البريد للتواصل: drsregeb11@gmail.com

قضايا عقائدية

الكفر أقسامه أصوله وضوابطه وشروطه وأسبابه



  • نشر في: 28-12-2020م
  • ساعة: 5:05
  • طباعة

الكفر أقسامه أصوله وضوابطه وشروطه وأسبابه

إعداد أ. د صالح حسين الرقب

أقسام الكفر باعتبار حكمه-:

    ينقسم إلى قسمين: أكبر وأصغر، ومن النصوص الدالة على ذلك ما أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أُريت النار فإذا أكثر أهلها النساء يكفُرن، قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان"، فدل الحديث على انقسام الكفر إلى قسمين: كفر أكبر، وهو: الكفر بالله، وكفر أصغر، وهو: كفر النعمة والإحسان، ولذا ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله (باب كفران العشير وكفر دون كفر). قال ابن القيم: "فأما الكفر فنوعان: كفر أكبر وكفر أصغر، فالكفر الأكبر؛ هو الموجب للخلود في النار، والأصغر؛ موجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود".

أقسام الكفر باعتبار ما يقوم به من أعضاء البدن:

 ينقسم إلى ثلاثة أقسام: (كفر قلبي- وكفر قولي- وكفر عملي (.

-1الكفر القلبي: وهو ما يقوم بالقلب من الاعتقادات المكفرة كاعتقاد كذب الرسول صلى الله عليه وسلم أو التكذيب بشيء مما جاء به أو الشك في صدقه، أو اعتقاد شريك لله في ربوبيته، او أسمائه، أو صفاته، أو في ألوهيته، او اعتقاد استباحة المحرمات الظاهرة.

 -2الكفر القولي: وهو ما يجري على اللسان من الأقوال المكفرة على وجه الاختيار، مثل: سب الله، ورسوله صلى الله عليه وسلم أو ادعاء النبوة .

يقول النووي: "وتحصل الرّدّة بالقول الذي هو كفر سواء صدر عن اعتقاد أو عناد أو استهزاء". فهذا الكفر ينقسم إلى قسمين: أكبر مخرج من الملة، أصغر لا يخرج من الملة.

3- الكفر العملي: وهو ما يقوم بالجوارح من الأعمال التي جاء في النصوص وصفها، وهو ينقسم إلى قسمين: أكبر مخرج من الملة، وأصغر لا يخرج من الملة. قال ابن القيم رحمه الله: "وأما كفر العمل فينقسم إلى: ما يضاد الإيمان، وإلى ما لا يضاده، فالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي صلى الله عليه وسلم وسبه يضاد الإيمان، وأما الحكم بغير ما أنزل الله، وترك الصلاة، فهو من الكفر العملي قطعاً، ولا يمكن أن ينفى عنه اسم الكفر بعد أن أطلقه الله ورسوله عليه، فالحاكم بغير ما انزل الله كافر، وتارك الصلاة كافر، بنص النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن هو كفر عمل لا كفر اعتقاد".

لمن حق النظر والحكم في التكفير:

الكفر من الأحكام الشرعية، وأنه توقيفي مرجعه للسمع، لا مجال فيه للنظر العقلي، بل هو حق لله ورسوله، فلا يجوز إطلاق الكفر على فعل، أو عمل، أنه كفر كما لا يجوز أن يطلق على معيّن بانه كافر إلا بدليل سمعي قطعـــــي، وإذا تقرر هذا تبين أن النظر في هذا الباب، لا يكون إلا لأهل العلم الراسخين، القادرين على استنباط الحكم الشرعي في هذه المسألة من النصوص الشرعية، فيراعى في الناظر في مسألة التكفير توفر الشروط المعتبرة في المفتي في الأحكام الشرعية الأخرى، على ما هي موضحة في كتب أصول الفقه. يقول الشافعي رحمه الله: "ولم يجعل الله لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول إلا من جهة علم مضى قبله وجهة العلم بعد الكتاب والسنة، والإجماع والآثار وما وصفت من القياس عليها.. ولا يقيس إلا مَن جمع الآلة التي له القياس بها وهي: العلم بأحكام كتاب الله فرضه، وأدبه، وناسخه، ومنسوخه، وعامه وخاصه، وإرشاده".

    وقد نص العلماء على أن الكفر حكم شرعي لما يترتب عليه من أحكام، يقول الإمام الغزالي: "الكفر حكم شرعي كالرق والحرية، إذ معناه إباحة الدم والحكم بالخلود في النار"، كما نص العلماء على أن التكفير، حكم شرعي أيضاً. وعليه لا يكون الحكم على فكرة أو حادثة أو شخص بالكفر إلا من أهل العلم الموثوقين والمعتبرين، الذين يفهمون الشرع حق فهمه وتلقوا علمهم من أهله، وهؤلاء يعرفون بالاستفاضة، ويحرم التكفير العيني على كل من لم يبلغ هذه المرتبة، وهم صنفان:-

1- الراسخون في العلم: وهم من لمسوا من المتشابه وجه التشابه فيه أولاً، ثم تمكنوا من الوصول إلى وجه تخريجه الصحيح في نهاية الأمر، لأن فهم السؤال نصف الجواب كما قيل. إذ الراسخون في العلم هم من عرفوا من قواعد الدين أسسها المكينة، ودرسوا من واقع الشريعة أصول مبانيها الرصينة، ومن ثم إذا ما جوبهوا بما يخالفها في ظاهر اللفظ، عرفوا أن له تأويلاً صحيحاً، يجب التوصل إليه في ضوء تلكم المعارف الأولية، ومن جد في طلب شيء، وكان من أهله، تحصله في نهاية المطاف. أما الجاهل الأعمى فلا يعرف من الدين شيئاً سوى ظواهره، من غير أن يميز بين محكماته والمتشابهات.

والخلاصة: أن العلماء الصادقين، بما أنهم واقفون على قواعد الشريعة، وعارفون بموازين الشرع ومقاييسه الدقيقة، إذا ما عرضت عليهم متشابكات الأمور هم قادرون على استنباط حقائقها وعلى أوجه تخريجاتها الصحيحة.

2- أن يكون ممن رباه الشيوخ في ذلك العلم لأخذه عنهم، وملازمته لهم، فهو الجدير بأن يتصف بما اتصفوا به من ذلك، وهكذا شأن السلف الصالح. وحسبك من صحة هذه القاعدة أنك لا تجد عالماً اشتهر في الناس الأخذ عنه، إلا وله قدوة اشتهر في قرنه بمثل ذلك، وقلما وجدت فرقة زائغة ولا أحداً مخالفا للسنة، إلا وهو مفارق لهذا الوصف". ولهذا فعلى المسلم أن يتحرى في سؤاله واتباعه من عرف في أوساط العلماء واستفاضة شهرته كعالم، وهؤلاء اليوم قلة قليلة جداً، ولهذا فمن اللازم على الأمة كافة والحكومات في مقدمتها إيجاد البيئة اللازمة لتخريج علماء فقهاء واعين محيطين بمتطلبات عصرهم ومعارفه، فهؤلاء في الحقيقة هم صمام الأمان للأمة من الفتن، وهم أعلام الطريق التي يهتدي بها الناس في حياتهم، والتاريخ الإسلامي خير شاهد. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "فلهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم وإن كان ذلك المخالف يكفرهم، لأن الكفر حكم شرعي فليس للإنسان أن يعاقب بمثله كمن كذب عليك وزنى بأهلك ليس لك أن تكذب عليه وتزني بأهله، لأن الكذب والزنا حرام لحق الله تعالى".

من لا يحق لهم الاشتغال في التكفير:

1- طلاب علم ليس بأهل علم: وهم من حصّلوا جملة طيبة من العلم، بيد أنهم لم يبلغوا مرتبة العلماء الراسخين، فهذا الصنف ممن لا يجوز له إطلاق التكفير على التخصيص، وبعبارة أخرى يحرم عليه تكفير المعين إلا إذا أكفره العلماء وتبعوهم في ذلك. فمرتبة العالم لا تنال بالأوراق بقدر ما تنال بكثرة التحصيل وقوة الفهم مع الجد والمثابرة. وطلبة العلم هم الكثرة الكاثرة في هذا العصر، فمعظم من نراهم أو نسمعهم في القنوات والإذاعات وسائر وسائل الاتصال الجماهيري، هم في حقيقة الأمر طلاب علم، وإن كان بعضهم يظن في نفسه أو يظن غيره فيه خلاف ذلك.

    أقول هذا لكثرة ما بلينا به بسبب بعض من وسم بـ (طالب علم) أو (مستفيد)، والذي قرأ مجموعة مختصرات من الكتب، أو سمع مجموعة أشرطة من هنا وهناك، أو جمع نتفاً من المعلومات المتناثرة والتي لا يجمعها جامع ولا يربطها رابط ثم يظن في نفسه العلم، فيظلم نفسه ويظلم معه آخرين، "وقد قيل: إنما يفسد الناس نصف متكلم، ونصف فقيه، ونصف نحوي، ونصف طبيب، هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد اللسان، وهذا يفسد الأبدان.

2- العامة: وهم الذين يجهلون أحكام الدين التي لا تعلم منه بالضرورة، وهؤلاء لا يحق ولا يجوز لهم بأي حال من الأحوال الحكم على الناس بالتكفير، لجهلهم بالكتاب والسنة وآلة فهمهما وجهلهم بكلام العلماء. وقد عقد ابن القيم في كتابه الماتع إعلام الموقعين فصلاً في تحريم القول على الله بغير علم وقال تحته: "وقد حرم الله سبحانه القول عليه بغير علم في الفتيا والقضاء، وجعله من أعظم المحرمات، بل جعله في المرتبة العليا منها فقال تعالى:(قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) (الأعراف33).

   موقف أهل السنة من التكفير

  1. من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة؛ أنهم لا يخرجون أحدا من الإسلام فعل فعلا مكفرا، إذا كان جاهلا أو متأولا أو مكرها، إن كان قلبه مطمئنا بالإيمان، إلا بعد إقامة الحجة عليه. قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: 'وليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة'. وقال ابن عبد البر في التمهيد: 'فالقرآن والسنة ينهيان عن تفسيق المسلم وتكفيره ببيان لا إشكال فيه، ومن جهة النظر الصحيح الذي لا مدفع له أن كل من ثبت له عقد الإسلام في وقت بإجماع من المسلمين ثم أذنب ذنبا أو تأول تأويلاً فاختلفوا بعد في خروجه من الإسلام لم يكن لاختلافهم بعد إجماعهم معنى يوجب حجة ولا يخرج من الإسلام المتفق عليه إلا باتفاق آخر أو سنة ثابتة لا معارض لها، وقد اتفق أهل السنة والجماعة وهم أهل الفقه والأثر على أن أحداً لا يخرجه ذنبه وإن عظم من الإسلام وخالفهم أهل البدع، فالواجب في النظر أن لا يكفر إلا أن اتفق الجميع على تكفيره أو قام على تكفيره دليل لا مدفع له من كتاب أو سنة'.

 2- لا يكفرون أحدا من المسلمين بكل ذنب، ولو كان من كبائر الذنوب في هي دون الشرك؛ فإنهم لا يحكمون على مرتكبها بكفر، وإنما يحكمون عليه بالفسق ونقص الإيمان ما لم يستحله ويجحد شيئا معلوما من الدين بالضرورة، لأن الله تعالى يقول:(إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) المائدة 48.ويقول:(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الزمر 52. لأن أصل الكفر هو التكذيب المتعمد، وشرح الصدر له، وطمأنينة القلب به، وسكون النفس إليه، ولا اعتبار بما يقع من طوارق عقائد الشرك، ولا سيما مع الجهل، قال الله تعالى: (وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) النحل 105. وهذا ما أجمع عليه علماء أهل السنة والجماعة وقد ذكر هذا الإجماع الصابوني في 'عقيدة أصحاب الحديث'.

3- لا يكفروا أحدا ما لم يدل دليل من الكتاب والسنة على كفره، وإذا مات على هذا فأمره إلى الله تعالى، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له خلافا للفرق الضالة التي تحكم على مرتكب الكبيرة بالكفر، أو بمنزلة بين المنزلتين. والنبي صلى الله عليه وسلم؛ حذر من ذلك وقال؛(أيما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه"، وقال: "من دعا رجلا بالكفر، أو قال عدو الله وليس كذلك؛ إلا حار عليه" أي رجع. وقال: "لا يرمي رجل رجلا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك"، وقال: "ومن رمى مؤمنا بكفر؛ فهو قتله".

البواعث الخاطئة لدى كثير من التكفيريين:

1- سوء الظن: فسوء الظن يحمل صاحبه على تأويل أقوال وأفعال الغير ولو كانت حسنة تأويلاً مشيناً.

 2- الجهل: وهو داء عضال ومرض فتاك، ابتلي به شباب درسوا بعض الكتب فأدعو أنهم بذلك أصبحوا من أولي العلم وربما من أهل الإفتاء. 3- الهوى: قد لا ينجو منه لا العلماء، ولا العامة.

 4- التعصب: التعصب للآراء والأوطان والعادات والتقاليد. وهو داء نعوذ بالله من شره.

 5- الانتصار للنفس أو التعصب الحزب.

 6- الحسد والحقد. أقسام الكفر: نود أن ننبه أن الكفر في لغة القرآن والسنة، قسمان. قد يراد به الكفر الأكبر، وهو الذي يخرج الإنسان من الملة، بالنسبة لأحكام الدنيا، ويوجب له الخلود في النار بالنسبة لأحكام الآخرة. وقد يراد به الكفر الأصغر، وهو الذي يوجب لصاحبه الوعيد دون الخلود في النار، ولا ينقل صاحبه من ملة الإسلام. إنما يدمغه بالفسوق أو العصيان. فالكفر بالمعنى الأول: هو الإنكار أو الجحود المتعمد لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم أو بعض ما جاء به، مما علم من دينه بالضرورة. وهذا هو الكفر الناقل عن الدين. والكفر بالمعنى الثاني: يشمل المعاصي التي يخالف بها أمر الله تعالى، أو يرتكب بها ما نهى عنه. وفيه جاءت أحاديث كثيرة، مثل:(من حلف بغير الله فقد كفر) أو (فقد أشرك)، (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)، (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض)، (لا ترغبوا عن آبائكم فإن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم)، (من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما). وهذا لا ينقل عن الدين بل المراد التشنيع على من وقع فيه بأنه فعل من أفعال الكفار.

