البريد للتواصل: drsregeb11@gmail.com

مقالاتي

حكم التنادي أو الدعوة لصلاة قيام الليل والقنوت إذا حزب بالمسلمين أمر أو جلل



  • نشر في: 1-3-2018م
  • ساعة: 10:16
  • طباعة

حكم التنادي أو الدعوة لصلاة قيام الليل والقنوت إذا حزب بالمسلمين أمر أو جلل

    إنَّ الصلاة هي حصن المسلم وملجؤه الذي يأوي إليه, والعروة الوثقى التي يعتصم بها, والحبل الممدود بينه وبين ربه الذي يتعلق به, وهي غذاء الروح, وبلسم الجروح, ودواء النفوس, وإغاثة الملهوف, وأمان الخائف, وقوة الضعي, وسلاح الأعزال.)أنظر الأركان الأربعة: أبو الحسن الندوي، دار الكتب الإسلامية ص30) .عن حذيفة، قال:(كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى) رواه أبوداود (وأطال الكلام عليه الحافظ ابن حجر في التهذيب في ترجمة أسماء بن الحكم، وقال: هذا الحديث جيد الإسناد، وذكر أن ابن حبان أخرجه في صحيحه. (قال الشيخ الألباني: حديث حسن: صحيح سنن أبي داود). وقوله صلى الله عليه وسلم:" (كان إذا حزبه أمر صلى) يعني: فزع إلى الصلاة صلى الله عليه وسلم، وذلك أن الصلاة فيها الأنس بالله عز وجل، ومناجاته، والتسلية عن الشيء الذي أحزنه وحزبه وأهمه، فكان يفزع إلى الصلاة صلى الله عليه وسلم، ولا شك في أن الصلاة في الليل هي خير الصلاة بعد الفريضة.

     وقال الله سبحانه وتعالى:)  وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُون فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْرَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ"(الحجر الآيات:99,98,97 .ويقول الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم) : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُون) أي: بما تسمعه من تكذبيهم إياك ورد قولك, وما تناله, ويناله أصحابك من أعدائك؛ لأن الجبلة البشرية تقتضي ضيق الصدر عند سماع الأذية, ثم بين سبحانه وتعالى العلاج الناجع لذلك الضيق, فقال) : فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ) أي: فافزع فيما نابك من أمر تكرهه منهم إلى شكر الله والثناء عليه والصلاة, يكفك الله من ذلك ما أهمك, وقوله) : وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (أي: من المصلين, فذكر من الصلاة حالة القرب من الله تعالى وهي السجود, وهي أكرم حالات الصلاة, وأقمنها بنيل الرحمة. (تفسير الطبري, والمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز, ومفاتيح الغيب, والجامع لأحكمام القرآن .(وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفزع من الشدائد والهموم إلى الصلاة كان السلف الصالح من الصحابة, ومن تبعهم بإحسان يسلكون هذا المنهج, ويسيرون عليه, كلما حزبهم أمر أو نزلت بهم مصيبة بادروا إلى الصلاة, ومن أمثلة ذلك :ما روي أن عبد الله بن عباس رضى الله عنه نعي إليه أخوه قثم وهو في سفر, فاسترجع ثم تنحى عن الطريق, فأناخ فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس, ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول) : اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ) انظر: "تفسير الطبري, والمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز".

     وكان ينادى النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة المفروضة، وللاجتماع للأمور الهامة بقوله: "الصلاة جامعة"، كما ثبت من سنته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلما شرع الأذان خص بالصلوات الخمس، وبقيت الصلاة جامعة للصلوات غير المفروضة، كصلاة الكسوف وغيرها من الصلوات عند بعض أهل العلم.

