البريد للتواصل: drsregeb11@gmail.com

قضايا عقائدية

المرتكزات العقائدية للصهيونية المسيحية والصهيونية اليهودية



  • نشر في: 26-4-2018م
  • ساعة: 12:14
  • طباعة

المرتكزات العقائدية للصهيونية المسيحية والصهيونية اليهودية

تعريف المسيحية الصهيوينة:

      يعرف الباحث الفلسطيني الدكتور يوسف الحسن «المسيحية الصهيوينة» فى كتابه (البعد الدينى فى السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربى – الإسرائيلى) بأنها: "مجموعة المعتقدات الصهيونية المنتشرة بين المسيحيين، بخاصة بين قيادات وأتباع الكنائس البروتستانتية، تهدف إلى تأييد قيام دولة يهودية فى فلسطين بوصفها حقاً تاريخياً ودينياً لليهود، ودعمها بشكل مباشر وغير مباشر، باعتبار أن عودة اليهود إلى الأرض الموعودة -فلسطين- هى برهان على صدق التوراة، وعلى اكتمال الزمان وعودة المسيح ثانية، وحجر الزاوية فى الدعم الشديد لهؤلاء المسيحيين لإسرائيل هو الصلة بين دولة إسرائيل المعاصرة وإسرائيل التوراة، لذلك أُطلق على هذه الاتجاهات الصهيونية فى الحركة الأصولية اسم الصهيونية المسيحية."

كتب تفضح المسيحية الصهيونية:

    هناك عدة كتب فضحت المسيحية الصهيونية، وهي: (كتاب الدين والسياسة في الولايات المتحدة الأمريكية) لمايكل كوربت وجوليا كوربت، وهو كتاب يوزع مجانا في جميع السفارات الأمريكية بالدول العربية. و(كتاب تلمود العم سام) لمنير العكش، وكتاب (المسيح اليهودي ونهاية العالم)، لرضا هلال، و(كتاب المسيحية السياسية والأصولية في أمريكا) لنفس الكاتب، و(كتاب أرض الميعاد والدولة الصليبية) لوالتر ماكدوكال، و(كتاب يد الله للأمريكية) لغريس هالسل، (والنبوءة والسياسة: أيضا لغريس هالسل، ترجمة محمد السماك. دار الشروق للنشر 1998م)، وهذا الكتاب الأخير قد تم منعه وحصاره حتى في أمريكا، نظراً لما يحمله من أسرار الصهيونية المسيحية وسياساتها في العالم بشكل عام وفي فلسطين تحديدا. فالكاتبة مسيحية إنجيلية تربية وثقافة وخلقا، اشتغلت في منصب حساس جدا وهو تحرير خطابات الرئيس الأمريكي السابق ليندون جونسون، وهي صحفية مرموقة شرسة وموضوعية، وقد تعرفت على الحركة الصهيونية المسيحية عن قرب، وحاورت قادتها وفلاسفتها، وزارت فلسطين المحتلة عدة مرات، وتحدثت أثناء رحلاتها لفلسطين عن بروتوكولات الزيارة الموجهة، وبرامج تنظيم الصهيونية المسيحية لرحلات الحج التي تطال أكبر الشخصيات في أمريكا دعما لإسرائيل.

كنائس وفرق دينية تابعة للمسيحية الصهيونية:

    تتعدد أسماء ومصطلحات «المسيحية الصهيونية»، منها: الأُصولية اليمينية، والألفية التدبيرية، والإنجيلية المتشددة، ففي بريطانيا والولايات المتحدة (حوالي 250 منظمة)  ويتبعها كنائس وفرق عديدة داخل الولايات المتحدة وخارجها، أبرزها شهود يهوا، والطائفة البيوريتانية، ومؤتمر القيادة المسيحية الوطنية من أجل إسرائيل، وفرقة المجيئيين، والسبتيون، والخمسينية، ومؤسسة جبل المعبد، والميثوديست، وجماعة ميجا، فرسان والهيكل «المعبد»، واللوبى اليهودى الصهيونى، والمائدة المستديرة الدينية، والرابطة الأممية لمكافحة العنصرية، والائتلاف الأمريكى للقيم الأخلاقية، والحركة المونتانية التى ترجع إلى الكاهن مونتانوس الذى أعلن عن معمدونيته، مدعيًا أنه صوت الروح القدس، وحصوله تدبيرًا خاصًا، وتنبأ برجوع المسيح إلى الأرض خلال وقت قريب.

أخطر هذه المجموعات:

       أهم وأخطر هذه المجموعات ما تعرف باسم (الحركة التدبيرية) التي نشأت في الولايات المتحدة، بعد قيام ما يسمى دولة إسرائيل. وتضمّ في عضويتها أكثر من أربعين مليون أمريكي (في أواسط الثمانينيات)، ومن بين أعضائها الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريغان.

    هذه الحركة تسيطر الكثير من قنوات الإعلام الأمريكي، وتمتلك محطات تلفزيون خاصة بها، ويشارك قادتها (أحيانا) كبار المسؤولين في البيت الأبيض، ومجلس الأمن القومي الأمريكي، ووزارة الخارجية في صناعة القرارات السياسية والعسكرية، المتعلقة فيما يسمونه بالصراع العربي الإسرائيلي. وهي تعتقد أنّ الله قد وضع في الكتاب المقدس نبوءات واضحة، حول كيفية تدبيره لشؤون الكون ونهايته، ومن هذه التدابير: قيام دولة إسرائيل وعودة اليهود إليها، وهجوم أعداء الله: (ويقصدون الشيوعيون الروس والمسلمين) على إسرائيل، ووقوع محرقة (هرمجدون) التي يعتقدون أنها ستكون نووية. وتؤدي إلى مقتل الملايين وانتشار الخراب والدمار ومقتل الملايين، وحينئذ فقط سيظهر المسيح لتخليص لأتباعه (أي المؤمنين به) من هذه المحرقة، وأن من من بقي من اليهود بعد المعركة سيؤمنون بالمسيح، وعندها سينتشر السلام في مملكة المسيح في أرض جديدة وتحت سماء جديدة مدة ألف عام.

    أما مهمة أعضاء هذه الحركة وأتباعها فهي تدبير وتهيئة كل الأمور التي ستعجّل في عودة المسيح إلى الأرض، وعلى رأس هذه الأمور: إضعاف العرب وعلى رأسهم العراق عسكريا، وتلبية جميع مطالب إسرائيل بالدعم المالي والسياسي والعسكري، وتعزيز ترسانتها النووية. ومن أشهر رجالها اللاهوتيين: بيل جراهام، وجيري فولويل، جيمي سويجارت. ومن أبرز رجالها السياسيين الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريجان. 