قواعد التكفير

القاعدة الأولى: الكفر والتكفير حكمان شرعيان:

   نص العلماء على أن الكفر حكم شرعي لما يترتب عليه من أحكام، يقول الإمام الغزالي: "الكفر حكم شرعي كالرق والحرية، إذ معناه إباحة الدم والحكم بالخلود في النار"، كما نص العلماء على أن التكفير، حكم شرعي أيضاً. وعليه لا يكون الحكم على فكرة أو حادثة أو شخص بالكفر إلا من أهل العلم الموثوقين والمعتبرين، الذين يفهمون الشرع حق فهمه وتلقوا علمهم من أهله، وهؤلاء يعرفون بالاستفاضة، ويحرم التكفير العيني على كل من لم يبلغ هذه المرتبة.

القاعدة الثانية: وجوب الاحتياط في التكفير العيني:

الاحتياط أصل من أصول الشريعة العامة، والتي تدخل في كثير من أبوابها، وإذا كان العلماء يحتاطون في أشياء من البيع والنكاح ونحوهما مما يعد ضئيلاً بالنسبة لحكم التكفير فهذا الأخير لا شك أنه أولى بالأخذ بهذا الأصل (الاحتياط) فنحتاط في الحكم بتكفير المعين لا في التشدد والتسرع في تكفيره، بل لا بد من التأني والإعذار وإقامة الحجة، احتياطاً لحفظ الدماء وأمن واستقرار الفرد والمجتمع، ولهذا قال العلماء "ينبغي للمفتي أن يحتاط في التكفير ما أمكنه، لأن الإيمان محقق فلا يرتفع إلا بيقين".

القاعدة الثالثة: لا يكفر إلا من كفره الله ورسوله:

   يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "التكفير حق لله فلا يكفر إلا من كفره الله ورسوله"، فمن نص الشرع على كفره قلنا بكفره، ومن لم يكفره لم نكفره مع ملاحظة أن فهم هذا النص لا يكون إلا للعلماء الراسخين، فلا يأتي أحدهم ويقرأ نصاً معيناً حكم فيه بالكفر على فاعل أو فعل ما، ويقول قد نص الشرع على كفر فاعل كذا ثم يكفره بناءً على قراءته لهذا النص، دون اعتبار للضوابط والقواعد والشروط المتعلقة بهذا الموضوع، وبناءً على أن التكفير حق لله فلا يجوز:-

1- التكفير بالعقليات، لأن الكفر هو الخروج من الدين أو مناقضته، ولا يعتبر الخروج عن العقليات ومناقضتها خروجاً عن الدين، مع إيماننا بألا تعارض بين النصوص القطعية الدلالة والثبوت وقطعيات العقل. وهذا لا يعني المنع من التفكير والنظر والتأمل بل إن هذه من أهم القضايا التي أرشد إليها الإسلام، فقد سئل ابن الوزير رحمه الله: هل تقبحون النظر؟ فقال: "إنا لا نقبح النظر، وكيف وقد أمر الله به، ونحن إنما دفاعنا عن الكتاب والسنة ولكنا نبطل مبتدع النظر بمسنونه، فنبطل من الأنظار ما أدى إلى القدح في الصحابة وإلى تكفير المسلمين".

2- التكفير بالهوى، والهوى هنا يشمل:-

أ- الهوى المبني على اللذة والشهوة دون الاستناد إلى شبهة دليل، ذلك أن التكفير والإفراط فيه عند البعض يكون سببه شهوة ورغبة جامحة ، وفكر تميل وترتاح إليه نفوسهم، وهي نفوس غير سوية في حقيقة الأمر، هذه النفوس التي لم تهتد بنور الشرع والنزول على الركب في حلقات العلم، والتي تمثل العلاج الناجع لهذا المرض.

ب- كما يشمل الهوى ما كان بدعة مستندةً إلى شبهة دليل أو غيره مما لا يصح أن يؤخذ منه معتقد ما .

ففي كلا الحالين لا يجوز التكفير بناءً عليهما، ولا شك أن المعرفة والتفريق بين الحق والهوى بمفهومه العام إنما يكون بالعلم والرجوع إلى أهله.

3- التكفير بالعواطف: يقع بعض الناس تحت ظروف وحالات نفسية وجسدية تفقده صوابية الحكم على شخص ما أو فعل ما بالكفر، فإذا انضم إلى هذا الجهل بالدين فالنتيجة ولا شك ستكون ماحقة.

ضوابط التكفير:

    عندما بين علماء الإسلام نواقض الإيمان، والأسباب المخرجة من دائرة الإسلام كانوا يرمون من بيانهم هذا إلى ما يلي:-

1- بيان حكم الله أولاً في القضايا والصور التي تعرضوا لها.

2- بيان الحدود الدينية التي لا يجوز تجاوزها في حالة الاختيار بحيث لو تعداها المسلم فإنه يكون قد خرج من دينه .

3- أرادوا في الوقت نفسه حماية العقيدة ودين الأمة من لعب اللاعبين وتهور المتهورين.

4- تحذير الناس وتنبيههم من الوقوع في المكفرات التي يجهلون كثيراً منها، ولهذا نادى بعض الفقهاء بضرورة تعليم الناس وتعريفهم بصور وأسباب الردة التي قد يقعون فيها عن جهل.

من الضوابط الكثيرة التي تضبط و تحفظ المسلم من الوقوع في التكفير ما يلي:-

1- أن أهل السنة والجماعة لا يكفرون بالمعاصي, ولو كانت هذه المعاصي من الكبائر وهذا ما أجمع عليه علماءنا أهل السنة والجماعة وقد ذكر هذا الإجماع الصابوني في "عقيدة أصحاب الحديث".

2- ومن اصول عقيدة اهل السنة والجماعة؛ أنهم لا يخرجون أحداً من الإسلام فعل فعلا مكفراً، إذا كان جاهلاً أو متأولاً أو مكرهاً- إن كان قلبه مطمئنا بالإيمان- إلا إقامة الحجة عليه؛ التي يكفر تاركها. ولا يكفرون أحدا من المسلمين بكل ولو كان من كبائر الذنوب في هي دون الشرك؛ فإنهم لا يحكمون على مرتكبها بكفر، وإنما يحكمون عليه بالفسق ونقص الإيمان ما لم يستحله ويجحد شيئا معلوما من الدين بالضرورة، لأن الله تعالى يقول: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا )المائدة 48. ويقول:(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) الزمر 52.لأن اصل الكفر هو التكذيب المتعمد، وشرح الصدر له، وطمأنينة القلب به، وسكون النفس إليه، ولا اعتبار بما يقع من طوارق عقائد الشرك، ولا سيما مع الجهل، قال الله تعالى: (وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) النحل 105. لم يكفروا أحدا ما لم يدل دليل من الكتاب والسنة على كفره، وإذا مات على هذا فأمره إلى الله تعالى، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له خلافا للفرق الضالة التي تحكم على مرتكب الكبيرة بالكفر، أو بمزلة بين المنزلتين. والنبي صلى الله عليه وسلم؛ حذر من ذلك وقال: (أيما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه). وقال:(من دعا رجلا بالكفر، أو قال عدو الله وليس كذلك؛ إلا عليه) أي رجع. وقال: (لا يرمي رجل رجلا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك)، وقال: (ومن رمى مؤمنا بكفر فهو قتله).

3- إنَّ أهل السنة والجماعة يفرقون بين الحكم المطلق على اصحاب البدع بالمعصية أو الكفر وبين الحكم على شخص معين -ممن ثبت اسلامه بيقين- صدرت عنه بدعة من البدع؛ فإنه عاص أو فاسق أو كافر؛ فلا يحكمون عليه بذلك حتى يبين له الحق وذلك بإقامة الحجة وإزالة الشبهة، ولا يكفرون المعين إلا إذا تحققت فيه شروط وانتفت الموانع ولأهل السنة والجماعة قاعدة؛(من ثبت إسلامه بيقين فلا زوال بشك)، وعلى ضوءها سار سلفنا الصالح، فكانوا ابعد الناس من التكفير، ولذلك لما سئل علي بن ابي طالب رضي الله عنه عن اهل النهروان (أكفارهم؟ قال: من الكفر فروا، فسئل؛ أمنافقون هم؟ قال: المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلا، وأولئك يذكرون الله صباح مساء؛ وإنما هم إخواننا بغوا علينا)، اخرجه البيهقي. ومن الضروري جدا ان نفرق بين النوع والعين في التكفير ذلك إنه ليس كل ما هو كفر يكفر به الشخص بعينه؛ فينبغي التفرقة بين الحكم على القول بأنه كفر والحكم على صاحب القول بأنه كافر، فمثلا القول بأن الله في كل مكان كفر، وإن كلام الله مخلوق كفر، وإن نفي الصفات الإلهية كفر, فمثل هذه الأحكام من باب الحكم على النوع والقول، أما حينما يتعلق الأمر بشخص معين فأنه ينبغي عندئذ التوقف وعدم الحكم عليه بالكفر حتى يسئل ويناقش؛ لأنه من الممكن إن الحديث لم يثبت عنده أو أنه قد يكون متأولا، أو لم يتمكن من فهم النصوص، أو جاهلا؛ فإذا انتفت الشبهة بعد المناقشة وأقيمت الحجة عليه؛ فإن الأمر بعد ذلك يصبح مختلفا لأن المتأول والجاهل ليس حكمه حكم المعاند والفاجر، قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله: (فالمتأول الجاهل والمعذور ليس حكمه حكم المعاند والفاجر؛ بل قد جعل الله لكل شيء قدرا).

     وقال رحمه الله :(وإذا عرف هذا فتكفير المعين من هؤلاء الجهال وأمثالهم بحيث يحكم عليه بأنه مع الكفار لا يجوز الإقدام عليه إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة بالرسالة التي يبين بها لهم أنهم مخالفون للرسول، وإن كانت مقالتهم هذه لا ريب أنها كفر، وهكذا الكلام في جميع تكفير المعنيين).

    فتكفير المعين من الجهال وأمثالهم لا يجوز إلا بعد إقامة الحجة عليهم، والحجة يجب أن تكون على مستوى فهمهم ويعطى لعقولهم منازلها حتى يستوعبوا الحجة والأدلة. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين، فكان أحدهما يذنب والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول: أقصر فوجده يوما على ذنب فقال له أقصر فقال خلني وربي أبعثت علي رقيبا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك - أو لا يدخلك الله الجنة!- فقبض أرواحهما، فاجتمعتا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد كنت بي عالما، أو كنت على ما في يدي قادرا ؟ وقال للمذنب؛ اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر؛ اذهبوا به إلى النار).

4- التكفير حكم شرعي لا مدخل للرأي المجرد فيه, لأنه من المسائل الشرعية لا العقلية, لذا صار القول فيه من خالص حق الله تعالى لا حَقَّ فيه لأحد من عباده، فالكافر من كفره الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لا غير.

     وكذلك الحكم بالفسق، والحكم بالعدالة، وعصمة الدم، والسعادة في الدنيا والآخرة، كل هذه ونحوها من المسائل الشرعية, لا مدخل للرأي فيها, وإنما الحكم فيها لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم, وهي المعروفة في كتب الاعتقاد باسم: "مسائل الأسماء والأحكام".

5- للحكم بالردة والكفر موجبات وأسباب هي نواقض الإيمان والإسلام ، من اعتقاد, أو قول, أو فعل, أو شك, أو ترك، مما قام على اعتباره ناقضا الدليلُ الواضح, والبرهان الساطع من الكتاب أو السنة, أو الإجماع , فلا يكفي الدليل الضعيف السند, ولا مشكل الدلالة، ولا عبرة بقول أحد كائنا من كان إذا لم يكن لقوله دليل صريح صحيح. وقد أوضح العلماء هذه الأسباب في كتب الاعتقاد, وفرعوا مسائلها في: "باب حكم المرتد" من كتب الفقه. وأَوْلَوها عناية فائقة, لأنها من استبانة سبيل الكافرين، والله تعالى يقول: (وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) الأنعام/55. وفي استبانة سبيل المجرمين: تحذير للمسلم من الوقوع في شيء منها، وهو لا يشعر, وليتبين له الإسلام من الكفر، والخطأ من الصواب ويكون على بصيرة في دين الله تعالى. وبقدر ما يحصل من الجهل بسبيل المؤمنين، وبسبيل الكافرين، أو بأحدهما يحصل اللبس ويكثر الخلط.

     وكما أن للحكم بالردة والكفر موجباتٍ وأسباباً فله شروط وموانع. فيشترط إقامة الحجة الرسالية التي تزيل الشبهة. وخلوه من الموانع كالتأويل, والجهل, والخطأ, والإكراه. وفي بعضها تفاصيل مطولة معلومة في محلها.

6- يتعين التفريق بين التكفير المطلق وبين تكفير المعين: لابد من التفريق بين التكفير على وجه العموم في حق من ارتكب ناقضا من نواقض الإسلام، وبين تكفير المعين، فإن الاعتقاد، أو القول، أو الفعل، أو الشك، أو الترك، إذا كان كفرا فإنه يطلق القول بتكفير من فعل ذلك الفعل، أو قال تلك المقالة وهكذا... دون تحديد معين به. أما المعين إذا قال هذه المقالة، أو فعل هذا الفعل الذي يكون كفرا, فينظر قبل الحكم بكفره, بتوفر الشروط, وانتفاء الموانع في حقه، فإذا توفرت الشروط, وانتفت الموانع، حكم بكفره وردته فيستتاب فإن تاب وإلا قتل شرعاً.

7- الحق عدم تكفير كل مخالف لأهل السنة والجماعة لمخالفته, بل ينزل حكمه حسب مخالفته من كفر، أو بدعة أو فسق أو معصية. وهذا ما جرى عليه أهل السنة والجماعة من عدم تكفير كل من خالفهم وهو يدل على ما لديهم بحمد الله من العلم والإيمان والعدل والرحمة بالخلق، وهذا بخلاف أهل الأهواء، فان كثيرا منهم يكفِّرون كل من خالفهم.

8- كما أن "الإيمان" شعب متعددة ورتبها متفاوتة أعلاها قول "لا اله إلا الله" وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان، فكذلك "الكفر" الذي هو في مقابلة الإيمان، ذو شعب متعددة ، ورتب متفاوتة أشنعها "الكفر المخرج من الملة" مثل: الكفر بالله ، وتكذيب ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم. وهناك كفر دون كفر، ومنه تسمية بعض المعاصي كفراً. ولهذا نبه علماء التفسير، والوجوه والنظائر في كتاب الله  تعالى وشراح الحديث والمؤلفون في: "لغته" وفي الأسماء المشتركة ، والمتواطئة، أن لفظ " الكفر" جاء في نصوص الوحيين، على وجوه عدة : "الكفر الناقل عن الملة" و"كفر دون كفر" و"كفر النعمة" و"التبرؤ" و"الجحود" و"التغطية" على أصل معناه اللغوي.

