البريد للتواصل: drsregeb11@gmail.com

مقالاتي

بيان صحة حديث البخاري في تحريم المعازف وآلات الطرب ورد الشبهات حول سنده ومتنه



  • نشر في: 2-8-2019م
  • ساعة: 8:48
  • طباعة

بيان صحة حديث البخاري في تحريم المعازف وآلات الطرب ورد الشبهات حول سنده ومتنه

بقلم

أ.د صالح حسين الرقب

   هناك عدة أحاديث صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم استدلَّ بها أهل العلم في تحريم المعازف وآلات الطرب، ومنها ما رواه الإمام البخاري وغيره. ونبين هنا صحة متنه لا كما توهم ابن حزم الطاهري وتابعه الدكتور يوسف القرضاوي وغيره من المعاصرين.

متن الحديث:   

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم -يعني الفقير- لحاجة فيقولوا ارجع إلينا غدا فيبيتهم الله ويضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة"، وهو حديث صحيح لا شك في صحته؛ فقد رواه البخاري في صحيحه تعليقا مجزوما به، أي موصولاً على شرطه، وهو داخل في الصحيح،(صحيح البخاري رقم 5590، باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه) والحديث صحيح، وقد وصله ابن حبان في (صحيحه رقم 6574، وقال الشيخ الألباني: صحيح  وذكره في سلسلة الصحيحة رقم91، وقال محقق صحيح ابن حبان الشيخ شعيب الأرناؤوط: حديث صحيح)، ورواه الطبراني في (المعجم الكبير رقم 3339)، وفي مسند الشاميين(1337)، والبيهقي في (السنن الصغرى 4320)، و(السنن الكبرى رقم 6317، و17073، و21516، وانظر الاستقامة، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق د. محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود - المدينة المنورة- الطبعة الأولى 1403ه،1/294؛ والسلسلة الصحيحة للشيخ محمد ناصر الدين الألباني رقم 91، وقال الألباني في كتابه تحريم آلات الطرب: قلت: إسناده صحيح متصل ص 41). وقال ابن القيم: "هذا حديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه محتجاً به، وعلقه تعليقاً مجزوماً به، فقال: باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه".(إغاثة اللهفان 1/259).

ذكر شبهة ابن حزم والرد عليه:

      لقد زعم ابن حزم الظاهري أنَّ الحديث منقطع، انتُصارا منه لمذهبه الباطل في إباحة الملاهي، بزعم أنَّ البخاري لم يصل سنده به، وبجهالة أبي مالك الأشعري! كما زعم في (المحلى، طباعة دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع 9/59)، وفي (رسائل ابن حزم، تحقيق إحسان عباس، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى 1980م، 1/434). ومما يؤسف له أن فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي تابع ابن حزم في وهمه، وقال به دون أن يراجع ما يبين له بطلان وهم ابن حزم، وجواب هذا الوهم من وجوه:-

1- إن البخاري قد لقي هشام بن عمار وسمع منه، فإذا قال: "قال هشام" فهو بمنزلة قوله "عن هشام".

2- إنَّه لـو لم يسمع منـه فهو لم يستجز الجزم به عنه إلا وقد صـحَّ عنه أنه حـدث به. وهذا كثيراً ما يكون لكثرة من رواه عنه عن ذلك الشيخ وشُهرته. فالبخاري أبعدُ خلق الله من التدليس.

3- إنَّه أدخله في كتابه المسمى بالصحيح محتجاً به، فلولا صحته عنده لما فعل ذلك.

4- إن البخاري علّقه بصيغة الجزم، دون صيغة التمريض، فإنَّه إذا توقف في الحديث ولم يكن على شرطه يقول: "ويُروى عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، ويُذكر عنه". ونحو ذلك: فإذا قال: "قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم" فقد جزم وقطع بإضافته إليه.

