البريد للتواصل: drsregeb11@gmail.com

قضايا عقائدية

إن الدين عند الله هو الإسلام وكل من لم يتبعه فهو كافر سواء أكانوا يهوداً أم نصارى أو غيرهم من أهل الملل والأديان الأخرى



  • نشر في: 29-12-2018م
  • ساعة: 10:47
  • طباعة

إن الدين عند الله هو الإسلام وكل من لم يتبعه فهو كافر سواء أكانوا يهوداً أم نصارى أو غيرهم من أهل الملل والأديان الأخرى

     مما يؤسف له أن يوجد في المنتسبين إلى الإسلام من يجهل كون من دان غير هذا الدين كافرا مخلدا في النار، ومن أنكر هذا وجحده فهو على خطر عظيم، وكيف يشك هذا الإنسان في كفر من سب الله تعالى ووصفه بالنقائص والعظائم فقال: إنه ثالث ثلاثة، وإن له ولدا تعالى الله عما يقول الظالمون المفترون علوا كبيرا، وكيف يشك في كفر من سب النبي صلى الله عليه وسلم وزعم أنه كاذب في دعواه الرسالة؟! وأن القرآن إفك افتراه حاشاه صلى الله عليه وسلم. ولقد صرح العلماء بأن من شك في كفر الكافر المعلوم كفره بالضرورة كاليهود والنصارى فإنه كافر مثله والعياذ بالله.

  قال الحجاوي رحمه الله في الإقناع ضمن ما يوجب الردة: "أو لم يكفر من دان بغير الإسلام كالنصارى، أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم، أو قال قولا يتوصل به إلى تضليل الأمة أو تكفير الصحابة - فهو كافر. وقال الشيخ: من اعتقد أن الكنائس بيوت الله وأن الله يعبد فيها، وأن ما يفعل اليهود والنصارى عبادة لله وطاعة له ولرسوله، أو أنه يحب ذلك أو يرضاه، أو أعانهم على فتحها وإقامة دينهم وأن ذلك قربة أو طاعة فهو كافر. وقال في موضع آخر: من اعتقد أن زيارة أهل الذمة كنائسهم قربة إلى الله فهو مرتد، وإن جهل أن ذلك محرم عرف ذلك، فإن أصر صار مرتدا".

    وبهذا يعلم أن انتقاد النصرانية المسماة بالمسيحية وبيان بطلانها، وأنها دين قد غير وبدل ثم نسخه الله ببعث محمد ﷺ وشريعته أمر واجب على المسلمين؛ لأن النصرانية لم تبق دينًا صالحًا لا لنا ولا لغيرنا، بل الدين الصحيح للمسلمين ولغيرهم هو الإسلام الذي بعث الله به محمدًاﷺ، والمسلمون مأمورون بالدعوة إلى دينهم والذب عنه، ومعذورون في بيان بطلان جميع الأديان من يهودية ونصرانية وغيرهما ما عدا الإسلام؛ لأنهم بذلك يدعون إلى الحق والجنة، وغيرهم من الناس يدعون إلى النار، كما قال الله سبحانه لما نهى عن نكاح المشركات وعن تزويج المشركين للمسلمات قال: أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ والمغفرة بإذنه [البقرة:221] فالله سبحانه يدعو إلى الجنة والمغفرة وإلى أعمالها، وهكذا الرسولﷺ، وهكذا المسلمون العارفون بدينه والداعون إليه على بصيرة، أما غيرهم من الكفار فإنهم يدعون إلى النار في كتبهم ونشراتهم ووسائل إعلامهم.

لا يجوز إطلاق القول بأن الإسلام والمسيحية ديانتان منزلتان

       وبهذا يعلم أنه لا يجوز إطلاق القول بأن الإسلام والمسيحية ديانتان منزلتان؛ لأن المسيحية لم تبق ديانة منزلة بل قد غيرت وحرفت ثم نسخ ما بقي فيها من حق بما بعث الله به نبيه محمدًا ﷺ من الهدى ودين الحق.

      وأما اليهود والنصارى فيعبدون مع الله غيره، ولا يعبدون إلهًا واحدًا كما قال تعالى) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ) الآية [المائدة:73] وقال سبحانه: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [التوبة:30، 31] فأبان سبحانه في هذه الآيات أن اليهود والنصارى عبدوا آلهة كثيرة من الأحبار والرهبان كما عبد اليهود عزيرًا وزعموا أنه ابن الله، وعبد النصارى المسيح ابن مريم وزعموا أنه ابن الله، وأنهم جميعًا لم يؤمروا إلا بأن يعبدوا إلهًا واحدًا، وهو الله سبحانه خالق الأشياء كلها ورب الجميع، سبحانه عما يشركون.