الشخصيات العامة الدينية والسياسية:

      تتعد أيضا الشخصيات العامة الدينية والسياسية الداعمة أو المتبنية للرؤية المسيحية الصهيونية، فى مقدمتهم القس جون مكدونالد، الذى طالما ردد : "يا سفراء أمريكا انهضوا، واستعدوا لإسماع بشرى السعادة والخلاص لأبناء شعب منقذكم، الذين يعانون من الظلم، أرسلوا أبناءهم واستخدموا أموالهم فى سبيل تحقيق الرسالة الإلهية"، قاصدًا نبوءة النبى يشعيا بعودة اليهود!

     وتؤمن الشخصيات السياسية الصهيونية فى الولايات المتحدة، أنها تساعد الله تعالى فى مخططاته التوراتية الإنجيلية المقررة سلفاً لنهاية العالم!، وينتمى أغلبهم إلى «الطائفة التدبيرية»، التى ترى أنَّ كل شىء من تدبير الله ومقدر سلفًا، وما على الإنسان إلا السعى لتنفيذ هذا المقدور، وأشهر قساوستها جيرى فولويل، وجيمى سواجارت، والقس الشهير بات روبرتسون، وجيم ببيكر، وأورال روبرتس، وكنيت كوبلاند، وريكس همبرد.

رؤساء أمريكا جنود إسرائيل:

    يرى كثير من الباحثين أن عددًا من رؤساء الولايات المتحدة ينتمون عقائديًا وإيديولوجيًا إلى المسيحية الصهيونية، من بينهم: وودرو ويلسون، وهارى ترومان صاحب جريمة القنبلة النووية، ودوايت أيزنهاور، وليندون جونسون، وريتشارد نيكسون، وجيمى كارتر، ورونالد ريجان، وعائلة بوش الأب والابن، ووزير الخارجية الأمريكى السابق جون كيرى اليهودى الأصل، الذى كان يعد المكافح الأول عن أمن إسرائيل خلال العشرين عام التى قضاها فى مجلس الشيوخ الأمريكى، وأكد مرارًا أنه لن يتنازل عن حق إسرائيل فى العيش الآمن، وكتبت عنه جريدة جيروزلم بوست الصهيونية، أنه يظهر كل المعايير والاستطلاعات دعمًا مطلقًا للكيان.

الدين لعبة السياسة:

      اعتاد الناس في عالمنا العربي الإسلامي أن يفسروا التحيز الأميركي لإسرائيل بأسباب سياسية وإستراتيجية، مثل المال اليهودي المؤثر في الحملات الانتخابية، والإعلام اليهودي المتلاعب بالرأي العام الأميركي، والصوت اليهودي الموحد في الانتخابات، ثم موقع إسرائيل رأس حربة في المنطقة العربية، ذات الأهمية الإستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة.

    لكن كل هذه التفسيرات -عند التأمل- تبدو سطحية وبعيدة عن الدقة، أو هي على أحسن تقدير ليست سوى مظاهر تعبر عن ظواهر أعمق وأرسخ. والإعلام اليهودي لا يكفي تفسيرا لانحياز شعبي كامل يبلغ درجة الاعتقاد، بل هو اعتقاد ديني عميق -كما سنرى لاحقا- في بلد فيه من التعددية الإعلامية وحرية الكلمة ما يكفي لبلورة رأي مخالف لو كان له أنصار.

    وموقع إسرائيل في المنطقة العربية لا يكفي لتفسير التحيز الأميركي. فقد كانت إسرائيل دائما مصدر حرج للنفوذ الأميركي في المنطقة العربية، أكثر من كونها مصدر دعم، إضافة إلى أن بعض حكام الدول العربية أغنوا أميركا عن إسرائيل في هذا المضمار.

أما الصوت اليهودي فليس موحدا بالطريقة التي يتخيلها البعض، بل فيه تعدد وتباين واختلاف. كما أن التحيز لإسرائيل أعمق وأرسخ في بعض الولايات الأميركية التي لا تكاد توجد بها جالية يهودية أصلا.

    وقد افتخرت صحيفة (جيروسالم بوست) الإسرائيلية مؤخرا بأن ولاية (مينوساتا) الأميركية يمثلها يهودي دائما في مجلس الشيوخ منذ عام 1978م، رغم أن عدد اليهود بها لا يتجاوز 1%. وبأن المرشحين لهذا المنصب في الولاية يهوديان هما (نورم كولمان) و(ويلستون) الذي قتل في تحطم طائرة أثناء حملته الانتخابية (جيروسالم بوست 27/10/2002).

    ويكفي أن تعرف أن نسبة اليهود في أميركا أقل من 3%، وأن نسبتهم في مجلس الشيوخ 10% لتدرك أن الصوت اليهودي ليس أهم عامل هنا.

    إنما ثمة عوامل إيديولوجية وعقائدية، وظفت فيها رؤى توراتية ونصوصا مجتزأة من الكتاب المقدس، ووقفت وراء هذا التوظيف كنائسُ بروتستانتيةٌ أصوليةٌ تأثرت باليهودية، وعرفت فى الأدبيات العالمية باسم المسيحية الصهيونية، الأمر الذى نرصده فى هذا التقرير، موضحين كيفية استغلال اللاهوت المسيحى فى تأييد الخرافات الصهيونية عن أرض الميعاد والحق فى فلسطين، استنادًا إلى تفاسير آيات الكتاب المقدس، اعتمادًا على أسطورة «هرمجدون»، التى وردت فى الكتاب المقدس، التى تقول بأن معركة فى فلسطين وهى الإشارة الكبرى على نهاية الزمان، ولذا يلزم تجميع يهود العالم فى منطقة واحدة، يعتقد أنها «أرض المعياد» لخطوة ضرورية قبل تنصيرهم لعودة المسيح وإنشاء مملكته التى تستمر لألف عام، على حد المعتقد.

    إن الرجوع إلى التاريخ والتعمق في الخلفية الدينية المؤطرة للعلاقات بين أميركا وإسرائيل، هو وحده الذي يقدم تفسيرا مقنعا لتلك العلاقات. يقول بول فندلي عضو الكونجرس الأمريكي في كتابه: (من يجرؤ على الكلام): "الواقع أنّ جميع النصارى ينظرون إلى الشرق الأوسط من منظار الصلة الروحية بإسرائيل، ومن زاوية الميل إلى معارضة أو عدم تصديق أي شيء يشكك في سياسة إسرائيل، والقناعات الدينية هي التي جعلت الأمريكيين يستجيبون لنداءات اللوبي الإسرائيلي"، ويضيف: "أعتقد أنّ أسباب البركة في أمريكا عبر السنين أننا أكرمنا اليهود الذين لجئوا إلى هذه البلاد، وبورك فينا لأنّنا دافعنا عن إسرائيل بانتظام واعترفنا بحقها في الأرض".