5- إنَّا لو أعرضنا عن هذا كله صفحاً، فالحديث صحيح متصل عند غيره. كما بينت سابقا، وكما سيأتي من أقوال أهل العلم الذين ردَّوا على أوهام ابن حزم الظاهري.

6- قال ابن حزم :ولا يصح في هذا الباب شيء، وكل ما فيه فموضوع، ووالله لو أسند جمعية، أو واحد منه فأكثر، من طريق الثقات إلى رسول الله  صلي الله عليه وآل وسلم لما ترددنا في الأخذ به.(المحلى، دار الفكر 9/59(. أقول لابن حزم ومن يأخذ بأقواله في إباحة المعازف، لقد أسند أهل العلم رواية البخاري، وذكروا ما يدلَّ على صحته وصحة غيره من الأحاديث في تحريم المعازف، لدرجة أنَّ بعض أهل العلم كفَّر من استحل المعازف. إذاً فعلى قول ابن حزم ي يبطل مذهبه في إباحة المعازف والغناء، ويبطل رأي من تابعه لصحة حديث البخاري وغيره من الأحاديث الصحيحة التي احتجَّ بها علماء الأمة في التحريم.

     وإذا كان الحديث صحيحاً كغيره من أحاديث صحيح البخاري، فلا يلتفت إلى طعن ابن حزم الظاهري في هذا الحديث، ولقد ردَّ على زعمه غير واحد من أهل العلم ومعظمهم من أهل الحديث، وأذكر هنا أقوال عدد منهم:-

 1- العلامة أبو عمرو ابن الصلاح حيث قال: "ولا التفات إلى أبي محمد بن حزم الظاهري الحافظ في رده ما أخرجه البخاري، من حديث أبي عامر، أو أبي مالك الأشعري، فزعم ابن حزم أنه منقطع فيما بين البخاري وهشام، وجعله جواباً عن الاحتجاج به على تحريم المعازف. وأخطأ في ذلك من وجوه، والحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح، والبخاري رحمه الله قد يفعل ذلك، لكون ذلك الحديث معروفا من جهة الثقات عن ذلك الشخص الذي علقه عنه، وقد يفعل ذلك لكونه قد ذكر ذلك الحديث في موضع آخر من كتابه مسنداً متصلاً، وقد يفعل ذلك لغير ذلك من الأسباب التي لا يصحبها خلل الانقطاع".(مقدمة ابن الصلاح: أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن المعروف بابن الصلاح، تحقيق نور الدين عتر، دار الفكر- سوريا- ودار الفكر المعاصر – بيروت- 1406هـ- 1986م ص67).

2- الإمام ابن قيم الجوزية، قال: "وأمَّا أبو محمد فإنَّه على قدر يبسه وقسوته في التمسك بالظاهر وإلغائه للمعاني والمناسبات والحكم والعلل الشرعية، إنَّما في باب العشق والنظر وسماع الملاهي المحرمة فوسع هذا الباب جداً، وضيق باب المناسبات والمعاني والحكم الشرعية جداً، وهو مع انحرافه في الطرفين حين ردَّ الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه في تحريم آلات اللهو بأنَّه معلَّق غير مسند، وخفي عليه أنَّ البخاري لقي من علقه عنه وسمع منه وهو هشام بن عمار، وخفي عليه أنَّ الحديث قد أسنده غير واحد من أئمة الحديث عن غير هشام بن عمار، فأبطل سنة صحيحة ثابتة عن رسول الله، لا مطعن فيها بوجه".(روضة المحبين ونزهة المشتاقين: أبو عبد الله ابن القيم محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي، دار الكتب العلمية - بيروت- 1412ه- 1992م ص 130)، وقال: "ولم يصنع من قدح في صحة هذا الحديث شيئا كابن حزم نصرة لمذهبه الباطل في إباحة الملاهي، وزعم أنه منقطع لأن البخاري لم يصل سنده به. وجواب هذا الوهم من وجوه، فذكر منها: الثالث: أنه أدخله في كتابه المسمى بالصحيح محتجا به فلولا صحته عنده لما فعل ذلك..".(إغاثة اللهفان: ابن القيم 1/259) و(انظر تهذيب سنن أبي داود 2/228، تغليق التعليق على صحيح البخاري: أحمد بن حجر العسقلاني، تحقيق سعيد عبد الرحمن موسى القزقي، المكتب الإسلامي, دار عمار – بيروت- عمان- الأردن 5/22، فتح الباري شرح صحيح البخاري: ابن حجر أبو الفضل العسقلاني، دار المعرفة – بيروت- 1379ه 10/52).

