البريد للتواصل: drsregeb11@gmail.com

مقالاتي

نقض أوهام الشيوعية الماركسية



  • نشر في: 14-10-2018م
  • ساعة: 4:59
  • طباعة

نقض أوهام الشيوعية الماركسية

 

تعريف الشيوعية:

ليست الشيوعية مذهباً اقتصادياً بحتاً كما يتبادر إلى ذهن كثير من الناس، وإن كان لها ولا شك مذهب اقتصادي محدد متميز، إن الشيوعية تصور شامل للكون والحياة والإنسان، ولقضية الألوهية كذلك، وعن هذا التصور ينبثق المذهب الاقتصادي. ثم إن الأوضاع السياسية والفكرية والاجتماعية المصاحبة له هي مجرد انعكاس له.([1])

ويمكن تعريفها، بقولنا: "الشيوعية مذهب فلسفي مادي إلحادي غير أخلاقي، استبدادي، يرى أن المادة هي أصل وأساس كل شيء، يفسر التاريخ تفسيراً مادياً، يرجعه إلى العوامل الاقتصادية وصراع الطبقات".([2])

أصول الفلسفة الشيوعية:

نقدم للقارئ فكرة مجملة للأصول الفلسفية الماركسية، ومن أراد التوسع فليرجع إلى المصادر المتخصصة، مع ملاحظة أن نقض هذه الأصول قد كتب فيه الكثير.([3])

تقوم الفلسفة الشيوعية التي أرساها ماركس وإنجلز على أصلين اثنين هما: 1- المادية الجدلية 2- المادية التاريخية.

 وبناءً عليهما وضع الماركسيون آراءهم وأفكارهم في مجال الاقتصاد والسياسة والاجتماع والعقائد والأخلاق.

 

أولاً: أصول المادية الجدلية:

1- المادية:

     المادية نسبة إلى المادة في مفهومها المجرد البحت، والتي تنافي الروحي
والمثالي، والمادية الماركسية تقوم على المبدأ القائل بأن العالم بطبيعته مادي، وأن مختلف ظواهر الكون إنما هي جوانب مختلفة للمادة في حركتها، فالمادة هي الشيء الوحيد الأصيل في الكون، هي أساس الروح وينبوع الحياة، إن كل ما في الكون ومن فيه ينبثق عن المادة ومحكوم بقوانين المادة.

والمادة لا تتوقف عن الحركة، والحركة تعني السير نحو التغيير والتطور، وعلى هذا فإن:

-لا إله للكون، والحياة والكون مادة، فالمادة أصل الحياة وأساس كل شيء.

- لمادة أبدية أزلية، فالكون المادي أزلي سرمدي، لا بداية له ولا نهاية.

-الإنسان نتاج المادة، والفكر أو الوعي نتاج مادة عالية التنظيم هي الدماغ.([4])

     وهذا يعني أن الشيوعية ترفض جميع الفلسفات الميتا فيزيقية التي تفسر العالم وظواهره بعلل ومبادئ وأسباب خارجة عنه، وترفض جميع الأديان التي تقر بوجود الإله الخالق المبدع للكون وما فيه، وترفض الغيبيات التي هي من جملة العقائد الإيمانية التي جاء بها الإسلام كالروح والملائكة والجن والبعث والجنة والنار والحشر والنشر ونحو ذلك.

     وإذا كانت الشيوعية لا تعترف ولا تقر إلا بالوجود المادي -المادة وظواهرها- وأنه أزلي أبدي، فالسؤال: كيف نشأت الحياة وتنوعت الكائنات، وكيف تحدث سائر التغيرات والتحولات الكونية؟ هذا ما تجيب عليه الشيوعية من خلال الجدلية وقوانينها المدعاة.([5])

 

2- الجدلية (الديالكتيك):

الجدل أو الديالكتيك معناه فن المجادلة أو مجاذبة أطراف الكلام. والكلمة يونانية في نشأتها أخذت من "دياليغو" بمعنى المجادلة والمحادثة، فالديالكتيك معناه عند اليونان: فن الوصول إلى الحقيقة باكتشاف المتناقضات التي يتضمنها استدلال الخصم، وبالتغلب عليها، ثم استخدمت للتعبير عن أحد التصورات للكون والطبيعة فيما يصل بالإنسان إلى الحقيقة عن طريق اكتشاف التناقضات.

واستخدم "هيرقليط" كلمة الديالكتيك لدى تعبيره عن تصوره للطبيعة، وهو أن كل شيء يتغير ويتطور من حال إلى حال ضمن صيرورة ذاتية لا تنقطع. ثم استخدم الفيلسوف الألماني هيجل "الديالكتيك" كطريقة منطقية لفلسفته ليصل بها إلى أن الكل أو المطلق أو الروح الشامل -الله- هو المبدأ والمنتهى، وأن العالم الطبيعي والوعي الإنساني ليس إلا تجسيداً لذلك الكل المطلق أو الروح الشامل.

    وأما الديالكتيك عند الشيوعية فمعناه: علم القوانين العامة لحركة وتطور الطبيعة والمجتمع والفكر الإنساني، وهو يقوم على أساس: أنه لا ينبغي النظر إلى العالم باعتباره مجموعة من الأشياء الجاهزة، وإنما باعتباره مجموعة من العمليات يطرأ فيها -على الأشياء التي تبدو ثابتة في الظاهر وعلى صورها العقلية في أدمغتنا- تغير مستمر من الصيرورة والفناء. إنها تكشف عن الطابع الانتقالي لكل الأشياء وفي كل الأشياء، من الأدنى إلى الأعلى.

إنّ الديالكتيك عند هيجل يتم بين الفكر والروح من جهة وبين المادة من جهة أخرى، لكن الديالكتيك في تصور الشيوعية يتم بين المادة والفكر ضمن المادة ذاتها، دون أي عامل آخر من الفكر أو الروح خارج المادة، وذلك هو سر التطور في الكون والحياة والكائنات، وهو تطور يسير في اتجاه دائري نحو الكمال.

        فالديالكتيك الشيوعي يؤله المادة ويعطيها خصائص الألوهية، وينكر نكراناً كاملاً فكرة الإله الخالق المبدع للكون وما فيه، ويعتبر المادة هي المألوه، والأصل الذي انبثقت عنه المشاعر والتصورات والأفكار والحقائق بما في ذلك الوعي أو الفكر أو الروح.

وتقوم الجدلية الشيوعية على قوانين ثلاثة هي:-

 1-وحدة الأضداد والصراع بينها.

 2-تحول التغيرات الكمية إلى تغيرات الكيفية.

 3-نفي النفي.

ومجمل هذه القوانين: أن كل شيء في الطبيعة أو المجتمع يتحرك ويتطور وينتقل في الطبيعة من حالة قديمة سابقة إلى حالة جديدة لاحقة، بفعل الصراع والتفاعل بين ما تشتمل عليه الأشياء من الأضداد والتناقضات، وبذلك فإن الجديد ينفيه جديد ثالث خلال التطور-وهذا هو نفي النفي- وهكذا دواليك: تغير وتطور مستمر في الطبيعة والمجتمع مصدره وعلته الصراع بين الأضداد المتزاحمة الموجودة ضمن وحدات المادة، وهو تغير في الكم أولاً ينتهي إلى تغير كيفي نوعي، إنه تغير وتطور صاعد من الأدنى إلى الأعلى والأرقى.([6])

 

ثانياً: المادية التاريخية:

المادية التاريخية هي محاولة لتفسير التاريخ البشري على الأسس المادية، أي تفسير التغيرات والظواهر السياسية والاجتماعية التي يمر بها المجتمع البشري عبر العصور والأجيال بأسباب مادية خارجة عن إرادة الإنسان، كما جاء في شرح المادية الجدلية. أي على أساس أن المادة أزلية أبدية، وأنها هي الخالقة لكل الكون وما فيه من المخلوقات، وأن الإنسان نتاج المادة، والفكر نتاج المادة، ووفق قوانين المادية الجدلية باعتبار أنها وحدها التي تحكم حياة البشر الاجتماعية، فالوضع الاقتصادي -المادي- هو الذي يكيف شكل الحياة البشرية في كل طور من أطوارها، وهو العامل الوحيد الذي يشكل تطورها من طور إلى طور آخر، وإذا كان الوضع المادي والاقتصادي في تطور دائم فإن ما ينبثق عنه في تطور دائم كذلك، فالأفكار والمشاعر والمؤسسات والنظم والأخلاق والعقائد بحكم ارتباطها بالأوضاع الاقتصادية وانبثاقها عنها هي كذلك في تطور دائم([7]).

     والتفسير المادي للتاريخ كما يتناول تفسير التاريخ البشري وتطوراته يتناول تفسير الدين والقيم والأخلاق والمعتقدات.

   والمادية التاريخية يسميها أنصار الشيوعية هي: "علم الاجتماع العلمي"، وتهدف كما زعم ماركس إلى جعل علم الاجتماع منسجماً مع الأساس المادي، وإعادة بنائه على هذا الأساس.

    ومما يتقدم يتبين أنه ليس ثمة انفصال بين المادية الجدلية والتاريخية، وإنما هما تكونان وحدة متماسكة لا انفكاك فيها بين حركة الطبيعة وحركة المجتمع، وبتعبير آخر: إن المادية التاريخية هي تطبيق للمادية الجدلية في مجال المجتمع.


 

نقض أوهام المادية الجدلية والمادية التاريخية:

سنتناول بإيجاز شديد أولاً: نقض أوهام المادية الجدلية، ثم ثانياً: أوهام المادية التاريخية.

أولاً: نقض أوهام المادية الجدلية:

         سبق أن بينا أن المادية الجدلية تقوم على قوانين ثلاثة هي: وحدة الأضداد والصراع بينها، وتحول الكم إلى الكيف، ونفي النفي، وبينّا أن المادية تستلزم مقولات منها: المادة أصل الحياة وأساس الكون، والمادة أزلية أبدية، والفكر أو الوعي نتاج المادة.

1- نقض قانون وحدة الأضداد والصراع بينها:

تزعم الشيوعية: "أن مصدر التطور في كل شيء إنما هو أضداد موجودة متزاحمة ضمن الشيء الواحد، بل ضمن الوحدة الصغيرة المجتزئة من الشيء -الذرة-، والعامل المباشر للتطور هو الصراع الذي يتم بين هذه الأضداد ضمن وحدات المادة مهما تكن ضئيلة أم صغيرة، إن أشياء الطبيعة وظواهرها -تحتوي على تناقضات داخلية، فالمادة نفسها تحتوي على جانب سلبي وجانب إيجابي وفيها جميعاً عناصر تزول أو تنمو، والصراع بين هذه الأضداد: بين القديم والحديث، بين ما يزول وما ينمو ويتطور هو المحتوى الداخلي لعملية التطور وتحول الكمية إلى تغيرات كيفية".([8])

إن هذا القانون يقرر أمرين:-

1- وجود الأضداد في وحدة ذاتية، ضمن المادة وأجزاء المادة.

2- تصارع هذه الأضداد فيما بينها على نحو يسيِّر المادة نحو نهجها الديالكتيكي أي على نحو يجعلها تتطور من كيفية بدائية بسيطة إلى كيفية أخرى معقّدة، ثم إلى أخرى أشد تعقيداً.. وهكذا.([9])

   ولكي نفهم القانون فهماً جيداً، ولكي نبين أيضاً مدى تهافته أمام العلم ومسلمات العقل لابد من معرفة المعنى العلمي لكلمتي الضد والنقيض، وما المقصود بالضدين والمتناقضين.

معنى الضدين: الضدان كل صفتين لا تشتركان في أي جزء من أجزاء الماهية -حقيقة الشيء الذاتية- مطلقاً، ومن شروطهما:-

 1-عدم الاجتماع معاً في مكان واحد وفي زمن واحد، وتحت ظل وحدة من الموضوع والمحمول.

