي كان من الممكن الاستفادة منها في الجهد العام في بناء الدَّولة والمجتمع الإسلامي المنشود.([7])

5- ومن صفات الخوارج ما ذكره الإمام ابن كثير رحمه الله: "ثمَّ خرجوا يتسللون وحداناً، لئلاَّ يعلم أحد بهم، فيمنعوهم من الخروج، فخرجوا من بين الآباء والامهات، والاخوال والخالات، وفارقوا سائر القرابات، يعتقدون بجهلهم وقلة علمهم وعقلهم أن هذا الأمر يرضي رب الأرض والسموات، ولم يعلموا أنَّه من أكبر الكبائر الموبقات، والعظائم والخطيئات، وأنَّه مما زيَّنه لهم إبليس الشيطان الرجيم المطرود عن السموات الذي نصب العداوة لأبينا آدم، ثمَّ لذريته ما دامت أرواحهم في أجسادهم مترددات، والله المسؤول أن يعصمنا منه بحوله وقوته، إنه مجيب الدعوات، وقد تدارك جماعة من الناس بعض أولادهم وإخوانهم فردُّوهم وأنَّبوهم ووبخوهم، فمنهم من استمر على الاستقامة، ومنهم من فرَّ بعد ذلك فلحق بالخوارج، فخسر إلى يوم القيامة".([8])

      يقول الخليفة البغدادي في تسجيل صوتي بث على الإنترنت: "هلموا إلى دولتكم أيُّها المسلمين، نعم دولتكم، هلموا، فليست سوريا للسوريين، وليس العراق للعراقيين، إنَّ الأرض لله يورثها من يشاء، والعاقبة للمتقين، الدَّولة دولة المسلمين، والأرض أرض المسلمين، كل المسلمين، فيا أيها المسلمين في كل مكان، من استطاع الهجرة إلى الدَّولة الإسلامية فليهاجر، فإنَّ الهجرة إلى دار الإسلام هي واجبة، ففروا أيًّها المسلمين بدينكم إلى الله مهاجرين، ومن يهاجر في سبيل الله يجد سعةً كبيرةً في أرض الله، ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله، ثمَّ يدركه الموت، فقد وقع أجره على الله، وكان الله غفوراً رحيماً"، وأضاف: "نخصًّ بدعوتنا طلبة العلم، والعلماء والفقهاء، وعلى رأسهم القضاة، وأصحاب الكفاءات العسكرية، والإدارية والخدمية، والأطباء، والمهندسين في كلِّ التَّخصصات والمجالات، ونستنفرهم، ونذكرهم بتقوى الله، فإنَّ النفير واجب عليهم وجوبًا عينياً، لحاجة المسلمين الماسة إليهم، فإنَّ النَّاس يجهلون دينهم، ومتعطشون لمن يعلمهم ويفقههم". قلت سبحان الله فكأنَّ ابن كثير يعيش في عالمنا المعاصر، ورأى بأم عينه خوارج اليوم، الذين خرجوا يتسللون من دولهم، دون أن يشعر بهم آباؤهم وأمهاتهم، كي يلحقوا بدولة إسلامية، أعلنت عن نفسها وخليفة بايعه من بايع، دون أن يكون لديهم فقه وعلم، وتبصر وبصيرة بحال الخليفة، وحال من بايعه، وممَّا هو معلوم أنَّه لم يستجب لدعوته بالهجرة لدولة الخلافة العلماء والفقهاء والمهندسون إنَّما خرج يتسلل إليه الشباب حدثاء الأسنان المغرَّر بهم، وفيهم المتحمس لدينه لكن ينقصه الفقه والبصيرة.