3- العلامة ابن حجر العسقلاني، قال: "زعم بن حزم أنه منقطع فيما بين البخاري وهشام وجعله جوابا عن الاحتجاج به على تحريم المعازف وأخطأ في ذلك من وجوه والحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح والبخاري، قد يفعل مثل ذلك لكونه قد ذكر ذلك الحديث في موضع آخر من كتابه مسندا متصلا، وقد يفعل ذلك لغير ذلك من الأسباب التي لا يصحبها خلل الانقطاع".(فتح الباري شرح صحيح البخاري 10/52).

4- الحافظ ابن عبد الهادي، قال في ابن حزم: "وهو كثير الوهم في الكلام على تصحيح الحديث وتضعيفه وعلى أحوال الرواة".(طبقات علماء الحديث 2/349).

5- ابن حجر الهيتمي قال: "قد حكيت آراء باطلة وآراء ضعيفة مخالفة للاتفاق المذكور: منها: قول ابن حزم لم يصح في تحريم العود حديث، وقد سمعه ابن عمر وابن جعفر رضي الله عنهم، وهو من جموده على ظاهريته الشنيعة القبيحة، كيف والعود من جملة المعازف؟ وقد صح في تحريمها الحديث المذكور آنفا، وما زعمه عن هذين الإمامين ممنوع، ولا يثبت ذلك عنهما، وحاشاهما من ذلك مع شدة ورعهما وتحريمهما وأتباعهما وبعدهما من اللهو".(الزواجر عن اقتراف الكبائر: أحمد بن محمد بن على بن حجر الهيتمي، دراسة وتحقيق أحمد عبد الشافي، دار الفكر 2/337).

6- الحافظ ابن رجب الحنبلي، قال: "هكذا ذكره البخاري في كتابه بصيغة التعليق المجزوم به والأقرب أنه مسند، فإن هشام بن عمار أحد شيوخ البخاري، وقد قيل إن البخاري إذا قال في صحيحه قال فلان ولم يصرح بروايته عنه وكان قد سمع منه فإنه يكون قد أخذه عنه عرضا أو مناولة أو مذاكرة، وهذا كله لا يخرجه عن أن يكون مسندا والله أعلم".(نزهة الأسماع في مسألة السماع: عبد الرحمن بن رجب الحنبلي، تحقيق وليد عبد الرحمن الفريان، دار طيبة – الرياض- الطبعة الأولى 1407ه-1986م ص 39-40).

7- محمد أنور شاه ابن معظم شاه الكشميري الهندي، قال: "قال ابن حزم: إن في البخاري تعليقاً والسند معنعن، والحال أن المحدثين أوصلوه وأثبتوا السماع.. واعلم أن المعازف ما يضرب بالفم، والملاهي ما يضرب بالأيدي، وذهب جمهور الأئمة وأهل المذاهب الأربعة إلى التحريم واستثنوا الطبل والدهل للتسحير أو الوليمة أو لغرض صحيح آخر".(العرف الشذي شرح سنن الترمذي: محمد أنور شاه ابن معظم شاه الكشميري الهندي، المحقق محمود أحمد شاكر، المدقق مؤسسة ضحى للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 3/241).