     وبناء على هذا: فانه لا يلزم من قيام شعبة من شعب الكفر بالعبد، أن يصير كافراً الكفر المطلق، الناقل عن الملة، حتى يقوم به أصل الكفر، بناقض من نواقض الإسلام: الاعتقادية أو القولية أو العملية عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لا غير. كما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الإيمان يكون مؤمنا حتى يقوم به أصل الإيمان. فالواجب وضع النصوص في مواضعها وتفسيرها حسب المراد منها من العلماء العاملين الراسخين، وان الغلط هنا إنما يحصل من جهة العمل وتفسير النصوص وعلى الناصح لنفسه أن يحس بخطورة الأمر ودقته وأن يقف عند حده ويكل العلم إلى عالمه.

9- إصدار الحكم بالتكفير لا يكون لكل أحد من آحاد الناس أو جماعاتهم وإنما مرد الإصدار إلى العلماء الراسخين في العلم الشرعي المشهود لهم به، وبالخيرية والفضل الذين أخذ الله عليهم العهد والميثاق أن يبلغوا الناس ما علموه وأن يبينوا لهم ما أشكل عليهم من أمر دينهم امتثالا لقول الله تعالى: (وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ). وقوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) وقوله سبحانه: ( فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ). فما أمر الله بالسؤال حتى أخذ سبحانه العهد والميثاق على العلماء بالبيان.

10- التحذير الشديد والنهي الأكيد عن سوء الظن بالمسلم فضلا عن النيل منه، فكيف بتكفيره والحكم بردته، والتسرع في ذلك بلا حجة ولا برهان من كتاب ولا سنة. ولهذا جاءت نصوص الوحيين الشريفين محذرة من تكفير أحد من المسلمين وهو ليس كذلك كما قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)النساء:94، وفي عموم قول الله سبحانه: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) الأحزاب:58.

      وقد تواترت الأحاديث النبوية في النهي عن تكفير المسلم بغير حق، منها: حديث أبي ذر رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يرمي رجل رجلا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك"، متفق على صحته. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أيَّما رجل قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما" متفق على صحته.

وعن أبي ذر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ومن دعا رجلا بالكفر، أو قال: عدو الله، وليس كذلك، إلا حار عليه" متفق على صحته. ومعنى حار عليه: رجع عليه. وفي حديث ثابت بن الضحاك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ومن رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله" رواه البخاري في صحيحه.

     فهذه النصوص وغيرها فيها الوعيد الشديد لمن كَفَّر أحداً من المسلمين وليس هو كذلك، وهذا والله أعلم- لما في إطلاق الكفر بغير حق على المؤمن من الطعن في نفس الإيمان ، كما أن فيها التحذير من إطلاق التكفير إلا ببينة شرعية، إذ هو حكم شرعي لا يصار إليه إلا بالدليل، لا بالهوى والرأي العاطل من الدليل.

11- لازم القول ليس بقول: من أبواب غواية الشيطان في باب التكفير، تكفير الناس بما تؤول إليه أقوالهم وما تستلزمه من أقوال مستقبحة يكفر قائلها ومعتقدها. وهذا باب لو فتح يكفر به كل أحد قال قولاً خاطئاً، فمثلاً لو ابتدع الإنسان بدعة، وزعم أن فيها خيراً، فإنه يلزم من قوله أن النبي صلى الله عليه وسلم خان الأمانة لعدم تبليغه بهذا الخير الذي ابتدعه المبتدع، وهذا القول ولا ريب من الكفر.

    لكن هذه اللوازم، منها ما يلتزمه صاحب القول، فهو له مذهب، ومنها ما ينكره أو يجهله، فهو ليس بقول له، ولو كان مذهبه مستلزماً له حقيقة، وإضافة اللازم إليه في هذه الحال كذب، وغاية ما يمكننا القول أنه تناقض في قوله، ولا سبيل للقول بتكفيره في هذه الحال. قال ابن حزم: "وأما من كفر الناس بما تؤول إليه أقوالهم فخطأ، لأنه كذب على الخصم وتقويل له ما لم يقل به، وإن لزمه فلم يحصل على غير التناقض فقط، والتناقض ليس كفراً، بل قد أحسن إذ فر من الكفر".

     ويقول شيخ الإسلام: "فالصواب أن مذهب الإنسان ليس بمذهب له إذا لم يلتزمه، فإنه إذا كان قد أنكره ونفاه كانت إضافته إليه كذباً عليه، بل ذلك يدل على فساد قوله، وتناقضه في المقال غير التزامه اللوازم التي يظهر أنها من قبل الكفر والمحال، مما هو أكثر، فالذين قالوا بأقوال يلزمها أقوال يعلم أنه لا يلتزمها، لكن لم يعلم أنها تلزمه". ويقول ابن حجر المكي: "الصواب عند الأكثرين من علماء السلف والخلف: أنا لا نكفِّر أهل البدع والأهواء إلا إن أتوا بمكفر صريح، لا استلزامي، لأن الأصح أن لازم المذهب ليس بلازم ".

      والتكفير باللازم يؤدي إلى شناعة لا حد لها، إذ يستلزم تبادل التكفير بين المسلمين، حتى لا تبقى طائفة إلا وهي تكفر الأخرى المخالفة لها، بما تراه لازماً لقولها، وهذا باب لفساد عريض. يقول ابن حزم: "وأيضاً فإنه ليس للناس قول إلا ومخالف ذلك القول ملزم خصمه الكفر في فساد قوله وطرقه".

الفرق بين التكفير المطلق وتكفير المعين:

التكفير المطلق هو: الحكم بالكفر على القول أو الفعل أو الاعتقاد الذي ينافي أصل الإسلام ويناقضه وعلى الفاعلين على سبيل الإطلاق بدون تحديد أحد بعينه.

تكفير المعين هو: الحكم على شخص بعينه بالكفر لاقترافه ما يناقض الإسلام بعد مراعاة ضوابط التكفير من استيفاء الشروط وانتفاء الموانع.

وفي هذا الصدد يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " ليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكاً، فإن المنازع قد يكون:-

1- مجتهداً مخطئاً يغفر الله خطأه.

2- وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة.

3- وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته.

     وإذا كانت ألفاظ الوعيد المتناولة له لا يجب أن يدخل فيها المتأول والقانت وذو الحسنات الماحية والمغفور له وغير ذلك فهذا أولى، بل موجب هذا الكلام أن من اعتقد ذلك نجا في هذا الاعتقاد، ومن اعتقد ضده فقد يكون ناجياً وقد لا يكون ناجياً.

شروط تكفير المعين

وبما أن تكفير المعين مسألة خطيرة وذات أهمية عظيمة لما ينبني عليها من أحكام، فقد ذكر العلماء شرطين يجب توفرهما في المعين وهما: أن يقصد المعين بكلامه المعنى المكفر، وأن تقام عليه الحجة ، وبيان هذين الشرطين فيما يلي:

الشرط الأول: أن يقصد المعين بكلامه المعنى المكفِّر:

   كثيراً ما يطلق الناس ألفاظاً هي في حقيقتها كفر بيد أنهم لا يقصدون الشيء المكفر، بل معنى آخر لا يكفرون به، وقد بين العلماء أن من سب موصوفاً بوصف أو مسمى باسم، وذلك يقع على الله سبحانه أو بعض رسله خصوصاً أو عموماً، لكن قد ظهر أنه لم يقصد ذلك، إما لاعتقاده أن الوصف أو الاسم لا يقع عليه، أو لأنه وإن كان يعتقد وقوعه عليه لكن ظهر أنه لم يرده، لكون الاسم في الغالب لا يقصد به ذلك بل غيره، فهذا القول وشبهه حرام في الجملة يستتاب صاحبه منه إن لم يعلم أنه حرام، ويعزر مع العلم تعزيراً بليغاً لكن لا يكفر بذلك ولا يقتل، وإن كان يخاف عليه الكفر.

مثال ذلك: سب الدهر الذي فرق بينه وبين الأحبة، أو الزمان الذي أحوجه إلى الناس، أو الوقت الذي أبلاه بمعاشرة من ينكد عليه ونحو ذلك مما يكثر الناس قوله نظماً ونثراً، فإنه إنما يقصد أن يسب من فعل ذلك به، ثم إنه يعتقد أو يقول إن فاعل ذلك هو الدهر الذي هو الزمان فيسبه، وفاعل ذلك في حقيقة الأمر إنما هو الله سبحانه فيقع السب عليه من حيث لم يعتمده المرء، إذ لم يتبادر إلى ذهنه هذا المعنى البتة والى هذا أشار النبي بقوله: "لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر، بيده الأمر"، وقوله فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: "يقول ابن آدم: يا خيبة الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار"، فقد نهى النبي عن هذا القول وحرمه، ولم يذكر كفراً ولا قتلاً، والقول المحرم يقتضي التعزيز والتنكيل كما هو معلوم، إذ على المسلم أن يلتزم الشرع في أقواله كما يلتزمه في أفعاله.

   أهل السنة فوسط بين هذين المنهجين فهم لم يقولوا بالتلازم بإطلاق ولا بعدمه بإطلاق، وبيان هذا أن العلاقة بين الظاهر والباطن لها أربعة أحوال هي:-

الحالة الأولى: أن يكون القصد مكفراً لكن لا يدل عليه العمل الظاهر:

    هذه الحالة تنطبق على المنافقين الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام، فقصدهم وباطنهم الكفر وظاهرهم الإسلام، لما يشهدون بلسانهم بإسلامهم، ولما يعملونه من أعمال أمر بها الشرع، وهنا قضيتان:-

الأولى: أن هؤلاء كفار في حقيقة الأمر بل أشد من الكفار معلومي الكفر، ونطقهم وعملهم لا يفيدهم يوم القيامة شيئاً.

الثانية: كونهم كفاراً في حقيقة الأمر لا يعني أن يحكم بكفرهم؛ لأننا لا نعلم حقيقة ما في القلوب وما تبطنه من عقائد عموماً، ولنذكر حديث:(هلا كشفت عن قلبه)، وعليه فإننا متعبدون بالحكم على الظاهر والله يتولى السرائر، ورسول الله رغم معرفته لبعض المنافقين بأعيانهم ولآخرين بأوصافهم، ومعرفته بوجود منافقين لا يعلم عنهم شيئاً مع هذا كله لم يعلن كفر من عرفه وعرف أوصافه، ويقيم عليه كل تبعات الحكم بالردة أو الكفر، كما أنه لم يقم بالتفتيش بين أتباعه ليعرف المنافق من غيره ليعلن كفره ويطبق عليه أحكام الكفر.

الحالة الثانية: أن يكون العمل الظاهر كفراً غير محتمل غير الكفر في الباطن:     وهذا كسبّ الله سبحانه أو نبيه، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهراً وباطناً، وسواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم أو كان مستحلاً له، أو كان ذاهلاً عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة. وقد قال الإمام ابن راهويه: قد أجمع المسلمون أن من سب الله أو سب رسوله، أو دفع شيئاً مما أنزل الله، أو قتل نبياً من أنبياء الله أنه كافر بذلك، وإن كان مقراً بكل ما انزل الله وكذلك قال محمد بن سحنون وغيرهما".

الحالة الثالثة: أن يكون الفعل الظاهر محتملاً للكفر وعدمه:

    من الأمثلة لهذه الحالة السجود للنبي، فهو يحتمل الشرك ويحتمل الإعظام. روى عبد الله بن أبي أوفى قال: "لما قام معاذ من الشام سجد للنبي  قال النبي: "ما هذا يا معاذ؟ قال معاذ: أتيت الشام فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك. فقال النبي: "فلا تفعلوا، فإني لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها". فالسجود غير دال دلالة قطعية على عبادة غير الله بل قد يحتمل غيرها كالإكرام والتعظيم، وعليه فلا يكفر الفاعل حتى يتبين منه مراده، وليس المراد بالتبين هنا أن نحكم بكفره، أو عدم كفره وعدم إسلامه حتى نعلم إسلامه فعلاً، بل المراد بقاء حكم الإسلام عليه حتى نعرف مراده بالسجود فإذا لم نعلم مراده، أو قال: إنه أراد التعظيم فلا يكفر، ولكن عمله هذا حرام لا يخلو من الإثم إن علم حرمته.

الحالة الرابعة:

  أن يقوم بالمعين ما هو كفر قطعاً لكن يمنع من تكفيره الاحتمال في قصده: وهذا كالرجل الذي أمر أهله بسحقه وذريه بعد موته، وظنه أن الله لن يقدر على بعثه، فهذا الظن كفر قطعاً، مع هذا غفر الله له بسبب جهله، ويدخل في هذه الحالة المعذورون بعذر من الأعذار الآتي ذكرها، والذين لا يكفرون مع وجودها.

موانع إلحاق التكفير بالمعين:-

   من الخطأ البين عدم الأخذ بالاعتبار الأعذار التي تمنع الحكم على المعين بالكفر، مع أن هذه القضية قد تكلم فيها العلماء جميعاً ونصوا على اعتبارها وطبقوها ونظّروا لها، وفي هذا المطلب سأبين الموانع التي تمنع من إطلاق التكفير، والتي ينبغي الإلمام بها ومعرفتها.

الأول: الجهل من الأعذار التي تمنع إطلاق الكفر على قائله:-

1- من جهل حكماً يكفر بجهله أو إنكاره ولكنه لم يبلغه.

2- أو بلغه ولم يفهمه.

3- أو فهمه ولكن قام لديه معارض، فيما يصح أن يكون معارضاً.

4- الجهل تقليداً، بمعنى أن يقلد في عقيدته غيره لقصور نظره، وهذا الصنف أحق بالعذر من غيره لعجزه، وتكليفه خلاف ذلك تكليف لا يطاق، وهذا إذا كان في بلد يغلب فيها الجهل أو المعتقدات الباطلة، ما لم تكن في أصل الإيمان بالله ورسوله.

     قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لكن من الناس من يكون جاهلاً ببعض هذه الأحكام جهلاً يعذر به، فلا يحكم بكفر أحد حتى تقوم عليه الحجة من جهة بلاغ الرسالة كما قال تعالى -وذكر الآيتين السابقتين- ولهذا لو أسلم رجل ولم يعلم أن الصلاة واجبة عليه، أو يعلم أن الخمر يحرم لم يكفر بعدم اعتقاد إيجاب هذا وتحريم هذا، بل ولم يعاقب حتى تبلغه الحجة النبوية". عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "كان رجل يسرف على نفسه، فلما حضره الموت قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني، ثم اطحنوني، ثم ذروني في الريح، فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً فلما مات فعل به ذلك، فأمر الله الأرض فقال: اجمعي ما فيك منه ففعلت، فإذا هو قائم فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب خشيتك فغفر له". فهذا رجل شك في قدرة الله وفى إعادته إذا ذرى بل اعتقد أنه لا يعاد وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلاً لا يعلم ذلك، وكان مؤمناً يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك.

