البريد للتواصل: drsregeb11@gmail.com

مقالاتي

بشارة التوراة بنبوة رسولنا صلى الله عليه وسلم



  • نشر في: 24-11-2018م
  • ساعة: 12:29
  • طباعة

بشارة التوراة بنبوة رسولنا صلى الله عليه وسلم

   التوراة التي بين أيدي الناس اليوم محرَّفة مغيرة يدلك على ذلك هذا الاختلاف الذي تجده في أمور كثيرة بين نسخها وطبعاتها، فهناك ثلاث نسخ للتوراة: العبرانية، واليونانية، والسامرية، وكلُّ قوم يدَّعون أن نسختهم هي الصحيحة.

 قال الله تعالى: (أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ وَإذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإذَا خَلا بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُون أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلاَّ أَمَانِيَّ وَإنْ هُمْ إلاَّ يَظُنُّونَ 78 فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ) البقرة: 75–79. وقال تعالى: (من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه) المائدة: 13. وقال تعالى: (ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم ءاخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه) المائدة :41.

    جاء في كتاب إفحام اليهود: ص 140-141، قال: السموءل – كان يهوديا فأسلم- ": فهذه التوراة التي بأيدي اليهود حقيقة هي كتاب (عزرا الورّاق) وليس كتاب الله.. ولذلك بالغوا بتعظيم (عزرا) غاية التعظيم وزعموا أن النور إلى الآن يظهر على قبره، الذي عند بطائح العراق، لأنه عمل لهم كتاباً يحفظ لهم دينهم، وعزرا هذا لم يكن عالماً بل جاهلاً بالصفات الإلهية، فلذلك نسب إلى الله تعالى صفات التجسيم والذامة على ما مضى من أفعاله وهو مبدأ البداء الذي يتمسكون به ." وقال الإمام الجويني  إن التوراة التي بيد اليهود الآن: هي التوراة التي كتبها عزرا الورّاق، بعد فتنتهم مع (بخت نصر).. وهذه النسخة التي كتبها عزرا قبل بعثة المسيح عليه السلام بخمس مائة وخمس وأربعين سنة) انظر: الغليل في بيان ما وقع في التوراة والإنجيل من التبديل): ص 31، نشر مكتبة الكليات الأزهرية 1399 هـ 1979م.

    وهناك فروق واضحة بين طبعات التوراة وترجماتها. وقد أدى هذا التحريف إلى ذهاب كثير من البشارات أو طمس معالمها، ومع ذلك فقد بقي من هذه البشارات شيء كثير، ولا تخفى هذه البشارات على من يتأملها، ويعرضها على سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم متجرداً من الهوى.

    ولقد جاء بني إسرائيل الخبرُ اليقين الأميّ، على يد نبي الله موسى منذ أمد بعيد، جاءهم الخبر اليقين ببعثه، وبصفاته، ونهج رسالته، وبخصائص ملته، فهو النبي الأمي، وهو يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحلُّ لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، يضع عن من يؤمنون به من بني إسرائيل الأثقال والأغلال التي علم الله أنها ستفرض عليهم بسبب معصيتهم، فيرفعها عنهم النبيُّ الأمي حين يؤمنون به، وأتباع هذا النبي يتقون ربهم، ويخرجون زكاة أموالهم ويؤمنون بآيات الله.. وجاءهم الخبر اليقين بأن الذين يؤمنون بهذا النبي الأمي، ويعظمونه ويوقرونه وينصرونه ويؤيدونه ويتبعون النور الذي أنزل معه (أولئك هم المفلحون). قال تعالى: (عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الأعراف: 156-157]. روى القرطبي أنه لما نزل قوله تعالى) :الَّذِينَ آتَينَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ، وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)  سأل عمر بن الخطاب عبد الله بن سلام، وقد كان كتابياً فأسلم؛ أتعرف محمداً صلى الله عليه وسلم كما تعرف ابنك؟ فقال: نعم وأكثر، بعث الله أمينه في أرضه بنعته فعرفته، أما ابني فلا أدري ما الذي قد كان من أمه.