8- قال الإمام السخاوي: لا تصغ لابن حزم فقد صححه ابن حبان وغيره من الأئمة".(فتح المغيث شرح ألفية الحديث: الإمام محمد بن عبد الرحمن السخاوي، دار الكتب العلمية – لبنان- الطبعة الأولى 1403ه، 1/56-57).

9- قال الحافظ ابن كثير: "وأنكر ابن الصلاح على أبن حزم رده حديث الملاهي حيث قال فيه البخاري: وقال هشام بن عمار، وقال: أخطأ ابن حزم من وجوه، فإنه ثابت من حديث هشام بن عمار. قلت": وقد رواه أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه وخرجه البرقاني في صحيحه، وغير واحد، مسنداً متصلاً إلى هشام بن عمار وشيخه أيضاً، كما بيناه في كتاب "الأحكام" ولله الحمد".(الباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث: أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الشافعي ص 4).

10- قال سراج الدين عمر بن علي الأنصاري: "ولا التفات إلى ابن حزم الظاهري في رده حديث البخاري في المعازف والحرير والحر بالانقطاع فإنه أخطأ من وجوه والحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح والبخاري قد يفعل مثل ذلك لكون الحديث معروفا من جهة الثقات عن ذلك الشخص الذي علقه عنه".(المقنع في علوم الحديث: سراج الدين عمر بن علي بن أحمد الأنصاري، تحقيق عبد الله بن يوسف الجديع، دار فواز للنشر –السعودية- الطبعة الأولى، 1413هـ، ص150).

11- قال الحافظ العراقي: "إن هذا الحديث حكمه الاتصال؛ لأن هشام بن عمار من شيوخ البخاري حدَّث عنه بأحاديث...والحديث متصل من طرق: من طريق هشام وغيره".(شرح التبصرة والتذكرة: الحافظ العراقي، تحقيق د. ماهر ياسين الفحل ص 45).

12- قال العلامة النظار محمد بن إبراهيم الوزير: "والصحيح صحة الحديث أي حديث هشام بن عمار بلا ريب، لما عرفت من ثبوت اتصاله".(توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار: محمد بن إسماعيل الأمير الحسني الصنعاني، دراسة وتحقيق أبو عبد الرحمن صلاح بن محمد بن عويضة، دار الكتب العلمية, بيروت- لبنان الطبعة الأولى1417هـ-1997م 1/135).

13- قال محمد بن إبراهيم بن جماعة: "وقد خطئ ابن حزم الظاهري في رده حديث أبي مالك الأشعري في المعازف لقول البخاري فيه قال هشام بن عمار وساق السند وزعمه أنه منقطع بين البخاري وهشام فإن الحديث معروف الاتصال بشرط الصحيح".(المنهل الروي في مختصر علوم الحديث النبوي: محمد بن إبراهيم بن جماعة، تحقيق د. محيي الدين عبد الرحمن رمضان، دار الفكر – دمشق- الطبعة الثانية 1406ه، ص 49).

دلالة الحديث الشريف على تحريم آلات العزف والطرب:

     وفي هذا الحديث الشريف دليل على تحريم آلات العزف والطرب من وجهين:-

أولهما: قوله صلى الله عليه وسلم: "يستحلون"، فإنَّه صريح بأنَّ المذكورات في هذا الحديث، ومنها المعازف هي في الشرع محرمة، فيستحلها أولئك الأقوام من أمته صلى الله عليه وسلم. ومعنى يستحلونها: يعلمون حرمتها ومع ذلك يكابرون فيستحلونها أي يفعلونها فعل المستحل لها فلا ينكرونها ولا يدعونها. قال العلامة الشيخ علي القاري: "والمعنى: يعدُّون هذه الأشياء حلالاً بإيراد شبهات وأدلة واهيات".(مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: الملا على القاري، باب البكاء والخوف، تحقيق جمال عيتاني، دار الكتب العلمية 5/106).