    وسوف أبين تهافت قول من قال: أن أهل الكتاب اليوم مسلمون وسيدخلون الجنة. أو من قال – كعدنان إبراهيم- يكفي أن اليهودي يؤمن بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ليكون مسلما، ويستحق دخول الجنة!!!. من خلال عدة أمور هي:

أولاً: بيان أنَّ الإسلام له معنيان

ثانياً: الدين الحق هو الإسلام

ثالثا: الأدلة الشرعية على كون النصارى واليهود كفار ومصيرهم النار.

رابعاً: سوء الفهم لقول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ).

خامساً: أهل الكتاب الذين لم يؤمن برسالة محمد عليه الصلاة والسلام مصيرهم جهنم وبئس المصير.

سادساً: اعتزاز اليهود والنصارى بما هم عليه من الكفر وحرصهم على إبعاد المسلمين عن دينهم.

سابعاً: أنَّ الله تعالى عدَّ من يُحِبُّهم ويواليهم عدُوًّا لله مثلهم.

أولاً: بيان أنَّ الإسلام له معنيان:-

1- الإسلام بالمعنى العام: هو: ‏‏‏التعبد لله تعالى بما شرعه من العبادات التي جاءت بها رسله عليهم السلام إلى أن تقوم الساعة، ‏‏ فيشمل ما جاء به نوح من الهدى والحق، وما جاء به موسى، وما جاء به عيسى، ويشمل ما جاء به إبراهيم إمام الحنفاء، كما ذكر الله تبارك وتعالى ذلك في آيات كثيرة تدلَّ على أنَّ الشرائع السابقة كلها إسلام لله عز وجل‏.‏ ومن ذلك قوله تعالى: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) سورة البقرة:131-133. ومن ذلك: الإسلام الذي أعلنته ملكة سبإ، إذ أعلنت الاستسلام لربها، تائبة من شركها، مستغفرة لذنبها، إذ: (قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) سورة النمل:44، ومن ذلك قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا) سورة المائدة: 44، فالمراد بالإسلام هنا أتم وجوهه من إخلاص التوحيد لله، وكمال الإنقياد لأوامره واجتناب نواهيه، في كل حال.

2- الإسلام بالمعنى الخاص: وهو ما كان بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، أي ما اختص به محمد صلى الله عليه وسلم، لأنّ ما بعث به صلى الله عليه وسلم نسخ جميع الرسالات السابقة، فصار من اتبعه مسلماً، ومن خالفه ليس بمسلم، لأنَّه لم يستسلم لله تعالى بل استسلم لهواه، فاليهود مسلمون في زمن موسى عليه الصلاة والسلام، والنصارى مسلمون في زمن عيسى عليه الصلاة والسلام، وأمَّا حين بعث محمد صلى الله عليه وسلم فكفروا به فليسوا بمسلمين، ولهذا لا يجوز لأحد أن يعتقد أنَّ دين اليهود والنصارى الذي يدينون به اليوم دين صحيح مقبول عند الله مساو لدين الإسلام، بل من اعتقد ذلك فهو كافر خارج عن دين الإسلام، لأنَّ الله عز وجل يقول‏: ‏(إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإسلام) آل عمران:19‏.‏ ويقول:‏ (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) آل عمران:85 ‏‏.‏

      وهذا الإسلام الذي أشار الله إليه هو الذي امتن الله تعالى به على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، فقال الله تعالى‏:‏ (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا‏)‏‏.‏ وهذا نص صريح في أنَّ من سوى هذه الأمة بعد أن بعث محمد صلى الله عليه وسلم ليسوا على الإسلام، وعلى هذا فما يدينون الله به لا يقبل منهم ولا ينفعهم يوم القيامة، ولا يحلَّ لأحد أن يعدَّه ديناً قائماً قويماً، ولهذا يخطئ خطأ كبيراً من يصف اليهود والنصارى بقوله إخوة لنا، أو أن أديانهم اليوم قائمة.

     وهو الذي أمر الله تعالى الناس جميعا بالدخول فيه والتزام شرائعه، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) البقرة: 208- 209. وما يستفاد من هذه الآية الكريمة: ا- يجب العمل بجميع شرائع الإسلام القولية والاعتقادية والعملية.

2 - معرفة الإسلام وهو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله.

3 - أن الدين قول واعتقاد وعمل.                          

4 - أن من لم يعمل بالواجبات ويترك المحرمات فليس بمؤمن حقيقة.

5 - وجوب العمل بجميع شعب الإيمان وشرائع الإسلام بقدر الاستطاعة.

6 - تحريم طاعة الشيطان فيما يأمر به من المعاصي والفواحش.