بقية هذه البشارة في التوراة:

     وقد بقي من هذه البشارة بقية في التوراة، ففي سفر التثنية، الإصحاح (18)، فقرة 18-19 قال الله لموسى: "أقيم لهم [أي لبني إسرائيل] نبياً من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع كلامي الذي يتكلّم به باسمي أنا أطالبه".

    ودلالة هذه البشارة على رسولنا صلى الله عليه وسلم بيَّنه، ذلك أنّه من بني إسماعيل وهم إخوة بني إسرائيل، فجدُّهم هو إسحاق، وإسماعيل وإسحاق أخوان، ثم هو أوسط العرب نسباً، وقوله: مثلك، أي: صاحب شريعة مثل موسى، ومحمد صلى الله عليه وسلم هو الذي جعل الله كلامه في فمه حيث كان أميّاً لا يقرأ من الصحف، ولكنَّ الله يوحي إليه كلامه، فيحفظه ويرتله، وهو الرسول المرسل إلى الناس كافة، وبنو إسرائيل مطالبون باتباعه وترك شريعتهم لشريعته، ومن لم يفعل فإنَّ الله معذبه (ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه).

     ومما يعرفنا أنَّ هذه البشارة هي بقية البشارة العظيمة التي أوحى الله بها إلى موسى، وأخبرنا بها القرآن الكريم، أن هذه البشارة وردت في موقف معين، فعندما اختار موسى من قومه سبعين رجلاً لميقات الله أخذتهم الرجفة، وذلك بسبب طلبهم رؤية الله جلَّ وعلا، فدعا موسى ربَّه وتوسل إليه، فبعثهم الله من بعد موتهم، قال الله بعد توسل موسى ودعائه (عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ..) الآيات.

    وإذا رجعت إلى التوراة في سفر الخروج تجد أنَّ هذه البشارة إنما أوحى الله بها إلى موسى بعد ذهابه لميقات الله، وتتحدث التوراة عن شيء قريب من الرجفة: (وكل الشعب سمع الأصوات وصوت البوق، ونظروا الشهب والجبل دخاناً ونظر كل القوم وتشردوا ووقفوا من بعد..) سفر الخروج، الإصحاح (20) فقرة: 18. (وكان جميع الشعب يرون الرعود والبروق، وصوت البوق والجبل يدخن، ولما رأى الشعب ارتعدوا ووقفوا من بعيد..) .

ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم باسمه في التوراة:

     لقد صرح بعض هذه البشارات باسم محمد صلى الله عليه وسلم وقد اطلع بعض علماء المسلمين على هذه النصوص، ولكنَّ التحريف المستمر لهذا الكتاب أتى على هذه النصوص، فمن ذلك ما ورد في سفر أشعيا: "إني جعلت أمرك محمداً، يا محمد يا قدوس الربّ، اسمك موجود من الأبد".

     وقوله إن اسم محمد موجود من الأبد موافق لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إني مكتوب عند الله خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته".

    وفي التوراة العبرانية في الإصحاح الثالث من سفر حبقوق: "وامتلأت الأرض من تحميد أحمد، ملك بيمينه رقاب الأمم ".

    وفي النسخة المطبوعة في لندن قديماً سنة 1848، والأخرى المطبوعة في بيروت سنة 1884، والنسخ القديمة تجد في سفر حبقوق النص في غاية الصراحة والوضوح: " لقد أضاءت السماء من بهاء محمد، امتلأت الأرض من حمده،.. زجرك في الأنهار، واحتدام صوتك في البحار، يا محمد ادن، لقد رأتك الجبال فارتاعت ".

 ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم بأمر يتعلق به:

       في بعض الأحيان يذكر مكان مبعثه، ففي سفر التثنية الإصحاح الثالث والثلاثون، فقرة: (2): "جاء الربّ من سيناء، وأشرق لهم من سعير، وتلألأ من جبل فاران " وسيناء هي الموضع الذي كلّم الله فيه موسى، وساعير الموضع الذي أوحى الله فيه لعيسى، وفاران هي جبال مكة، حيث أوحى الله لمحمد صلى الله عليه وسلم، وكون جبال فاران هي مكة، دلت عليه نصوص من التوراة. وقد جمع الله هذه الأماكن المقدسة في قوله: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) [التين: 1-3] .