ثانياً: الخطأ:-

   والخطأ يطلق على العمد أي العالم بخطأ فعله، فيكون صاحبه آثماً كما في قوله تعالى: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئاً كبيرا)، وعلى غير العمد كما في قوله تعالى: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطئاً). والمقصود هنا النوع الثاني.

والأدلة على أن الخطأ عذر يمنع التكفير كثيرة كقوله تعالى: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا)، وصح في السنة أن الله قال: قد فعلت، وقوله تعالى:(وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فمن ذمهم ولامهم على ما لم يؤاخذهم الله عليه فقد اعتدى، ومن أراد أن يجعل أقوالهم وأفعالهم بمنزلة قول المعصوم وفعله وينتصر لها بغير هدى من الله فقد اعتدى واتبع هواه بغير هدى من الله، ومن فعل ما أمر به بحسب حاله من اجتهاد يقدر عليه أو تقليد إذا لم يقدر على الاجتهاد وسلك في تقليده مسلك العدل فهو مقتصد إذ الأمر مشروط بالقدرة، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها".

ثالثاً: التأويل:-

  للتأويل معاني عدة والمقصود منها هنا هو: "صرف اللفظ عن ظاهره الذي يدل عليه ظاهره إلى ما يخالف ذلك لدليل منفصل يوجب ذلك، وهذا التأويل لا يكون إلا مخالفاً لما يدل عليه اللفظ ويبينه، وتسمية هذا تأويلاً لم يكن في عرف السلف، وإنما سمى هذا وحده تأويلاً طائفة من المتأخرين الخائضين في الفقه وأصوله والكلام ...وهذا هو التأويل الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه".

    والتأويل ضرب من الخطأ ولذا فإن أدلة العذر به هي نفسها أدلة العذر بالخطأ "وقد تكاثرت الآيات والأحاديث في العفو عن الخطأ، والظاهر أن أهل التأويل أخطأوا ولا سبيل إلى العلم بتعمدهم، لأنه من علم الباطن الذي لا يعلمه إلا الله".

يقول الإمام محمد الوزير بعد تقريره هذه القاعدة: "إن المتأولين غير كفار، لأن صدورهم لم تنشرح بالكفر قطعاً أو ظناً أو تجويزاً أو احتمالاً، وقد يشهد لهم بذلك كلام أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وهو الصادق المصدوق في المشهور عنه حيث سئل عن كفر الخوارج فقال: "من الكفر فروا"، فكذلك جميع أهل التأويل من أهل الملة وإن وقعوا في أفحش البدع والجهل، فقد علم منهم أن حالهم في ذلك هي حال الخوارج". وفي فيض القدير: "والصواب عدم تكفير أهل الأهواء المتأولين، لأنهم لم يقصدوا اختيار الكفر، بل بذلوا وسعهم في إصابة الحق فلم يحصل ما زعموه فهم كالمجتهد المخطئ هذا الذي عليه محققو علماء الأمة". وقال الإمام الشافعي: "فلم نعلم أحداً من سلف هذه الأمة يقتدى به، ولا من التابعين بعدهم رد شهادة أحد بتأويل وإن خطّأه وضلله، ورآه استحل فيه ما حرم عليه، ولا رد شهادة أحد بشيء من التأويل كان له وجه يحتمله، وإن بلغ فيه استحلال الدم والمال أو المفرط من القول، وذلك أنا وجدنا الدماء أعظم ما يعصى الله تعالى بها بعد الشرك، ووجدنا متأولين يستحلونها بوجوه، وقد رغب لهم نظراؤهم عنها، وخالفوهم فيها ولم يردوا شهادتهم بما رأوا من خلافهم، فكل مستحل بتأويل من قول أو غيره فشهادته ماضية لا ترد من أخطأ في تأويله". فالإمام الشافعي -كما ذكر هنا- لم يكفر المتأولين وإلا لما قبل شهادتهم.

التأويل الفاسد:

    أما التأويل الفاسد غير المعتبر فهو الذي يستحيل حمل اللفظ عليه، كتأويل الباطنية الصلاة والزكاة وغيرها بما يخرجها عن ظاهرها، وكمن "تأولوا الرب جل جلاله وجميع أسمائه بإمام الزمان، وسموه باسم الله تعالى، وفسروا لا إله إلا الله أي لا إمام إلا إمام الزمان في زعمهم، وتلاعبوا بجميع آيات كتاب الله عز وجل في تأويلها جميعاً بالبواطن التي لم يدل على شيء منها دلالة ولا أمارة، ولا لها في عصر السلف الصالح إشارة.

رابعاً: الإكراه:-

الإكراه لغة هو: القهر والإجبار بدون محبة ورضا واختيار. وفي الاصطلاح هو: الإلجاء إلى فعل الشيء قهراً". ويكون الإكراه عذراً يمنع من التكفير بشروط أربعة:-

1- أن يخشى تلف عضو من أعضائه.

2- أن يغلب على ضن المكرَه قدرة المكره على إيقاع ما هدد به.

3- أن يكون ما هدده به عاجلاً أو آجلاً وجرت العادة أنه لا يخلف ما هدد به.

4- أن لا يظهر من المكرَه ما يدل على اختياره، كما لو أكرهه على سب الله فسب المكرَه رسول الله.

والأصل في ذلك قوله تعالى: (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن للإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم)، فأباح سبحانه عند الإكراه أن ينطق الرجل بالكفر بلسانه إذا كان قلبه مطمئناً بالإيمان، بخلاف من شرح بالكفر صدراً، وأباح للمؤمنين أن يتقوا من الكافرين تقاة مع نهيه لهم عن موالاتهم. قال القرطبي "النطق بكلمة الكفر تسقط الأحكام المترتبة عليه في حال الإكراه باتفاق العلماء"، وقال ابن بطال تبعاً لابن المنذر: "أجمعوا على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل فكفر، وقلبه مطمئن بالإيمان أنه لا يحكم عليه بالكفر، ولا تبين منه زوجته".

     ولا فرق هنا بين الأقوال والأفعال، بمعنى أن المكرَه إذا أكره على فعل أو قول كفريين لا يكفر بذلك، ومن الخطأ حصر العذر في الأقوال لعموم الآية السابقة الدالة على عدم الفرق بين القول والفعل، ولعدم وجود دليل آخر يفرق بينهما، ولعدم وضوح الفرق بينهما أصلاً.

    مما سبق بيانه في الشروط السابقة يعلم أنه ليس من الإكراه في شيء الحصول على منافع دنيوية زائلة، أو الخوف على فوات مصدر رزق ونحوه، أو توقع مضار على سبيل التخرص، أو وقوعها فعلاً دون إكراه مباشر، فهذه جميعاً لا تعتبر إكراهاً ولا تجيز لصاحبها أن يكفر لأجلها، ذلك أن "التقية لا تحل إلا مع خوف القتل أو القطع أو الإيذاء العظيم.

شروط التكفير وموانعه:

   قد اشترط العلماء لثبوت تكفير المعين أربعة شروط، وهي:-

الشرط الأول: التكليف:

وهو أن يكون المحكوم عليه عاقلا بالغاً فلا تكليف على مجنون ولا على صغير, والدليل حديث عائشة رضي الله عنها عن رسول الله عليه الصلاة والسلامقال:(رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن الصغير حتى يكبر وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق) رواه ابن ماجه وصححه الألباني. وقال ابن قدامة: (إن الردة لا تصح إلا من عاقل فأما من لا عقل له كالطفل الذي لا عقل له والمجنون ومن زال عقله بإغماء أو نوم أو مرض أو شرب دواء مباح شربه ،فلا تصح ردته ولا حكم بكلامه بغير خلاف) .

الشرط الثاني: قيام الحجة:

     الأدلة على ذلك كثيرة من الكتاب والسنة منها قوله تعالى:[مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا] {الإسراء:15}. وتقدم كلام ابن كثير في تفسير هذه الآية وبيان وجه الدلالة فيها، ومنها قوله تعالى [رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا] {النساء:165}. وجه الدلالة أن الله تعالى لو عذب الكافرين قبل إقامة الحجة عليهم بإرسال الرسل لكان لاعتذارهم بالجهل وعدم العلم بما يجب عليهم وجه غير أن إرسال الرسل إليهم وتبلغيهم ما يجب لله عليهم قد أقام عليهم الحجة وإزال العذر فظهر أن المؤاخذة لا تكون إلا بعد قيام الحجة. ومن السنة قول النبي عليه الصلاة والسلام: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي احد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ،ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به ،إلا كان من أصحاب النار) رواه مسلم. وجه الدلالة أن الرسول عليه الصلاة والسلام علق دخول النار لليهودي والنصراني بالسماع به وعدم الإيمان، وذلك يقتضي أن من لم يسمع به من اليهود والنصارى لا يستوجب النار.

      ومن أدلة السنة كذلك على أن قيام الحجة لازم للمؤاخذة حديث الأربعة الذين يدلون بحجتهم يوم القيامة, فعَنِ الأَسْوَدِ بن سَرِيعٍ أَنَّ نبي اللَّهِ عليه الصلاة والسلام قال: (أَرْبَعَةٌ يوم الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَصَمُّ لاَ يَسْمَعُ شَيْئاً وَرَجُلٌ أَحْمَقُ وَرَجُلٌ هَرَمٌ وَرَجُلٌ مَاتَ في فَتْرَةٍ فَأَمَّا الأَصَمُّ فيقول رَبِّ لقد جاء الإِسْلاَمُ وما أَسْمَعُ شَيْئاً وَأَمَّا الأَحْمَقُ فيقول رَبِّ لقد جاء الإِسْلاَمُ وَالصِّبْيَانُ يحذفوني بِالْبَعْرِ وَأَمَّا الْهَرَمُ فيقول ربي لقد جاء الإِسْلاَمُ وما أَعْقِلُ شَيْئاً وَأَمَّا الذي مَاتَ في الْفَتْرَةِ فيقول رَبِّ ما أتاني لك رَسُولٌ فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِيعُنَّهُ فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ ان أدخلوا النَّارَ قال فوالذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيده لو دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عليهم بَرْداً وَسَلاَماً) أخرجه أحمد وغيره وصححه الألباني.

     فأحد هؤلاء الأربعة لم يبلغ الإسلام حيث عاش في فترة من الرسل فانقطعت قبل مولده أو قبل تكليفه أنوار الرسالات السابقة ولم يبعث في زمنه رسول, والثلاثة الباقون فقدت لديهم ألآت السمع أو الفهم عن الله فعذروا بذلك وأخبر الرسول عليه الصلاة والسلام أنهم سوف يمتحنون يوم القيامة وهذا من تمام عدل الله سبحانه ورحمته بعباده. وإذا كان هذا فيمن لم تتشرف نفوسهم بقبول الإيمان, ولم تسخر جوارحهم لعبادة رب العالمين, ولم تنقد لاتباع سيد المرسلين, فكيف بمن كان مسلماً ثم وقع في مكفر من المكفرات- التي يسوغ فيها التأويل- لم يتجانف لإثم في ارتكابه إياه، ولم يعاند بالوقوع فيه، وإنما لم يكن يدرك أن ذلك يسخط رب العالمين أو يوجب الكفر به؟

     هذه بعض الأدلة الدالة على اشتراط إقامة الحجة على العبد قبل الحكم عليه بالكفر أو مؤاخذته بعدم الدخول في الإسلام.

       وقد سبقت عدة أمثلة لأشخاص عملوا المكفر أو قالوه فلم يكفروا بذلك؛ لأنهم لم يسبق لهم العلم بكون ذلك مكفراً، مثل: سجود معاذ للنبي عليه الصلاة والسلام، وقول الجارية:(وفينا نبي يعلم ما في غد) فأنكر النبي عليه الصلاة والسلام ذلك عليهم ولم يكفرهم به.

      ويبقى أمر مهم وهو ما حقيقية قيام الحجة على العبد حتى إذا خالف بعد ذلك يكون كافرا؟ والجواب أن قيام الحجة يكون ببلوغ النصوص الشرعية بلوغا بينا يفهمه المخاطب ويدرك منه مراد الشارع فمن بلغه الشرع على هذا الوجه بواسطة أهل العلم الذين جعلهم الله حجة على خلقه ثم رده فقد قامت عليه الحجة وثبت في حقه الوعيد مالم يمنع من ثبوته مانع آخر. وفي المسائل الظاهرة تقام الحجة ببلوغ النصوص الشرعية بلوغا واضحا ولو كان ذلك بواسطة من ليس من العلماء, هذا حيث لا شبهة ولا تأويل سائغ, وأما حيث الشبهة والتأويل السائغ فلا تقوم الحجة إلا بالعلماء.

وقد ثار خلاف حول قضية بلوغ الحجة وفهم الحجة وهل يكفي بلوغ الحجة أو يشترط بلوغها وفهمها؟

       وقد وجد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في ذلك نصوص ظاهرها عدم اشتراط فهم الحجة ونصوص أخرى يفهم منها أنه لا يكفر إلا ببلوغ الحجة وفهمها وقد مال إلى القول الأول كثير من علماء الدعوة النجدية ومن أخذ عنهم, كما مال إلى القول الثاني علماء من أهل نجد وغيرهم بحيث أن من رجح قولاً رد الآخر.

القصد إلى القول أو الفعل المكفر: بمعنى أن يكون واعيا ما يقول قاصداً له غير ذاهل عنه ولا جاريا على لسانه بغير قصد, مثل سبق اللسان والكلام الصادر في حال الإغلاق بدهشة ونحوها. وليس من ذلك أن يقوله هازلاً مع إدراكه لما يقول. أما الدليل على عدم مؤاخذة من صدر عنه شيء من ذلك في حال الدهشة وإغلاق العقل فحديث فرح الله بتوبة عبده وفيه (ثم قال اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح) رواه مسلم. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث : (فيه أن ما قال الإنسان من مثل هذا من دهش وذهول غير مؤاخذ به إن شاء الله).

    ويجب أن يفرق بين ما يقع بسبب الإغلاق والذهول وسبق اللسان -حيث تنعدم الإرادة - وبين ما قيل على سبيل اللعب والاستهزاء أما الأول فحكمة ما مضى , وأما الثاني فإنه يؤاخذ به بحسب ما يقتضيه الحال من كفر أو فسوق أو غير ذلك, ودليل ذلك آية التوبة: [وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ] {التوبة:65} . وما ذكر العلماء في سبب نزولها. وقد قرر غير واحد من العلماء أن أولئك النفر كانوا مؤمنين ضعفاء الإيمان فلم يمنعهم الضعيف عن ذلك السلوك .والفرق بين الذاهل والهازل: أن الذاهل لا قصد له وأما الهازل فإنه قاصد لما يقول أو يفعل.