ثانياً: الدين الحق هو الإسلام

1- قال تعالى: (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) سورة المائدة:3. قال الأستاذ سيد قطب في هذه الآية: "وإلا فما أنكد وما أحمق من يهمل - بله أن يرفض- ما رضيه الله له، ليختار لنفسه غير ما اختاره الله!.. وإنها - إذن- لجريمة نكدة؛ لا تذهب بغير جزاء، ولا يترك صاحبها يمضي ناجيا أبدا وقد رفض ما ارتضاه له الله .. ولقد يترك الله الذين لم يتخذوا الإسلام دينا لهم، يرتكبون ما يرتكبون ويمهلهم إلى حين.. فأما الذين عرفوا هذا الدين ثم تركوه أو رفضوه .. واتخذوا لأنفسهم مناهج في الحياة غير المنهج الذي ارتضاه لهم الله.. فلن يتركهم الله أبدا ولن يمهلهم أبدا، حتى يذوقوا وبال أمرهم وهم مستحقون!". (في ظلال القرآن).

 2- قد بيَّن الله نعالى أن الإسلام دين الأنبياء عليهم السلام جميعاً، فقال تعالى: (أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) سورة آل عمران:83-85. وفي ظل هذه الحقيقة يبدو الذين يتخلفون من أهل الكتاب عن الإيمان بالرسول الأخير صلى الله عليه وسلم ومناصرته وتأييده، - تمسكا بدياناتهم لا بحقيقتها فحقيقتها تدعوهم إلى الإيمان به ونصرته، ولكن باسمها تعصبا لأنفسهم في صورة التعصب لها! - مع أن رسلهم الذين حملوا إليهم هذه الديانات قد قطعوا على أنفسهم عهدا ثقيلا غليظا مع ربهم في مشهد مرهوب جليل، في ظل هذه الحقيقة يبدو أولئك الذي يتخلفون عن دين الله - وهو الإسلام-  واتبعوا أدياناً أخرى هم فسقة خارجون عن تعليم أنبيائهم، وخارجون فسقة عن عهد الله معهم، فأصبحوا من الخاسرين الهالكين. 3- قال الله تعالى:(قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) سورة آل عمران:84-85. وقال تعالى: (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون) البقرة:130-134.

4- (فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون، أفغير دين الله يبغون، وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون) الأنعام:83. إنه لا يتولى ويعرض عن اتباع هذا الرسول إلا فاسق، ولا يتولى عن دين الله إلا شاذ كافر. إن دين الله واحد، جاءت به الرسل جميعا، وتعاقدت عليه الرسل جميعاً، وعهد الله واحد أخذه على كل رسول، والإيمان بالدين الجديد واتباع رسوله، ونصرة منهجه على كل منهج، هو الوفاء بهذا العهد، فمن تولى عن الإسلام فقد تولى عن دين الله كله، وقد خاس بعهد الله كله.

5- وقد أمر الله تعالى بقتال أهل الكتاب لكونهم كفاراً لا يؤمنون بالإسلام الذي هو دين الحق، فقال الله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) التوبة:29. يقول ابن كثير في تفسيره: "هم في نفس الأمر لما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم لم يبق لهم إيمان صحيح بأحد من الرسل، ولا بما جاءوا به، وإنما يتبعون آراءهم وأهواءهم وآباءهم فيما هم فيه، لا لأنه شرع الله ودينه؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين بما بأيديهم إيمانا صحيحا لقادهم ذلك إلى الإيمان بمحمد، صلوات الله عليه، لأن جميع الأنبياء الأقدمبن بشروا به، وأمروا باتباعه، فلما جاء وكفروا به، وهو أشرف الرسل، علم أنهم ليسوا متمسكين بشرع الأنبياء الأقدمين لأنه من عند الله، بل لحظوظهم وأهوائهم، فلهذا لا ينفعهم إيمانهم ببقية الأنبياء، وقد كفروا بسيدهم وأفضلهم وخاتمهم وأكملهم؛ ولهذا قال: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب)، وهذه الآية الكريمة نزلت أول الأمر بقتال أهل الكتاب، بعد ما تمهدت أمور المشركين ودخل الناس في دين الله أفواجا، فلما استقامت جزيرة العرب أمر الله ورسوله بقتال أهل الكتابين اليهود والنصارى، وكان ذلك في سنة تسع؛ ولهذا تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم لقتال الروم، ودعا الناس إلى ذلك، وأظهره لهم..." تفسير ابن كثير:4/132.