      وقد أورد ابن كثير رحمه الله قصة خروج جماعة من الناس ممَّن ولَّوا عليهم أميراً مطاعاً وهو زيد بن حصن الطائي، وذكر خطبته فيهم فقال: "والمقصود أنَّ هؤلاء الجهلة الضلال، والأشقياء في الأقوال والأفعال، اجتمع رأيهم على الخروج من بين أظهر المسلمين، وتواطأوا على المسير إلى المدائن، ليملكوها على الناس، ويتحصنوا بها، ويبعثوا إلى إخوانهم وأضرابهم - ممَّن هو على رأيهم ومذهبهم، من أهل البصرة وغيرها- فيوافوهم إليها. ويكون اجتماعهم عليها، فقال لهم زيد بن حصن الطائي: إنَّ المدائن لا تقدرون عليها، فإنَّ بها جيشاً لا تطيقونه وسيمنعونها منكم، ولكن واعدوا إخوانكم إلى جسر نهر جوخى، ولا تخرجوا من الكوفة جماعات، ولكنْ اخرجوا وحداناً، لئلا يفطن بكم".([9])

داعش وصفات الخوارج:

       الأصل الجامع للخوارج هو التكفير بلا مكفِّر، وتكفير من لا يستحق التكفير، وبالتالي استحلال قتل من لا يستحق القتل، حيث أنَّهم يأصلون أصولاً معينة، ويعتبرون من خالفها كافراً مرتداً، ويختلط الأمر عندهم بين جماعتهم والإسلام نفسه، فيعتبرون من خالفهم قد خالف الإسلام، ومن عاداهم فقد عادى الإسلام، ومن رفض بيعتهم فقد رفض الإسلام كدين، وبالتالي هو كافر، فيغالون في قاعدة: "من لم يكفر الكافر فهو كافر" ويعتبرونها أصلاً مطرداً مطلقا،ً دون التفصيل المعروف، فتنطلق عندهم سلسلة التكفير للمخالف دون هوادة، والتكفير بلا مكفِّر، وتكفير المخالف لهم.([10]) بل إنَّهم لا يقبلون من أحد إيمان حتى يتوب على طريقة الخوارج؛ في الإقرار على النفس بالردة والكفر؛ وتكفير النفس، وتكفير كل من تكفره الدَّولة، ولا يقبلون في ذلك وساطة أو تورية، تماماً كما فعلت الخوارج قديما مع الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه،  لقد ذكر العلامة ابن كثير عن صنيع الخوارج مع الخليفة الرابع: "فكتبوا إليه: أمَّا بعد فإنَّك لم تغضب لربك، وإنَّما غضبت لنفسك، وإنْ شهدت على نفسك بالكفر واستقبلت التوبة نظرنا فيما بيننا وبينك، وإلا فقد نابذناك على سواء (إنَّ الله لا يحب الخائنين) الأنفال: 58، فلمَّا قرأ عليٌّ كتابهم يئس منهم، وعزم على الذهاب إلى أهل الشام ليناجزهم".([11])

    إنَّ من يطالع مسيرة الخوارج عبر التاريخ سيلاحظ سمات عامة يتصفون بها، وبها يعرفون، وأهمها تسع صفات، هي([12]):-

1- الألقاب البراقة التي يتسمى بها الخوارج، وكلها تزكية للنفس وتمويه على الخلق كما تسمى الخارجي بطالب الحق.

2- إعلان الخوارج للخلافة ظاهرة متكررة، وتسمية زعمائهم بأمير المؤمنين

3- الخطب الرنانة وإثارة المشاعر ودغدغة العواطف بالشعارات الرنانة ودعاوى الإصلاح والدعوة إلى تحكيم الشريعة.

 4- الإكثار من الرايات السود بشكل مهيب وملفت للنظر وهذا ديدن الغلاة اليوم فالسواد شعارهم.

5- حقيقة مذهب الخوارج ليس التكفير بالكبيرة، بل تكفير المخالف فمن شك في من كفَّروه فهو عندهم كافر.

 6- الطبيعة البشرية للخوارج أنهم الحدثاء والأجلاف والمعجبون بجنودهم.

 7- جباية الأموال والتمكين الذي وصل إليه الخوارج حتى سيطروا على مكة والمدينة فضلا عن اليمن، ورغم ذلك لم ترق للعلماء خلافتهم ولم ينخدعوا بتمكينهم.