الشرط الرابع: الاختيار: ومعناه أن لا يكون القائل أو الفاعل للكفر مكرها عليه. و دليل هذا في القرآن في قوله تعالى: [مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] {النحل:106}.

وسبب نزولها قصة عمار بن ياسر رضي الله عنهما أو المستضعفين من المؤمنين بمكة وتلك الأسباب بحاجة إلى بحث أسانيدها غير أن البغوي رحمه الله تعالى قال:(وأجمع العلماء على: أن من أكره على كلمة الكفر يجوز له أن يقول بلسانه، وإذ قال بلسانه غير معتقد لا يكون كفراً وإن أبى أن يقول حتى يقتل كان أفضل).

وللعلماء في حد الإكراه كلام يطول استقصاؤه , ومما بينوه أن الإكراه على الكفر ليس كالإكراه على فعل المعصية أو ترك واجب فلا يكون الإكراه على الكفر إلا بأمر جلل كالقتل والتعذيب والسجن ونحو ذلك. ولا يلزم أن يصل الإكراه إلى حد الإكراه الملجيء الذي لا يبقى معه للمكره اختيار فإن من بلغ به الحال إلى حد ذلك لم يعد مكلفاً أصلاً. كما أن الإكراه يجب أن لا يصاحبه رضى بالكفر واستمراء له ومداومة عليه.

موانع التكفير:

وموانع التكفير تكون بانتفاء شرط من شروطه ، فعكس كل شرط مانع:-

المانع الأول: عدم التكليف: إما بالصغر أو الجنون، وهو عكس شرط التكليف, وما تقدم من الأدلة هناك هو أدلة هذا المانع.

المانع الثاني: الجهل: وهو عكس الشرط الثاني (قيام الحجة) أي كون العبد يقول أو يفعل، أو يعتقد شيئاً يمكنه العلم ببطلانه، وأنه كفرٌ بالله تعالى، وما تقدم من أدلة ونُقول عن العلماء كافٍ لإثبات هذا المانع.

المانع الثالث: الخطأ والذهول: بأن يكون القول أو الفعل صادراً عن العبد في حال ذهول أو دهشة تمنع من اعتبار القصد إلى ذلك القول أو الفعل، وتقدم في الشرط الثالث حديث الذي قال:(اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح) وتقدمت كذلك النقول عن العلماء في ذلك.

المانع الرابع: الإكراه: وهو عكس الاختيار ودليله قول الله تعالى :[مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) النحل:106، وقول النبي عليه الصلاة والسلام لعمار:(إن عادوا فعد) وتقدم كل ذلك مع النقول عن أهل العلم.

المانع الخامس: التأويل: (والمقصود بالتأويل ها هنا: التلبس والوقوع في الكفر من غير قصد لذلك، وسببه القصور في فهم الدلالة الشرعية، دون تعمد للمخالفة ، بل قد يعتقد أنه على حق). وإن الغالب على المتأولين هو اعتقادهم أن ما ذهبوا إليه هو الحق ، وذلك لوجود شبهات ظنوها أدلة فتمسكوا بها، وربما تحولت إلى أصول ثابتة لا تقبل النقاش، ثم جاء من يقلدهم في ذلك محسناً الظن بهم غير مترددٍ في صواب ما توصلوا إليه.

      وهذا النوع من التأويل هو من التأويل المذموم، غير أنه يمنع من إلحاق من وقع له بالكافرين المعاندين ما لم يظهر عناده وإصراره على مراغمة الحق وأهله بعد معرفة أنه الحق.

     وهناك نوع قد يسميه البعض تأويلاً وهو في الحقيقة لعب؛ لأنه يعود إلى إبطال الشريعة وإلغاء أصولها ونسف قواعدها من أساسها، وذلك حينما يكون صرف النصوص عن ظواهرها مما لا تتحمله لغة العرب، ولا يتوافق مع سياق النصوص وثوابت العقيدة أو الشريعة، مثل: تأويلات غلاة الباطنية من الفلاسفة والروافض والمتصوفة.

والناس في باب التأويل – دون تأويلات الباطنية ونحوهم مما هو إلى العبث واللعب أقرب منه إلى التأويل- على ثلاث مراتب:

المرتبة الأولى: ممدوحون بتأويلهم وهم الراسخون في العلم الذين وقفوا عند حدود التأويل الصحيح الذي شهدت له أدلة الكتاب والسنة واستعمله السلف الصالح، وهؤلاء مثابون مأجورون على تأويلهم.

المرتبة الثانية: معذورون وربما مأجورون وهم جماعات من أهل السنة وصالحي أهل الفقه والحديث والتفسير بذلوا وسعهم في معرفة الحق والوصول إليه، غير أن شبهاً عرضت لهم، أو تقليداً صادراً عن إحسان الظن ببعض شيوخهم ومتقدميهم أوقعهم في مخالفة الحق في مسائل علمية أو عملية فهؤلاء معذورون وربما يكونون مأجورين على ذلك، غير أنه لا يجوز اتباعهم على ذلك، أو الاستدلال بما وقع منهم على صحة ما ذهبوا إليه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (هذا قول السلف وأئمة الفتوى، كابن حنيفة والشافعي والثوري وداود بن علي وغيرهم لا يؤثمون مجتهداً مخطئاً في المسائل الأصولية ولا في الفرعية كما ذكر ذلك عنهم ابن حزم وغيره، وقالوا : هذا هو القول المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين أنهم لا يكفّرون ولا يفسّقون ولا يؤثّمون أحداً من المجتهدين المخطئين، لا في مسألة عملية ولا علمية، قالوا : والفرق بين مسائل الفروع والأصول إنما هو من أقوال أهل البدع من أهل الكلام والمعتزلة والجهمية ومن سلك سبيلهم، وانتقل هذا القول إلى أقوام تكلموا في أصول الفقه ولم يعرفوا حقيقة هذا القول ولا غوره).

المرتبة الثالثة: أهل الأهواء وعلماء الفرق الضالة التي هي في إطار أهل القبلة، والذين اعتمدوا التأويل الفاسد وجعلوه أصلاً حرفوا به كلام الله وكلام رسوله، وخالفوا به ما كان عليه سلف الأمة وأئمتها ، فهؤلاء يشملهم الذم ويوصفون بالضلال ، ولكن لا يجوز الحكم على أعيانهم بالكفر إلا بعد إقامة الحجة عليهم، وتبين عنادهم وتكذيبهم لله ولرسوله، ومخالفتهم لسبيل المؤمنين، فــالرسول عليه الصلاة والسلام أخبر أن أمته ستفترق إلى ثــلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحـــدة. فأما الواحدة فهي الفرقة الناجية، ونجـاتها تكون في الدنيا بالنجاة من الضلال، وفي الآخرة من الوعيد، وأما الاثنتان والسبعون فرقة فإنها غير ناجية من الضلال في الدنيا، بل واقعة فيه، غير أن ضلالها غير مخرج لها من الإسلام، كيف وقد جعلها النبي عليه الصلاة والسلام من أمته، والمقصود هنا أمة الإجابة لا أمة الدعوة ، وهي في الآخرة يشملها الوعيد بالنار، غير أنها تبقى تحت المشيئة، قال الإمام الخطابي رحمه الله في شرح هذا الحديث: (فيه دلالة على أن هذه الفرق كلها غير خارجة من الدين، إذ قد جعلهم النبي عليه الصلاة والسلام من أمته ، وفيه أن المتأول لا يخرج من الملة وإن أخطأ في تأويله).

كلام أئمة أهل السنة في تقرير الموقف من المتأوّل قولاً وعملاً:-

    قــال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (إن المتأول الذي قصده متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام لا يُكفَّر ولا يفسَّق إذا اجتهد فأخطأ، وهذا المشهور، عند الناس في المسائل العملية، وأما مسائل العقائد فكثير من الناس كفَّر المخطئين فيها، وهذا القول لا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا عن أحد من أئمة المسلمين، وإنما هو في الأصل من أقوال أهل البدع الذين يبتدعون بدعة، ويكفرون من خالفهم كالخوارج والمعتزلة والجهمية).

    وقال ابن الوزير رحمه الله:(طوائف الإسلام الذين وافقوا على الإيمان بالتنزيل، وخالفوا في التأويل، فهؤلاء لا يكفرونهم إلا من تأويله تكذيب، ولكنه سماه تأويلاً مخادعة للمسلمين، ومكيدة للدين كالقرامطة) إلى أن قال: (وأما أهل البدع الذين آمنوا بالله ورسوله وكتبه واليوم الآخر، وإنما غلطوا في بعض العقائد لشبهة قصرت عنها أفهامهم، ولم تبلغ كشفها معرفتهم، فلا دليل على كفرهم، ومن كفرهم فقد اغتر في تكفيره من الشبهة بمثل ما اغتروا به في بدعتهم من ذلك).

    وقال الشيخ السعدي رحمه الله: (إن المتأولين من أهل القبلة الذين ضلوا وأخطأوا في فهم ما جاء به الكتاب والسنة مع إيمانهم بالرسول صلى الله عليه وسلم، واعتقادهم صدقه في كل ما قال وأن ما قاله كله حق، والتزموا ذلك لكنهم أخطأوا في بعض المسائل الخبرية أو العملية، فهؤلاء دلّ الكتاب والسنة على عدم خروجهم من الدين وعدم الحكم لهم بأحكام الكافرين، وأجمع الصحابة رضي الله عنهم والتابعون ومن بعدهم من أئمة السلف على ذلك).

     وقيام الحجة عليهم الذي بعده يحكم بكفر أعيانهم إنما يكون بتجليه الحق وإزالة الشبهة، وتبين أنه لم يبق معهم غير المكابرة والعناد، وليس مُجْدِياً أن يعرض عليهم الحق ويناظرون فيه ويستدل عليهم بأدلة أهل السنة.

والدليل على ذلك من مواقف أئمة أهل السنة:

1- مناظرة ابن عباس رضي الله عنهما للخوارج والاستدلال عليهم بالكتاب والسنة والقياس، واقتناع طائفة كبيرة منهم، وإصرار طائفة أخرى، ومع ذلك فأولئك المصرون لم يكفرهم علي ولا ابن عباس ولا غيرهم من الصحابة رضي الله عنهم.

2- والإمام أحمد رحمه الله وغيره من علماء السنة المعاصرين له قد ناظروا المعتزلة وربما سموهم الجهمية القائلين بخلق القرآن وتعطيل الصفات، ونفي رؤية الله في الآخرة ، ولا شك أنهم قد عرضوا عليهم أدلة الكتاب والسنة المبطلة لمذهبهم، غير أنهم بقيت لديهم شبهات جعلتهم يصرون على ما هم عليه، بل يعتقدون أنهم على الحق، وأن أهل السنة على الباطل، ولأجل ذلك استباحوا عقوبة أهل السنة، فسجنوا وجلدوا، بل وقتلوا منهم رجالاً من خيرة العلماء، حتى أن ابن أبي داود كان يقول للمعتصم مشيراً إلى الإمام أحمد: (اقتله ودمه في ذمتي)، ومع ذلك كله لم يكفّرهم الإمام أحمد ولا أحد من الأئمة المعاصرين له ولا ممن جاء بعدهم من أهل السنة هؤلاء بأعيانهم كما سبق ذلك، وإنما كفروا بالجهمية تكفيراً مطلقاً، وكفروا تكفيراً مطلقاً من قال بخلق القرآن.

3- والإمام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ناظر الجهمية والمعتزلة وغلاة الصوفية، وعرض عليهم الأدلة النقلية والعقلية، فلم يقنعوا بها واعتبروه هو الشاذ والخارج عن مذهب أهل السنة، وأفتوا بسجنه بل سعوا في ذلك حتى سجن ومات في السجن، وربما أفتى بعضهم بقتله، ولم يكفّر أحداً منهم بل كان يقول: (ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن يكون الله تعالى فوق العرش لما وقعت محنتهم: أنا لو وافقتكم كنت كافراً؛ لأن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال. وكان هذا خطاباً لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم).

بل إنه رحمه الله مع نقله إجماع العلماء على منع الاستغاثة بغير الله وأنه شرك كما صرح بذلك في وسمه بالإجماع على المنع منه في الاستغاثة. فإنه لم يكفّر البكري الذي ألف كتاباً في إثبات الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم فرد عليه شيخ الإسلام برد مختصر، فرد البكري عليه فأفحش القول وكفر شيخ الإسلام لمنعه من الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم زاعماً أن ذلك حطّاً من قدره عليه الصلاة والسلام، وسوء أدب معه، فرد عليه شيخ الإسلام بكتابه العظيم (الاستغاثة أو الرد على البكري).

      ومع ذلك فإنه لم يكفّر البكري ولم يصمه أنه قد أقام عليه الحجة بذلك، بل إنه قال في آخر كلامه عن حكم التكفير وذكر موانعه، وأن الذين يبتدعون أقوالاً ثم يكفّرون من خالفها هم أهل الأهواء، قال عن البكري: (فلهذا لم يقابل جهله وافتراؤه بالتكفير بمثله) وهذا دليل من كلامه رحمه الله على عدم تكفير البكري كما يظهر لي، بل إن محقق الاستغاثة -عبد الله بن دجين السهلي- قد صرح في دراسته لكتاب الاستغاثة بذلك فقال: (وعلى هذا نجد هذا الكتاب على وتيرة واحدة، فهو يصف الخصم بالجهل والظلم ولا يكفره، وإن كان يشتد عليه أحياناً إلا أنه لا يخرج عن حدود الشرع، ويستدل على كل مسألة من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والسلف الصالح. بينما البكري يصف الشيخ مرة بالإلحاد ومرة بالزندقة والكفر، ويستشهد بأقوال القبورية أمثاله).

أسباب التكفير:

الأسبابُ العلميةُ للتكفير:

1- تصدُّر حدثاءِ الأسنان وسفهاءِ الأحلام للعلم والدعوة: ففي الحديث: "سيخرج قوم في آخر الزمان أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية, لا يجاوز إيمانهم حناجرهم, يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية, فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة". لهذا ترى بعض الشباب اتَّخذ منهم رؤساءً جهالاً، فأفتوْا بغير علم، وحكموا في الأمور بلا فقه، وواجهوا الأحداث الجسام بلا تجربة ولا رأي ولا رجوعٍ إلى أهل العلم والرأي، بل كثيرٌ منهم ينتقص العلماءَ والمشايخَ ولا يعرف لهم قدْرهم، فيلمزهم بالتقصير أو المداهنة ونحو ذلك.