2-قابلية الارتفاع معاً. كالأبيض والأسود، فالشيء إما أبيض وإما أسود، وإما لا أسود ولا أبيض، كأن يكون أزرقاً أو أحمراً أو غير ذلك من الألوان.

معنى المتناقضين: كل صفتين لا تشتركان في أي جزء من أجزاء الماهية
مطلقاً، ومن شروطهما:-

  1. عدم الاجتماع في مكان واحد وفي زمن واحد.
  2. عدم الارتفاع معاً عن الشيء الواحد. مثل:السالب والموجب، والحركة والسكون، والليل والنهار، والموت والحياة. فالشيء إما حي وإما ميت، ولا يصح أن يكون لا حي ولا ميت، أو يكون حياً أو ميتاً في آن واحد([10]).

    إن قانون الأضداد والصراع بينهما متهافت من عدة وجوه، نكتفي ببيان بعضها:

أ- إن الدارس للقانون يلاحظ مدى جهل أئمة الشيوعية بالمسلمات العقلية المنطقية، إنهم يتحدثون عن الأضداد وصراعها ثم يخلطون بينها وبين المتناقضات. وقد سبق أنْ بينَّا أنَّ هناك فرقاً دقيقاً بين الضدين والمتناقضين، وهذا الخلط الشيوعي بين المسلمات العقلية ثم بناء مذهب عليه يدعي أصحاب العلمية لا يستقيم بحال؟!

ب- إن الضدين والمتناقضين كما يقرر المنطق ومسلمات العقل التي لا تقبل المناقشة، لا يمكن أن يجتمعا معاً في وحدة مكانية مهما تصغر، فكيف يجتمعان في أصغر جزئيات المادة كما يزعم القانون الشيوعي، كما لا يمكن أن يجتمعا في أي آنية زمنية مهما تكن متناهية، فكيف اجتمعا معاً ليتحقق الصراع بينهما؟!

ج– إننا نقر بوجود الأضداد والمتناقضات في الكون، ونسلم بتأثير أحدهما على الآخر، وهـذا أمـر مشاهـد في حياتنـا، فالبرودة تتأثـر بالحـرارة، والانفجـار بالضغط، والسـالب بالموجب، والجهل بالعـلم...ولا نقـر اجتماعهمـا معاً في مكان واحد فـي زمـن واحد([11]).. ولا نقر بأن العلاقة بينهما علاقة صراع، والصواب أنها علاقة تعاون وتكامل ليس إلا، فالليل يكمل النهار، الأول مسكن والثاني معاش وحركة، قال تعالى: (ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصراً إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون) سورة النمل: 86، والسالب والموجب يتعاونان في إكمال الدائرة الكهربائية، ولو حدث صراع بينهما لما تصورنا ضوء الكهرباء([12]).

د- فقول الشيوعية إذن: بأن أصغر جزئيات المادة في أضيق وحدات الزمان ليس إلا ملتقى الأضداد المتراكمة المتصارعة، لا يقبله العقل الذي يستسلم لقواعد ضبط المعرفة.

لقد أثبت العلم أن الذرة خالية من التناقض الباطني، وأن الطبيعة في أشكالها عبارة عن ذرات، وإذا ثبت ذلك: عرفنا أن الطبيعة أو المادة لا تنطوي في باطنها على أضداد أو تناقضات مجتمعة معاً، ولا يدور خلالها صراع، وبذلك لم يعد من الممكن القول بأن حركة المادة جدلية.

هـ– وإذا كانت الشيوعية تتوهم بأن تحول المادة من نوع إلى نوع آخر هو نتيجة الصراع، فإن العلم أبطل هذا الوهم، إذ أثبت أن تحول المادة إلى تركيبات مختلفة يتم عن طريق اندماج الذرات، ويتطلب ذرتين على الأقل تكون درجة تشبعهما مختلفة لتدمجا، فتصبح الذرتان ذرة واحدة من نوع ثالث.. ولابد من التأثير الخارجي، أي تأثير ذرة على أخرى لتتم عملية التحول.. وهذا يخالف نظرية الجدلية التي ترى أن التحول يحدث في الباطن الداخلي للمادة. لقد نفت الشيوعية التأثير الخارجي لتنفي المؤثر، وهو الله عزّ وجل الذي خلق كل ذرة وكل مادة في هذا الكون([13]).

و- أثبت العلم اليوم أن الذرة مركبة، أي ليست أصغر جزئيات المادة كما توهم ماركس وإنجلز وغيرهما من أئمة الشيوعية. إن الذرة تتكون من نواة يحيط بها عدد من الإلكترونات تتحرك حولها بسرعة هائلة، والنواة تتكون من بروتونات ونيوترونات وأجسام أخرى.. الإلكترونات كهارب ذات شحنات سالبة، والبروتونات كهارب ذات شحنات موجبة، والنيترون متعادل، وقوامه برتون وإلكترون متعانقان.

    إن الاختلاف في الظواهر التي نراها في المادة وتركيبها راجع إلى اختلاف فـي عدد وترتيـب الإلكترون في ذرات تلـك المـواد، فمثـلاً: إذا كانت الذرة تحتـوي علـى إلكترون واحد هي هيدروجين، وإذا كانت تحتوي على اثنين فهي هليوم، وإذا كانت تحتوي على 36 إلكترون فهي حديد، وإذا كانت تحتوي على 92 إلكترون فهي يورانيوم.

ز- أثبت العلم أيضاً: أن عدد الإلكترونات في أي ذرة يساوي تماماً عدد البروتونات، أي الشحنات السالبة تساوي الشحنات الموجبة، إذاً لا وجود للتناقض الباطني ولا وجود للصراع داخل الذرة في كل مادة.

     وإذا كان يظن أن وجود الشحنتين الكهربائيتين في ذات الشيء إما أن تتنافرا إذا كانتا من نوع واحد -سالبتان مثلاً أو موجبتان- وإما أن تتجاذبا إذا كانتا مختلفتين، فالسالب نقيض الموجب، فإن هذا الظن قد أبطله العلم، الذي أثبت أن هناك مسافة يبطل عندها هذا القانون، وهي جزء من ثلاثين مليون جزء من السنتيمتر، أي يعادل⅛ قطر أكبر ذرة. وبذلك ثبت أنه ليس داخل الذرة جذب ولا تنافر، أي لا تناقض.([14])

2- نقض قانون تحول الكم إلى كيف:

       الكم: هو الظواهر التي تحدد بالوزن أو العدد أو الحجم أو القياس.. وهو ينقسم إلى كم متصل: وهو ما يحدد بالحجم وأحياناً بالوزن.. وإلى كم منفصل: وهو ما يحدد بالعدد وأحياناً بالوزن.

     الكيف: هو السمات الجوهرية للشيء، التي لا تخضع لضوابط العدد والحجم والوزن، مثل الصلابة والليونية، والحرارة والبرودة، والقوة والضعف، والبقاء والزوال.([15])

      تزعم الشيوعية: "أن التغيرات التي تطرأ على كمية الشيء تؤثر أخيراً في تغيّر كيفياته، فالحجارة التي تتراكم شيئاً فشيئاً في مجرى النهر تتحول عند حد معين من تطورها الكمي إلى كيفية جديدة لم تكن من قبل، إذ إنك تنظر فترى ركام الحجارة وقد أصبح سداً، والتغير في الكيفية لا يتحقق بالتدرج تبعاً لما يتم من التدرج في تغير الكمية، وإنما يكون تغيّر الكمية بمثابة التهيؤ والإعداد لولادة كيفية جديدة منتظرة، حتى إذا جاءت اللحظة الحاسمة تم التغير الكيفي فجأة وبقفزة، إلا أن شكل هذه القفزة تختلف ما بين حالة وأخرى".([16])

      يقول ستالين:"إن الحركة وعملية النمو في المفهوم الجدلي تعني الانتقال من التحولات الكمية الضئيلة الكامنة إلى تحولات ظاهرة أساسية، هي التحولات الكيفية.. وليست هذه التحولات تدريجية بل هي تحولات سريعة مباغتة، تحدث بواسطة قفزات من حالة إلى أخرى، وهي تحولات ضرورية لأنها ثمرة تحولات كمية تدريجية لا نشعر بها".([17])

ولبيان تهافت هذا القانون الحتمي نذكر ما يلي:-

أ-إنَّا نسلِّم بأن الكم إذا كان متصلاً يتحول إلى كيف، ولكن ليس قانوناً حتمياً، كما زعمت الشيوعية، فتراكم الحجارة في مجرى النهر قد تتحول إلى سد إذا اتحدت في كتلة واحدة، ولكنها قد تقف عند حدود كيفيات بسيطة لا تحوّل فيها.

ومن المعلوم أن سائر التحولات الكيميائية، والقوانين الهندسية، والطاقات الحياتية، إنما تخضع لقانون ملازمة الكيف للكم، ولكن بشرط أن يكون الكم متصلاً إمّا بذاته، أو عن طريق الصهر والتأليف.

ب- ولا نسلِّم بأن الكم المنفصل حتماً يجب أن يتحول إلى كيف، فالماء الذي يتحول بخاراً فوق سطح البحار وتحمله السحب، ليس حتماً أن تحوله السحب بقفزة إلى ماء هاطل ما دام الجو يبث كمية حرارة تتفق واحتفاظ السحب بأبخرتها، غير أنها سرعان ما تتحوّل إلى ماء إذا هبطت درجة الحرارة فيها إلى مستوى يسمح لها بأن تُحيل تلك الأبخرة إلى أمطار هاطلة.([18])

ج- إن القفزة التي يتحدث عنها القانون على أنها السبب في التحول من حالة إلى حالة أخرى، ليست حتماً أن تتجه دائماً إلى أعلى وأرقى أي إلى الأفضل والأتم والأكثر فائدة وتعقيداً كما يزعم أئمة الماركسية، بل الأمر عائد إلى السبب الدافع الذي يقتضي ذلك. فربما جاءت القفزة إلى الأمام، وربما كانت القفزة إلى الخلف، فمثلاً طاقة النور أغنى من طاقة الحرارة كما هـو معلوم، ومن السهل أن تتحول ألف وحدة من طاقـة النـور إلى ألف وحدة حرارية، وخلايا الجسم تتجدد باستمرار، ولكن ضمن خط عام يتجه بمجموعه نحو الركود والانسحاق، وباختصار شديد: إن العلم يؤكد بأن الخط البياني في سير الطبيعة عموماً، إنما هو خط منحدر إلى الأدنى، وليس متصاعداً في جملته إلى الأعلى.([19])

د- إن الأمثلة التي ذكرها أئمة الشيوعية للدلالة على تحول الكم إلى كيف، حجة عليهم لا لهم.. وبيان ذلك:-

 

 

 

المثال الأول:

    يقول إنجلز: "الأكسجين إذا اتحدت ثلاث ذرات منه بدلاً من ذرتين لتكوين جزيء نحصل على الأوزون، وهو جسم يختلف عن الأكسجين العادي برائحته وتأثيره، أي يختلف عنه نوعاً وكيفاً".([20])

نقض المثال:

    إنّ تصور المادية الجدلية للفرق بين الأكسجين والأوزون بأنه مجرد فرق رقمي كمي هو خطأ علمي فادح، فأي طالب مبتدئ في علم الكيمياء يعرف: أن الفرق بين الأكسجين والأوزون ليس مجرد فرق عددي في الذرات، وإنما هو فرق في التوليف والتشكيل والنظم والترتيب داخل الجزيء، وهذه كلها أمور كيفية، أي هناك أسباب أخرى تدخلت في عملية التحول.([21])

المثال الثاني:

يقول الشيوعيون: "الماء بواسطة الحرارة يتحول من حالة السيولة إلى حالة الغازية، على أن تغير الحرارة التدريجي بالارتفاع في درجتها هو تغير كمي، أي أن كمية الحرارة التي يحتوي عليها الماء تزداد، وأن تحول الماء من حالة السيولة إلى حالة الغازية عندما تبلغ حرارته درجة الغليان يعتبر تحولاً كيفياً نوعياً"([22]).