 8- التقية عند الخوارج بمداراة مُخالفيهم وبذلهم الأموال لشراء الذمم حتى يتمكنوا.

 9- نهاية الخوارج هو التفرق والتشرذم بمقتل قادتهم.

      إنَّ من يطالع الأقوال والممارسات الفعلية لتنظيم داعش، ويشاهد الكم الكبير من الفيديوهات التي يقوم الإعلام الداعشي بتنزيلها عبر صفحات التواصل الاجتماعي، واليوتيوب الصادرة عن إعلام داعش وأتباعهم يلاحظ أوجه الشبه بين خوارج الأمس وخوارج اليوم، ويستمع لعبارات التكفير والحكم بالرِّدَّة، واستحلال الدماء المسلمة، التي تخرج من أفواه شباب صغار حدثاء أسنان، التحقوا بالدَّولة الإسلامية، ومنهم من يكفِّر حتى من ينتقد سلوكهم، ويعرِّض لما يقومون به من أفعال، ويحاورهم بالحجة والتي هي أحسن، فلا يتورَّعون عن تكفيره والطعن في دينه، وقد سبق أن عرضنا طائفة من الغلو الداعشي، ومن ذلك تكفيرهم لمعظم التنظيمات الإسلامية المقاتلة ضد النظام السوري، كجبهة النصرة، وأحرار الشام، بل تكفير حركة الإخوان المسلمين كبرى الحركات الإسلامية في العالم المعاصر، وتكفير حركة المقاومة الإسلامية "حماس". وكفَّرت داعش فصائل المجلس السياسي للمقاومة العراقية التي(تضم الجيش الإسلامي في العراق، وجماعة أنصار السنة -الهيئة الشرعية، والجبهة الإسلامية للمقاومة العراقية، وحركة المقاومة الإسلامية حماس-العراق)، بل ووصف داعش المجلس بالعمالة والرِّدَّة. ومن ممارسات داعش المشابهة للخوارج:

1- الحكم على بلاد المسلمين بأنها بلاد كفرٍ وردة، ووجوب الهجرة منها إلى مناطق سيطرة ونفوذ دولة الخلافة.

2- الحكم على من خالفهم بالكفر والردة، ووصفهم بالصحوات، ورميهم بالخيانة والعمالة للكفار، بالشُّبه، وبما ليس كفرًا أصلاً، كالتعامل مع الحكومات والأنظمة الأخرى واللقاء بمسؤوليها. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "والخوارج هم أول من كفَّر المسلمين، يكفرون بالذنوب، ويكفرون من خالفهم في بدعتهم ويستحلون دمه وماله، وهذه حال أهل البدع يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم فيها. وأهل السنة والجماعة يتبعون الكتاب والسنة ويطيعون الله ورسوله فيتبعون الحق ويرحمون الخلق".([13])

 -3استحلالهم قتال من خالفهم في منهجهم، أو رفض الخضوع لدولتهم الموهومة، فأعملوا في المسلمين خطفاً، وغدراً، وسجناً، وقتلاً، وتعذيباً، وأرسلوا مفخخاتهم لمقرات المجاهدين، فقتلوا من رؤوس الثوار من المجاهدين، والدعاة، والإعلاميين، والنشطاء ما لم يستطع النظامان الطائفيان في العراق وسوريا فعله، وقاتلوا المسلمين بما لم يقاتلوا به الأعداء، وجميع ذلك يصدق فيه قول الرسول صلى الله عليه وسلم:" يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ".([14])

 -4استحلال أخذ أموال المسلمين، بحجة قتال الجماعات المنحرفة، ومصادرتها دون وجه حق، واحتكار موارد الدخل العامة من آبار نفط، وصوامع غلال وغيرها، والتصرف فيها كتصرف الحاكم المتمكن.

5- الخروج عن جماعة المسلمين، وحصر الحق في منهجهم، والحكم على جميع من يخالفهم في الفكر أو المشروع بالعداء للدين، وآخر ذلك ادعاؤهم "الخلافة"، وإيجاب بيعتهم على جميع المسلمين.