      ومن الكتب التي تقدم رؤية تاريخية موثقة للعلاقات الأميركية الإسرائيلية كتاب (المسيح اليهودي) للكاتب المصري رضا هلال، وكتاب (فرض إرادة الرب للكاتبة الأميركية غريس هالسل ( وسنرجع إلى هذين الكتابين في بعض المعطيات الواردة في هذا التحليل.http://www.aljazeera.net/images/up.gif

من التدنيس إلى التقديس:

      ظل اليهود في نظر العالم المسيحي بأسره "أمة ملعونة" لمدة ألف وخمسمائة عام، لأنهم في اعتقاد المسيحيين هم قتلة السيد المسيح. وقد عانى اليهود صنوفا من الاضطهاد والازدارء بناء على هذا التصور الذي ترسخ في العقل المسيحي.

    لكن القرن الخامس عشر الميلادي أظهر تحولات عميقة في النفس المسيحية -الغربية على الأقل- مع بزوغ ما عرف بحركة الإصلاح البروتستانت، وما تبع ذلك من انشقاق سياسي وعقائدي داخل الديانة المسيحية، والفرق المعبرة عنها بشكل عام، والكاثولوكية الغربية بشكل خاص.

     كان من نتائج هذه التحولات أن أصبحت المسيحية الجديدة التي عرفت باسم البروتستانتية ربيبة لليهودية: فقد أصبحت للتوراة - أو العهد القديم- أهمية أكبر في نظر البروتستانت من الإنجيل أو العهد الجديد، وبدأت صورة الأمة اليهودية تتغيَّر تبعا لذلك في أذهان المسيحيين الجدد.

     ولم يكن الانشقاق داخل الكنيسة - رغم الطابع الأديولوجي الذي اصطبغ به- بعيدا عن صراعات السيادة بين الأمم الأوروبية يومها، خصوصا بين فرنسا وإنجلترا وألمانيا، فقد انحازت الكنيسة الكاثوليكية إلى جانب فرنسا، ممَّا جعل الشعبين الإنجليزي والألماني يميلان إلى اعتناق المذهب البروتستانتي الذي يدعو للتحرر من سلطة الكنيسة.

    وقد ظهر هذا التحول في النظرة المسيحية إلى اليهود في كتابات القس الفيلسوف مارتن لوثر رائد الإصلاح البروتستانتي، فقد كتب لوثر عام 1523م كتابا عنوانه: "المسيح ولد يهوديا" قدم فيه رؤية تأصيلية للعلاقات اليهودية المسيحية من منظور مغاير تماما لما اعتاده المسيحيون من قبل، فكان ممَّا قال في كتابه: "إن الروح القدس شاءت أن تنزل كل أسفار الكتاب المقدس عن طريق اليهود وحدهم، وإن اليهود هم أبناء الرب، ونحن الضيوف الغرباء، وعلينا أن نرضى بأن نكون كالكلاب التي تأكل من فتات مائدة أسيادها".(المسيح اليهودي ونهاية العالم: رضا هلال ص63).

     ومع ذلك لم يكن مارتن لوثر حاسماً في موقفه من اليهود، بل كان متردداً مثقلاً بتراث الماضي السحيق، ولذلك عاد فألَّف كتاباً آخر في ذم اليهود سماه "ما يتعلق باليهود وأكاذيبهم"، بعدما يئس من دفعهم لاعتناق المسيحية. لكن (لوثر) فتح ثغرة في تاريخ المسيحية لصالح اليهود ظلت تتسع إلى اليوم. وظلت كفة الصراع بين مدرسة "المسيح ولد يهوديا" ومدرسة "ما يتعلق باليهود وأكاذيبهم" تتأرجح في الضمير الغربي طيلة القرون الأربعة التالية لكتابة هذين الكتابين، حتى انحسم الأمر أخيرا للمدرسة الأولى "المسيح ولد يهوديا".

     ومما يلاحظ أن هذا المسار التاريخي لم يعرف العدل ولا التوسط: فاليهود تحولوا من "أمة ملعونة" إلى "أبناء الرب"، من "أمة مدنسة" ظلمها المسيحيون كثيراً، إلى "أمة مقدسة" يظلم بها المسيحيون شعوبا أخرى لا صلة لها بتاريخ التدنيس والتقديس هذا.

    كما يلاحظ أيضا أن المذاهب المسيحية تفاوتت في استيعابها لهذا التحول تفاوتا كبيرا، فالبروتستانت (الأميركيون والبريطانيون) تمثلوا هذا التحول كأعمق ما يكون، حتى أصبحت اليهودية جزءا من لحمهم ودمهم، والكاثوليك (فرنسا وإيطاليا وإسبانيا) ظلوا أكثر تحفظا إلى حد ما، ولذلك لم يبرئ الفاتيكان اليهود من دم المسيح إلا عام 1966م، أما الأورثوذكس (الأوروبيون الشرقيون) فلايزالون يحتفظون بتلك النظرة المتوجسة تجاه اليهود واليهودية. وهذا ما يفسر التفاوت في المواقف السياسية: حيث التماهي مع الدولة اليهودية في أميركا وبريطانيا (وأخيرا في ألمانيا البروتستانتية)، والتحفظ في أوروبا الجنوبية على السياسات الإسرائيلية -خصوصا من طرف فرنسا أكبر الأمم الكاثوليكية الغربية- والريبة في أوروبا الشرقية، وخصوصا روسيا، لكن ما يهمنا هنا هو التماهي الأميركي مع الدولة اليهودية، ومحاولة فهمه.

     ويفسر ناتان بيرلمتر - وهو يهودي أمريكي، من حركة (بناي برث)، وهي إحدى المنظمات اليهودية في أمريكا- أسباب تحالف يهود الولايات المتحدة مع الأصوليين المسيحيين، رغم الخلاف الشديد بينهما، بقوله: "إن الأصوليين الإنجيليين يُفسّرون نصوص الكتاب المُقدّس بالقول: "أن على جميع اليهود، أن يؤمنوا بالمسيح أو أن يُقتلوا في معركة هَرْمَجَدُّون"، ولكنه يقول في الوقت نفسه: "نحن نحتاج إلى كل الأصدقاء لدعم إسرائيل، فإذا جاء المسيح فسوف نفكر بخياراتنا في ذلك اليوم، أمَّا في الوقت الحاضر دعونا نُصلّي للرب ونرسل الذخيرة"(النبوءة والسياسة: غريس هالسيل، ترجمة محمد السماك، دار الشروق- ط2- 2003م ص121).

الصهيونية المسيحية قبل أختها اليهودية:

   إن الذين يقرؤون التحيز الأميركي لإسرائيل بعيون سياسية وإستراتيجية، يغفلون حقيقة تاريخية على قدر كبير من الأهمية، وهي أن الصهيونية المسيحية سبقت الصهيونية اليهودية في الزمان.