نقض المثال:

1-الماء كم من الكموم، وله كيفيات مختلفة، منها السيولة ومنها الغازية، ففي المثال: تحولت بالتسخين كيفية الماء السيولة إلى كيفية جديدة هي الغازية (بخار الماء).

2-إن الحرارة ليست كماً، وإنما هي إحدى كيفيات الطاقة، فليس الكم هو الذي تحول إلى كيف كما تزعم الشيوعية، لأن الحرارة في ذاتها هي كيفية، أي إننا أمام كيف تحوَّل إلى كيف آخر، أي حركة تؤدي إلى حركة، فالحرارة في تعريفها النهائي هي حركة.

3- إن ماهية الحرارة في ذاتها مجهولة، ولا نملك عنها إلا الفروض، وما تحدثه الحرارة في جزئيات الماء لا نعرف عنه إلا مجموعة فروض أخرى.

4- إنه من المغالطة القول بأن تراكم الكميات التي تتمثل في تزايد درجات الحرارة هو الذي ولّد بمجموعة القفزة "حالة التبخر"، إن الذي أوجد القفزة هو غليان الماء، والغليان سبب جديد ظهر بعد أن لم يكن بقطع النظر عن عوامله، وغليان الماء بحد ذاته كيفية، وليس مجموعه كموم متراكمة تجسِّدها مجموعة الدرجات الاعتبارية لحرارة الماء، وتعداد الدرجات الحرارية ليس إلا مقياساً اعتبارياً تضبط به الكيفيات المتدرجة.([23])

3- نقض قانون نفي النفي:

       إن نفي النفي عند الشيوعيين: هو العملية المتكررة المتجددة وهلاك القديم، أو هو هلاك الظواهر التي مضى زمانها لتؤول إلى حطام، ثم تحل محلها ظواهر جديدة، وكل ظاهرة تمر بطور الجدة ثم الهرم والبلى لتقوم مكانها ظاهرة جديدة أعلى وأرقى، حتى إن الظاهرة الجديدة تصبح فيما بعد قديمة بالية يجري نفيها من قبل ظاهرة أقوى وأكثر جدة وعطاءً، وهذه العملية تمر في الطبيعة والمجتمع([24]). وهذا القانون يمتاز -فيما تراه الماركسية- بما يلي:

1-الاستمرار الذي لا توقّف له، فهو دستور التطور الدائم، ورمز الجدّة الناسخة لكل قديم، فما من كيفية إلا وهي تحمل في باطنها بذور نسخها بما هو أتم وأفضل، عندما تحين اللحظة الطبيعية المناسبة.

2- ليس معنى نسخ القديم أو نفيه من قبل الظاهرة أو الكيفية الجديدة، القضاء على عناصره كلها، بل هو نفي من شأنه الاحتفاظ بأفضل خصائص القديم مع إضافة جديد إليه يطوره ويرقيه.

3- إن عملية نفي النفي لا تسير سيراً ميكانيكياً مستقيماً، بل تسير بشكل دائري لولبي متصاعد مستمر، بحيث يرتد نفي النفي إلى أطروحته الأولى بشكل أغنى وأفضل وأرقى.([25])

نقض القانون:

    إنّ قانون نفي النفي المزعوم لا يقوم على أساس سليم من العلم والحس والواقعية، إنه قانون تنفيه حقائق الملاحظة والتجربة والواقع التي تثبت أن خط الطبيعة في سيرها عموماً، إنما هو خط منحدر إلى الأدنى، وليس متصاعداً في جملته إلى الأعلى وفي بعض الظواهر الطبيعية وخاصة في عالم النبات نرى أن التصاعد ليس إلى أعلى، بل يرتد الشيء في عملية التطور والتصاعد إلى أصله دون إضافة جدية أو الحصول على تركيب أغنى وأفضل من ذي قبل.

ونذكر هنا بعض الأمثلة التي تبين المغالطة التي يقوم عليها قانون نفي النفي.

المثال الأول: من عالم الطبيعة:

من المعلوم عند علماء الطبيعة والفلك، أن مادة الكون الصلدة آخذة في الانحلال والتلاشي أثناء تحوّلها إلى إشعاع. ومن المعلوم أن وزن الشمس كان يزيد على ما هي عليه اليوم بآلاف الأطنان، وإذا كانت الشمس هي التي تمد هذه الطبيعة بمعظم عوامل التماسك والحياة، فمعنى ذلك: أن الطبيعة عموماً تسير في منحدر إلى الأدنى، ولا تسير في خط تصاعدي إلى الأعلى والأفضل، كما تزعم الشيوعية([26]).

المثال الثاني: في عالم الإنسان:

     إن الخلية هي وحدة التركيب في جسم الإنسان، ولا يفتأ نسيج الخلايا أن يقوم بوظيفته، أي يظل يتأثر بعملية الفناء والتجديد، ففيه عناصر تزول وعناصر تنمو وتتجدد، وتستمر عملية التجديد فيه، إلى أجل محدود، حيث تتقاصر أجهزة الجسم كلها عن أداء وظيفتها، فتتناقص الحرارة في الجسم، وتعجز أجهزته عن استخراج الحرارة اللازمة للجسد والخلايا، وإذا ما انتهى كل شيء فيـه عن أداء وظيفته التي كان مستمراً عليها مـن قبل، تحقق الموت الذي لا مهرب منه. فأين نفي النفي هنا، وأين التصاعد المستمر إلى الأعلى والأفضل كما يزعم نظام الديالكتيك الشيوعي.([27])

المثال الثالث: في عالم المواد المشعة:

      من المعلوم أن ذرات الراديوم وغيره من المواد المشعة تتفكك بمرور الزمن عليها، عن طريق إشعاعات نووية، وتتحول إلى ذرات من الرصاص أو الهليوم، وما رأينا أن الرصاص والهليوم قد عاد كل منهما فتحول ذات يوم -ولو في ذرة واحدة منه- إلى الراديوم ذاته الذي انحدر منه، أي لم يعد تصاعدياً بتركيب جديد أفضل وأغنى، فالراديوم أحسن وأفضل جودة وقيمة من الرصاص.([28])

المثال الرابع: في عالم النبات:

     إن المثال المفضل في نفي النفي عند إمام الماركسية إنجلز وغيره من أئمة المادية الجدلية: هو مثال حبة الحنطة أو حبة الشعير.

     يقول إنجلز: إذا ما صادفت مثل هذه الحبة من الشعير شروطاً هي طبيعية بالنسبة إليه، إذا ما سقطت في تربة مناسبة، فإنها تجتاز إذن تحت تأثير الحرارة والرطوبة تحولاً نوعياً، فتنتشي، وعندئذ فإن الحبة بحدّ ذاتها تكف عن الوجود، إنها تُنفى، وتظهر في مكانها النبتة التي نشأت عنها، وهي نفي الحبة، ثم تنمو النبتة وتزدهر وتلقح، وأخيراً تنتج من جديد حبوب الشعير، لا تكاد هذه الحبوب تنضج حتى تموت الساق، فهي تنفي بدورها، لنحصل من جديد بنتيجة هذا النفي للنفي على حبة الشعير الأصلية من جديد، لكن لا نحصل عليها وحدها، بل مضاعفة عشرات المرات([29]).

النقض:-

     إنّ إنجلز وأصحابه الماركسيين لا يستطيعون تطبيق قانون الديالكتيك في هذا المثال، لأن حبة الشعير -حسب قانون نفي النفي- الجديدة لابد أن تكون من نوعيـة أجود وأفضل، وأغنى تركيباً، لأن التحول متصاعداً في جملته إلى الأعلى. إن حبات الشعير والحنطة والأرز ونحوها: هي منذ أقدم الأزمان إلى اليوم، ولم تحقق عمليات الزرع المتلاحقة لها إلا رجوعاً دائرياً إلى أصلها ذاته، لم تتحول إلى تركيب جديد أغنى من ذي قبل.

     وما يقال عن الشعير والقمح ينطبق بذاته على كل أصناف النبات والأشجار المثمرة.([30])

    تلك فقط أمثلة من جملة الأمثلة الكثيرة جداً التي تقطع من الأدلة والبراهين على تهافت القانون الشيوعي، وعدم صدق المقولات التي يتبناها الشيوعيون، والتي يتصورون بموجبها تقلب الأشياء والكائنات في سلم الرقي من مرحلة لأخرى إلى أن تبلغ أعلى درجة في الرقي والاكتمال.([31])

 

نقض المقولات الشيوعية: نتناول هنا أهم المقولات فقط.

المقولة الأولى: المادة أصل الحياة وأساس الوجود:

- إن هذه المقولة دعوى مجردة لا تستند إلى أي برهان علمي، إنها مخالفة للعقل والعلم معاً، وبيان ذلك من خلال تهافت برهان الدعوى الوحيد الذي يقدمه أئمة الماركسية وهو: أن الحياة تنشأ عن الحرارة، والحرارة تنشأ عن الحركة، أي الحركة زائد الحرارة = الحياة([32]).

أ- إن الحرارة والحركة هما من خصائص وصفات الحياة، وصفات الشيء وخصائصه ليست هي ذاته، فالماء مثلاً في حالة الغليان يتصف بالحرارة والحركة، ومن المعلوم أن جوهر الماء وحقيقته شيء آخر غير الحركة والحرارة.

ب- إن الحركة والحرارة، وكل ما يعدّ من العناصر الأساسية للحياة من الأيدروجين والكربـون والأوزون والأكسجين والفسـفور والكبريت ونحوها لا يمكن أن تتكون الحياة مـن مجموعهـا على شـكل معيـن، إن الحيـاة تتخـذ من هـذه العناصـر مظهراً لهـا، تمـاماً كالضـياء الساطع على صفحة الجدار، وكصورة الإنسان في المرآة إنها مظهر له ليس غير ذلك وليست ذاته([33]).

ج- وإذا سألت ما هو أصل الحياة وما سرّها ؟ فإن الجواب ندعه للعلم، الذي قرر أن سرّ الحياة وأمرها لا يزال مجهولاً، ولا يمكن أن يصل إليه العلم يوماً ما، وهذا السر أبعد من أن يكون مجرد بناء نواة عضوية معينة وظواهر طبيعية وكيميائية خاصة.

د- لقد اجتمع ستة من أئمة علماء الحياة في كل من الشرق والغرب سنة 1959م في مدينة نيويورك على مائدة مستديرة، للتعاون في سبيل فهم شيء عن أصل الحياة ونشأتها على ظهر هذه الأرض، أو معرفة مدى إمكان إيجاد الحياة عن طريق التفاعل الكيميائي، وكان فيهم أستاذ الكيمياء الحيوية بأكاديمية العلوم السوفيتية "ألكسندر إيفانوفيتش أوبارين".

     لقد قرر المؤتمرون في نهاية بحوثهم بالإجماع: أن أمر الحياة لا يزال مجهولاً، ولا مطمع في أن يصل إليه العلم يوماً ما. ([34])

- وفي نفس العام 1959م تناقلت وكالات الأنباء العالمية، ومنها وكالة الأنباء السوفيتية "تاس" ما يلي:

       إنّ ألكسندر أوبارين رئيس معهد الكيمياء الحيوية في روسيا بعد أن ظل يبحث سبعة وثلاثين عاماً في أصل الحياة، وفي البحث عما إذا كان من الممكن إيجاد الخلية الأولى عن طريق تفاعل كيميائي، أعلن ما يلي: "إن الحياة لا يمكن أن تبدأ من العدم، أو أن تتوالد من التفاعل الكيميائي والتوالد الذاتي، وأن العلم لا يمكن أن يخوض فيما وراء حدود المادة".([35])

     نقول لأئمة الشيوعية إذا كان العلم -كما قرر العلماء المختصون- لم يعرف سر الحياة وأصلها، ولن يكون في مقدوره في يوم من الأيام أن يعرف، فكيف عرفوا هم؟! إذا لم يكن العلم قد دلهم على ذلك أليس من حقنا بأن نحكم بأن الجهـل والتخبط والوهم هـو الذي أرشدهم إلى هذا الضلال والضياع، وأن استنادهم إلى العلم هو عمل يتسم بالكذب والدجل لترويج الاعتقادات الإلحادية.