2- الجهل وقلة التفقه في الدين: ومن مظاهره:

أولا: الجهل بأحكام الدين وقلة بضاعة هؤلاء الشبان الغيورين من فقه الإسلام وأصوله، وعدم تعمقهم في العلوم الإسلامية واللغوية، الأمر الذي جعلهم يأخذون ببعض النصوص دون بعض، أو يأخذون بالمتشابهات، وينسون المحكمات، أو يأخذون بالجزئيات ويغفلون القواعد الكلية، أو يفهمون بعض النصوص فهما سطحيا سريعا، فيتصدرون للفتوى في هذه الأمور الخطيرة، دون أهلية كافية. فالإخلاص وحده لا يكفي، ما لم يسنده فقه عميق لشريعة الله وأحكامه، وإلا وقع صاحبه فيما وقع فيه الخوارج من قبل، الذين صحت الأحاديث في ذمهم من عشرة أوجه، كما قال الإمام أحمد. هذا مع شدة حرصهم على العقيدة والتنسك. الجهل بأحكام الدين, فالمتأمل لواقع أكثر الغلاة والمتطرفين, يجد أنهم يتميزون بالجهل وقلةِ الفقه في الدين، وضحالةِ الحصيلة في العلوم الشرعية، ومع ذلك تراهم يخوضون في المصالح العظمى والقضايا المصيرية, فيكثرُ منهم التخبطُ والخلطُ والأحكامُ المتسرعة والمواقفُ المتشنجة, مع وجود الغيرة منهم على دين الله وتعظيم الحرمات وشدة الخوف من الله تعالى. ففي الحديث: "تحقرون صلاتكم مع صلاتهم".

ثانيا: وأيضا الجهل بأحكام التكفير وقواعده، وكلامِ السلف في ذلك، وكذا الجهل بمقاصد الشريعة، سواء كان ذلك جهلاً مُطْبقًا - عند بعضهم - أو جزئيًّا راجعًا إلى تأويلٍ واجتهادٍ لمن لم تكمل أهليته، وإلا فلو كملت أهلية الاجتهاد عنده؛ لما أقدم على عمل يحوي المفاسد، ويجر هذه الويلات على الدول المسلمة حكامًا وشعوبًا، وعلى الدعوة والقائمين عليها!! وهل أصاب المسلمين بعد الصحابة ما أصابهم؛ إلا بإهمالهم كثيرًا أو قليلاً من القواعد الشرعية، ونسيانهم حظًّا مما ذُكِّروا به؟!

ثالثا: الخطأ في فهم المراد بالمرجعية الموثوق بها في الفتوى والتلقي عنها: فبعضهم يتخذ الخطيب المفوَّه مرجعًا؛ لأن صرخة ذاك الخطيب التي تكاد تقتلع القلب من الصدر؛ تدل -عنده- على إخلاصه وصدقه والأخذ عنه! مع أنه لا يلزم من الإخلاص والصدق ثبوت المرجعية المؤهَّلة للفتوى في المهمات والنوازل!.
   ومنهم من يتخذ الشاعر المفْلق مرجعًا، أو يغتر بسمت العابد المتنسك، أو يُخدع بمن دخل السجن وخرج منه عدة مرات!! فيظن أن هؤلاء هم أهل الفتوى في المسائل المصيرية، فيأخذ عنهم، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم- قال: «إن من أشراط الساعة: التماس العلم عند الأصاغر"، وسواء كان المراد بذلك أهل البدع، أو حديثي الأسنان الذين ليس لهم خبرة بشرع، ولا تجربة لواقع، ولا عِظَة بتاريخ!! فعلى هؤلاء الشباب أن يتعظوا بذلك، وأن يحذروا مما يؤول إلى الفتن والمهالك، وعلى المسلمين أن يعطوا القوس باريها، وأشباههم للدعوة والشباب بلا علم ولا فقه، فاتخذ بعض الشباب منهم رؤساء جهالا، فأفتوا بغير علم، وحكموا في الأمور بلا فقه، وواجهوا الأحداث الجسام بلا تجربة ولا رأي ولا رجوع إلى أهل العلم والفقه والتجربة والرأي، بل كثير منهم يستنقص العلماء والمشايخ ولا يعرف لهم قدرهم، وإذا أفتى بعض المشايخ على غير هواه ومذهبه، أو بخلاف موقفه أخذ يلمزهم إما بالقصور أو التقصير، أو بالجبن أو المداهنة أو العمالة، أو بالسذاجة وقلة الوعي والإدراك! ونحو ذلك مما يحصل بإشاعته الفرقة والفساد العظيم وغرس الغل على العلماء والحط من قدرهم ومن اعتبارهم، وغير ذلك مما يعود على المسلمين بالضرر البالغ في دينهم ودنياهم.

رابعا: الجهل بالسنن الكونية في التمكين في الأرض، وأن ذلك لا يكون إلا بالصبر والتحمل لأذى الكفار، فكيف لا نصبر على أذى المسلمين؟!

3- غياب دور العلماء وانشغالهم, فالعلماء لهم منزلةٌ عظيمةٌ في المجتمع المسلم, فهم ورثة الأنبياء, فغيابهم أو انشغالهم, مدعاةٌ لتصدير غير الأكفاء الذين يُضلون الناسَ بغير علم, وحينذاك يتعرض المجتمعُ للهلاك. ففي الحديث: "من أشراط الساعة أن يقِلَ العلمُ ويظهرَ الجهلُ".  والجفوة بين العلماء والشباب, ففي أغلب بلاد المسلمين تجد العلماء بمعزل عن الشباب، وبالمقابل تجد الشباب بحيويتهم ونشاطهم وهمتهم بمعزل عن العلماء، مما أوقع بعض الشباب في الأحكام والتصرفات التي لا تليق تجاه علمائهم، ومن هنا يُفقد الحوارُ الذي هو أساس التفاهم والإصلاح. الخلل في مناهج بعض الدعوات المعاصرة, فأغلبها تعتمد في مناهجها على الشحن العاطفي، وتربي أتباعها على مجرد أمور عاطفية وغايات دنيوية ونحوها، وتحشو أذهانهم بالأفكار والمفاهيم التي تؤدي إلى التصادم مع المخالفين بلا حكمة. وفي الوقت نفسِه تقصِّر في أعظم الواجبات، فتنسى الغايات الكبرى في الدعوة، من غرس العقيدة السليمة, والفقهِ في الدين، والحرصِ على الجماعة، وتحقيقِ الأمن، والتجردِ من الهوى والعصبية، وفقهِ التعامل مع المخالفين.

4- ظهور التعالم والغرور من هؤلاء: تجد أحدهم لا يعرف بدهيات العلم الشرعي والأحكام وقواعد الدين، أو قد يكون عنده علم قليل بلا أصول ولا ضوابط ولا فقه ولا رأي سديد، ويظن أنه بعلمه القليل وفهمه السقيم قد حاز علوم الأولين والآخرين، فيستقل بغروره عن العلماء، عن مواصلة طلب العلم فَيَهْلك بغروره وَيُهلك. وهكذا كان الخوارج الأولون يدَّعون العلم والاجتهاد ويتطاولون على العلماء، وهم من أجهل الناس.

5- نقص الثقافة الدينية في المناهج التعليمية في معظم البلاد الإسلامية, فقد أُسست السياسة التعليمية في معظم البلاد الإسلامية على أسس غير إسلامية, كالتنشئة على حب القومية العربية ونحوها. فما يُدرَّس في مراحل التعليم الأساس وما بعده، لا يؤهل شخصاً مثقفاً بالحد الأدنى من الثقافة الإسلامية، وقد أدى ضعف المقررات الدينية إلى الأثر السلبي على سلوك الأفراد واتجاهاتهم. 

الأسباب الدينية للغلو والتطرف:

1- الفساد العقدي, إن كثيراً من المسلمين فرَّقوا دينهم وكانوا شيعاً يقابلون البدعة بالبدعة، فإذا نشأ فكر منحرف ظهر فكر منحرف آخر يناقضه, فالشيعة مثلاً غالوْا في علي t والخوارج كفروه، وفي العصر الحديث امتلأت الساحة بالفرق والمذاهب، وقد كان انتشار تلك الفرق مؤثراً في إحداث الغلو والتطرف. فالتصوف مثلاً يميل إلى عزل الحياة عن الدين، مما أثار حفيظة بعض الشباب المسلم حيث اتجه إلى الغلو في ربط حياة الناس بالدين في مقابل تسيب المتصوفة, فتطورت هذه المنازعات بين المتصوفة والغلاة.

2- عدم الحكم بما أنزل الله في معظم البلاد الإسلامية، وعند تتبع مظاهر الغلو والتطرف على مر التاريخ نجد غالبها يرجع إلى مسألة الحكم بغير ما أنزل الله، فهذا الانحراف العقدي وهو عدم الحكم بما أنزل الله أنتج انحرافاً عقدياً مقابلاً.

3- إعراض أكثر المسلمين عن دينهم، عقيدةً وشريعةً وأخلاقاً، مما أوقعهم في ضنك العيش وفي حياة الشقاء, قال تعالى: "ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً", مما يُنمي هذا الإعراض مظاهر السخط والتذمر والغلو والتطرف الفكري عند البعض. ومن مظاهر هذا الإعراض:-

أولا: ظهور الفواحش والمنكرات وحمايتها: ظهور المنكرات وعدم قيام العلماء والحكومات بواجبهم الشرعي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأخذ على أيدي المفسدين ومن وراء المنكرات. والتعلق بالشعارات والمبادئ الهدامة والأفكار المستوردة. والتقصير في حق الله تعالى، والوقوع في الذنوب والمعاصي. وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وشيوع الظلم بشتى صوره وأشكاله: ظلم الأفراد، وظلم الشعوب، وظلم الولاة وجورهم، وظلم الناس بعضهم لبعض. والتضييق على المتمسكين بالدين، وبالمقابل التمكين لأهل الفسق والفجور والإلحاد، مما يعد أعظم استفزاز لذوي الغيرة والاستقامة.

ثانيا: الانحلال الخلقي المدعوم أحياناً بالقانون تحت غطاء الحرية هو أحد أسباب الغلو والتطرف, فمظاهر الرذيلة التي يشاهدها المسلم خاصة في المجتمعات الإسلامية, في الشارع والمدرسة والجامعة والإعلام الرسمي والصحافة والإذاعة والأسواق، والاستهزاء بالدين وحملته وتشويه صورته ومحاربته، ومحاصرة القائم على دينه في فكره وإغلاق منافذ التعبير عليه، كل ذلك من أسباب نشوء الغلو والتطرف وردة الفعل القاسية وإن كانت غير مبررة.

ثالثا: الاستهانة بمحارم الله وأحكام شرعه، وعدم الأخذ على يد المكابر والمعلن بالكفر، وأطره على الحق أطراً بقوة البرهان والسلطان! إلى غير ذلك من الأسباب. وانتشار الكفر والردة الحقيقية جهرة في مجتمعاتنا الإسلامية، واستطالة أصحابها وتبجحهم بباطلهم، واستخدامهم أجهزة الإعلام وغيرها لنشر كفرياتهم على جماهير المسلمين، دون أن يجدوا من يزجرهم أو يردهم عن ضلالهم وغيهم.

-6المعاملة القاسية والقمع العشوائي من الأجهزة الأمنية في كثير من البلدان لمن له صلة بالدعوة إلى الله تعالى، سواء كان المرء بعيدًا عن هذا الفكر أم لا، بل ربما ابتُلِيَ البريء في بعض البلدان بلاءً أشد وأنكى مِن دعاة هذه الأفكار، وذلك بسبب المعلومات المضلِّلة البعيدة عن الحقيقة، التي تبلغهم من خلال رجل جاهل، أو ماكر متحامل!! فيولِّد ذلك القمعُ الغلوَّ عند من كان معتدلاً قبل ذلك، ويزيد الغالي غلوًّا، ولا يفتح له باب معرفة الحق وأكثرهم شباب مُغَرَّرٌ بهم فإن كثيرًا من الشباب لو عرف الحق؛ لانْبَرَى للدفاع عنه، والرد على خصومه -إن شاء الله تعالى- لكن هذا الأسلوب القمعي العشوائي؛ لم يأت بالثمرة المرجوة، بل قد غرس في النفوس روح الانتقام، ومقابلة البغي بما هو أشد منه - إن أمكن- وتربية كثير من الشباب على هذا الفكر المنحرف، وانظر حال الذين خرجوا من السجون، فإن حالهم شاهد كبير على ذلك، فكم من معتدل صار غاليًا، وكم من غالٍ زاد انحرافًا، إلا من رحم الله!!

-7  وجود الاستعجال والتعصب، والحدَّة في التعامل، وشعور الشباب بأنهم بذلك قائمون بما أوجب الله بخلاف الآخرين المفرِّطين في نظرهم، وهذا يجعل الشاب يجنح إلى المواجهة الدموية فما دونها!!

 -8التعبئة الحماسية الثورية الخاطئة للشباب، مِنْ قِبَل دعاة هذه الأفكار، والمنظِّرين لها، فإن بعض دعاة هذا الفكر لما وجدوا حُبَّ الشباب للدين، ورأوا غيرتهم على محارم الله، ورغبتهم في الجنة وما قَرّب إليها من قول أو عمل؛ ذكروا لهم الأحاديث الواردة في فضل الجهاد بالسلاح، وفضل الشهادة في سبيل الله -وهذا في ذاته حسن- فإن الجهاد ذروة سنام هذا الدين، وهو ماضٍ إلى يوم القيامة -حسب الاستطاعة- إلا أن الخطأ دخل عليهم عند ما أقنعوا الشباب بأن الحكام وأعوانهم في بلاد المسلمين هم أول من يستحقون الجهاد، وأنزلوا فيهم قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً}[التوبة: 123.

9-  الدخول في الانتخابات البرلمانية:

      إنَّ مسألة دخول الانتخابات البرلمانية من موارد الاجتهاد المعاصر، فقد تتحقق المصلحة الشرعية في بلد ما من دخول الحركة الإسلامية البرلمانات، ولا تتحقق في بلد آخر، فعلى المسلمين في كل بلد الموازنة بين المصالح والمفاسد، وترجيح ما يرونه مناسباً. ولا يجوز أن يتخذ الخلاف في حكم الانتخابات، ودخول البرلمانات خلافاً في الأصول، فإنها من المسائل الاجتهادية التي ليس في منعها نص قطعي، حتى نجعلها من مسائل الأصول، مع تفريقنا بين هذه المسألة، وبين حكم النظام الديمقراطي.

   فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فالواجب على المسلم أن يجتهد في ذلك حسب الوسع، فمن وُليَّ ولاية يقصد بها طاعة الله وإقامة ما يمكنه من دينه ومصالح المسلمين وأقام فيها ما يمكنه من الواجبات واجتناب ما يمكنه من المحرمات لا يؤاخذ بما يعجز عنه، فإنَّ تولية الأبرار خير للأمة من تولية الفجار، ومن كان عاجزاً عن إقامة الدين بالسلطان والجهاد ففعل ما يقدر عليه من الخير لم يكلف ما يعجز عنه، فإنَّ قوام الدين بالكتاب الهادي والحديد الناصر". وهذا العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي -المتوفي سنة 1376هـ إمام نجد وفي زمانه- يقول: "إنَّ الله يدفع عن المؤمنين بأسباب كثيرة، منها: أن الله يدفع عن المؤمنين بأسباب كثيرة وقد يعلمون بعضها، وقد لا يعلمون شيئاً منها. وربما دفع عنهم، بسبب قبيلتهم، وأهل وطنهم الكفار، كما دفع الله عن شعيب رجم قومه، بسبب رهطه. وأن هذه الروابط التي يحصل بها الدفع عن الإسلام والمسلمين، لا بأس بالسعي فيها، بل ربَّما تعين ذلك. لأنَّ الإصلاح مطلوب، حسب القدرة والإمكان. فعلى هذا لو سعى المسلمون الذين تحت ولاية الكفار وعملوا على جعل الولاية جمهورية، يتمكن فيها الأفراد والشعوب من حقوقهم الدينية والدنيوية لكان أولى من استسلامهم لدولة تقضي على حقوقهم الدينية والدنيوية، وتحرص على إبادتها، وجعلهم عَمَلَةً وخَدَماً لهم. نعم إن أمكن أن تكون الدولة للمسلمين وهم الحكام فهو المتعين. ولكن لعدم إمكان هذه المرتبة، فالمرتبة التي فيها دفع ووقاية للدين والدنيا مقدمة. والله أعلم".

    وقد أفتى عدد كبير من العلماء المعاصرين بجواز المشاركة في الانتخابات البرلمانية، ومنهم من هو معروف باتباعه لمنهج السلف الصالح، منهم: الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، وممَّا قال رحمه الله: "إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى"، لذا فلا حرج في الالتحاق بمجلس الشعب إذا كان المقصود من ذلك تأييد الحق، وعدم الموافقة على الباطل، لما في ذلك من نصر الحق، والانضمام إلى الدُعاة إلى الله. كما أنَّه لا حَرَجَ كذلك في استخراج البطاقة التي يستعان بها على انتخاب الدُعاة الصالحين، وتأييد الحق وأهله، والله الموفق". والشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله الذي أفتى بوجوب المشاركة في الانتخابات البرلمانية. والشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك أفتى بالجواز لتحقيق مصلحة راجحة، وهذا ما ذهب إليه عدد من العلماء، وكذلك أفتى بالجواز الشيخ السلفي عبد الرحمن عبد الخالق الذي أجاب من سأله عن الحكم الشرعي بقوله: "لا بأس بذلك، واقرأ كتابنا: حكم تولي الولايات العامة في ظل الحكومات المعاصرة، وهو على الشبكة السلفية". وممَّا قاله: "أقول وممَّا يدل كذلك على مشروعية تولي الولايات العامة عن طريق الانتخابات البرلمانية، أنَّ هذا هو قول كثير من قادة الدعوة السلفية وأئمتها، وقد أفتوا بذلك مع علمهم بواقع حال الأمة المعاصرة، وواقع الدول الإسلامية التي ابتليت بهذه الأنظمة الوضعية (الديمقراطية وغيرها)". والباحث الشيخ علي بن نايف الشحود، والشيخ محمد المنجد الذي قال: "فهذا محل اجتهاد، حسب المصلحة المتوقعة من ذلك، بل يرى بعض العلماء أن الدخول في هذه الانتخابات واجب" .وقد أفتي مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي للمسلمين في الدول الأجنبية بالمشاركة في دخول الانتخابات في بلادهم. وممَّن أفتى بالجواز الدكتور الشهيد عبد الله عزام، وعدَّه من القضايا المتروكة لتقدير المصلحة في الدخول من عدمه، فما ترجحه المصلحة. فقال الدكتور عبد الله عزام :"البرلمان مجلس تشريعي، والتشريع بغير ما أنزل الله كفر يخرج عن الملة، فإذا وافق المجلس على هذا التشريع فهذا أمر خطير جدا على دينهم وعقيدتهم. أمَّا إذا كان دخولهم في البرلمان بنيَّة معارضة القوانين الوضعية الكافرة والوقوف ضدها والوقوف في وجه الظلم، فهذا أمر ترجحه المصلحة العامة، والإسلام في مثل هذه الظروف ينظر إلى المصالح والمفاسد، فينظر أيهما أرجح في هذا الأمر المصلحة أم المفسدة، ولكن بشرط أن لا يقعوا أو يتعرضوا  للحرام"... وقال أيضا: "لا بأس من الدخول في البرلمانات إن كنا نريد أن ننصر ديننا ودعوتنا من خلاله، بخلاف مجلس الوزراء، لأنَّ مجلس الوزراء تنفيذي ولا يجوز الدخول فيه، بينما مجلس النواب هو عبارة عن مراقبة الدَّولة، وبإمكانك أن تقول فيه ما تشاء، فهذا لا بأس، بعكس مجلس الوزراء الذي ينفذ ما يؤمر به .فإن قبلت الدَّولة أن يكون لنا مراقبون داخل مجلس النواب يعارضون ويفضحون الدَّولة بأنها سرقت وفعلت كذا، والوزير الفلاني فعل كذا وسرق كذا، ويفضح الخيانات والرشوة ويطالبون بتنفيذ الحكم بالمجرمين، فهذا لا بأس إن شاء الله".

   أقول: إذا كان عدد من أهل العلم قد أفتى بعضهم بوجوب المشاركة في الانتخابات البرلمانية وبعضهم أفتى بالجواز فهل يجوز لمسلم أن يكفِّر من أخذ بفتاويهم، ومن حقنِّا أن نسأل أبا عمر البغدادي وأنصاره هل هؤلاء العلماء يكفرون بهذه الفتاوى في جواز دخول البرلمانات!؟، وهل هم من عبدة الطاغوت!؟، وهل يحق للمسلم أن يكفِّر المسلمين الذين لا يأخذون بوجهة نظره أو رأيه في أمر مختلف فيه، لم ترد نصوص شرعية قطعية فيه!!؟.

10- عدم تطبيق الحدود الشرعية:

     إنَّ الحكومة التي تولَّى رئاستها الأستاذ إسماعيل هنية – فيما يعرف بالحكومة العاشرة- كانت حكومة لقطاع غزة والضفة الغربية معاً، وقد تمَّ سحب كثير من صلاحياتها من قبل رئيس السلطة محمود عباس، ولم تُمكَّن من القيام بعملها، فحوصرت مالياً وسياسياً، وحاصرها داخلياً رئيس السلطة محمود عباس وأجهزته الأمنية التي رفضت الانصياع لتعليمات وتوجيهات وزير الداخلية يومئذ الأستاذ سعيد صيام رحمه الله تعالى. بل كانت تقوم بمسيرات ومظاهرات مسلحة ضد الحكومة، وقد سحب عباس الأموال من خزينة الحكومة، فاستلمت حكومة الأستاذ إسماعيل هنية الحكومة فارغة الخزينة أي بلا أموال، بل ومثقلة بالديون، حتى واجهت عجزاً في توفير رواتب الموظفين، ومنهم الذين يرفضون تنفيذ تعليمات الحكومة من الأجهزة الأمنية. يضاف إلى ذلك الواقع السياسي الذي يعيشه أبناء هذا الشعب، وما فيه من تجاذبات سياسية بين التنظيمات الفلسطينية – أكثرها علماني ويساري التوجه والمعتقد- أدَّت إليه هذه التجاذبات إلى قيام بعض هذه التنظيمات - ومنها تنظيم فتح الذي يقوده رئيس السلطة عباس- بالتشكيك في فكر حماس وعقيدتها، بل اتهمت في نيَّاتها، وما تدعو إليه، فاتهمت أنَّها تريد تحويل غزة إلى إمارة إسلامية.

     وهذا كلُّه يثبت وبلا أدنى ريب أنَّ تطبيق الحدود الشرعية يحتاج لوجود دولة لها كاملة السيادة والمنعة، فكيف تطبق الحكومة في قطاع غزة أحكام الشريعة ومنها الحدود!؟ وغزة اليوم تقود الأمة الإسلامية في مشروع جهادي تحرري لكافة أرض فلسطين المسلمة، كما أنَّ قطاع غزة يفقد أعظم مقومات تطبيق الشريعة.

- إنَّ تطبيق الحدود الشرعية وغيرها يحتاج إلى القوة والمنعة والإمارة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "إن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتمُّ ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد، والعدل، وإقامة الحج، والجُمَعِ، والأعياد، ونصر المظلوم، وإقامة الحدود لا تتمُّ إلاَّ بالقوة والإمارة". ويقول أيضًا: "ما يشترط في القضاة والولاة من الشروط يجب فعله بحسب الإمكان، بل وسائر شروط العبادات من الصلاة والجهاد وغير ذلك، كل ذلك واجب مع القدرة، فأما مع العجز فإن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها". فأين المنعة والقوة والدَّولة الإسلامية بالنسبة للواقع الفلسطيني اليوم!، ففلسطين  المسلمة محتلة، وقطاع غزة مسيطر عليه من العدو الصهيوني بحراً وجواً، وهو محاصر من جميع الجهات من العدو الصهيوني وعملائه من الفلسطينيين والعرب.

       وممَّا يدلُّ على الرغبة القوية لحماس في تطبيق الشريعة الإسلامية أنَّها وقفت وبقوة سداً منيعاً في وجه المجلس التشريعي السابق، عندما أراد أن يقرَّ قانون العقوبات المخالف في كثير من مواده للشريعة الإسلامية، بل يشجِّع على شيوع الفاحشة في المجتمع الفلسطيني. مع العلم أنَّ قانون العقوبات تمَّ تمريره بالقراءة الأولى وتمَّ الإعداد للقراءة الثانية في المجلس التشريعي الفلسطيني، وكان هناك توجّه لتقديمه للقراءة الثالثة أيضاً، على أن يرفع ذلك للرئيس ياسر عرفات للمصادقة عليه.

    وممّا يدلَّ على الرغبة الحقيقة لحركة حماس في تطبيق الحدود وغيرها من أحكام الشريعة الإسلامية أنَّ المجلس التشريعي الحالي جهَّز مشروع قانون العقوبات المعدَّل، الذي استوحيت مواده من الشريعة الإسلامية، لكنَّ الظروف المحلية والواقع السياسي الفلسطيني لم يسمح بإقراره.

11- الحكم بغير ما أنزل الله

    لعل قضية الحكم بغير ما أنزل الله من أهم القضايا التي زلت بها الأقدام في مسألة التكفير، إذ أدت بالبعض إلى تكفير كل حاكم بغير ما أنزل الله من غير تفريق بين صنوفه المختلفة، واستجرهم ذلك إلى تكفير ولاتهم ووزرائهم ثم شرطتهم، ثم سائر أفراد المجتمع الذين رضوا بحكمهم ولم يثوروا عليهم.

    وفي البدء نؤكد أن الحكم بما أنزل الله حق لله تعالى، وأنه من أخص خصائص الألوهية التي هي حق لله بموجب ربوبيته (ألا له الخلق والأمر) الأعراف: 54.

   يقول ابن تيمية: "ومعلوم باتفاق المسلمين أنه يجب تحكيم الرسول  صلى الله عليه وسلم  في كل ما شجر بين الناس في أمر دينهم ودنياهم في أصول دينهم وفروعه، وعليهم كلهم إذا حكم بشيء أن لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما حكم ويسلموا تسليماً". وقوله مصداق لقول الله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً} النساء: 65.

    أما النكول عن تحكيم شرع الله، إلى شرع غيره، فهو عبادة للطاغوت، وصورة من صور الشرك بالله العظيم {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً} النساء: 60.

     وجعل الله التحاكم إلى شرعه والانقياد لأمره ميزاناً يستبين فيه الإيمان من النفاق، فحال المنافقين كما قال الله تعالى: {ويقولون آمنّا بالله وبالرّسول وأطعنا ثمّ يتولّى فريق مّنهم مّن بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين - وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق مّنهم مّعرضون- وإن يكن لّهم الحقّ يأتوا إليه مذعنين- أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظّالمون} النور:47- 50. وأما المؤمنون فإن حالهم مختلف {إنّما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون} النور:51.

     يقول شيخ الإسلام: "ذم الله عز وجل المدعين الإيمان بالكتب كلها، وهم يتركون التحاكم إلى الكتاب والسنة، ويتحاكمون إلى بعض الطواغيت المعظمة من دون الله، كما يصيب ذلك كثيراً ممن يدعي الإسلام وينتحله في تحاكمهم إلى مقالات الصابئة الفلاسفة أو غيرهم، أو إلى سياسة بعض الملوك الخارجين عن شريعة الإسلام من ملوك الترك وغيرهم".

     قال ابن كثير: "فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسق (قانون التتار) وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كَفَر بإجماع المسلمين". وإذا كان الحكم بشريعة الله من مقتضيات الإيمان ومن أَولى حقوق الرحمن، فإن من نازع الله هذا الحق، فقد جعل نفسه شريكاً لله في ربوبيته وألوهيته على خلقه {أم لهم شركاء شرعوا لهم مّن الدّين ما لم يأذن به الله} الشورى:21. فقد عرّف محمد رشيد رضا الشرك ببعض مظاهره وصوره، فقال: "إسناد الخلق والتدبير إلى غير الله تعالى معه، أو أن تؤخذ أحكام الدين في عبادة الله تعالى والتحليل والتحريم عن غيره، أي غير كتابه ووحيه الذي بلغه عنه رسله".