    ففي عام 1844م وفد إلى القدس أول قنصل أميركي وهو (واردر كريستون)، وكان من الأهداف التي رسمها القنصل لنفسه أن يقوم بعمل الرب، ويساعد على إنشاء وطن قومي لليهود في أرض الميعاد. (رضا هلال: المسيح اليهودي ص 95). وبذل (كريستون) جهدا مضنيا في الاتصال بالقادة الأميركيين وحثهم على العمل من أجل "جعل فلسطين وطنا قوميا لليهود حتى يلتئم شمل الأمة اليهودية، وتمارس شعائرها وتزدهر" (رضا هلال ص 95) كما ألح على القادة العثمانيين للتعاون في هذا السبيل دون جدوى.

   وعلى خطى كريستون جاء الرحالة الإنجيلي الأميركي (ويليام بلاكستون)، الذي نشر كتابا بعنوان "المسيح قادم" عام 1878م بيعت منه ملايين النسخ، وأثر تأثيراً عميقاً على البروتستانتية الأميركية، والفكرة الرئيسية للكتاب أن عودة المسيح التي ظل المسيحيون ينتظرونها على مرِّ القرون لن تتم إلا بعودة اليهود إلى أرض الميعاد. وفي العام 1891م تقدم بلاكستون بعريضة إلى الرئيس الأميركي يومها بنيامين هاريسون مطالباً بتدخل أميركا لإعادة اليهود إلى فلسطين، وجمع على العريضة توقيعات 413 من كبار رجال الدين المسيحي في أميركا، إضافة إلى كبير قضاة المحكمة العليا، ورئيس مجلس النواب، وعدد كبير من أعضاء مجلس الشيوخ، ورؤساء تحرير عدد من الصحف الكبرى (رضا هلال ص 97).

    ففكرة إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين آمن بها المسيحيون البروتستانت قبل إيمان اليهود بها، وسعوا إلى تنفيذها قبل أن يسعى اليهود إلى ذلك، بل قبل أن يؤمن اليهود بإمكانية تحقيقها. ويمكن الجزم بأنه لولا الدعم الاعتقادي لهذه الفكرة من طرف البروتستانت الأميركيين والبريطانيين لما اهتم بها اليهود اهتماما عمليا.

       ومن أبرز البريطانيين الذين لعبوا أدوارا بارزة في المسيحية الصهيونية اللورد شافتسبوري (1818-1885) وهو من الألفيين المتحمسين من أجل عودة اليهود إلى فلسطين، وهو أول من أطلق دعوة: (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض)، ودعا إلى تشجيع اليهود على العودة الى فلسطين بأعداد كبيرة، ليعودوا ملاك أراضي الجليل ويهودا، واستمر شافيستبري بدعوته 57 سنة حتى تمكن من أقناع حكومة بلاده بأفتتاح قنصلية لها في القدس، لتكون بعثة رسمية لبريطانيا الى أرض فلسطين، تبع ذلك تعيين اليهودي ميخائيل سلمون الكسندر كاهنا انجليكانيا للقدس، والقس ويليام هتشلر(1845-1931)، وهو المسؤول الديني في السفارة البريطانية في فينا، وكانت لهتشلر علاقات مع تيودور هرتزل، وقد أمضى هيتشلر ثلاثين سنة في خدمة للصهيونية والحركة اليهودية رغم كونه مسيحيا، وحضر المؤتمر الأول للحركة الصهيونية العالمية الذي عقد في بازل بسويسرا عام1897م، وكان للقاء هيتشلر مع جيمس بلفور عام 1905م أكبر الأثر في صدور وعد بلفور المشؤوم بإقامة دولة لليهود في فلسطين عام 1917م.

     إن تيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية حينما طرح فكرة الدولة اليهودية لم تكن دوافعه دينية بالأساس، فهو قومي علماني في الصميم، ولذلك كان مستعداً لقبول استيطان اليهود في أوغندا أو العراق أو كندا أو الأرجنتين. أما المسيحيون الصهاينة في أميركا وغيرها فقد آمنوا من أول يوم بفلسطين وطنا لليهود، واعتبروا ذلك شرطا في عودة المسيح، وأخرجوا "المسألة اليهودية" من الإطار السياسي إلى الإطار الاعتقادي. ولذلك فقد انتقدوا الموقف المتساهل لهرتزل، والمؤتمر الصهيوني الأول في بازل عام 1897م، حتى إن بلاكستون أرسل إلى هرتزل نسخة من العهد القديم، وقد علَّم على صفحاتها، مشيرا إلى الفقرات التي عين فيها النبيون فلسطين تحديدا بأنها "الوطن المختار للشعب المختار" (رضا هلال ص 99).

    وحينما بدأت فكرة الوطن اليهودي تتبلور سياسيا، وصدر وعد بلفور لصالحها سنة 1917م، تلقف أغلب السياسيين الأميركيين الفكرة، وتعاملوا معها بمنطق الاعتقاد الديني الراسخ, ومن أمثلة ذلك خطاب ألقاه رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأميركي (هنري كابوت لودج) في مدينة بوسطن عام 1922م، حيث قال في الخطاب: "إنني لم أحتمل أبدا فكرة وقوع القدس وفلسطين تحت سيطرة المحمديين.. إن بقاء القدس وفلسطين المقدسة بالنسبة لليهود، والأرض المقدسة بالنسبة لكل الأمم المسيحية الكبرى في الغرب، في أيدي الأتراك، كان يبدو لي لسنوات طويلة وكأنه لطخة في جبين الحضارة من الواجب إزالتها" (رضا هلال ص 102).http://www.aljazeera.net/images/up.gif

الصحوة المسيحية في ربع القرن الأخير:

   وزاد من تهود المسيحية الأميركية التحولات العميقة في الثقافة الدينية الأميركية منذ السبعينيات حتى اليوم، فقد خرجت الكنائس من الزوايا وهوامش المجتمع، إلى صدارة الحدث السياسي والاجتماعي، بفضل ثورة الإعلام والاتصال، وخصوصا عبر ما يدعى (الكنائس التلفزيونية)، وتوسعت الطوائف الأصولية كالمعمدانية والمنهجية وغيرها على حساب المسيحية التقليدية. وأصبح تيار "المسيحيين المولودين من جديد في اتساع مطرد، وهو أكثر التيارات المسيحية تماهيا مع اليهودية، وبالتالي مع عصمة الدولة اليهودية وقدسيتها.

    ولأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة وصل إلى البيت الأبيض عام 1974م رئيس يعتز بانتمائه إلى هذا التيار، وهو الرئيس (جيمي كارتر)، الذي عبر عن حقيقة الرباط العقدي بين اليهود والمسيحية الأميركية في خطاب له أمام الكنيست الإسرائيلي عام 1979م، قال فيه: "إن علاقة أميركا بإسرائيل أكثر من مجرد علاقة خاصة.. لقد كانت ولاتزال علاقة فريدة، وهي علاقة لا يمكن تقويضها، لأنها متأصلة في وجدان وأخلاق وديانة ومعتقدات الشعب الأميركي" (رضا هلال ص 166-167)، ومن بعد كارتر زادت قوة هذا التيار رسوخا برئاسة (بوش) الأول، ثم بوش الثاني.