د - إنه لو صحّ أن المادة هي أصل الحياة وينبوع الروح، لقضى العقل أن الإنسان أسبق إلى فهـم الـروح وعناصرها من فهم المادة وذراتها وجزئياتها وكهاربها، لأن العقل يحكـم بأن الذي أدرك الأصل للشيء وحقيقته "المادة" لابد أن يدرك ثمرته وفروعه "الروح" وبجهد أقل... لأن إدراك الفرع أيسر على الإنسان من إدراك الأصل، فالذي أدرك ذات الشجرة في جذورها وطبيعتها وحلّل كلَّ أجزائها ودخائلها يسهل عليه إدراك الثمر في أعلى إذا رآه، والذي لا يفهم الثمار مع أنه فهم أصله وذاته فليس هو من العقلاء.. وإذا كان الإنسان اليوم لا يفهم شيئاً عن أصل الحياة -كما قرر العلم- دلّ ذلك على أن الروح ليست هي الفرع والثمرة للمادة كما تزعم الشيوعية، بل إن المادة هي من ثمرات وفروع الروح([36]). وصدق الله تعالى إذ يقول:(يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) سورة الإسراء: 85.

      ولقد صدق "رسل تشارلز آرنست" عالم الأحياء والنبات الألماني عندما قال: يستحيل علينا أن نفسِّر كيف بدأت الخلية الحية حركتها، وكيف اتخذت صورتها إلا إذا سلمنا عن طريق العقل والمنطق أن وراء ذلك قوة الله وحكمته وتدبيره.([37])

 

المقولة الثانية: المادة أزلية أبدية، والكون ليس له بداية ولا نهاية:

- إن هذه المقولة متهافتة علمياً كغيرها من المقولات والقوانين الشيوعية، إنها جميعاً فروض فلسفية ألبسها أئمة الشيوعية ثوب العلم بهدف ترويجها، وإشاعة الإلحاد المترتب عليها، إن العلم يكذب دعاوى الشيوعية، وبيان ذلك:

1- لقد قرر العلماء أن الطاقة تتلاشى في يوم ما، وإذا كانت المادة وعاء للطاقة، فمعنى ذلك أن مصير المادة إلى التلاشي أي التفكك والضياع، إن الشمس أهم مصدر للطاقة كما قرر العلم- فقدت آلاف الأطنان من وزنها، وهي ماضية في هذا الفقد والضياع.. إنه إذا صادف شعاع الشمس الأرض، فإن ذرات الأرض تأخذ حرارته، وتصبح الأرض مشحونة بالطاقة الحرارية، وإذا لم يصادف الإشعاع مادة، فإنه لم يقل أحد حتى اليوم أنه سيتحول بنفسه إلى ذرة مادية.

2- أعلن العلماء: أن قوانين الديناميكا الحرارية قد أخذت تدلهم على أن لهذا الكون بداية، ولابـد لـه مـن مبدئ من صـفاته العقـل والإرادة واللانهايـة، ويجب أن تخالـف طبيعتـه طبيعة المادة التي تتكون من ذرات تتآلف بدورها من شحنات أو طاقات، لا يمكن بحال بحكم العلم أن تكون أبدية أزلية.([38])

3- يقول أستاذ العلوم الطبيعية في جامعة ميتشيجان الأمريكية: "إيرفنج وليام نوبلوتشي": "فعلم الفلك مثلاً يشير إلى أن لهذا الكون بداية قديمة، وأن الكون يسير إلى نهاية محتومة، وليس مما يتفق مع العلم أن نعتقد أن هذا الكون أزلي ليس له بداية، أو أبدي ليس له نهاية، فهو قائم على أساس التغيير..".([39])

4- ومن الأدلة العلمية على عدم أزلية الكون ما يعرف بـ "قانون الطاقة المتاحة" الذي أشار إليه عدد من العلماء:

- يقول الأستاذ الحجة في علم الحياة:إدوارد لو ثركيسيل:"إن العلوم تثبت بكل وضوح أن هذا الكون لا يمكن أن يكون أزلياً، فهناك انتقال حراري مستمر من الأجسام الحارة إلى الأجسام الباردة، ولا يمكن أن يحدث العكس بقوة ذاتية، بحيث تعود الحرارة فترتد من الأجسام الباردة إلى الأجسام الحارة، ومعنى ذلك، أن الكون يتجه إلى درجة تتساوى فيها حرارة جميع الأجسام، وينضب فيها معين الطاقة، ويومئذ لن تكون هناك عمليات كيماوية أو طبيعية، ولن يكون هناك أثر للحياة نفسها في هذا الكون.

ولما كانت الحياة لا تزال قائمة، ولا تزال العمليات الكيميائية أو الطبيعية تسير في طريقها فإننا نستطيع أن نستنتج أن هذا الكون لا يمكن أن يكون أزلياً، وإلا استهلكت طاقته منذ زمن بعيد، وتوقف كل نشاط في الوجود.

ويضيف هذا العالم فيقول: "وهكذا أثبتت البحوث العلمية -دون قصد- أن لهذا الكون بداية، فأثبتت تلقائياً وجود الله، لأن كل شيء ذي بداية لا يمكن أن يبتدئ بذاته، ولابد له من مبدئ، أو من محرك أول، أو من خالق، هو الله".([40])

5- ويقول:جون كليفلاند كوثران من علماء الكيمياء والرياضة الأمريكان: "وتدلنا الكيمياء على أن بعض المواد في سبيل الزوال أو الفناء، ولكن بعضها يسير نحو الفناء بسرعة كبيرة، والآخر بسرعة ضئيلة، وعلى ذلك فإن المادة ليست أبدية، ومعنى ذلك أيضاً أنها ليست أزلية، إذ أن لها بداية. وتدل الشواهد من الكيمياء وغيرها من العلوم على أن بداية المادة لم تكن بطيئة أو تدريجية، بل وجدت بصورة فجائية، وتستطيع العلوم أن تحدد لنا الوقت الذي نشأت فيه هذه المواد، وعلى ذلك فإن هذا العالم المادي لابد أن يكون مخلوقاً، وهو منذ أن خلق يخضع لقوانين كونية محدودة، ليس لعنصر المصادفة بينها مكان".([41])

 

المقولة الثالثة: الوعي وظيفة الدماغ:

يزعم أئمة الماركسية أن الوعي من ثمرات لامادة، ولكنه ليس من ثمرات المادة أياً كانت، بل هي ثمرة لمادة عالية التنظيم هي الدماغ.

     إنّ الشيوعية إذ تقوم ذلك لم تقدم أي دليل علمي تسنده، وكل ما استندوا إليه هو دعواهم بأن المادة هي كل ما في الوجود،وهي أصل كل شيء. ومن المعلوم أن كل دعوى بلا دليل علمي تعتبر باطلة، بل هي أقرب إلى الوهم أو الخيال منه إلى الظن فضلاً عن العلم، ومع ذلك يمكننا رد الدعوى الشيوعية بما يلي:

1- من المفروض حسب مزاعم الشيوعية أن يتمتع الحوت بذكاء يفوق ذكاء النمل بملايين المرات بالنظر إلى كبر حجم مخه عن حجم مخ النملة، بل يفوق ذكاء الإنسان لأن حجم مخه يفوق حجم مخ الإنسان بثلاثة أضعاف تقريباً.

2- إن في الجسم مواد عالية التنظيم وبصورة أسمى كالجملة العصبية أو المخيخ أو نياط القلب، أو حدقة العين، فلماذا المخ من دونها، ثم من أين جاء التنظيم العالي للمخ، من الذي نظمه، إذا كان ثمة تنظيم فلابد من المنظم الفاعل.

3- لو كان الفكر نتاج نشاط الدماغ فقط، لوجب التسليم بأن هذا النشاط يستفرغ ويستهلك من جسم صاحبه وطاقاته كل ما يستهلكه أي نشاط مماثل، ولقد نفى العلم كون عملية التفكير تستنفذ أي نشاط من شأنه أن تستنفذه الوظائف الجسمية الأخرى.

4- إننا نشاهد قوة التفكير ونضجه مع ضعف الجسم وكلاله في حالة الكبر، وهذا ينقض الدعوى بأن التفكير وظيفة الدماغ. إن المخ آلة النفس في التفكير أو شرط فيه، ولابد من وجود العقل أو الروح، وعندما يقال: إن الفكر عمل العقل مرتبط بالمخ ومفتقر إليه، افتقار الفعل بآلية، وليس افتقار الشيء إلى علته ومصدره كما تتوهم الماركسية.([42])

 

ثانياً: نقض أوهام المادية التاريخية:

       يمكن نقض التفسير المادي للتاريخ من عدة جوانب، ونكتفي هنا ببعضها، على الوجه التالي:

أولاً: خطأ القول بحتمية العامل الاقتصادي:

       يتوهم الماركسيون أن العامل الاقتصادي هو العامل الوحيد الذي يؤلف سبباً أساسياً يكمن خلف كل التغيرات سواء كانت سياسية أم اجتماعية أم نفسية أم دينية، إنها المحرك الأساس للأفراد والجماعات، وأن كل تغيير يحدث إنما هو نتيجة حتمية لتغير وسائل الإنتاج.

ولبيان مدى تهافت هذه الأوهام الشيوعية نذكر الآتي:-

1- إن وسائل الإنتاج التي تكيف المجتمع -كما تزعم الشيوعية- في أمريكا الرأسمالية هي نفسها وسائل الإنتاج في روسيا الشيوعية، ومع ذلك فإن استخدامها في روسيا لم يفرض عليها أن تكون رأسمالية، بل إن روسيا لم تستخدم هذه الوسائل إلا بعد أن تحولت إلى الشيوعية، حيث كانت روسيا دولة زراعية متخلفة صناعيا.ً([43])

2- كان ماركس يعتقد انطلاقاً من مبدأ الجبرية الاقتصادية أن الشيوعية ستقوم أولاً في إنجلترا، ومنها إلى بقية دول أوربا، ولكن خاب اعتقاده لفساد فكره، فظهرت الشيوعية أولاً في روسيا التي لم تستكمل نموها الرأسمالي، إنما كانت بلداً زراعياً متأخراً([44])، وتأخرت الشيوعية عن الظهور في إنجلترا مع أنها استكملت نموها الاقتصادي الرأسمالي منذ أيام ماركس.([45])

3- لقد أثبت كثير من المؤرخين والاقتصاديين مجافاة الوهم الشيوعي للعلم، ومن هؤلاء "ماكس فيبر" في كتابه (البحوث الدينية والاجتماعية) الذي نقض الزعم الماركسي بأن الاقتصاد أساس الحياة الإنسانية من جميع اتجاهاتها، وذلك من عدة وجوه:-

- إن الدين عند الهنود والصينيين واليهود لم يقم على أساس اقتصادي كما حاول ماركس أن يشرح كل شيء في الوجود، حتى الدين والأخلاق والفكر،إنّ الفكرة الدينية وحدها في هذه الأديان الثلاثة هي التي حددت البناء الاجتماعي لشعوب هذه الأديان.

-إن التفكير الكنسي كان له تأثير على المجتمع الاقتصادي في القرون الوسطى.