6- إن نبي الله إبراهيم عليه السلام وهو أبو الأنبياء كان مائلا عن الأديان الباطلة - ومنها اليهودية والنصرانية، بل كان دينه الإسلام، وأحق الناس به هم النبي محمد عليه السلام وأتباعه المسلمين، وليس سواهم، من الكفار والمشركين. قال الله تعالى: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) سورة آل عمران:67-68، والمعنى: يا أهل الكتاب كيف تقولون: إن نبي الله إبراهيم عليه السلام لم يكن يهوديا أو نصرانيا؟ أتحاجون في ذلك؟ وهل تعقلون قوله: (حَنِيفًا مُّسْلِمًا) فمعناه: أنه كان مائلا عن الأديان الباطلة - ومنها ما عليه اليهود والنصارى - ومنصرفا إلى الحق الذي جاء به الإسلام، فإنه هو الدين السماوي النظيف من تحريف البشر: المشتمل على المعارف والأحكام الإلهية الرئيسية.

ثالثاً: الأدلة الشرعية على كون النصارى واليهود كفار ومصيرهم النار:

1- قال تعالى: (إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية) البينة:6. وهؤلاء الكفار من أهل الكتاب هم كالمشركون الذين دنسوا أنفسهم بالشرك، واجتراح السيئات والمعاصي والآثام، وإنكار الحق الواضح بعدما عرفوه، سيجازيهم ربهم بالعذاب الأليم في نار جهنم بما كسبت أيديهم، وبما أعرضوا عن دعوة الرسول، وهؤلاء هم شر المخلوقات كلها لأنهم أنكروا الحق بعد معرفته، وقيام الدليل عليه. (إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية) فأما وقد جاءتهم البينة من قبل في دياناتهم على أيدي رسلهم؛ ثم جاءتهم البينة، حية في صورة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة؛ ويقدم لهم عقيدة ، واضحة بسيطة ميسرة، فقد تبين الطريق. ووضح مصير الذين يكفرون نار جهنم خالدين فيها أبداً.

2- وقال تعالى :(قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون) سورة آل عمران:98-99. يعنف الله تعالى أهل الكتاب على كفرهم بآيات الله، وصدهم الناس عن سبيل الله مع علمهم بأن ما جاء به الرسول حق من عند الله، والله شهيد على صنيعهم بما خالفوا ما بأيديهم من كتب الأنبياء، وهو مجازيهم عليه، وذلك مما يوجب عليهم ألا يجترئوا على الكفر بالله وبآياته.

3- قال تعالى: (قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين) المائدة:68. يقول الله تعالى لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام: قل لأهل الكتاب من اليهود والنصارى فيما تبلغهم إياه عن ربهم: لستم على شيء يعتد به من أمر الدين والهدى حتى تؤمنوا بجميع ما بأيديكم من الكتب المنزلة، وتعملوا بما فيها، ومنها الإيمان بمحمد، والأمر باتباعه، والإيمان بمبعثه، والاقتداء بشريعته، وسيثير ما أنزلنا عليك يا محمد، من القرآن والهدى، كثيرا من الحسد والحقد والطغيان والكفر في نفوس الكثيرين من هؤلاء، ولكن ليس عليك أن تهتم بذلك، أو تحزن له.

وقال الله تعالى في كفر اليهود: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) سورة التوبة:30 .    

1- وقال تعالى: (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون) سورة البقرة:89-93.

2- وقال تعالى: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) سورة البقرة:61. لقد ذكر عز وجل أربعة أسباب لكونهم استوجبوا السخط عليهم وهي: كفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء، وعصيانهم، ثم اعتداؤهم لذلك استحقوا الذلة والمسكنة والغضب من الله. وهذه ثلاثة أشياء من التسعة المذكورة التي قضى الله بها على اليهود.

3- وقال تعالى: (قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) سورة المائدة:59-64.


 وقال الله تعالى كفر النصارى: قال تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) المائدة: 17.

      وقال تعالى: )لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (المائدة: 72. وقال تعالى: (قَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) المائدة :73. 

رابعاً: سوء الفهم لقول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) سورة البقرة:62.

     إنَّ الآية الاكريمة مذكورة في موضعين متشابهين من كتاب الله، فالأول: هو قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) سورة البقرة 62، والثاني هو قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ءامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ ءامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) سورة المائدة: 69. ولنفهم المراد من الآيتين فهما صحيحا فلا بدّ أن نرجع إلى علماء التفسير، قال عبد الرحمن بن علي الجوزي :"قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا)، فيهم خمسة أقوال: أحدها: أنهم قوم كانوا مؤمنين بعيسى قبل أن يبعث محمد صلّى الله عليه وسلّم، قاله ابن عباس. والثاني: أنهم الذين آمنوا بموسى، وعملوا بشريعته إلى أن جاء عيسى، فآمنوا به وعملوا بشريعته إلى أن جاء محمد. وهذا قول السدي عن أشياخه. والثالث: أنهم المنافقون، قاله سفيان الثوري. والرابع: أنهم الذين كانوا يطلبون الإسلام، كقس بن ساعدة، وبحيرا، وورقة بن نوفل، وسلمان. والخامس: أنهم المؤمنون من هذه الأمة.( زاد المسير في علم التفسير1/72).