     وذكرت التوراة مكان الوحي إليه، ففي سفر أشعيا الإصحاح (21) فقرة: (13): "وحي من جهة بلاد العرب في الوعر". وقد كان بدء الوحي في بلاد العرب في الوعر في غار حراء.

وفي هذا الموضع من التوراة فقرة: (14) حديث عن هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم وإشارة إلى الجهة التي هاجر إليها: "هاتوا ماءً لملاقاة العطشان يا سكان أرض تيماء، وافوا الهارب بخبزة، فإنهم من أمام السيوف قد هربوا، من أمام السيف المسلول، ومن أمام القوس المشدودة، ومن أمام شدة الحرب". وتيماء من أعمال المدينة المنورة، وإذا نظرت في النص ظهر لك بوضوح أنه يتحدث عن هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم. وتكملة النص السابق فقرة: (16) يقول: "فإنه هكذا قال لي السيد في مدة سنة كسنة وهذا النص يتحدث عن معركة بدر، فإنّه بعد سنة كسنة الأجير من الهجرة كانت وقعة بدر، وفنى مجد قيدار، وقيدار من أولاد إسماعيل، وأبناؤه أهل مكة، وقد قلت قسى أبناء قيدار بعد غزوة بدر.

إشارة التوراة إلى معلم من معالم مهاجر الرسول:

     وأشارت بعض نصوص التوراة إلى مكان هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، ففي سفر أشعيا الإصحاح (42) فقرة: (11) "لترفع البريّة ومدنها صوتها، الديار التي سكنها قيدار، لتترنم سكان سالع من رؤوس الجبال ليهتفوا، ليعطوا الربَّ مجداً..". وقيدار أحد أبناء إسماعيل كما جاء في سفر التكوين إصحاح (25) عدد (13). وسالع جبل سلع في المدينة المنورة. والترنم والهتاف ذلك الأذان الذي كان ولا يزال يشقُّ أجواز الفضاء كلّ يوم خمس مرات، وذلك التكبير والتحميد في الأعياد وفي أطراف النهار وآناء الليل كانت تهتف به الأفواه الطاهرة من أهل المدينة الطيبة الرابضة بجانب سلع.

 إشارة التوراة إلى أمور جرت على يديه صلى الله عليه وسلم:

      تذكر النصوص انتشار دعوته وبعض ما يكون من الرسول صلى الله عليه وسلم، ففي سفر حبقوق الإصحاح الثالث فقرة: (3-6): "الله جاء من تيمان، والقدوس من جبال فاران، سلاه جلاله غطى السماوات والأرض، امتلأت من تسبيحه، وكان لمعان كالنور، له من يده شعاع، وهناك استنارت قدرته، قدامه ذهب الوبا، وعند رجليه خرجت الحمّى، وقف وقاس الأرض، نظر، فرجفت الأمم، ودكت الجبال الدهرية، وخسفت آكام القدم". ففي هذه البشارة إخبار بالنصر العظيم الذي حازه الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه،وإخبار بانتشار دعوته في شتى بقاع الأرض، وبأن الجبال الدهرية وهي الدول القويّة ذات المجد القديم ستدك، وآكام القدم وهي الدول الأقل ستخسف، وقد تحقق ذلك كله، وأشارت هذه البشارة إلى أمرين يدركهما من كان عليماً بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأخباره، وهما: لمعان كالنور له من يده، وذهاب الوبا من قدامه، وخروج الحمّى من عند رجليه.