- إن الرأسمالية المعاصرة قامت على الأيديولوجية الخاصة والتعاليم التي قال بها "كلفن"، وتحت تأثير أصحاب النزعة الخاصة في المسيحية من البروتستانت في إنجلترا منذ القرن السادس عشر، وليست الرأسمالية هي التي أودت هذه الأيديولوجية.

-هل يمكن أن تكون الحقائق الرياضية والمنطقية تابعة لأسس مادية أو اقتصادية ؟! إنه من المستحيل ذلك، لأن الحقائق الرياضية والمنطقية هي في كل عصر، وتحت كل ظرف.

-إذا كان العامل الاقتصادي هو المؤثر في إحداث التاريخ، وأن الإنسان لا إرادة له أمامها، فكيف استطاع كارل ماركس-وهو وليد النظام الرأسمالي-أن يفكر ضد العوامل الاقتصادية السائدة في عصره، فهل صعد إلى القمر لكي يبحث في أحوال الأرض.([46])

4- أثبت العلم أنه لا يوجد عامل واحد في ميدان الظواهر الاجتماعية، إنما هناك عوامل عدة تؤثر في بعضها تأثيرات متقابلة، فالعامل الجوهري اليوم يمكن أن يصبح عاملاً ثانوياً غداً([47]).

5- إن أقوى رد على مزاعم الشيوعيين هو اعتراف إنجلز زميل ماركس ومؤسس المذهب الشيوعي معه، بأنه هو وماركس بالغا في تقدير العامل الاقتصادي.

     كتب إنجلز في رسالته إلى جوزيف بلوخ في 22 أيلول سنة 1890م-أي قبل وفاته بخمس سنوات- ما يلي: ينبغي علينا، ماركس وأنا، أن نتحمل جزئياً مسؤولية كون بعض الشبان يعلقون في بعض الأحيان وزناً أكبر مما ينبغي للعامل الاقتصادي، ولقد اضطررنا إلى تأكيد صفة المركزية في معارضتنا للخصوم الذين كانوا ينكرونه، ولم نجد الوقت ولا المكان ولا المناسبة لإنصاف العوامل الأخرى في الحركة التاريخية([48]).

6-إن التاريخ البشري حافل بالأحداث والمواقف التي تهمل العامل الاقتصادي مطلقاً، فالدعوة الإسلامية ليس للعوامل الاقتصادية فيها أثر، والفتوحات الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين، وانتشار الإسلام في أنحاء المعمورة على يد المسلمين المخلصين لعقيدتهم ليس للعامل الاقتصادي فيه أثر، إن العامل الوحيد في ذلك هو ابتغاء القوم رضا الله تعالى، والحرص على جنته، وإعلاء كلمة الله في الأرض.

ثانياً: الموقف الشيوعي من الأسرة:

    إن الأسرة كما تقرر الشيوعية هي مؤسسة برجوازية ومصلحة اقتصادية، نشأت من اعتماد المرأة في معيشتها وإعالتها على الرجل الذي يملك وسائل الإنتاج، ويفرض على المرأة تبعاً لذلك أن تكون له وحده دون شريك، وليست الأسرة حاجة نفسية متأصلة في نفس الرجل والمرأة على السواء([49]).

   يقول إنجلز:"الرجل في العائلة هو البرجوازي، بينما المرأة تمثل البروليتاريا..وإن الشرط الأول لتحرر المرأة هو عودة جنس المرأة إلى الإنتاج الاجتماعي، الأمر الذي يتطلب بدوره زوال العائلة الفردية، بوصفها وحدة اقتصادية في المجتمع".([50])

   ولقد دعت الشيوعية إلى مشاعية النساء، بمعنى أن المرأة لكل رجل، وليس هناك شيء اسمه شرف العذارى وحشمة النساء على حد تعبير إنجلز نفسه([51]). والأولاد يجب أن تؤول تربيتهم للمجتمع في ظل غياب الأسرة وزوالها، فالأسرة ليس لها أية قداسة، فكل القداسات زائفة كما صرّح الزعيم الشيوعي ستالين.([52])

لماذا العداء الشيوعي للأسرة ؟

    إنّ الشيوعية تعادي الأسرة للأسباب التالية:

1- لأنه في وجود الأسرة توجد ملكية خاصة، وهذا ما لا تؤمن به الشيوعية.

2- في ظل الأسرة يتربى الأبناء على الفضيلة والأخلاق، وقد يتربون على القيم والعقائد والأفكار الدينية الصحيحية، وهذا كله ما تخشاه الشيوعية التي تريد من الجميع أن يؤمن بفلسفتها الإلحادية دون عائق من الأسرة أو الدين أو غير ذلك.

3- في الأسرة ولاء الزوجة والأولاد للأب المعيل، والشيوعية تريد الولاء خالصاً لها وللحزب الشيوعي الحاكم، وللزعيم المتربع على سدة الحكم والسلطة الدكتاتورية.

4- في الأسرة يتمتع الجميع بالطمأنينة ويشعرون بالسعادة والمودة. وصراع الطبقات بين أفراد المجتمع، والحقد والضغينة والثورات لا يناسبها ذلك.

إن محاربة الشيوعية للأسرة لن يكتب لها النجاح لأن الأسرة فطرة بشرية، وقضية نفسية، وضرورة من ضرورات الحياة الإنسانية، ومن دعائم الحضارة الإنسانية، ولن يوجد مجتمع إنساني مهما كانت ديانته أو عقائده ينادي عقلاؤه بإلغاء الأسرة.

 

ثالثاً: الموقف الشيوعي من الدين:

       إن اعتبار الشيوعية المادة أساس الكون وأصل الحياة، وزعمهم بأنها أزلية أبدية جعلها تنكر وجود الله تعالى، وتنكر كل الغيبيات الأخرى التي جاءت بها العقيدة الإسلامية، وننقل أقوال أئمة الشيوعية في ذلك: ([53])

- يقول ماركس:لا إله والحياة مادة. وقال عن الدين:إنّه نفثة المخلوق المضطهد، وشعوره بالدنيا التي لا قلب لها، إنه أفيون الشعوب.

- يقول إنجلز: تكمن أصول الديانة في النظريات المحدودة الجاهلة التي تنشأ في حالة الهمجية.

- ويقول لينين: ليس صحيحاً أن الله هو الذي ينظم الأكوان، إنما الصحيح هو أن الله فكـرة خرافية اختلقها الإنسـان ليبرر عجزه، وبهـذا فإن كل شخص يدافع عـن فكـرة الله، إنما هو شخص جاهل وعاجز. وقال:إن الأخلاق الشيوعية ليست مستمدة من وصايا إلهية، لأننا لا نؤمن بالله.

- وقال لينين أيضاً: الماركسية هي الدين، وهي من ثمّ معادية للدين، والإلحاد جزء طبيعي من الماركسية لا ينفصل عنها، وأن البحث عن الله لا فائدة منه، ومن العبث البحث عن شيء لم يخبأ، وبدون أن تزرع لا تستطيع أن تحصد، وليس لك إله لأنك لم تخلقه بعد، والآلهة لا يبحث عنها، وإنما تخلق.

- وقال ستالين: يجب أن يكون مفهوماً أن الدين خرافة.. وأن فكرة الله خرافة.. وأن الإلحاد مذهبنا، ونحن نؤمن بأن الإيمان بالدين يعرقل تقدمنا.. ولا نريد أن نجعل الدين يسيطر علينا، لأننا لا نريد أن نكون سكارى.

- لقد نشرت الصحف الروسية الرسمية في أعدادها أكثر من مرة الأقوال الإلحادية التي تبين الموقف العدائي من فكرة الألوهية ومن الدين، ومن ذلك:

- قول صحيفة برافدا: نحن نؤمن بثلاثة أشياء: كارل ماركس، لينين، ستالين، ولا نؤمن بثلاثة: الله، الدين، الملكية الخاصة.

- قول صحيفة "سوفتسكيا برافدا": إن الاعتقاد بالله هو تراث القدامى الجهلة.

- إن الشيوعية ترى أن الدين خرافة، وهو جهل نشأ من جهل الإنسان وعجزه أمام قوى الطبيعة وسطوة الأقوياء، وهو تفسير خاطئ، وهو من بقية النظم البالية، ويعتبر لوناً من ألوان الخداع صنعه بعض البشر لاستغلال كل الناس، وخاصة الطبقة الكادحة.([54])

 

نقض الموقف الشيوعي من الدين:

1- إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، والحكم الصواب يكون بعد دراسة الشيء من جميع جوانبه، إن التفسير الشيوعي للدين تفسير قاصر لا يصل إلى مرتبة العلم بحال، إنه لا يتناول الأديان جميعاً لكونه صادراً عن الواقع الاجتماعي الذي كان يعيشه أئمة الشيوعية، فالدين النصراني الذي ساد أوربا لم يكن ديناً ربانياً جاء لخير البشرية، ولإرساء الحق والعدل بين الناس، إنما هو دين بشري صنعه أعداء الدين الحق من فلاسفة وحكماء ويهود، والظلم الذي مارسه رجال الدين النصراني تجاه الشعوب لم يكونوا سوى ممثلين للدين المصطنع.

2- إن التفسير الشيوعي يتناول الأديان الوثنية المليئة بالأوهام والخرافات والأساطير، مثلها مثل الدين الأوربي الذي يحتوي على عقائد ومفاهيم يرفضها العقل الصريح، وترفضها الفطرة السليمة([55]).

3- إن التفسير الشيوعي يستحيل أن يتناول الدين المنزل من الله تعالى (الإسلام)، لأنه بريء من الصورة القاتمة عن الدين، فالإسلام يدعو إلى المحبة والمساواة الإنسانية، ويضمن للفرد حريته وكرامته، وتشريعاته قائمة على العدل والرحمة، وهو يحث أتباعه على عدم الاستسلام للظلم والظالمين، ولقد حارب الإسلام الخرافات والأساطير، في الوقت الذي حثّ فيه على طلب العلم واحترام العلماء.

        إن الإسلام يعني الخضوع فقط لله تعالى وحده، ولا يسمح لأحد من أتباعه أن يتلقى التوجيهات والأوامر من البشر إذا كانت بعيدة عن منهج الإسلام، وليس في الإسلام رجال دين، ولا وسطاء بين الإنسان وربه تعالى. ولقد حارب الإسلام الفقر وسد الطرق المؤدية إليه، وحث المسلمين على السعي في طلب المعاش وتحصيل الرزق.

4- إن الدين للإنسان تماماً كالطعام للجسد، فالغذاء أساسي لبقاء الإنسان.. ولا تخلو أطعمة الناس في تاريخهم القديم والحديث من أنواع من الأطعمة الفاسدة والضارة.. فهل يستطيع أحد من العقلاء أن يطالب الإنسانية بالتخلي عن طلب الغذاء أو ترك أحد الأطعمة..وكذلك الأديان، فهناك أديان باطلة تحتوي على الخرافات، وتسوغ لرجالها الظلم والاضطهاد، وهناك الدين الحق الذي ليس كذلك، فكيف يحق للشيوعية أن تطالب الإنسانية بالتخلي عن الدين كله؟([56]).

5- إن التدين فطري ثابت في النفوس، ولن يستطيع إنسان أن يعيش بمعزل عن فطرته التي فطرها الله تعالى عليها، والتوحيد هو أصل التدين، بينما الشرك أمر طارئ على النفس وله أسبابه من خارج النفس، والقول بأن الدين مخترع هو وهم وخداع، وليس له ما يدعمه علماً وعقلاً وفطرة، إنه قول باطل وهو تضليل وخداع القصد منه هدم الأديان، ومن ثمّ تدمير البشرية أو استعبادها لصالح المخطط اليهودي الذي تحدثت عنه برتوكولات حكماء صهيون، والمذهب الشيوعي الإلحادي واحد من هذه المخططات اليهودية.