    وقد توصل أحد الباحثين الأميركيين مؤخرا -بعد دراسته لكل أحاديث الرئيس بوش وخطاباته- إلى أن بوش "أصولي مسيحي، يؤمن بأن الضفة الغربية وقطاع غزة منحة ربانية لليهود لا يجوز التنازل عنها". وهو نفس الاعتقاد الذي عبر عنه (التحالف المسيحي) بقيادة (بات روبرتسون) مؤخرا في مسيرة له بواشنطن العاصمة، طالب فيها القادة الإسرائيليين بعدم التنازل عن الضفة الغربية وقطاع غزة، لأن ذلك "مناقض لإرادة الرب".

 
 

    ومما يدل على أصولية الرئيس بوش أنه أول رئيس أميركي يمول التعليم الديني من ميزانية الدولة الأميركية التي يفترض فيها أنها دولة علمانية تقف من الدين موقف الحياد. وحينما سأل الصحفي الشهير (جيم لهرر) جورج بوش أثناء مناظرة تلفزيونية مع (آل غور) عن برنامجه اليومي، رد بوش بأنه يبدأ يومه بقراءة في الكتاب المقدس، وإطعام كلبه، وإعداد القهوة لزوجته. كما صرح مرارا بأن المسيح هو مثاله السياسي. وهذه مظاهر جديدة على السياسة الداخلية الأميركية، كما لاحظ البروفسور (جون أسبوزيتو) مدير مركز التفاهم الإسلامي المسيحي بجامعة (جورج تاون)، في كتابه الجديد "الحرب غير المقدسة". وقد شوهد الرئيس بوش وهو يصرح بأن "اليهود هم شعب الله المختار الوحيد على وجه الأرض".

     ورغم وجود عدد من اليهود في الحزب الديمقراطي الأمريكي، نظرا لانقسام اليهود إلى ليبراليين ومتدينين - وأحيانا تفاديا لوضع البيْض في سلة واحدة - فإن الجماعات اليهودية بدأت في الأعوام الأخيرة تميل إلى الحزب الجمهوري، لأن ولاءه للمسألة اليهودية نابع من اعتقاد ديني ثابت، مجرد من الاعتبارات السياسية والإستراتيجية في الغالب، بخلاف الحزب الديمقراطي ذي الميول الليبرالية، الذي يتعامل مع إسرائيل باعتبارها "دولة دنيوية" إلى حد ما.http://www.aljazeera.net/images/up.gif

الوجه الجديد للمسيحية الأميركية:

     في عام 1983م وصلت إلى القدس الكاتبة الأميركية (غريس هالسل) ضمن مئات من المسيحيين الأميركين جاؤوا في رحلة إلى الأراضي المقدسة على نفقة القس جيري فالويل، ولاحظت الكاتبة الأميركية أن فالويل لم يشر في منشوراته التي وزعها على المسافرين على الإطلاق إلى "أن هؤلاء الحجاج المسيحيين قادمون إلى الأرض التي ولد بها السيد المسيح، ونشر دعوته.. بل كان كل تركيزه على إسرائيل"، كما لاحظت أن "المسيحيين الفلسطينيين كانوا حولنا في كل مكان، لكن فالويل لم يرتب لنا لقاء مع أي من هؤلاء المسيحيين". (غريس هالسل ص 59).

      ولاحظت الكاتبة الأميركية أن الأصوليين المسيحيين في أميركا "مستعدون لتقبل نقد موجه لفرنسا أو إنجلترا، أو ألمانيا، أو إيطاليا، أو الولايات المتحدة، أو أي بلد آخر في العالم، لأن ذلك شأن سياسي، أما نقد إسرائيل فهو يساوي عندهم نقد الرب ذاته"، حسب تعبيرها (هالسل ص 80(.

    إن فهم المسار التاريخي الذي أدى إلى تهود المسيحية البروتستانتية هو المدخل الصحيح -في اعتقادي- لفهم السياسة الأميركية في فلسطين، وفي العالم الإسلامي بشكل عام، فالوقوف عند المظاهر السياسية والانتخابية لهذه السياسة لم يعد مجديا اليوم، وتفسيره بمجرد "شطارة" الأقلية اليهودية في أميركا تفسير سطحي لظاهرة تاريخية عميقة ضاربة الجذور "متأصلة في وجدان وأخلاق وديانة ومعتقدات الشعب الأميركي" حسب تعبير الرئيس (كارتر).

   لقد آن الأوان لفهم الحقيقة المرة: إن إسرائيل التي نعتبرها آخر جيوب الاستعمار والعنصرية هي في أذهان أغلب الأميركيين مشروع إلهي لا يقبل الإدانة والنقد، فضلا عن المقاومة والنقض، فهل ندرك مدلول ذلك في الوقت الذي يترسخ فيه أثر الدين في السياسة الأميركية يوما بعد يوما؟؟!!

    تتلخص المرتكزات العقائدية للصهيونية المسيحية والصهيونية اليهودية في ثلاثة أمور، هي:-

أولاً: اليهود هم شعب الله المختار، وهم الأمة المفضلة على بقية الأمم والشعوب.

ثانياً: هناك ميثاقاً إلهياً ووعداً مقدساً يربط اليهود بالأرض المباركة فلسطين، إنّ هذا الميثاق والوعد أعطاه الله تعالى لإبراهيم ونسله، وخاصة يعقوب (إسرائيل) بن إسحاق عليهم السلام، وهو ميثاق أبدي. يقول الحاخام اليهودي ألمر بيرجر: من الغريب أنّ الطوائف المسيحية البروتستانتية والتي تقبل التفسير الحرفي للكتاب المقدس أصبحت تتطلع إلى عودة اليهود إلى أرض الميعاد".