اللمعان والنور الذي شعَّ من يده:

     يقول النص: "وكان لمعان كالنور، له من يده، وشعاع، وهناك استنارت قدرته"، ثم يقول: "وقف وقاس الأرض نظر، فرجفت الأمم.."، والذي يبدو لي أنَّ هذا النص يتحدث عن حادثة بعينها، وهي ما وقع منه صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق، عندما أعجزت صخرة الصحابة أثناء حفر الخندق، فجاء الرسول صلى الله عليه وسلم فضربها ضربة عظيمة أسقطت ثلثها، وخرج منها نور فكبر الرسول صلى الله عليه وسلم فكبر أصحابه، ثمَّ الثانية فالثالثة، وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنه رأى بالنور الأول قصور الشام، وبالنور الثاني قصور فارس، وبالنور الثالث أبواب صنعاء.

    وروى النسائي وأحمد بإسناد حسن من حديث البراء بن عازب قال: لما كان حين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق، عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ فيها المعاول، فاشتكينا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء فأخذ المعقول فقال: " باسم الله "، فضرب ضربة فكسر ثلثها، وقال: "الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة "، ثمَّ ضرب الثانية فقطع الثالث الآخر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن أبيض، ثمَّ ضرب الثالثة، وقال: باسم الله، فقطع بقية الحجر، فقال: "الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا الساعة".

وفي رواية الطبراني: "فضرب الصخرة وبرق منها برقة فكبّر، وكبّر، المسلمون"، وفيه " إن البرقة الأولى أضاءت لها قصور الشام، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليهم..". تأمل النص الذي أوردناه مرة أخرى "لمعان كالنور له من يده، وشعاع، وهناك استنارت قدرته.. وقف وقاس الأرض نظر..". وتأمل في الأحاديث التي أوردناها أليست هذه الواقعة تأويل لتلك البشارة؟

 ذهاب الوبا وخروج الحمى:

  تقول هذه البشارة: "قدامه ذهب الوبا، وعند رجليه خرجت الحمّى"، وهذه والله بشارة صريحة لا تحتمل تأويلاً، فالمدينة قبل مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم كانت معروفة بالحمّى، وفي الحديث عن ابن عباس أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه عندما قدموا مكة للعمرة -وهي العمرة المعروفة بعمرة القضاء- قال المشركون: "إنّه يقدم عليكم وفد وهنتهم حمّى يثرب" رواه البخاري.

وقد أصابت هذه الحمّى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أول قدومهم المدينة، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ربَّه كي يذهب الحمّى. عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وعُك أبو بكر وبلال. قالت: فدخلت عليهما، فقلت: يا أبت كيف تَجِدُك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ قالت: فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:

كلُّ امرئ مُصَبَّحٌ في أهله   والموتُ أدنى من شراك نعله

وكان بلال إذا أقلع عنه الحمّى يرفع رأسه ويقول:

ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلة   بوادٍ وحولي إذخرٌ وجليلُ

وهل أرِدَنْ يوماً مياهَ مَجَنَّةٍ   وهل يَبدُوَنْ لي شامةٌ وطفيلُ

قالت عائشة: فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: "اللَّهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشدّ، وصَحِّحْها، وبارك لنا في صاعها ومدِّها، وانقل حمّاها، فاجعلها في الجحفة" رواه البخاري. وزاد البخاري في آخر كتاب الحج: "ثم يقول بلال: اللهم العن عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا إلى أرض الوباء". إذن كانت يثرب موبُوْءَة بالحمى، لا يكاد يدخلها أحد إلاّ أصابته.

     وقد استجاب الله لنبيه صلى الله عليه وسلم فنقل عنها الحمى، وصحَّحَها، ومنع عن المدينة الطاعون، ففي الحديث الذي يرويه أحمد في مسنده عن أبي عسيب مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتاني جبريل عليه السلام بالحمّى والطاعون، فأمسكت الحمّى بالمدينة، وأرسلت الطاعون إلى الشام". وإمساكه الحمّى بالمدينة لعله في بداية الأمر، ثمَّ أمر بإرسالها إلى الجحفة، أو أن المراد بإمساكها بالمدينة المنطقة التي فيها المدينة، ذلك أن الجحفة تقع قرب المدينة، وعلى كلّ فالبشارة واضحة وقعت كما أخبرت التوراة.

 

هل أعجبك الموضوع؟