     وجملة "الصلاة جامعة" معناها: اجتمعوا للصلاة، أو تُصلى الآن صلاة ذات جماعة، قال ابن علان في شرح رياض الصالحين: قال القرطبي: خبر بمعنى الأمر كأنه قال اجتمعوا للصلاة. وعندما يجتمعون يصلي بهم ثم يحدثهم بما جمعهم له، (دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين: محمد علي بن محمد بن علان البكري الصديقي الشافعي 5/130) كما في قصة الجساسة التي أخبر بها تميم الداري بعد ما أسلم في حديث فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ الطويل الذي رواه مسلم وغيره قالت: سَمِعْتُ نِدَاء الْمُنَادِي مُنَادِي رَسُولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يُنَادِي: الصَّلاَةَ جَامِعَةً، فَخَرَجْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَصَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ... فَلَمَّا قضَى رَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاَتَهُ، جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ: لِيَلْزَمْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُصَلاَّهُ، ثُمَّ قَالَ: أَتَدْرُونَ لِمَ جمَعْتُكُمْ؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: إِنِّي، وَالله مَا جَمَعْتُكُمْ لِرَغْبَة وَلاَ لِرَهْبَةٍ، وَلَكِنْ جَمَعْتُكُمْ، لأَنَّ تَمِيمًا الدَّارِي، كَانَ رَجُلًا نَصْرَانِيًّا، فَجَاءَ فَبَايَعَ وَأَسْلَمَ، وَحَدَّثَنِي حَدِيثًا وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ حَدَّثْتُكُمْ عَنْ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ.".

      وكما في حديث عَبْد اللهِ بْن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ في صحيح مسلم قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَمِنَّا مَنْ يُصْلِحُ خِبَاءَهُ، وَمِنَّا مَنْ يَنْتَضِلُ، وَمِنَّا مَنْ هُوَ فِي جَشَرِهِ، إِذْ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الصَّلَاةَ جَامِعَةً، فَاجْتَمَعْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: "إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ". وذكر شراح الحديث هنا أنه صلى بهم، قال ابن علان: فلما جاؤوا صلّوا معه، وسكت الراوي عن ذلك، وإلا فمن المحال أن ينادي منادي الصادق بالصلاة، ولا صلاةـ.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "الاجتماع على الطاعات والعبادات فإنه نوعان أحدهما سنة راتبة إما واجب وإما مستحب كالصلوات الخمس والجمعة والعيدين، وصلاة الكسوف والاستسقاء والتراويح فهذا سنة راتبة ينبغي المحافظة عليها والمداومة. والثاني ما ليس بسنة راتبة مثل الاجتماع لصلاة تطوع مثل قيام الليل أو على قراءة قرآن أو ذكر الله أو دعاء. فهذا لا بأس به إذا لم يتخذ عادة راتبة. فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلى التطوع في جماعة أحيانا ولم يداوم عليه إلا ما ذكر وكان أصحابه إذا اجتمعوا أمروا واحدا منهم أن يقرأ والباقي يستمعون. وكان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى ذكرنا ربنا فيقرأ وهم يستمعون وقد روي {أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أهل الصفة ومنهم واحد يقرأ فجلس معهم} وقد روي في الملائكة السيارين الذين يتبعون مجالس الذكر الحديث المعروف. فلو أن قوما اجتمعوا بعض الليالي على صلاة تطوع من غير أن يتخذوا ذلك عادة راتبة تشبه السنة الراتبة لم يكره. لكن اتخاذه عادة دائرة بدوران الأوقات مكروه لما فيه من تغيير الشريعة وتشبيه غير المشروع بالمشروع".(مجموع الفتاوى: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية: تحقيق عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية،1416هـ/1995م،132-133/23).