    وإنَّا اليوم لنجد من يكابر فيستحلّ الربا باسم الفائدة، ويحلّ شرب الخمور، ويرى أنَّها من ضرورات العصر والحضارة. ولخطورة استحلال ما حرمه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكون خبر البخاري حجة في التحريم فقد ذهب كل من القاضي عياض والأمير الصنعاني إلى تكفير من استحلَّ المعازف.(كتاب الفروع ومعه تصحيح الفروع لعلاء الدين علي بن سليمان المرداوي: محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج، تحقيق د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 1424هـ-2003م، 11/349)، وقال الأمير الصنعاني: "قوله يستحلون بمعنى يجعلون الحرام حلالاً... فإن من استحل محرماً أي اعتقد حله فإنَّه قد كذب الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أخبر أنَّه حرام، فقوله بحلِّه رد لكلامه وتكذيب، وتكذيبه كفر، فلا بد من تأويل الحديث بأنه أراد أنه من الأمة قبل الاستحلال، فإذا استحل خرج عن مسمى الأمة".(سبل السلام شرح بلوغ المرام: محمد بن إسماعيل الصنعاني، دار إحياء التراث العربي -بيروت- الطبعة الرابعة 1379هـ، 3/33). نسأل الله تعالى العفو والعافية.

ثانيا: ذكر المعازف مقرونة مع محرمات أخرى معروف أنَّها محرمة مقطوع بحرمتها لا يشك في حرمتها أي مسلم، وهي: الزنا، والخمر ولبس الحرير للرجال، ولو لم تكن محرمة لما قرنها معها.(السلسلة الصحيحة للألباني- بتصرف- 1/140-141)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فدلَّ هذا الحديث على تحريم المعازف، والمعازف هي آلات اللهو عند أهل اللغة، وهذا اسم يتناول هذه الآلات كلها.(مجموع الفتاوى: ابن تيمية، تحقيق أنور الباز وعامر الجزار، دار الوفاء، الطبعة الثالثة 1426هـ-2005م 11/535). 

      ومن العجيب أنَّ من رخَّص في المعازف - كابن حزم ومن سلك مذهبه من المعاصرين- زعم أنَّها حرام لو قرنت بما ذكر في الحديث، أي اجتمعت معهن، قلت: هذا تأويل بارد مضحك، فكلٌّ من الزنا، والخمر ولبس الحرير للرجال، محرَّمة اجتمعت مع غيرها أو انفردت لوحدها، فلما يقال هذا فقط في المعازف؟!!. ومن قال إنَّ المحرم هو الجمع بين المذكورات في الحديث فقط يلزم منه أنَّ الزنا المصرَّح به في الحديث لا يحرم إلا عند شرب الخمر واستعمال المعازف، وأن الخمر لا يحرم إلا عند الزنا واستعمال المعازف، وهذا باطل بالإجماع. فمن القواعد الأصولية(الجمع بين الأشياء في الوعيد يدل على تحريم كل منهما بمفردهما، أو لا يجمع بين محرم ومباح في الوعيد). ورحم الله العلامة ابن عابدين فقد قال في كتابه (نسمات الأحرار): "لا يضم مباح إلى حرام في الوعيد".

     وصدق ابن قيم الجوزية بقوله: "ووجه الدلالة منه أنَّ المعازف هي آلات اللهو كلها، لا خلاف بين أهل اللغة في ذلك، ولو كانت حلالاً لما ذمَّهم على استحلالها، ولَمَا قرن استحلالها باستحلال الخمر والحِرَ".(إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان: ابن قيم الجوزية 1/256). وقال ابن رجب الحنبلي: أكثر العلماء على تحريم سماع آلات الملاهي كلها، وكل منها محرم بانفراده، وقد حكى أبو بكر الآجري وغيره إجماع العلماء على ذلك.(نزهة الأسماع في مسألة السماع: عبد الرحمن بن رجب الحنبلي ص 25).

 

 

هل أعجبك الموضوع؟