6- ليس فيهم علماء معروفون مشهود لهم عند المسلمين، كما قال ابن عباس رضي الله عنه لأسلافهم من الخوارج: "أتيتُكُم من عندِ صحَابَةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، مِنَ المهاجِرينَ والأنصارِ، وفيهِم أُنزِلَ، ولَيسَ فيكُم منهُم أحَدٌ".([15]) فغالبهم من صغار السنِّ الذين تغلب عليهم الخِفَّة والاستعجال، والحماس، وقصر النظر والإدراك، مع ضيق الأفق وعدم البصيرة، فهم كما قال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم" :حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ".([16]) وقد أثَّر غياب أهل العلم والحكمة عنهم على تصرفاتهم فوقعوا في السفاهة والطيش، وعدم النظر لمآلات الأمور وعواقبها، وما تجره على المسلمين من ويلات ودمار، بزعم الصدع بكلمة الحق أو التوكل على الله تعالى. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن الخوارج: "أي أنهم شر على المسلمين من غيرهم، فإنهم لم يكن أحد شراً على المسلمين منهم: لا اليهود ولا النصارى; فإنَّهم كانوا مجتهدين في قتل كل مسلم لم يوافقهم، مستحلين لدماء المسلمين وأموالهم وقتل أولادهم، مكفرين لهم، وكانوا متدينين بذلك لعظم جهلهم وبدعتهم المضلة".([17])

7- جميع ما اتصفوا به سابقاً دفعهم إلى الغرور والتَّعالي على المسلمين، فقد زعموا أنَّهم وحدهم المجاهدون في سبيل الله، والعارفون لسنن الله في الجهاد؛ لذا فإنَّهم يُكثرون من التفاخر بما قدموه وما فعلوه، من خلال ظهورهم على وسائل التواصل الاجتماعي وعبر اليوتيوب!! ([18])

 

 


[1]- رواه البخاري رقم 3611، ومسلم 1066.

[2]- سنن الترمذي رقم 4138، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وسنن أبي داود رقم 4767.

[3]-  مسلم كتاب الزكاة رقم (1063).

[4]-  مسلم كتاب الزكاة رقم (1064).

[5]- البداية والنهاية: ابن كثير القرشي البصري الدمشقي، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى 1408هـ- 1988م، 7/316.

[6]- سيرة عمر بن عبد العزيز على ما رواه الإمام مالك بن أنس وأصحابه: أبو محمد عبد الله بن عبد الحكم، تحقيق أحمد عبيد، 1404هـ- 1984م، بيروت – لبنان ص 113.

[7]- موسوعة التاريخ الاسلامي: د. أحمد شلبي: 2/266.

[8]- البداية والنهاية: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير، تحقيق علي شيري، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى 1408هـ- 1988م  7/317.

[9]- البداية والنهاية: ابن كثير 7/317.

[10]- العلامات الفارقة في كشف دين المارقة - بحث تأصيلي يكشف حقيقة جماعة الدَّولة شرعًا وواقعًا-: للشيخ د. مظهر الويس ص52.

[11]- العلامات الفارقة في كشف دين المارقة ص76-77. البداية والنهاية: ابن كثير 7/318.

[12]- المصدر السابق ص 199.

[13]- مجموع الفتاوى: شيخ الإسلام ابن تيمية 3/279.

[14]-  رواه البخاري 4/460، ومسلم 3/110-111.

[15]- سنن النسائي الكبرى 5/166، المستدرك على الصحيحين 2/164، سنن البيهقي الكبرى 8/179، الاعتصام للشاطبي 2/188.

[16]- جزء من حديث رواه البخاري 2/281، مسلم 2/746-747.

[17]- منهاج السنة النبوية: شيخ الإسلام بن تيمية، تحقيق د. محمد رشاد سالم، مؤسسة قرطبة، الطبعة لأولى 1406ه، 5/248.

[18]- هل تنظيم الدولة الإسلامية من الخوارج؟ المكتب العلمي: هيئة الشام الإسلامية (http://islamicsham.org/fatawa/1945).

 

هل أعجبك الموضوع؟