   وقال بن كثير رحمه الله في تفسير آية البقرة :"نبه تعالى على أن من أحسن من الأمم السالفة وأطاع فإن له جزاء الحسنى وكذلك الأمر إلى قيام الساعة كل من اتبع الرسول النبي الأمي فله السعادة الأبدية ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه ولا هم يحزنون على ما يتركونه ويخلّفونه كما قال تعالى: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)، وكما تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار في قوله (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون(، فكان إيمان اليهود أنه من تمسك بالتوراة وسنة موسى عليه السلام حتى جاء عيسى فلما جاء عيسى كان من تمسك بالتوراة وأخذ بسنة موسى فلم يدعها ولم يتبع عيسى كان هالكا ، وإيمان النصارى أن من تمسك بالإنجيل منهم وشرائع عيسى كان مؤمنا مقبولا منه حتى جاء محمد صلى الله عليه وسلم فمن لم يتبع محمدا صلى الله عليه وسلم منهم ويدع ما كان عليه من سنة عيسى والإنجيل كان هالكا. وقوله تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) إخبار عن أنه عزو جل لا يقبل من أحد طريقةً ولا عملاً إلاَّ ما كان موافقاً لشريعة محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن بعثه به، فأمَّا قبل ذلك فكل من اتبع الرسول في زمانه فهو على هدى وسبيل ونجاة فاليهود أتباع موسى عليه السلام والذين كانوا يتحاكمون إلى التوراة في زمانهم، فلمَّا بعث عيسى صلى الله عليه وسلم وجب على بني إسرائيل اتباعه والانقياد له، فأصحابه وأهل دينه هم النصارى المؤمنون به، فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم خاتماً للنبيين ورسولاً إلى بني آدم على الإطلاق وجب عليهم تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر والانكفاف عما عنه زجر، وهؤلاء هم المؤمنون حقا وسميت أمة محمد صلى الله عليه وسلم مؤمنين لكثرة إيمانهم وشدة إيقانهم، ولأنهم يؤمنون بجميع الأنبياء عليهم السلام السابقة لبعثة رسول الله عليه السلام والغيوب الآتية .ثم قال رحمه الله في تفسير آية المائدة :"والمقصود أن كل فرقة آمنت بالله وباليوم الآخر وهو الميعاد والجزاء يوم الدين وعملت عملا صالحا ولا يكون ذلك كذلك حتى يكون موافقا للشريعة المحمدية بعد إرسال صاحبها المبعوث إلى جميع الثقلين فمن اتصف بذلك فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه ولا على ما تركوا وراء ظهورهم ولا هم يحزنون".

يقول الشيخ الشعراوي: "الآية الكريمة تقول: (إِنَّ الذين آمَنُواْ) أي إيمان الفطرة الذي نزل مع آدم إلى الأرض. وبعد ذلك جاءت أديان كفر الناس بها فأبيدوا من على الأرض. كقوم نوح ولوط وفرعون وغيرهم. وجاءت أديان لها اتباع حتى الآن كاليهودية والنصرانية والصابئية، والله سبحانه وتعالى يريد أن يجمع كل ما سبق في رسالة محمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ جاء لتصفية الوضع الإيماني في الأرض. إذن الذين آمنوا أولا سواء مع آدم أو مع الرسل. الذين جاءوا بعده لمعالجة الداءات التي وقعت. ثم الذين تسموا باليهود والذين تسموا بالنصارى والذين تسموا بالصابئة. فالله تبارك وتعالى يريد أن يبلغهم لقد انتهى كل هذا. فمن آمن بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. فكأن رسالته عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام جاءت لتصفية كل الأديان السابقة. وكل إنسان في الكون مطالب بأن يؤمن بمحمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. فقد دعى الناس كلهم إلى الإيمان برسالته. ولو بقي إنسان من عهد آدم أو من عهد إدريس أو من عهد نوح أو إبراهيم أو هود. وأولئك الذين نسبوا إلى اليهودية وإلى النصرانية وإلى الصابئية. كل هؤلاء مطالبون بالإيمان بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والتصديق بدين الإسلام. فالإسلام يمسح العقائد السابقة في الأرض ويجعلها مركزة في دين واحد. الذين آمنوا بهذا الدين: {لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}. والذين لم يؤمنوا لهم خوف وعليهم حزن. وهذا إعلان بوحدة دين جديد ينتظم فيه كل من في الأرض إلى أن تقوم الساعة. أما أولئك الذين ظلوا على ما هم عليه ولم يؤمنوا بالدين الجديد لا يفصل الله بينهم إلا يوم القيامة. ولذلك فإن الآية التي تضمنت الحساب والفصل يوم القيامة. . جاء فيها كل من لم يؤمن بدين محمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَا . بما فيهم المجوس والذين أشركوا. والحق تبارك وتعالى أراد  أن يرفع الظن عمن تبع دينا سبق الإسلام وبقي عليه بعد السلام وهو يظن أن هذا الدين نافعه. نقول له أن الحق سبحانه وتعالى قد حسم هذه القضية في قوله تعالى: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) آل عمران: 85، وقوله جل جلاله: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام) آل عمران:19، إذن التصفية النهائية لموكب الإيمان والرسالات في الوجود حسمت. فالذي آمن بمحمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُلا يخاف ولا يحزن يوم القيامة والذي لم يؤمن يقول الله تبارك وتعالى له (إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة). تفسير الشعراوي: الخواطر 1/371.