       يقول بن غوريون أول رئيس وزراء لليهود: "أما السيف الذي أعددناه إلى غمده، فإنّه لم يعد إلا مؤقتاً، إننا سنستله حين تتهدد حريتنا في وطننا، وحين تتهدد رؤى أنبياء التوراة، فالشعب اليهودي بأسره سيعود إلى الاستيطان في أرض الآباء والأجداد من النيل إلى الفرات"، ويقول: "تستمد الصهيونية وجودها من مصدرين: مصدر عميق عاطفي دائم، وهو مستقل عن الزمان والمكان، وهو قديم قد الشعب اليهودي ذاته، وهذا المصدر: هو الوعد الإلهي والأمل بالعودة، يرجع الوعد إلى قصة اليهودي الأول –يقصد إبراهيم عليه السلام-الذي أبلغته السماء أن: "سأعطيك ولذريتك من بعدك جميع أرض بني كنعان ملكاً خالداً لك"... والإيمان بظهور المسيح لإعادة المملكة أصبح مصدراً سياسياً في الدين اليهودي يردده الفرد في صلواته اليومية... أما المصدر الثاني فقد كان مصدر تجديد وعمل. وهو ثمرة الفكر السياسي والعملي الناشئ عن ظروف الزمان والمكان، والمنبعث من التطورات والثورات التي شهدتها أوربا في القرن التاسع عشر، وما خلفته هذه الأحداث الكبيرة من آثار عميقة في الحياة اليهودية". ويقول إيغال ألون نائب رئيسة وزراء إسرائيل السابقة غولدا مائير: "جاء اليهود إلى البلاد لكي يستردوا الأرض التي يعتقدون أنها كانت أرض آبائهم، الأرض التي وعدها الله لهم ولذراريهم في العهد القديم المبرم قبل آلاف السنين بين الله وإبراهيم". وقال السفير اليهودي السابق بنيامين نتنياهو في الأمم المتحدة- رئيس وزراء إسرائيل السابق- أمام مؤتمر صهيوني مسيحي عقد في واشنطن سنة 1985م: "هناك شوق قديم في تقاليدنا اليهودية للعودة إلى إسرائيل، هذا الحلم الذي يراودنا منذ ألفي سنة تفجر من خلال المسيحيين الصهيونيين. المسيحيون هم الذي عملوا على تحويل الأسطورة الجميلة إلى دولة يهودية".

ثالثاً: ربط الإيمان المسيحي بعودة المسيح ونزوله إلى الأرض بقيام دولة يهودية صهيونية في فلسطين: في سنة 1649م وجه من هولندا عالما اللاهوت التطهريّان الإنجليزيان: جوانا، وأليندز كارترايت مذكرة إلى الحكومة البريطانية عبّرا فيها عن مدى التحوّل في النظرة اللاهوتية إلى فلسطين والقدس من كونها أرض المسيح المقدسة التي قامت من أجلها الحروب الصليبية إلى كونها وطناً قومياً لليهود، كما عبرّا عن التحول من الإيمان بأنّ عودة المسيح يجب أن تسبقها عودة اليهود إلى فلسطين، وأنّ العودتين لن تتحققا إلا بتدخل إلهي إلى الإيمان بأنّ هاتين العودتين ممكن أن تتحققا بعمل بشري".

     إن الأصولية الإنجيلية المتصهينة لا تقتصر على مجرد تقديم تفسيرات معينة للدين ولكن تحاول أن تصنع المستقبل وفقا لهذه الفهوم والتفسيرات. كذلك فإن الإيمان بأنه لابد من محرقة تحضر لعودة المسيح وأنه لابد أن يذوب في هذه المحرقة كل أولائك الذين ينكرون المسيح من ملحدين وشيوعيين ومسيحيين علمانيين ومسيحيين غير إنجيليين ومن مسلمين ومن معظم اليهود، إن هذا الإيمان يقف وراء قرار ضرورة إضعاف العرب، وضرورة تعزيز الترسانة العسكرية لإسرائيل، ووراء حتمية الاستجابة إلى جميع مطالبها بالدعم المالي والسياسي والعسكري. وفي الأخير يمكن أن نقول: لماذا لم تقم الحرب الكبرى لحد الآن، مع أن الكل يدعو إليها ويعتبرها قدرا إلاهيا ولابد منه حتى يعود المسيح؟.

     تقول جريس هالسل: "إن قادة اليمين المسيحي الجديد يعتقدون أن الكتاب المقدس يتنبأ بالعودة الحتمية الثانية للمسيح بعد مرحلة من الحرب أو الكوارث الطبيعية والانهيار الاقتصادي والفوضى الاجتماعية. وتقول إنهم يعتقدون أن هذه الأحداث يجب أن تقع قبل العودة الثانية كما يعتقدون أنها مسجلة بوضوح في الكتاب المقدس". ومن غرائب الأمور أن القوم يعتقدون بما لا يدع مجالا للشك أن أثناء العودة الثانية للمسيح فإن المسيحيين المخلصين سوف يرفعون ماديا (جسديا) من فوق الأرض ويجتمعون بالمسيح في الفضاء، ومن هناك سوف يراقبون بسلام الحروب والمشاكل الاقتصادية، وفي نهاية المحنة سيعود هؤلاء المسيحيون المولودون ثانية مع المسيح كقائد عسكري لخوض المعركة الفاصلة ولتدمير أعداء الله من مسلمين ويهود ومن ثم ليحكموا الأرض لمدة ألف عام. إن الرئيس الأمريكي ريغان كان يقول: إن جميع النبوءات التي يجب أن تتحقق قبل  الحرب الكبرى قد تحققت، في الفصل 37 من حزقيال أن الله سيأخذ أولاد إسرائيل من بين الوثنيين حيث سيكونون مشتتين ويعودون جميعهم مرة ثانية إلى الأرض الموعودة. لقد تحقق ذلك أخيرا بعد ألفي سنة، ولأول مرة يبدو كل شيء في مكانه بانتظار معركة هرمجيدون والعودة الثانية للمسيح.

     ويقول المسيحي الصهيوني جيم روبنسون – وقد كان شخصية متمكنة في الحكومة الأمريكية- : "لن يكون سلام حتى يعود المسيح، وكل من يؤمن بالسلام فهو ضد كلمة الله، ضد المسيح". ويقول نصارى أوروبا: "إنّنا نحن المسيحيين نؤخر وصول المسيح من خلال عدم مساعدة اليهود على مصادرة مزيد من الأراضي". ويقول المبشر المسيحي الصهيوني فرانك جناوي: "إنّ هجرة اليهود إلى أرض كنعان تمثل التحقيق المطلق لتلك النبوءات في ما يتعلق بعودة اليهود إلى أرضهم قبل مجيء المسيح المنتظر إلى العالم".

       واستطاعت الصهيونية المسيحية أن تغرس في أذهان وعقلية الغرب المسيحي أن ثلاثة أمور يجب أن تتحقق قبل ظهور السيد المسيح في فلسطين وهي:-

الأول : قيام دولة إسرائيل، ولمّا قامت سنة 1948م اعتبرها المسيحيون الصهاينة في أمريكا أعظم حدث في التاريخ، لأنّه جاء مصدقاً للنبوءة الدينية التوراتية التي يؤمنون بها. يقول القس الصهيوني المسيحي جيري فالويل: "إن من يؤمن بالكتاب المقدس حقاً يرى المسيحية ودولة إسرائيل الحديثة مترابطتين على نحو لا ينفصم، إن إعادة إنشاء دولة إسرائيل في العام ألف وتسعماية وثمانية وأربعين لهي في نظر كل مسيحي مؤمن بالكتاب المقدس تحقيق لنبوءات العهدين القديم والجديد."