6-إنّ الشيوعية تزعم أنها تفرّ من الدين فراراً من الظلم والاضطهاد، وفراراً من الأوهام والخرافات، ولكنا نراها وقعت فيما هربت منه، فالمادة هي المألوه، والمذهب الشيوعي بما يحتوي من الأوهام والضلالات والمناقضات للعلم ومسلمات العقل هو الدين، وماركس وإنجلز ولينين هم الأنبياء الدجاجلة، ورجال الحزب الحاكم في المجتمعات الشيوعية هم كهنة هذا الدين ورجاله وحراسه، ولقد مارسوا من الظلم والبشاعة والقتل أضعاف ما مارسه رجال الدين في أوربا. وإذا كان حال الشيوعية هو ذاك أفلا يحق للبشرية أن تكفر بالشيوعية وأن تبحث عن دين غيره يحررها من الخرافات والأوهام ويمنحها السعادة والطمأنينة، ويخلصها من الظلم والاضطهاد الشيوعي.

7-إن الماركسية هي الأجدر بأن توصف بأنها أفيون الشعوب، لأنها ترفع عن الضمير شعوره بالمسؤولية، وتغريه بالتطاول والبذاءة على العظماء وذوي الأقدار. إن الماركسية تروج بين الذين يسقطون التبعة والمسؤولية عن أنفسهم، ويلقون أوزار الجرائم والرذائل على المجتمع. إن الماركسيين يتحدثون عن المذهب العلمي، أو التفسير العلمي للتاريخ،ويكثرون من ذكر العلم والبحث والاستقراء، ثم إنك تنظر فيمن تستهويهم بهذا الهراء، فلا ترى أحداً منهم يحفل بالعلم، أو يعنيه أمر المعرفة والاستقراء، إنهم يندفعون فقط بغرائزهم اندفاع السائمة على غير هدى.

      إن الماركسية أفيون الشعب بلا مراء، وكلما بحثت عن سبب صالح لشيوع المسكرات في بيئة من البيئات، فاعلم أنه سبب صالح كذلك لشيوع المذاهب الهدامة، فالسكران تبدو عليه نفس أعراض أصحاب المذاهب الهدامة: إسقاط التبعية والمسؤولية، وخلع الحياء، والتطاول والبذاءة على كل محسود، وإن لم يكن من الأغنياء.([57])

      ومما يبرهن أن الإسلام لم يكن مخدراً في يوم من الأيام: الفتوحات والغزوات الإسلامية قديماً، ثم الثورات الإسلامية المعاصرة التي وقفت في وجه الاستعمار الرأسمالي والشيوعي واليهودي، وهي ثورات كان الدين وحده هو المحرِّك لها، لأنه يأمر أتباعه بجهاد الكفار وقتالهم وعدم الاستسلام والخضوع لهم.

8- إن مما يبين تهافت الموقف الشيوعي من الأديان أنه عقب سقوط الشيوعية وانهيار الاتحـاد السوفيتي قبل عدة سـنين، عـاد سـكان الإمبراطورية الشـيوعية إلى معتقداتهـم التـي كانوا عليها قبـل فرض الشيوعية بالدم والحديـد والنار، فرأينـا شعوباً كاملة تعود إلى الإسلام، وأخرى إلى النصرانية، وعاد الشيوعيون يتجرعون مرارة وهم الخيبة والسقوط يدافعون عن صنم لينين في الساحة الحمراء بموسكو، ولو كانوا من أصحاب العقول والإنصاف لأسقطوه، كما سقطت أفكاره، وتهاوت أضاليله.

عوامل وأسباب سقوط الشيوعية:

      قلنا سابقاً أن الشيوعية تحمل عوامل فنائها وانهيارها نظرياً -ذاتياً وداخلياً- وأنهـا فشـلت تطبيقياً، لأن ما كان منهـاراً في الداخـل يسـتحيل إيجـاده علـى أرض الواقـع التطبيقي، ثم هناك أسباب وعوامل خارجية تتمثل في المجابهة للشيوعية من قبل الشعوب المسلمة، وغيرها من الشعوب التي ابتليت بها أو بأحزابها وتنظيماتها.

أولاً: الأسباب الذاتية لسقوط الشيوعية:

أ - مجافاتها للعلم وحقائقه:

     أطلق كارل ماركس على نظريته اسم "الاشتراكية العلمية" لأنه اعتمد حسب زعمه على مجموعة من المفاهيم العلمية، ولكنها في الواقع هي مجموعة فرضيات العلم التجريبي التي كانت ولا تزال لم ترق إلى مستوى الحقائق العلمية، إذ لم يلبث أن جرفها وحطمها التقدم العلمي الذي وصل إليه الإنسان في القرن العشرين.

     إنّ الماركسية من الوجهة النظرية تقوم على جهالة علمية منقطعة النظير، تقوم على جهالة عميقة بالنفس البشرية وطبيعتها وتاريخها، وعلى جهالة عميقة بالحقيقة الكونية من حيث تفسير الكون والحياة، ولم تقم على أساس واقع عملي في الحياة التي يزاولها البشر، ولذا اضطرت الماركسية عند التطبيق العملي أن تتخلى عن أهم مقدساتها، عبر سلسلة من التعديلات والتراجعات والترميمات، فحتمية العامل الاقتصادي في صناعة التاريخ البشري وتوجيهه تحطمت، وتراجع الماركسيون أنفسهم عن القول به.([58])

     إنّ أول أعمدتها المنهارة اعتبار الإنسان كيان مادي خالص، وأن قوانين المادة صالحة للتطبيق عليه، لقد أثبت العلماء أن الكيان الإنساني هو كيان مستقل بذاته، وأن قوانين التجارب المادية لا تصلح للتطبيق عليه، وأن الفرضيات التي قدّمها دارون في نظريته بشأن العلاقة بين الإنسان والقرد قد انهارت، وتبين للعلماء المختصين فسادها.([59])

    يقول الفيلسوف هكسلي: "كانت الشيوعية أكثر تنسيقاً وملائمة، ولكن أساسها المادي المحض قد حدّ من فاعليتها، فقد حاولت أن تنكر حقائق القيم الروحية، وهذه القيم موجودة قائمة".([60])

      لقد تلقت النظرية الشيوعية ضربات موجعة من حقائق العلم، التي أثبتت أن الزمن تجـاوز الشيوعية لقيامهـا على فروض علمية قـد تغيّرت، ومن أدلـة ذلك شـهادات العلمـاء المختصين الروس التي أحدثت شرخاً كبيراً في البناء العلمي المزعوم للفكر الشيوعي، ومن ذلك: أن "ألكسندر إيفانوفيتش أوبارين" أستاذ الكيمياء الحيوية في معهد العلوم السوفيتية ورئيس المعهد نفسه الذي بحث طوال سبع وثلاثين سنة: إذا كان من الممكن إيجاد الخلية الأولى عن طريق تفاعـل كيميائي قد أعلن "أن الحياة لا يمكن أن تبدأ من العدم، أو أن تتوالد من التفاعل الكيميائي والتوالد الذاتي، وأن العلم لا يمكن أن يخوض فيما وراء حدود المادة"، وقد تناقلت وكالات الأنباء العالمية هذا الإعلان العلمي الخطير، وفي مقدمتها وكالة الأنباء السوفيتية "تاس".([61])

       ومن ذلك أنّه أعلن أربعون عالماً شيوعياً روسياً -بعد أن اجتمعوا في بداية الستينات في شكل مجتمع علمي لدراسة أسس الماركسية-  : أنّه يجب ألا يعوّل كثيراً على جدل المادة بعد أن تجاوزه العلم، وقد صدر كتاب باسم "أسّس الماركسية اللينينية" ووصل إلى مصر، ولقد أصدرت القيادة الماركسية في روسيا قراراً بجمعه من الأسواق، وتم طبعه مرة ثانية سنة 1963م بعد أن حذف منه الفصل الخاص بعدم التركيز على جدل المادة كما توهمه ماركس وإنجلز.([62])

ب - كذب تنبؤات كاهن الشيوعية الأكبر كارل ماركس:

        يزعم ماركس وشيعته أن تنبؤاته قامت على أسس علمية، ولكن الواقع المشاهد عصف بهذه العلمية المزعومة، وجاءت حقائق التاريخ مخالفة لنبوءات ماركس، كاشفة للكذب وأوهام الكذبة وهي كثيرة، ومن ذلك:-

1- تنبأ أن الثورة الاشتراكية ستقوم في كل البلدان الرأسمالية المتطورة وخاصة ألمانيا وإنجلترا، ولكن حدث العكس، إذ قامت الشيوعية في روسيا المتخلفة صناعياً، ودون أن تمر روسيا بالمرحلة الرأسمالية التي هي حتمية في تاريخ البشر كما زعم أنصار التفسير المادي للتاريخ، كذلك قامت الشيوعية في الصين، وهي أيضاً دولة زراعية متخلفة، وبقيت الدول الرأسمالية، كما هي ولم تنتقل إلى الاشتراكية.

2- ومن نبوءات ماركس التي سقطت قوله: إن العالم يسير في الصناعة والتجارة نحو الاحتكار، بحيث يأكل الأقوياء ضعفاء الملاك، وأن هذا الاحتكار يستمر ويطرد في جميع الصـناعات، حتـى ينتهـي إلى إلغـاء الملكيـة الفرديـة، ومـن العجيب أن روسـيا الشيوعية سمحت بالملكية الفردية في بعض الأشياء، كالسيارة والبيت وادخار بعض المال في البنك.([63])

3- تنبأ ماركس بأن شقة الخلاف ستتسع بين البرجوازية والبروليتارية في الدول الرأسمالية، إلى أن تحدث ثورة تقلب النظام الرأسمالي كله، وحدث العكس، إذ حصل مزيد من التقارب من خلال الإصلاحات والأنشطة النقابية، بينما حصل الخلاف وتفاقم في الدول الاشتراكية سابقاً: كما حدث بين روسيا والصين، ورومانيا ويوغسلافيا، وألبانيا والمجر وبولندا، لقد انقسم المعسكر الشيوعي على نفسه وتناقض وتصارع.([64])

4- لقد تنبأ ماركس بأن تستولي طبقة البروليتاريا -طبقة العمال الكادحة- على مقاليد النظام والسلطة، وأن الحياة ستتحول إلى شيوعية كاملة، ولكن لم يحدث شيء من ذلك، بل استبد الحزب الشيوعي بالحكم والسلطة وزادت حالة العمال سوءاً، واشتد الفقر في الدول الشيوعية -سابقاً- بصورة ملفتة للأنظار، ولم تصل أي دولة منها إلى حالة الشيوعية التي تختفي فيها الحكومة والجيش والأسرة، وينعم الناس بجنة الشيوعية.([65])

ج - اصطدام النظرية بالفطرة البشرية:

       لمّا كانت الماركسية تقوم على جهالة عميقة بالنفس البشرية وطبيعتها وتاريخها، كان من الضرورة أن تصطدم مع الفطرة البشرية، وأن تجانب حقائقها، إنَّها تصطدم مع الفطرة الإنسانية عندما تلغي: الدين والملكية الخاصة، والأسرة والحرية الفردية، وعندما تحاول القضاء على الأخلاق والكرامة الإنسانية، وعندما تفرض سلطانها الفكري الزائف وسلطانها السياسي الرهيب عبر التصفيات الدموية الرهيبة.([66])

        إنَّ الشعوب التي اكتوت بالشيوعية ظلت فطرتها تقاومها مقاومة عنيفة، على الرغم من طول خضوع هذه الشعوب للإرهاب البوليسي، وسيطرة الحزب الشيوعي القليـل العـدد على مقدرات البـلاد وأرزاق العباد، وعلى الرغم من بلشفة الأطفال والشباب والكبار عن طريق المنظمات الخاصة ومن خلال أجهزة التوجيه ووسائل الإعلام ومناهج التعليم التي سيطر عليها الحزب الشيوعي سيطرة كاملة، فقد قوبل النظام الشيوعي بالكراهية والنفور من قبل الشعوب لاصطدام النظرية بالفطرة، ولم تعد تجدي كل وسائل الترويض والإخضاع.