    ونضيف بأنًه لمًّا أكرم الله تعالى البشرية ببعثة خاتم النبيين محمد بن عبد الله القرشي صلى الله عليه وسلم انقسم النصارى تجاه دعوته إلى طائفتين: الطائفة الأولى: آمنوا به وصدقوه، وعرفوا أن ما جاءهم به هو الحق من عند الله تعالى، قد بشرت به كتبهم، وعلى رأس هذه الطائفة: صهيبٌ الرومي، وتميمٌ الداري، والنجاشي الحبشي رضي الله تعالى عنهم. وفيهم وأمثالهم ممن آمنوا بنبيهم ثم آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم لما بعث نزلت آيات كثيرة تمدحهم، وتثني عليهم، وتبين عظيم ثوابهم ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ آل عمران:199، وصحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ثلاثة يؤتَوْن أجرهم مرتين..) وذكر منهم: (ومؤمن أهل الكتاب الذي كان مؤمناً، ثم آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم فله أجران) متفق عليه.

     والطائفة الأخرى من النصارى لم يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وهم فريقان:فريق خضعوا لسلطان الإسلام قبل القتال، وصالحوا النبي صلى الله عليه وسلم، ودفعوا الجزية، فكانوا من أهل الذمة؛ ومن هذا الفريق: نصارى نجران، ونصارى دومة الجندل. وفريق آخر لم يخضعوا لسلطان الإسلام، وقاتلوا المسلمين، وهؤلاء خرج النبي صلى الله عليه وسلم لقتالهم، وأرسل السرايا إليهم؛ ومن هؤلاء: نصارى مؤتة، ونصارى تبوك، وأول مواجهة قتالية بين المسلمين والنصارى كانت في مؤتة، ثم عزم النبي صلى الله عليه وسلم على مواجهتهم في تبوك لكن الله تعالى لم يقدِّر قتالاً، ثم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم سارت الجيوش الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، ففتحت كثيرا من بلاد النصارى، وأخضعتها لسلطان الإسلام، ورفعت عن أهلها عسف الرهبان، وتسلط القياصرة، واعترف كثير من المؤرخين النصارى بأن المسلمين كانوا أرحم بهم من ساستهم ورهبانهم، وأن أكثر الشعوب النصرانية إنما دخلت في الإسلام طواعية لما رأوه من عدل المسلمين معهم، ورحمتهم بهم.

خامساً: أهل الكتاب الذين لم يؤمن برسالة محمد عليه الصلاة والسلام مصيرهم جهنم وبئس المصير:

1- قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا  يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) النساء:168-171.

2- لقد أخبر الله تعالى أنَّ كل مشرك في النار: والشرك بالله يتحقق باتخاذ آلهة مع الله اتخاذا صريحا على طريقة الجاهلية العربية وغيرها من الجاهليات القديمة - كما يتحقق بعدم إفراد الله بخصائص الألوهية؛ والاعتراف لبعض البشر بهذه الخصائص، كإشراك اليهود والنصارى الذي حكاه القرآن من أنهم: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله)، ولم يكونوا عبدوهم مع الله. ولكن كانوا فقط اعترفوا لهم بحق التشريع لهم من دون الله. فحرموا عليهم وأحلوا لهم. فاتبعوهم في هذا. ومنحوهم خاصية من خصائص الألوهية! فحق عليهم وصف الشرك. وقيل عنهم إنهم خالفوا ما أمروا به من التوحيد: (وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا) فيقيموا له وحده الشعائر، ويتلقوا منه وحده الشرائع والأوامر. ولا غفران لذنب الشرك متى مات صاحبه عليه، بينما باب المغفرة مفتوح لكل ذنب سواه عندما يشاء الله، والسبب في تعظيم جريمة الشرك، وخروجها من دائرة المغفرة، أن من يشرك بالله يخرج عن حدود الخير والصلاح تماما؛ وتفسد كل فطرته بحيث لا تصلح أبدا: (ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا)، ولو بقي خيط واحد صالح من خيوط الفطرة لشده إلى الشعور بوحدانية ربه؛ ولو قبل الموت بساعة فأما وقد غرغر وهو على الشرك فقد انتهى أمره وحق عليه القول: (ونصله جهنم وساءت مصيرا!).[في ظلال القرآن: سيد قطب].

