البريد للتواصل: drsregeb2@gmail.com

مقالاتي

رمضان شهر التوبة والغفران



  • نشر في: 20-6-2017م
  • ساعة: 2:33
  • طباعة

رمضان شهر التوبة والغفران

    التوبة وما أدراك ما التوبة؟!  تلك الرحمة التي امتنَّ الله بها على عبادِه المذنبين، فلا يقنَط المذنب ولا ييأس من رحمة الله التي عمَّتِ السمواتِ والأرض، فقد فَتح باب َالتوبة أمامَ كلِّ عاصٍ ومذنب؛ فقال سبحانه وتعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم) الزمر: 53.

رمضان يُلهم الله فيه النفوس الآثمة والقلوب الهائمة لترجع إلى مولاها، وتصحح المسار، وتصحب الأخيار، وتترك طرق الغاوين الفجّار، وتتطهّر من الأقذار والأكدار، وتتخفّف من الذنوب والأوزار، لتسْلَم من الأخطار يوم العرض على الجبّار، وتدخل جنات تجري من تحتها الأنهار، وتنظر إلى وجه الرحيم الكريم الغفار.

إن الصيام أهم شعيرة سنوية تحل بالمسلمين كمحطة للمراجعة والتوبة والإنابة وطلب الغفران، أراده الله ليكون مناسبة لمراجعة النفس ومواجهتها، وردِّها إلى فطرتها وأصل خِلقتها، والعودة بها إلى رحاب الله، وإلى كنف الله وهداه، مع أهل الله، ولتتذوق حلاوة الإيمان، ولترقى في مدارج الإحسان، ولتُحِس بعزة العبادة ولذتها، بعد مرارة المعصية وذلة الخضوع للهوى وللشيطان، ويكفي من شرف هذا الشهر المبارك وفضله أن من صامه وقامه بإيمان وإحسان وإتقان مُحِيت صفحاته السوداء، وفُتِحت له صحيفة نقية بيضاء، وسَطَع له في الملأ الأعلى نور وأضَاء، يقول المصطفى الكريم عليه الصلاة والسلام: (من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدم من ذنبه) رواه مسلم والبخاري عن أبي هريرة، وقال: (من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدم من ذنبه، ومن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدم من ذنبه)، 

في رمضان ينادي منادي الله بنداء لطيف مُشفِق حانٍ: يا أيتها الأنفس الشاردة، ارجعي إلى ربكِ وعودي إليه، وادخلي في صف عباده الصالحين، لتدخلي جنته مع الداخلين، ولتنعمي مع الذين أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا .. والله الكريم المنان ذو فضل على المؤمنين بوجه خاص، حيث أمتن عليه برمضان ففيه يُغلِّق أبواب جهنم جميعًا، ويُفتِّح أبواب الجنان جميعًا، ويقيّد الشياطين ويسلسلهم، ويحرك الأنفس للطاعات، ويكلف من ينادي: (يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر) رواه الحاكم وقال: "صحيح الإسناد".

أيها التائبون الجدد: رمضان يأتي وفيه فُرَص الغفران ومواسم الامتنان ومفاتيح أبواب الجنان، وفيه تتطلع النفوس إلى رحمة الله المبسوطة في أوله، وإلى المغفرة الشاملة في وسطه، وإلى العتق من النار المتاح في آخره، فمن أقبل فيه على الطاعات فاز وسَعِد، ومن أعرض عنها غُبِن ونَكِد، وحرم نفسه من نفحات العفو الإلهي المعروضة في شهر المغفرة، قال الرسول  : (بَعُدَ من أدرك رمضان فلم يُغفر له) رواه الترمذي عن أبي هريرة في كتاب الدعوات، أي: أبعده الله عن رحمته وفضله، وقال عليه الصلاة والسلام: (رَغِم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يُغفر له). إنه دعاء من جبريل دعا به على من فرَّط في اغتنام ما يتاح من فرص الخير وما يفتح من أبواب الفضل، وهذا الدعاء أمَّنَ عليه الرسول عليه الصلاة والسلام للزيادة في التأكيد على استجابته وقبوله، ولقد أعذر الله لعبد أدركه رمضانُ فلم يتب، بل بقي كما كان على حاله من الذنوب والآثام، فتَبًّا لمن جاءته مواسم الإنابة مفتوحة أبوابها ولم يغتنمها.

رمضان مناسبة يمنحها الكريم لعباده كي يغتنموها لإصلاح ما فسد من تدينهم، وتجديد ما بَلِي من إيمانهم، وتقويم ما اعوَجَّ من سلوكهم، وتطهير ما ران على قلوبهم، وللإكثار من الصالحات؛ ليكون ذلك رصيدًا يُكمِّل لهم ما يعتري أعمالهم خلال السنة من نقص أو تقصير، فإذا أضاع المسلم هذه الفرص وحُرِم مما يتاح فيها من الخيرات والبركات وأضاع ما يمكن أن يربح فيها من الصفقات فهو محروم مهموم مَغْبون، وأي حرمان بعد هذا؟! وبئس المحروم مَن حُرِم مِن فضل الله الدافق الرائق.