      إنّ كل نظرية أو مذهب، أو نظام، ينتقص الفطرة أو يصطدم بها مصيره الفشل والسقوط، لأن الشعوب لن تصبر طويلاً على ذلك. وخير مثال على ذلك مظاهر الفرحة والسرور التي أبدتها الشعوب لما سقطت الشيوعية وأنظمتها الحاكمة، ومظاهر البهجة والسرور التي أبداها الناس في بولونيا الشيوعية في يونيه عام 1979م عندما زار البابا يوحنا بولس الثاني مسقط رأسه بولونيا، لقد كتبت الصحف الغربية عن تلك الزيارة، فقالت تحت عنوان: "الأيام التسعة التي هزت العالم"، "لم تعد رحلة الأوديسا التي قام بها على مدى تسعة أيام مجرد فصل مثير في تاريخ البشرية بل أصبحت أكبر مجابهة في الأزمنة الحديثة بين القوى الملحدة والمشاعر الإيمانية العارمة".

     إنّ الحنين إلى الله تعالى منغرز في أعماق الفطرة البشرية، ولن تستطيع أن تمحوه كل الفلسفات مهما حاولت ارتداء ثوب العلم، ومهما استخدم الطغاة من أدوات الإرهاب أو وسائل الإغراء.([67])

      لقد أظهرت إحصائية للحزب الشيوعي الإيطالي أن 70% من أفراده يترددون على الكنيسة.. إنهم لم يقتنعوا بإنكار الله والأديان كما صورت لهم ذلك النظرية الشيوعية، ولم يستطيعوا أن يصمدوا طويلاً أمام مشاعرهم المكبوتة وفطرهم المسحوقة المغمورة بالمكابرة والعناد، فاضطروا للتخلص من ذلك كله وعادوا إلى الكنيسة، إلى دينهم القديم تلبية لنداء الفطرة في نفوسهم، التي لم تستطع النظرية الماركسية طمسه وإسكاته.([68])

د- فشل النظرية في التطبيق:

      إن الشيوعية في الواقع التطبيقي تتناقض مع أفكارها النظرية التي ألبستها ثوب المنطق ورداء العلم كذباً وزوراً، ثم ادَّعت أنها قوانين حتمية لطبيعة المجتمع البشري وإذا كـان الأمـر كما زعمت الشيوعيـة فلماذا الإرهـاب والأعمـال الدمويـة، ولماذا الحكـم الاستبدادي الذي لم تعرف البشرية في تاريخها الطويل أبشع وأنكى منه، إنّه لو أردنا محاكمة الشيوعية-لنقف على مدى البون الشاسع بين النظرية والتطبيق- لاحتجنا إلى مجلدات كبار، ويكفي هنا أن نشير إلى اثنين من الأسس والمبادئ الشيوعية، أحدهما يتعلق بالجانب الاقتصادي، والآخر يتعلق بالحرية ودكتاتورية البروليتاريا "الطبقة الكادحة".

أولاً: الانهيار الاقتصادي في ظل النظام الشيوعي:

      إنّ من أكبر أسباب انهيار الشيوعية وسقوطها، انهيار الاقتصاد في البلدان التي ساد فيها النظام الشيوعي.([69])

      لقد بدأ الانهيار في الاقتصاد الروسي مبكراً منذ أيام لينين، إذ أعلن الرجل عام 1921م فشل تجربة إلغاء الملكية الفردية، وذلك نتيجة هبوط الإنتاج الزراعي والصناعي إلى خُمْس(1/5) ما كان عليه قبل الثورة، ولمعالجة ذلك سمح لصغار المنتجين ببيع إنتاجهم لحسابهم الخاص، وألغى تأميم المؤسسات الصناعية الصغيرة، وسمح للشركات أن تقيم مصانع مملوكة لها ملكية خاصة.

        وحاول ستالين أن يتغلب على الانهيار الاقتصادي بإحداث كسر في المبادئ الشيوعية التي تقضي بالمساواة بين العمال في الأجور، فسمح للعمال بالاشتغال فترة عمل إضافية مقابل أجر إضافي، ليتمكن العمال شراء حاجيات لا توفرها لهم ساعات العمل الإجباري.

      قام ستالين بعملية التجميع الزراعي في الريف عبر استخدام القوة والتدابير الاقتصادية المدروسة، فأدت سياسته إلى مجاعة عامة شديدة، مات بسببها خمسة ملايين ونصف المليون من الرجال والنساء والأطفال.

      ولقد تراجع الاقتصاد أكثر في زمن خرتشوف بهبوط الإنتاج الزراعي، مما اضطر لإحداث كسر آخر في المبادئ الشيوعية التي تقضي بإلغاء الملكية الفردية إلغاءً تاماً، وجعل الملكية الجماعية بديلاً عنها، فسمح خرتشوف للفلاحين بملكية عشر المحصـول لذوات أنفسهم، وامتلاك الدار التي يسكنونها وما فيها من أثاث، كل ذلك لدفـع الفلاحين والمزارعين والعمال لزيادة إنتاجهم، ولكن ذلك لم يجد نفعاً، فلم يتقدم الاقتصاد بل هبط الإنتاج الزراعي أكثر، مما دفع روسيا –التي كانت دولة مصدرة للقمح- إلى استجداء القمح من أعدائها الرأسماليين، وبلغت كمية القمح المستوردة من أمريكا في زمن خرتشوف وحده 15,8 مليون طن.

     وأمَّا في رومانيا الشيوعية فقد قلّ فيها إنتاج العامل، ففي سنة 1966م كان إنتاج العامل الروماني يساوي ثلث أو نصف إنتاج العامل الإيطالي أو الفرنسي أو الألماني. وخسرت 1370 سلعة ما يقرب من 240 مليون جنيه، وفي سنة 1967م حدث عجز في ميزانية الدولة يساوي 215 مليون جنيه.

       لقد كتب أندريه جيد -أحد المتحمسين للشيوعية- عن الوضع المزري لجمهور الناس في روسيا بعد أن زارها، تحدث عن الفقر الشديد المنتشر بين العمال والمزارعين، الذين جاءت الشيوعية من أجل تخليصهم من ظلم الإقطاع، وكل ما فعلته لهم أنها زادتهم فقراً على فقر، وظلماً على ظلم، فعاشوا في حياة بائسة أليمة محزنة، أفضل منها بكثير حياة بعض الحيوانات.

     يقول دجيلاس- الذي كان نائباً للرئيس اليوغسلافي السابق تيتو- : "إنّ الاقتصاد الشيوعي الموجه، تعصف بداخله فوضى رهيبة ذات طابع متميز، ومنهج الاقتصاد الشيوعي من أكثر المناهج الاقتصادية في تاريخ المجتمعات البشرية إسرافاً وتبذيراً، وهدراً للجهود والطاقات"، وقرر دجيلاس: إن النظام الشيوعي دائم التخبط والانتكاس في المجال الاقتصادي، وإن كثيراً من المصانع في الدول الشيوعية تنتج مواد تكلفها أضعاف تكلفة نظيرها في الدول الأخرى، وإن النظام الشيوعي قد استنفد دوره التاريخي الفاشل.

ثانياً: انعدام الحرية: ودلائل ذلك كثيرة منها:

      تفشي الدكتاتورية، والاستبداد، والتصفيات الدموية، والتعذيب، والنفي إلى معسكرات العمـل الجماعـي فيما يُعرف بنظام السخرة، ولم يكن الإرهـاب الدموي والقتــل والتصفيات([70]) موجه فقط للمسلمين والنصارى، بل كان لكل المعارضين للفكــر الشيوعي، وللنظام الشيوعي، وللحزب الشيوعي، وأخيراً طالت معظم أبناء الحزب الشيوعي نفسه، بل وأعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، ولم يسلم من ذلك الصحفيون والكتّاب والمفكرون والعلماء والفنانون. ونذكر بعض الأمثلة على ذلك:-

- لقد سحقت الثورة البلشفية عشرات الملايين من أعدائها، ثم عادت تصفي جنودها وأنصارها، ففي سنة 1934م كان أعضاء اللجنة المركزية في روسيا 71 شخصاً، لم يبقَ منهم سنة 1938م سوى 21، وفي سنة 1936م كان مجلس الشعب 21 شخصاً، لم يبقَ منهم بعد سنتين سوى خمسة، والبقية قتلوا.

- لقد قدّرت الإحصائيات عدد ضحايا الإرهاب الشيوعي في حكم ستالين -الممتد من سنة 1930 إلى 1953م- بما لا يقل عن ثلاثين مليون ضحية، ما بين مقتول ومسجون ومعذَّب وهالك، بسبب المجاعات التي حدثت نتيجة السياسات الاقتصادية الفاشلة.

- إن من البراهين الواضحة على انعدام الحرية في الدول الشيوعية: ظاهرة هروب كثير من العلماء والمفكرين وغيرهم من الشخصيات البارزة في مجالها إلى الدول الغربية، ومن لم يستطع الهروب فقد تخلص من الحياة بالانتحار.

- إن شعار: "الفرد سيصبح حراً بعد أن يتخلص من هم خبزه اليومي" كان من الأراجيف والأضاليل التي استخدمتها الشيوعية في ترويج بضاعتها المزجاة.

إن حرية النقد في المجتمع الشيوعي سواء في روسيا أو غيرها معدومة جداً، اللهـم إلا ما تنشره الصحف ووسائل الإعلام المملوكة للحزب الحاكم وفق خطة مبرمجـة.

- ومن دلائل الحرية المزعومة: وجود نظام للتجسس رهيب، لم يعرف له مثيل في دول العالم، فكل فرد هناك جاسوس على غيره، وغيره جاسوس عليه، ومن دلائل ذلك أيضاً: السجون والمعتقلات في روسيا والصين وما يحدث داخلها من عذاب وحشي واضطهاد مروّع، استخدمت فيها كل الوسائل التي تقشعر لهولها أبدان قارئيها. كل ذلك يحدث تحت ستار مظهري من الانتخابات، والمجالس النيابية والتمثيل الشعبي.

       يقول "دجيلاس": إن الانتخابات التي تجري في ظل الحكم الشيوعي مهزلة وأبهتها الفارغة معروفة تماماً، إنها سباق يعدو فيها حصان واحد...إنها فارغة من أي معنى أو محتوى، إنّ الذين يفوزون فيها هم المنتقون بعناية فائقة من قبل الحزب الشيوعي الحاكم...وأما البرلمان فهو هيكل صوري مهمته تنفيذ مقررات القيادة الحزبية العليا...ولا يملك أعضاء البرلمان الجرأة لبحث القضايا الهامة في جو من الحرية...إن أبلغ وصف للبرلمانات الشيوعية أن يقال: هي قبور للنواب...وأي نظام برلماني آخر ليس له مكان في دولة البطش والإرهاب.

     ويضيف دجيلاس قائلاً: "إن النظام الشيوعي سحق كرامة الإنسان، وحوّله إلى مجرد ترس في دولاب، فاقد الشخصية الذاتية، والميزات الخاصة، في آلة حكومية لا ترحم، تدار حسب أهواء الزعيم الأعلى".. إنّ النظام الشيوعي استطاع أن يخنق الشخصية الفردية أكثر من أي نظام آخر.([71])

ثانياً: الأسباب الخارجية لسقوط الشيوعية:

1- استخدام الشيوعية للإرهاب والقتل والدمار بصورة غاشمة تجاه الدول والشعوب الأخرى. ومن ذلك أحداث المجر عام 1956م، وأحداث تشيكوسلوفاكيا عام 1968م، وأحداث أفغانستان في السبعينيات والثمانينات، حيث حوّل الجيش الأحمر الشيوعي هذه البلاد إلى خراب ودمار، وحوّل أكثر دورها إلى مقابر للضحايا، وملاجئ للأيتام والأيامى.