3- قال تعالى :(وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) سورة البقرة:111-112. في هاتين الآيتين يرد الله تعالى على دعوى اليهود والنصارى أنهم فقط من سيدخل الجنة، ويبين لهم أن الجنة أعدت للمسلمين، أم هم فما داموا كفاراً ولم يسلموا فتلك مجرد دعوى وأمنيات، فيقول لهم: بلى سيدخل الجنة الذين يسلمون وجوههم لله. وينقادون لأمره مطيعين مخلصين، وهم يعملون الصالحات فهؤلاء يوفيهم ربهم ثواب أعمالهم، ويدخلهم الجنة، ويذهب عنهم الخوف والحزن يوم القيامة. وهذا قريب من قوله تعالى عن أهل الكتاب: (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا) سورة النساء:123، 124.

4- إن كل من لا يؤمن بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر، سواء كان كتابياً أو غير كتابي؛ لأنه بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم لا يسع أحداً إلا أن يؤمن به، فمن لم يؤمن به فهو كافر، واليهود والنصارى لا يؤمنون بالرسول، فهم كفار، فقد قال عليه الصلاة والسلام الذي لا يَنطق عن الهوى: "والذي نفْسُ محمَّد بيده، لا يَسمع بِي أحد من هذه الأُمَّة؛ يهوديٌّ ولا نصرانِيٌّ، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسِلت به، إلاَّ كان من أصحاب النار" رواه مسلم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "ما من أحد يسمع بي من هذه الأمة ، ولا يهودي ولا نصراني، ولا يؤمن بي إلا دخل النار، فجعلت أقول: أين تصديقها في كتاب الله؟ حتى وجدت هذه الآية ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده، قال: الأحزاب الملل كلها"(المستدرك للحاكم 3309: صحيح). وعن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ولا يهودي ولا نصراني لا يؤمن بي، إلا كان من أهل النار"، فقلت: ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في كتاب الله عز وجل فقرأت فوجدت: (ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده) رواه الطبراني (مجمع الزوائد:13960، صحيح لغيره). وبعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم لا يسع أحداً الخروج عن ملته، حتى إنه قال عليه الصلاة والسلام: "والله لو كان أخي موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي". (أخرجه مسلم، رقم 153). وقد قال الله تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) آل عمران: 85.

5- إنَّ نبي الله عيسى بن مريم عليه السلام إذا نزل من السماء إنما يحكم فيهم بكتاب ربهم وسنة نبيهم، فدلَّ هذا ما عليه النصارى اليوم لا علاقة له بالحق الذي بعث عيسى عليه السلام، وعليهم ترك ما هم فيه من الكفر وإتباع ما جاء به رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، فيكون عيسى عليه السلام عند نزوله مجدداً لدين الإسلام وتابع للرسول صلى الله عليه وسلم، فلا نبي بعد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. ففيِ الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم: "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير، ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها"، ثم يقول أبو هريرة: واقرؤا إن شئتم (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلأَ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً) سورة النساء:159. [صحيح البخاري برقم (2222)، وصحيح مسلم برقم (155)، واللفظ لمسلم].

6- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وإني أولى الناس بعيسى ابن مريم؛ لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه: رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان ممصران، كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى الإسلام، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال، ثم تقع الأمنة على الأرض، حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم، فيمكث أربعين سنة، ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون" (أخرجه أحمد (2/406) وقال أحمد شاكر: حديث صحيح، عمدة التفسير (4/ 36)، وأبو داود: كتاب الملاحم، باب خروج الدجال (4/498)، والحاكم (2/595)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وقال ابن كثير رحمه الله في النهاية في الفتن والملاحم (1/188): وهذا إسناد جيد قوي) إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة. وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله معلقا على أحاديث نزول عيسى عليه السلام: "فهذه أحاديث متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من رواية أبي هريرة وابن مسعود، وعثمان بن أبي العاص، والنواس بن سمعان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومجمع بن جارية، وأبي سريحة حذيفة بن أسيد رضي الله عنهم، وفيها دلالة على صفة نزوله ومكانه، وأنه بالشام، بل بدمشق عند المنارة الشرقية، وأن ذلك يكون عند الإقامة لصلاة الصبح... فيقتل الخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية فلا يقبل إلا الإسلام كما تقدم في الصحيحين، وهذا إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وتقرير وتشريع وتسويغ له على ذلك في ذلك الزمان، حيث تنزاح عللهم، وترتفع شبههم من أنفسهم، ولهذا كلهم يدخلون في دين الإسلام متابعة لعيسى عليه السلام وعلى يديه، ولهذا قال تعالى: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) النساء:159. وهذه الآية كقوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ) الزخرف:61. وقرئ"لَعَلَم بالتحريك، أي أمارة ودليل على اقتراب الساعة، وذلك لأنه ينزل بعد خروج المسيح الدجال فيقتله الله على يديه ويبعث الله في أيامه يأجوج ومأجوج فيهلكهم الله ببركة دعائه "(تفسير ابن كثير (1/519، 520).