    وبعد قيام إسرائيل: أصبحت العقيدة الصهيونية المسيحية تقوم على دعائم ومرتكزات أربعة، وهي:-

1- إعطاء كلمة إسرائيل معنى دينياً رمزياً، وليس مجرد اسم ودولة والالتزام الأخلاقي بدعم إسرائيل هو التزام ديني ثابت ودائم، وليس مجرد التزام سياسي متغير ومتحرك وفقاً لمصالح الشعوب.

2- اعتبار شرعية الدولة اليهودية مستمدة من التشريع الإلهي، ومن ثمّ اعتبار قيام دولة إسرائيل تحقيقاً للنبوءات الدينية.

3- التشديد على أنّ أرض إسرائيل هي: كلّ الأرض التي وعد الله بها إبراهيم وذريته من النيل إلى الفرات كما جاء في التوراة: "لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات".

    لقد دعا راعي الكنيسة اللاتينية في فلسطين الأب مانويل مسلم، المسيحيين الفلسطينيين إلى مقاومة الأصولية المسيحية الصهيونية، التي تجعل من الأرض المقدسة أرض الميعاد.

     يقول الأصولي الإنجيلي (الصهيوني المسيحي) الأمريكي د. جيري فولويل: "إنّه لا يحق لإسرائيل أن تتنازل عن شئ من أرض فلسطين لأنها أرض التوراة التي وعد الله بها شعبه". ويقول الأصولي الإنجيلي دوغلاس كريكر: "إنّ الأصوليين الإنجيليين مثل اليهود والأرثوذكس، مغرمون بالأرض التي وعد الله بها إبراهيم وذريته".

 -4استمرار العمل بالشعار التوراتي الذي يقول: "إنّ الله يبارك إسرائيل ويلعن لاعنيها" وعملاً به لابدّ من: تقديم كل أنواع العون والمساعدة المادية والمعنوية والعلمية لإسرائيل للحصول على بركة الرب، وتجنب لعنته. ومن خلال ذلك تلتزم الكنائس المسيحية الصهيونية في أمريكا بتوجيه الرأي العام والقيادات السياسية لتأييد إسرائيل، وإصدار القرارات التي تترجم رغبة إرادة الله، وإذا تعارضت القرارات الأمريكية مع القوانين والمواثيق الدولية فإن القرار الصادر لمصلحة إسرائيل والقرار الإسرائيلي يجب احترامه والعمل بموجبه، لأنه يعكس إرادة الله، وأما القوانين والمواثيق الدولية فلتذهب إلى الجحيم، إنها لا تساوي الحبر الذي كتبت به. وجّه أحد الزعماء المسيحيين الصهاينة نداءً إلى اليهود جاء فيه: "إنه لا يجوز أن يبقى اليهود أوفياء إلى هذه المبادئ البراقة –يقصد القوانين الدولية- إذ أنّه على إسرائيل أن تكسر من وقت لآخر القوانين الدولية، وأن تقرر بنفسها ما هو قانوني وما هو أخلاقي وذلك على قاعدة واحدة، هي: ما هو جيد لليهود، ما يكون هو في مصلحة اليهود".

      يقول بن غوريون: "إذا كان ينبغي من أجل خير أرض أجدادنا أن نغزو أمماً أجنبية ونستعبدها ونبيدها، فيجب أن لا تمنعنا من ذلك اعتبارات إنسانية". ويقول الدكتور إسرائيل شاحاك عضو جمعية حقوق الإنسان الإسرائيلية: "إن اليمين المسيحي الجديد يبرر أي عمل عسكري أو إجرامي تقوم به إسرائيل، وبالتالي فهو يؤيد هذه الأعمال".

الثاني :جعل مدينة أورشليم – القدس- تحت السيطرة الإسرائيلية، لأنّها المدينة التي سيحكم منها السيد المسيح العالم كله، ولما احتلت إسرائيل بقية القدس سنة 1967م –برعاية ومساعدة مسيحية أوربية وأمريكية– ضغطت الكنائس الصهيونية المسيحية في أمريكا من أجل الاعتراف بالقدس عاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل. ولقد كان ما أرادت، إذ تجاوب الكونجرس الأمريكي -مجلس الشيوخ والنواب- لهذا الأمر بإصدار قرار في ذلك في إبريل 1990م.

 الثالث: إعادة بناء هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى المبارك بعد هدمه وإزالته من الوجود:-

- أحد ابرز قادة الحركة الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة وهو القس جيري فولويل - الذي توفي أخيراً – يقول: "إنني مع كوني سعيداً لعودة اليهود الى فلسطين ولقيام اسرائيل، فإنني أشعر أن اليهود لم ينجزوا مهمتهم تماماً بعد. إن على اليهود اليوم استرجاع كل الأرض التي أعطاها الله للعبرانيين. أي أن على اليهود أن يملكوا كل الأرض التي منحهم الله قبل عودة المسيح وكشرط مسبق لهذه العودة. وإن على العرب مغادرة هذه الأرض لأن هذه الأرض تخصّ اليهود. الله أعطى كل هذه الأرض لليهود". ويقول فولويل: "لقد أعددنا جميع الخطط لبناء الهيكل.

    ويوظف الصهيونيون المسيحيون – واليهود معاً – نتائج العمليات الحربية التي قامت بها دولة العدو المحتل لصياغة تفسيرات دينية من نصوص توراتية. من هذه العمليات تجميع اليهود في فلسطين تحت شعار صهيون، واحتلال يهودا والسامرة (الضفة الغربية) بما في ذلك مدينة القدس. إن بناء المستوطنات اليهودية في الضفة وفي القدس خاصة لا يستجيب لحاجة إسكانية بقدر ما يستهدف تهويداً مقصود في حدّ ذاته لإعداد أرضية تساعد على استخراج المزيد من التفسيرات الدينية للنصوص التوراتية. فالمستوطنات اليهودية في القدس وحولها هي الحصن اللازم للهيكل الذي يستعد اليهود لبنائه بمساعدة حركة الصهيونية المسيحية.

يقول المبشر الصهيوني النصراني (أوين) وهو ضابط متقاعد: "إنّنا نعتقد بأن سيكون الخطوة التالية في الأحداث بعد إقامة دولة إسرائيل وعودة اليهود للقدس، هو أن يعاد الهيكل، هذه ستكون مؤدية إلى عودة المسيح، وإن اليهود بمساعدة المسيحيين يجب أن يدمروا المعبد القائم – المسجد الأقصى- ويبنوا الهيكل لأنّ هذا ما يقوله الإنجيل". وقال  أحد الزعماء اليهود لزملائه النصارى الإنجيليين: "إنكم تنتظرون مجيء المسيح للمرة الثانية، ونحن ننتظر مجيئه للمرة الأولى، فلنبدأ أولاً ببناء الهيكل وبعد مجيء المسيح ورؤيته نسعى لحل القضايا المتبقية سوياً.