2- التصدع والنزاع بين الدول الشيوعية نفسها، حيث انشقت الصين على روسيا، وتبادلتـا الاتهام بخيانـة المبادئ الشيوعيـة وممالأة الإمبريالية، وصارت العـداوة بيـن الصين وروسيا شديدة جداً، لقد وقفت الصين الاشتراكية مع أمريكا الإمبريالية الرأسمالية ضد الاتحاد السوفيتي الاشتراكي، أي لم تستطع الأيديولوجية الشيوعية أن توحدهما على الأقل تجاه الخصم الرأسمالي، وحدثت انشقاقات أخرى في الصف الشيوعي ومن أمثلتها خروج يوغسلافيا على روسيا، وانضمامها لدول عدم الانحياز، رافضة الزعامة الروسية للمعسكر الشيوعي.([72])

ولقد أثرت هذه الخلافات والمنازعات على الشيوعيين العرب، فسمعنا من يقول عن نفسه: أنا ماركسي، وآخر: أنا ماركسي لينيني وثالث: أنا ماركسي ماوسوتنغي، وهكذا خربوا بيوتهم بأيديهم.

3- الجهاد الأفغاني: لقد كان الجهاد الأفغاني سبباً جوهرياً لانهيار الشيوعية، وقد أغفلته المصادر الغربية، كراهية منها أن تذكره، حيث استطاع شعب شبه أعزل أن يصمد أمام وحشية الدب الروسي، واضطر روسيا في نهاية المطاف أن تسحب قواتها المنهارة معنوياً وعسكرياً من أفغانستان، وهي تحمل في نفوسها معاني الذل والصغار([73]).

4- الصحوة الإسلامية من أسباب سقوط الشيوعية في البلدان الشيوعية كروسيا، وفي البلاد الإسلامية، وهذه الصحوة نتاج جهاد طويل ودماء غزيرة، سالت على ثرى النيل، وسوريا، وفلسطين، وأفغانستان، واليمن (الجنوبي)، والصومال، وأرتيريا، وغيرها من البلاد التي اكتوت بنار الاستعمار الشيوعي، وتسلُّط الأحزاب الشيوعية، وتآمرها ضد مصالح الشعوب والأمم المسلمة.

5- ويمكن أن نضيف إلى ما سبق من أسباب انهيار الشيوعية: الردة عن الشيوعية والكفـر بأفكارهـا ومبادئهـا، وخاصة من قبل كثير من العلماء والمفكرين الذين كانوا من أشد الدعاة أو المتحمسين لها أمثال: روجيه جارودي الذي كان سكرتيراً للحزب الشيوعي الفرنسي، والكاتب أندريه جيد الذي زار روسيا سنة 1936م، وعاد يائساً من الشيوعية، ورتشارد رايت، وآرثر كستلر، واكنار سيلوني، وستيفن سيندر، ولويس فيشر، ويملوفان دجيلاس الذي كان نائباً للرئيس اليوغسلافي تيتو.([74])

 

 

 



[1]- مذاهب فكرية معاصرة محمد قطب ص 259.

[2]- الكيد الأحمر عبد الرحمن الميداني ص9، الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة ص 309.

[3]- ومن هؤلاء: د. محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه:نقض أوهام المادية الجدلية، د. صلاح عبد العليم في كتابه:تهافت الفكر الماركسي، فهما من أهم مصادري في هذا النقض.

[4]- انظر تهافت الفكر الماركسي ص 39-43، الماركسية في ميزان الإسلام د. أمير عبد العزيز ص 17، مذاهب فكرية معاصرة محمد قطب ص 268.

[5]- انظر تهافت الفكر الماركسي ص 43-44.

[6]- انظر نقض أوهام المادية الجدلية ص 28-29، تهافت الفكر الماركسي ص 45، 50-53، النظرية الماركسية في الميزان ص 17، 19-20، مذاهب فكرية معاصرة ص 269.

[7] انظر مذاهب فكرية معاصرة ص 281، تهافت الفكر الماركسي ص 121-122.

[8]-أصول الفلسفة الماركسية: جورج بوليتزر وآخرون ص 125.

[9]-انظر نقض أوهام المادية الجدلية ص 58.

[10]-نقض أوهام المادية الجدلية ص 57.

[11]- انظر نقض أوهام المادية الجدلية ص 59.

[12]- انظر المصدر السابق ص 59.

[13]- انظر المصدر السابق ص 39، تهافت الفكر الماركسي 97-98.

[14]- انظر مستقبل الحضارة بين العلمانية الشيوعية والإسلام ص 38.

[15]- انظر ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة ص 340-341.

[16]- نقض أوهام المادية الجدلية ص 35.

[17]- المادية الديالكتيكية والتاريخية: ستالين ص 5.

[18]- انظر نقض أوهام المادية الجدلية للبوطي ص 71.

[19]- نقض أوهام المادية الجدلية ص 73، 77.

[20]- أصول الفلسفة الماركسية ص 103.

[21]-انظر تهافت الفكر الماركسي ص 94-95.

[22]-أصول الفلسفية الماركسية ص 96-97.

[23]- انظر نقض أوهام المادية الجدلية ص 72، تهافت الفكر الماركسي ص 94.

[24]- النظرية الماركسية في ميزان الإسلام ص 41-42، وانظر تهافت الفكر الماركسي ص 56.

[25]- نقض أوهام المادية الجدلية ص 37، 74.

[26]- انظر المصدر السابق ص 77.

[27]- المصدر السابق ص 77، النظرية الماركسية في ميزان الإسلام ص 43.

[28]- المصدرين السابقين، الأول ص 78، والثاني ص 44.

[29] انظر نقض أوهام المادية الجدلية ص 77-78.

[30] نقض أوهام المادية الجدلية ص 79-81.

[31]- انظر أمثلة أخرى المصدر السابق ص 77-85، النظرية الماركسية في ميزان الإسلام ص 43-45.

[32]- المادية والمذهب التجريبي النقدي ص 24 نقلاً عن نقض أوهام المادية الجدلية للبوطي ص 98.

[33]- انظر نقض أوهام المادية الجدلية ص 99.

[34]- المصدر السابق ص 98، تهافت الفكر الماركسي ص 92.

[35]- تهافت الفكر الماركسي ص 92، كبرى اليقينيات الكونية للبوطي ص 82.

[36]- انظر نقض أوهام المادية الجدلية ص 99-100.

[37]- انظر تهافت الفكر الماركسي ص 90-92.

[38]- انظر الله يتجلى في عصر العلم لمجموعة من المؤلفين ترجمة د.الدمرداش عبد المجيد سرحان ص 51، قضايا العصر في ضوء الإسلام أنور الجندي ص 39.

[39]- الله يتجلى في عصر العلم ص 53.

[40] المصدر السابق ص 27، الإسلام يتحدى وحيد الدين خان ص 50.

[41] الله يتجلى في عصر العلم ص 25.

[42] انظر نقض أوهام المادية الجدلية ص 138-140، تهافت الفكر الماركسي ص 87-88.

[43] انظر تهافت الفكر الماركسي ص 149.

[44] لم تظهر الشيوعية في روسيا وفق قوانين المادية الجدلية المفتراة، ولكن ظهرت وفق المخطط الصهيوني الذي كان وراء الثورة الشيوعية سنة 1917م، انظر ص 253 من هذا الكتاب.

[45] انظر تهافت الفكر الماركسي ص 149.

[46]-تهافت الفكر الماركسي ص 150-151.

[47]-انظر المصدر السابق ص 151.

[48]- تهافت الفكر الماركسي ص 151، موقف الإسلام من نظرية ماركس للتفسير المادي للتاريخ، ص 449.

[49]- الإنسان بين المادية والإسلام ص 69.

[50]- أصل العائلة لإنجلز ص 93، 94، 96.

[51]- المصدر السابق ص 96.

[52]- نقلاً عن تهافت الفكر الماركسي ص 214.

[53] انظر المصادر التالية: تهافت الفكر الماركسي ص 175-177، حركات ومذاهب في ميزان الإسلام ص 15-17، النظرية الماركسية في ميزان الإسلام ص 101-102، فتاوى عن الشيوعية د. عبد الحليم محمود، الإسلام يتحدى وحيد الدين خان ص 30.

[54] انظر تهافت الفكر الماركسي ص175

[55]- انظر تهافت الفكر الماركسي ص 179.

[56]- أفيون الشعوب ص 50-51.

[57] أفيون الشعوب ص 11-12.

[58]- انظر المستقبل لهذا الدين: سيد قطب ص 50 - 51، هزيمة الشيوعية في عالم الإسـلام: أنور الجندي ص 72-73.

[59]- انظر هزيمة الشيوعية في عالم الإسلام ص 63، 69، هناك عشرات الأبحاث العلمية التي تحدثت عن فساد نظرية دارون.

[60]- المصدر السابق نفسه.

[61]- سبق أن أشرنا إلى ذلك.

[62]- انظر حوار مع الشيوعيين في أقبية السجون: عبد الحليم خفاجي 142، 144-145، هزيمة الشيوعية في عالم الإسلام: أنور الجندي ص 64.

[63]- هزيمة الشيوعية في عالم الإسلام: أنور الجندي ص 68، موقف الإسلام من نظرية ماركس للتفسير المادي للتاريخ أحمد العوايشة ص 473، النظرية الماركسية في ميزان الإسلام ص 77.

[64]- انظر موقف الإسلام من نظرية ماركس ص 473 - 474، هزيمة الشيوعية في عالم الإسلام ص 69.

[65]- انظر المستقبل لهذا الدين: سيد قطب ص 51، النظرية الماركسية في ميزان الإسلام ص 77-78.

[66]- هزيمة الشيوعية في عالم الإسلام ص 63، الاتجاهات الفكرية المعاصرة: د. علي جريشة ص 176.

[67]- الإسلام ومستقبل البشرية د. عبد الله عزام ص 69.

[68]- المصدر السابق ص 68.

[69]- انظر في ذلك: الكيد الأحمر للميداني ص 227-240، 270-276، الإسلام في وجه الزحف الأحمر ص 84-102، رؤية إسلامية للعالم المعاصر: محمد قطب ص207-208، السرطان الأحمر: د. عبد الله عزام ص 145-150.

[70]- انظر وسائل الإرهاب والتعذيب وضحاياه في كل من روسيا والصين: الكيد الأحمر للميداني ص 243-336، الطبقة الجديدة يملوفان دجيلاس، تقديم فدوى قلعجي، الإرهاب الكبير (قصة تصفيات ستالين في الستينات) روبرت كونكوست، "الصنم الذي هوى": أندريه جيد وآخرون.

[71]- لقد نقل الشيخ عبد الرحمن الميداني عن "ميلوفان دجيلاس" أقوالاً كثيرة تكشف الجحيم الشيوعي الذي يصلاه الفرد في ظل الأنظمة الشيوعية في كل من روسيا والصين ويوغسلافيا وبولندا وغيرها، انظر الكيد الأحمر للميداني ص 161-240.

[72]- الاتجاهات الفكرية المعاصرة ص 177، واقعنا المعاصر محمد قطب ص 357.

[73]- رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصر ص 208.

[74]- وقد صنّف أندريه جيد مع هؤلاء الخمسة كتاب "الصنم الذي هوى" تحدثوا فيه عن فساد الشيوعية وقبائحها وفضائحها. انظر الكيد الأحمر للميداني ص 33.

 

هل أعجبك الموضوع؟