         والقنوت في الصلاة وهو مندوب في حال النوازل كما ثبت في الأدلة الصحيحة. فجمع الناس على الفعلين للإتيان بالقنوت، أملاً في تحقق الإجابة، وهذه حكمها الظاهر يتراوح بين الندب والجواز، وقد تواعد الأنصار يوما يذكرون فيه الله تعالى وما أنعم عليهم به، وبهذا استدل الإمام أحمد رحمه الله على جواز مثل هذا الاجتماع على الطاعة من دعاء أو قراءة أو قيام ما لم يداوم على ذلك فيشبه بالمسنون، قال شيخ الإسلام رحمه الله: فأما اتخاذ اجتماع راتب يتكرر بتكرر الأسابيع والشهور والأعوام غير الاجتماعات المشروعة فإن ذلك يضاهي الاجتماعات للصلوات الخمس وللجمعة والعيدين والحج وذلك هو المبتدع المحدث، ففرق بين ما يتخذ سنة وعادة فإن ذلك يضاهي المشروع، وهذا الفرق هو المنصوص عن الإمام أحمد وغيره من الأئمة. قال المروزي: سألت أبا عبد الله عن القوم يبيتون فيقرأ قارئ ويدعون حتى يصبحوا؟ قال: أرجو أن لا يكون به بأس. وقال أبو السري الحربي: قال أبو عبد الله: وأي شيء أحسن من أن يجتمع الناس يصلون ويذكرون ما أنعم الله به عليهم كما قالت الأنصار. وعن أيوب عن محمد بن سيرين قال: نبئت أن الأنصار قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قالوا: لو نظرنا يوما فاجتمعنا فيه فذكرنا هذا الأمر الذي أنعم الله به علينا فقالوا يوم السبت ثم قالوا لا نجامع اليهود في يومهم، قالوا فيوم الأحد قالوا لا نجامع النصارى في يومهم، قالوا فيوم العروبة وكانوا يسمون يوم الجمعة يوم العروبة فاجتمعوا في بيت أبي أمامة أسعد بن زرارة فذبحت لهم شاة فكفتهم".(اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن محمد ابن تيمية: تحقيق ناصر عبد الكريم العقل، دار عالم الكتب، بيروت، لبنان- الطبعة: السابعة، 1419هـ- 1999م، 1/141).

     ونختم بقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فصل قاعدة شرعية : شرع الله ورسوله للعمل بوصف العموم والإطلاق لا يقتضي أن يكون مشروعا بوصف الخصوص والتقييد; فإن العام والمطلق لا يدل على ما يختص بعض أفراده ويقيد بعضها فلا يقتضي أن يكون ذلك الخصوص والتقييد مشروعا; ولا مأمورا به فإن كان في الأدلة ما يكره ذلك الخصوص والتقييد كره وإن كان فيها ما يقتضي استحبابه استحب وإلا بقي غير مستحب ولا مكروه". ثم قال بعد هذا الأسطر: "وفي مثل هذا يعطف الخاص على العام; فإنه مشروع بالعموم والخصوص كصوم يوم الاثنين والخميس بالنسبة إلى عموم الصوم وإن دلت أدلة الشرع على كراهة ذلك كان مكروها مثل اتخاذ ما ليس بمسنون سنة دائمة، فإن المداومة في الجماعات على غير السنن المشروعة بدعة كالأذان في العيدين والقنوت في الصلوات الخمس والدعاء المجتمع عليه أدبار الصلوات الخمس أو البردين منها والتعريف المداوم عليه في الأمصار والمداومة على الاجتماع لصلاة تطوع; أو قراءة أو ذكر كل ليلة; ونحو ذلك; فإن مضاهاة غير المسنون بالمسنون بدعة مكروهة كما دل عليه الكتاب والسنة والآثار والقياس..... وإن لم يكن في الخصوص أمر ولا نهي بقي على وصف الإطلاق كفعلها أحيانا على غير وجه المداومة مثل التعريف أحيانا كما فعلت الصحابة والاجتماع أحيانا لمن يقرأ لهم أو على ذكر أو دعاء; والجهر ببعض الأذكار في الصلاة كما جهر عمر بالاستفتاح وابن عباس بقراءة الفاتحة، وكذلك الجهر بالبسملة أحيانا".(مجموع الفتاوى: 20/196-198).

 

هل أعجبك الموضوع؟