       وممّا هو جدير بالإشارة والتنبيه إليه: أنّ نصارى العالم يعتقدون بعودة المسيح عليه السلام بعد ألف سنة من ميلاده، ثم يحكم العالم ألف سنة، وقد أخذوا عقيدتهم هذه من رؤيا يوحنا اللاهوتي من رسائل العهد الجديد. وقد انتظر النصارى نزول المسيح وعودته على رأس الألف الميلادية الأولى، ولمّا لم ينزل بقيت الأحلام بعودته في رؤوسهم.  

       ولمّا شارف القرن العشرون على البزوغ –أي سنة 1900م– بدأت تظهر الدعوات لظهوره من جديد ولما لم ينزل اعتقدوا أنه سينزل وسيعود عام 2000م، وبما أنّ ظهوره سيكون في موطنه الأصلي فلسطين، فلا بد إذا من الإعداد والتهيؤ لنزوله، ومن ذلك تجميع اليهود في فلسطين على شكل دولة تكون القدس عاصمتها الموحدة الأبدية –وقد تم ذلك– ثمّ إقامة هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى، كما بينّا ذلك قبل سطور قليلة.

    ولإتمام هذا المخطّط الشيطاني الرهيب المتمثل في جعل القدس عاصمة موحدة أبدية لإسرائيل وبناء هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى وجدت في العالم – وخاصة في أمريكا وإسرائيل– مئات المنظمات والمؤسسات الصهيونية المسيحية واليهودية التي تعمل من أجل إنفاذ هذا المخطط الذي هو في الأصل اعتقاد مشترك.

     وهنالك العديد من الحركات الأخرى التي تهتم بشراء الأراضي والاستيلاء عليها،ومضايقة المسلمين في القدس، وإقامة المؤتمرات والمهرجانات للإعداد لإقامة الهيكل المزعوم، وتتعامل الحكومة اليهودية مع تلك الجماعات والحركات بتسامح يصل إلى حد إعطاء الضوء الأخضر للكثير من الممارسات والاعتداءات. وتتميز هذه المنظمات والحركات بالتنسيق فيما بينها، والتكامل في أنشطتها، هذا بالإضافة للابتكار والتجديد لأساليب العمل مع عدم الزحزحة عن الثوابت التي تعمل من أجلها، والتي لم تتوقف في يوم من الأيام منذ احتلال القدس إلى يومنا هذا.

        وظهرت في الغرب جمعية تسمى "مسيحيون من أجل إسرائيل" عملت على توطين 50 ألف يهودي أوكراني في فلسطين المحتلة، وقالت المتحدثة باسم الجمعية أن هذا العمل هدية لإسرائيل في ذكرى قيامها في مايو أيار 1948م، وقد جمع فرع الجمعية في هولاندا بالإضافة إلى جمعية صهيونية أخرى في بريطانيا قد جمعتا ست مليون دولار لاستخدامها في تمويل الهجرة إلى فلسطين المحتلة.  

تأثير الصهيونية اليهودية والمسيحية في النظام العربي فيما يتعلق ببناء الهيكل وتضييع القدس:

1- صرَّح الشيخ رائد صلاح: أن جهات فلسطينية وعربية وأمريكية تسعى لتقديم بعض العروض والإغراءات للحركة الإسلامية مقابل تقديم بعض التنازلات في مدينة القدس والمسجد الأقصى المبارك.

2- أكد عضو لجنة الدفاع عن أراضي القدس صالح الشويكي أن رئيس السلطة محمود عباس المسؤولية الكاملة عن تسريب عقارات وممتلكات المقدسيين إلى الاحتلال والمستوطنين التي أثبتت وثائق للحركة الإسلامية تورط دولة الإمارات العربية في بيع هذه العقارات للاحتلال، مشدداً على أنه لم يبقَ في أيدي المقدسيين سوى 30% من الأراضي والممتلكات فيما 70% مهدد بالمصادرة والتسريب والبيع.

       وكشف الشويكي النقاب عن تزوير الأجهزة الأمنية في الضفة مؤخراً بيع عقار فلسطيني مقدسي للمستوطنين من خلال التحايل على القانون واعطاء براءة ذمة لبعض الساقطين الذين يدعون الوطنية وخدمة المقدسيين في شراء بيوتهم.

3- صرَّح وزير خارجية العدو المحتل ليبرمان فقال :"إنَّ عملية السيطرة على ساحة الهيكل تسير وفق خطتها المرسومة وجدولها الزمني، وهناك تنسيق بيننا وبين أطراف فلسطينية وعربية، وتحديداً مصر، لأنَّ حلَّ قضية هيكل الشعب اليهودي يعني إحراز تقدم في عملية السلام، يهم كل الأطراف سواء (إسرائيل) أو الفلسطينيين أو مصر".

3- مذيع القناة العاشرة يهود أعاري يقول: قال لي أحد أعضاء الكنيست: "الفلسطينيون يتعاملون في قضية إعادة بناء الهيكل بمنتهى الوقاحة، قيادتهم وافقت على بناء الهيكل في ساحة ما يسمى بالمسجد الأقصى للتمهيد لاتفاق سلام شامل برعاية مصر، في حين يحرضِّون ضدنا في الإعلام، إنهم لا يجرؤن على قول الحقيقة لشعبهم""

4- الصهيوني المتطرف والناشط الاستيطاني نائب رئيس الكنيست موشي فيجلن للإذاعة العبرية يقول: "لأول مرة أشعر أن ساحة الهيكل المقدس (يقصد ساحة المسجد الأقصى) أصبحت تحت سيطرتنا بالكامل في الأيام القليلة القادمة سنشهد إقامة نواة الهيكل المقدس، وإنَّ الذين يخوفوننا من الفلسطينيين عليهم أن يعلموا أن قياداتهم موافقة على هذا الشيء، وأن شعبهم مخدر، هذه فرصة تاريخية للشعب اليهودي العظيم ليستعيد مقدساته المسلوبة".

5- يعقوب بيري رئيس الشاباك السابق يقول: "نحن نقوم بكل الجهود الاستخباراتية والعملياتية لمنع اندلاع انتفاضة ثالثة على خلفية أحداث إعادة السيطرة على جبل الهيكل، ونحن على تنسيق بمستوى عال مع الأجهزة الأمنية الفلسطينية التي تقوم بواجبها على أكمل وجه، في مواجهة الإرهاب وجمع السلاح، والحملة الأخيرة التي تجري الآن في يهودا والسامرة سيكون لها دور كبير في تهدئة الأمور".

6- ملكلوم هونلين رئيس المنظمة الأمريكية "أيباك" اليهودية: الزعماء العرب أبلغوني أنهم ضاقوا ذرعاً من الفلسطينيين وقضيتهم.        

7- النائبة الليكودية ميري ريغف في مداخلة في الكنيست: لن يطول انتظار اليوم الذي يتوقف فيه نداء "الله أكبر" من المسجد الأقصى.        

 

هل أعجبك الموضوع؟