أيها الراغبون في التوبة، ها هو رمضان شهر التوبة قد أقبل، والتوبة افتقار إلى الله وانكسار، واستغفار واعتذار من الذنب والناس هجوع، وتذلل بين يديه وخضوع، وإقلاع عن الذنب ورجوع، وندم على ما فات، وعزم وعهد على الابتعاد عن المعاصي وأسبابها ومقترفيها وأمكنتها فيما هو آت، ورد للمظالم والحقوق المغتصبة بغير حق إلى أصحابها. معاشر المسلمين : كُتِبَ على ابن آدم حظه من المعاصي والذنوب ، مدرك ذلك لا محالة، فمستقل ومستكثر، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا ، لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ " رواه مسلم.

إن الله التواب الرحيم العفو الحليم جل جلاله وكرُم نواله يفرح بتوبة التائبين أكثر من فرحة الأم بولدها، ويَقبَل رَجعتهم إليهم، ويغفر لهم ولا يبالي، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (للَّهُ أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله بأرض فلاة)، ومعنى الحديث: أن الله يفرح أكثر من الذي فقدَ بعيره في أرض واسعة  خالية، ثم وجده ففرح بذلك كثيرًا، الله الله، ما أوسع رحمة الله! وما أجمل عفو الله! وما أكمل إحسان الله! جل الله، ما أعطف حلم الله! سبحان من سبقت رحمتُه غضَبه، سبحان من كتب على نفسه الرحمة، وجعلها تسَعُ كل شيء.

رمضان أجمل فُرَصِ التطهير، وأحسن أوقات التنوير، موسم الغفران المرتجى والعطاء والرضا والقربى والزلفى، شهر الصفح الجميل وعفو الجليل، شهر الهبات وإقالة العثرات ومحو السيئات وتكثير الحسنات وعلو الدرجات وانسكاب البركات.

لا بد من التوبة النصوح في كل مجال حتى تصلح الأحوال وتزول المصائب والأزمات والأهوال، وإلا فتوبتنا غير صادقة، وطريقنا خاطئ غير موصل، تحُفُّه المخاطر. وهذه بُشْرى أنَّ الله سيبدِّل سيئاتك حسنات ما دُمْتَ تُبتَ وآمنت وعملتَ عملاً صالحًا، إن هذا الشعور الذي شعرت به حين عُدتَ إلى الله يدلُّ على صدقك وعمق إيمانك وخوفك من الله؛ قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ(  الشورى: 25 - 26.

توبة العبد تمحو ذنوبه:

   إن الله سبحانه قد فتح باب التوبة، ويسَّر طُرق الأَوْبَة، ورغَّب فيها، وشوَّق إليها، ووعد من تاب وأناب بقبوله وتبديل سيئاته حسنات، قال تعالى:) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) طه:82، وقال سبحانه): مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا(، وقال تعالى: (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ) الزمر: 54. ومن تاب إلى الله توبة صادقة فـإن الله قـد وعد بأنـه يقبل توبتـه، بـل مـن كـرم الله وجـوده أنـه سـيجعل لـه مكـان السيئات حسنات، قـال تعالى):  إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا   سـورة الفرقـان، وقـال تعـالى: ) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (.

من لم يتب في رمضان شهر التوبة، فمتى سيتوب: ومن لم يندم في شهر رمضان فمتى سيتوب؟ فشهر رمضان قد غلقت فيه أبواب النيران، وفتحت فيه أبواب الجنان، وصفدت فيه مردة الجان، وكُبِت فيه الشيطان، وها هو باب التوبة قد فتح، فليدخل فيه التائبون، (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى)، رمضان شهر تغسل فيه الحوبات، وتنبذ فيه الخطيئات، فلا يخرجن هذا الشهر إلا وقد تبدلت الطباع، وتغيرت الأوضاع، وظهر أثر رمضان على الظاهر والباطن، هكذا نستلهم منه العبر، ونجني الدرر، من شهر البكاء والعبرات، والندم على ما فات، ولا تلتفت أخي الحبيب المسلم إلى الذين يحبونك أن تبقى أبدًا على غير هدى من الله فإن أكلة الربا ممن لم يمن الله عليهم بالتوبة يحبون أن يأكل الناس جميعًا الربا, وإن الزناة يحبون من الناس أن يزنوا جميعًا, فانتبه أن يحجبوك عن التوبة, وانتبه أن يمنعوك عن الخير فإن الله يحب أن تتوب ويحب الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيمًا.

وأعلم أيها المستمع الكريم أنِّ هناك فريق من الناس يريدون منّا أن نكون أعوانًا لهم في الشر والصد عن سبيل الله, استمع ماذا يقول الله عز وجل عنهم: (والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيمًا).

ألا فليكن رمضان بداية لتوبة حقيقية، وبداية انطلاقة راشدة ورجوع صادق إلى الله، توبة تنقلنا من التيه إلى الرشاد، ومن الذلة إلى العزة، ومن التخلف إلى التقدم، توبة تجعل لنا شأنًا عند الله، وذكرًا في الملكوت الأعلى، وموطئ قدم بين الأمم، اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا، يا عالم الخفيات، يا مجيب الدعوات. اللهم اجعلنا من التوابين، واجعلنا من المتطهرين، واحشرنا مع أهلك وخاصتك، يا رب العالمين.

هل أعجبك الموضوع؟