     والذي يشرع يجعل من نفسه إلهاً مع الله، وهذا كافر باتفاق المسلمين، يقول ابن تيمية: " والإنسان متى حلّل الحرام المجمع عليه، أو حرّم الحلال المجمع عليه، أو بدّل الشرع المجمع عليه كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء". وتقييده رحمه الله بالمجمع عليه يخرج من أخطأ في الاجتهاد، بينما الذي يكفر هو المكذب لله ولرسوله الجاحد لحكمهما، لا المخطئ الحريص على متابعتهما. ويقول القاضي أبو يعلى مؤكداً ذات المعنى: "ومن اعتقد تحليل ما حرم الله ورسوله بالنص الصريح، أو أجمع المسلمون على تحريمه فهو كافر، كمن أباح شرب الخمر ومنع الصلاة والصيام والزكاة، وكذلك من اعتقد تحريم شيء حلله الله وأباحه بالنص الصريح، أو أباحه رسوله أو المسلمون مع العلم بذلك، فهو كافر كمن حرم النكاح والبيع والشراء على الوجه الذي أباحه الله عز وجل، والوجه فيه أن في ذلك تكذيباً لله تعالى ولرسوله في خبره، وتكذيباً للمسلمين في خبرهم، ومن فعل ذلك فهو كافر بإجماع المسلمين".

     والتشريع كفر أيضاً من جهة أنه تقديم لرأي من شرعه على شرع الله وحكمه، وهذا ولا ريب من الكفر البيِّن، الذي يحكم بالكفر على قائله، ولو أذعن لحكم الله وانقاد له، يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ضمن تعداده لنواقض الإسلام: "من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر". يقول شيخ الإسلام: " ثم إن هذا الامتناع والإباء [أي عن الإذعان والانقياد للشرع]، إما لخلل في اعتقاد حكمة الآمر وقدرته، فيعود هذا إلى عدم التصديق بصفة من صفاته، وقد يكون مع العلم بجميع ما يصدق به تمرداً أو اتباعاً لغرض النفس، وحقيقته كفر، هذا لأنه يعترف لله ورسوله بكل ما أخبر به ويصدق بكل ما يصدق به المؤمنون، لكنه يكره ذلك ويبغضه ويسخطه لعدم موافقته لمراده ومشتهاه، ويقول: أنا لا أقر بذلك، ولا ألتزمه، وأبغض هذا الحق، وأنفر منه، فهذا نوع غير النوع الأول، وتكفير هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، والقرآن مملوء من تكفير مثل هذا النوع".

    فهذا الممتنع إباء، والمتشكك في حكمة الخالق مكذب لصفات الله العليم الحكيم، وهو مستهين بالله وشرعه، فهو كافر بذلك، يقول ابن أبي العز شارح الطحاوية: "إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مخير فيه، أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر".

12- عدم تطبيق الشريعة الإسلامية:

        إنَّ من أكثر القضايا التي تغرِّرُ بها التكفيريون زعمهم أنَّهم يطبقون أحكام الشريعة الإسلامية، وممَّا يروجونه أنهم يقيمون الحدود الشرعية، ويفرضون الحجاب على النساء، ويغلقون المحلات أثناء الصلاة. وأظهروا عبر وسائل إعلامهم صوراً وأفلاماً لتطبيق الحدود على بعض الرجال والنساء ممن وقعوا في جرائم الزنا، وشرب الخمر، وقد استغلت التكفيريون ما أظهرته في تغرير الشباب المسلم بدعوى أنَّها تطبق الشريعة الإسلامية، وكأنَّ الشريعة الإسلامية انحصرت في الحدود والتعزيرات فقط لا غير. ومن المعلوم أنَّ من وظيفة الخليفة المسلم الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، قال الله تعالى):ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) النحل:125. ومن وظائف الخليفة: رعاية مصالح الأمة الداخلية والخارجية، قال الله تعالى:) لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) التوبة:128، فهل قامت الدَّولة المزعومة وخليفتها بهذه الوظائف الشرعية، أم وظيفتها فقط إقامة الحدود الشرعية، دون تطبيق شرع الله تعالى في كل جوانب الحياة، فمن المعلوم أنَّ الإسلام منهج متكامل، وتشريع شامل لكل مجالات الحياة الإنسانية، فهو إيمان وعمل، عقيدة وشريعة، عبادة ومعاملة، فكر وعاطفة، أخلاق وعمران، والشريعة الإسلامية شاملة لجميع شئون الحياة الدنيا والآخرة، وشاملة لمتطلبات الفرد والجماعة، وشاملة لكل متطلبات الجوانب البشرية. فالإسلام منهج شمولي يغطي مناحي الحياة المختلفة، فهو دين عبادة، وهو أيضاً منظومة من الشرائع الأخلاقية والاجتماعية، والاقتصادية والسياسية التي تحقق سعادة الفرد والمجتمع في الدنيا ثمَّ الآخرة. إنَّه لابد أن تكون تعاليم الإسلام هي الموجهة لكل نواحي الحياة الإنسانية، والقائد لكل مؤسسات المجتمع.

     ولقد بيَّن سيد قطب شمول الشريعة الإسلامية لكل مناحي وجوانب الحياة، فيقول رحمه الله: "إنَّ مدلول "الحاكمية" في التصور الإسلامي لا ينحصر في تلقي الشرائع القانونية من الله وحده، والتحاكم إليها وحدها. والحكم بها دون سواها، إنَّ مدلول "الشريعة" في الإسلام لا ينحصر في التشريعات القانونية، ولا حتى في أصول الحكم ونظامه وأوضاعه. إنَّ هذا المدلول الضيق لا يمثل مدلول "الشريعة" والتصور الإسلامي! إن "شريعة الله" تعني كل ما شرعه الله لتنظيم الحياة البشرية، وهذا يتمثل في أصول الاعتقاد، وأصول الحكم، وأصول الأخلاق، وأصول السلوك، وأصول المعرفة أيضاً. يتمثل في الاعتقاد والتصور - بكل مقومات هذا التصور- تصور حقيقة الألوهية، وحقيقة الكون، غيبه وشهوده، وحقيقة الحياة، غيبها وشهودها، وحقيقة الإنسان، والارتباطات بين هذه الحقائق كلها، وتعامل الإنسان معها. ويتمثل في الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والأصول التي تقوم عليها، لتتمثل فيها العبودية الكاملة لله وحده. ويتمثل في التشريعات القانونية، التي تنظم هذه الأوضاع. وهو ما يطلق عليه اسم "الشريعة" غالباً بمعناها الضيق الذي لا يمثل حقيقة مدلولها في التصور الإسلامي. ويتمثل في قواعد الأخلاق والسلوك، في القيم والموازين التي تسود المجتمع ، ويقوم بها الأشخاص والأشياء والأحداث في الحياة الاجتماعية. ثم يتمثل في "المعرفة " بكل جوانبها، وفي أصول النشاط الفكري والفني جملة".

       ويقول الدكتور يوسف القرضاوي: "إنَّ الجانب التشريعي أو القانوني ليس هو كلُّ الإسلام ولا جلُّه، كما يتصور بعض الناس أو يصورون، فالإسلام عقيدة تلائم الفطرة، وعبادة تغذي الروح، وخلق تزكو به النفس، وأدب تجمل به الحياة، وعمل ينفع الناس، ويمكث في الأرض ودعوة لهداية العالم إلى الله، وجهاد في سبيل الحق والخير، وتواص بالصبر والمرحمة. كما أنَّه في الوقت نفسه. تشريع يضبط سير الحياة، وينظم علاقة الإنسان بربه، وعلاقته بأسرته، وعلاقته بمجتمعه، وعلاقته بدولته، وعلاقة دولته به، وعلاقتها بالدول الأخرى مسالمة ومحاربة. إن الإسلام توجيه وتربية وتكوين للفرد الصالح، وللمجتمع الصالح، قبل أن يكون قانونا وتشريعا...إن الحدود والقصاص والعقوبات جزء محدود في التشريع الإسلامي الواسع، وآيات الحدود والقصاص في القرآن لا تتجاوز عشر آيات من نحو ستة آلاف آية أو تزيد، كما هو معلوم. ثمَّ إن العقاب للمنحرفين من الناس، وهؤلاء ليسوا هم الأكثرين، وليسوا هم القاعدة، بل هم الشواذ عن القاعدة. والإسلام لم يجئ لعلاج المنحرفين أساسا، بل لتوجيه الأسوياء ووقايتهم أن ينحرفوا. والعقوبة ليست هي العامل الأكبر في معالجة الجريمة في نظر الإسلام، بل الوقاية منها بمنع أسبابها هو العامل الأكبر، فالوقاية دائما خير من العلاج."

     لقد غرَّرت التفكريون بالشباب المسلم الذي يتطلع إلى إقامة دين الله في الأرض وتحكيم شرع الله في واقع الحياة، وفي غمرة الحماس الديني وتأجيج العواطف تجاهل مشرعو التكفيرين عن عمد، وجعلوا الشباب المسلم الذي يتابعونهم يجهلون: "أنَّ التشريع في الإسلام ليس محصوراً في الحدود والعقوبات كما يتصور أولئك أو يصورون، فالحدود ليست إلا وسيلة من وسائل الضبط الاجتماعي، التي ينبغي أن تسبقها تهيئة صحيحة للأمة من خلال نشر الفكرة الإسلامية، حتى تؤثر في كل الأوضاع وتصبغها بصبغة الإسلام، وحتى تفكر الأمة تفكيرا استقلالياً يعتمد على أساس الإسلام العظيم لا على أساس التقيد بنظريات الغرب واتجاهاته في كل شيء، بل تتميَّز بمقوماتها كأمَّة عظيمة مجيدة تجر وراءها أفضل ما عرف التاريخ من دلائل الحضارة والتقدم ومظاهر الفخار والمجد. ومن ثمَّ فهي تستخدم كل المنابر الدينية والتعليمية والإعلامية والفنية، وكل وسائل صناعة الرأي والتوجيه لتعمل على: إيجاد الفرد المسلم الحر، ثمَّ إيجاد المجتمع المسلم الذي يطبق القيم والأخلاق الإسلامية، وقواعد الحياة الاجتماعية السعيدة. ثمَّ إقامة الحكومة العادلة التي تنشر العدل، وتحفظ الحريات وتحرس القيم، وتنظم العلاقات، وتعتمد على الكفاءات، وتسعى لتحقيق الكفاية، وتحرس وحدة الأمة، وتقبل رقابتها وتحترم إرادتها على كل المستويات. ثمَّ يأتي بعد ذلك الحدود التي هي الضوابط التي تحمي ذلك المجتمع وتلك الأخلاق؛ إذ لا يمكن للمجتمع أي مجتمع أن تنتظم أموره دون ضبط اجتماعي". وإذا كنت التكفيرين يزعمون أنَّهم أول تنظيم أو دولة تقيم أحكام الشريعة الإسلامية، فهو قول مجانب للصواب.

 موانع التكفير:

 1- الجهل: وهو خلو النفس من العلم، فيقول قولاً أو يعتقد اعتقاداً غير عالم بحرمته، كمن يعتقد أن الله غير قادر على حشر الأجساد إذا تفرقت، والسبب وراء ذلك جهله بوجوب الصلاة وقدرة الله جلا وعلا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(كان رجل يسرف على نفسه فلما حضره الموت، قال لبنيه: إذا أنا متُّ فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذروني في الريح، فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا ، فلما مات فعل به ذلك فأمر الله الأرض فقال اجمعي ما فيك منه، ففعلت، فإذا هو قائم، فقال ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب خشيتك فغفر له) البخاري، فهذا رجل جهل قدرة الله جلا وعلا فظن أنه إذا أحرق ونثر رماده في البر والبحر فإن الله لا يقدر على جمعه، ولا شك أن الشك في قدرة الله جلا وعلا، والشك في البعث كفر، ولكنه لما كان جاهلا غفر الله له.

 2- الخطأ: وهو أن يقصد بفعله شيئاً فيصادف فعله غيرَ ما قصد، كمن يريد رمي غزالٍ فيصيب إنساناً، أو كمن يريد رمي كتاب كفر فيرمي كتاب الله جلَّ وعلا، والأدلة على العذر بالخطأ كثيرة منها قوله تعالى:{وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ}الأحزاب:5، ومن الأحاديث المشهورة في العذر بالخطأ، قوله: صلى الله عليه وسلم: 'إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه'.

3- الإكراه: وهو إلزام الغير بما لا يريد، ففي هذه الحالة يكون المكرَه في حلٍّ مما يفعله أو يقوله تلبية لرغبة المكرِه دفعا للأذى عن نفسه أو أهله، وهذا من رحمة الله عز وجل بعباده ولطفه بهم حيث لم يكلفهم ما يشق عليهم ، قال تعالى:{مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} النحل:106، وحتى لا يقع الناس في الكفر، ويرتكبوا المحرمات عند وجود أدنى ضغط أو تهديد فقد ذكر العلماء الشروط التي يتحقق بها وجود وصف الإكراه المعتبر شرعاً وهي:-

 أ- أن يكون التهديد بما يؤذي عادة كالقتل والقطع والحبس والضرب ونحو ذلك.

 ب- أن يكون المكرِه قادراً على تحقيق ما هدد به، لأن الإكراه لا يتحقق إلا بالقدرة، فإن لم يكن قادرا لم يكن للإكراه اعتبار.

 ج- أن يكون المكرَه عاجزاً عن الذب عن نفسه بالهرب أو بالاستغاثة أو المقاومة ونحو ذلك.

 د- أن يغلب على ظن المكرَه وقوع الوعيد، إن لم يفعل ما يطلب منه. فإذا اجتمعت هذه الشروط كان الإكراه معتبراً شرعاً.

 4- التأويل: وهذا المانع من التكفير إنما يختص بأهل الاجتهاد دون غيرهم من المتقولين على الله بالجهل والهوى، وذلك أن المجتهد قد يترك مقتضى نص لنص آخر يراه أقوى منه، كمن اعتقد من الصحابة حل الخمر مستدلاً بقوله تعالى:{لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} المائدة:93 فلما رفع أمرهم إلى عمر بن الخطاب وتشاور الصحابة فيهم، اتفق عمر وعلي وغيرهما من علماء الصحابة رضي الله عنهم على أنهم إن أقروا بالتحريم جلدوا, وإن أصروا على الاستحلال قتلوا. فلم يكفرهم الصحابة رضي الله عنهم من أول وهلة لتأويلهم، بل أجمعوا على أن يبينوا لهم خطأ استدلالهم فإن أصروا قتلوا ردة، فلما استبان للمتأولين خطأ استدلالهم رجعوا وتابوا. والتأويل المعتبر في هذا المقام هو ما كان له وجه في الشرع واللغة العربية، أما إن كان لا يعتمد على شيء من القرائن الشرعية أو اللغوية فهو غير معتبر، كتأويلات الباطنية ونحوهم. تلك هي موانع التكفير، وهي تدلنا على مبلغ حرص الشرع على وجوب التحقق من وقوع الكفر من فاعله، حتى لا يسفك دم معصوم بالتهمة والشك، وفي ذكر هذه الموانع درس لمن يمارسون التكفير دون اعتبار لتوافر شروط التكفير وانتفاء موانعه.

 

 

 

 

 

هل أعجبك الموضوع؟