 سادساُ:اعتزاز اليهود والنصارى بما هم عليه من الكفر وحرصهم على إبعاد المسلمين عن دينهم:

     بيَّن الله تعالى أن اليهود والنصارى أصحاب ملة حريصون على إبعاد المسلمين عن دينهم وإدخالهم في مللهم الكفرية فقال تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) البقرة: 120. وسمَّى الله تعالى ما هم عليه (هوى)، ولا يكون الهوى ديناً مقبولاً عند الله .

       وأخبرنا الله بكفر أهل الكتاب وأنهم لا يرغبون في أن ينزل الله تعالى أي خير على رسول الله وأتباعه المسلمين فقال تعالى: (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم) سورة البقرة:105.

     وبيَّن الله نقمة أهل الكتاب على المسلمين لأنهم مسلمون، قال تعالى :(قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون) سورة المائدة:59. ثم عقَّب ببيان منزلتهم السيئة عند الله ومصيرهم يوم القيامة، فقال تعالى: (قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل) المائدة:60-61].

سابعاً: أنَّ الله تعالى عدَّ من يُحِبُّهم ويواليهم عدُوًّا لله مثلهم.

   قال الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (المائدة:51. وبيَّن الله عز وجل أن اليهود يقولون أن النصارى ليسوا على الدين الحق، وقالت لهم النصارى نفس أقوالهم، (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُون) البقرة:11.  

       جاء في تفسير البغوي - معالم التنزيل- " :قَوْلُهُ) :وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ، نَزَلَتْ فِي يَهُودِ الْمَدِينَةِ وَنَصَارَى أَهْلِ نَجْرَانَ، وَذَلِكَ أَنَّ وَفْدَ نَجْرَانَ لِمَا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُمْ أَحْبَارُ الْيَهُودِ فَتَنَاظَرُوا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ، فَقَالَتْ لَهُمُ الْيَهُودُ: مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ، وَكَفَرُوا بِعِيسَى وَالْإِنْجِيلِ، وَقَالَتْ لَهُمُ النَّصَارَى: مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ، وَكَفَرُوا بِمُوسَى وَالتَّوْرَاةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ ﴾، وَكِلَا الفريقين يقرؤون الكتاب، وقيل: مَعْنَاهُ لَيْسَ فِي كُتُبِهِمْ هَذَا الِاخْتِلَافُ، فَدَلَّ تِلَاوَتُهُمُ الْكِتَابَ وَمُخَالَفَتُهُمْ مَا فِيهِ عَلَى كَوْنِهِمْ عَلَى الْبَاطِلِ، ﴿ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، يَعْنِي: آبَاءَهُمُ الَّذِينَ مَضَوْا، ﴿ مِثْلَ قَوْلِهِم﴾، قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي عَوَامُّ النَّصَارَى، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي مُشْرِكِي الْعَرَبِ، كَذَلِكَ قَالُوا فِي نَبِيِّهِمْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ، وَقَالَ عَطَاءٌ: أُمَمٌ كَانَتْ قَبْلَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، مِثْلَ قَوْمِ نُوحٍ وَهُودٍ وَصَالِحٍ وَلُوطٍ وَشُعَيْبٍ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، قَالُوا لِنَبِيِّهِمْ: إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى شَيْءٍ، (فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ، يَقْضِي بَيْنَ الْمُحِقِّ وَالْمُبْطِلِ، (فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) مِنَ الدِّينِ.

       وقال تعالى :)قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ) المائدة:68. وأين التوراة والأنجيل الذي أنزله الله تعالى وقد حرفوه وزادوا فيه وغيروا، ولو أقام اليهود والنصارى ذلك لآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ) الأعراف:157 .     

      وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ :"وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ" صحيح مسلم.


 



 




 

 

هل أعجبك الموضوع؟