البريد للتواصل: drsregeb11@gmail.com

قضايا عقائدية

: وسائل غلاة التبديع المداخلة الجامية في موقفهم ممن يبدعونهم ويحكمون بكفرهم



  • نشر في: 17-8-2021م
  • ساعة: 8:58
  • طباعة

 

غلاة التبديع ووسائلهم في التبديع والتكفير وسمات وخصائص أدبياتهم في ذلك

الأستاذ الدكتور صالح حسين الرقب

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة:

 

   إنَّ الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه، ونعوذُ بالله من شُرور أنفُسِنا ومن سيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

مقدمة....

      إنَّ تبديعَ المسلمين والاشتغالَ بالحكمِ على الدُّعاةِ والمصلحين ظاهرةٌ غريبةٌ على منهجِ أهل السنة والجماعة، والواجبُ على العاقل أن يبتعد عن الحكم على المسلمين، وخاصة العلماء والدعاة، وتصنيفهم بحيث يصيرُ كلَّ من خالفَ ما هو عليه مبتدعًا ضالًا خارجًا عن السُّنَّة، إنَّ تبديعَ أبناءِ الإسلام والوقوع في أعراضِ الدعاة والمصلحين ليس من الدين، ولا مصوغٌ له من رأيٍ رشيدٍ أو هدي سديدٍ، لكنْ إذا قال مسلمٌ قولاً باطلاً مجمعًا على بطلانه، فإنَّه يُردُّ عليه قوله هذا، وإذا غلب شرُه خيرَه فإنَّه يحذرُ ويحذرُ منه، لكنْ أينَ هذا ممَّا يفعله المداخلة والجامية من تجريحِ من خالفهم، والخوض في أعراضهم والدخول في نياتهم ومقاصدهم، ثمَّ الحكمُ عليهم بالبدعة والضلالة ومنابذة السنة، وأحيانا بالتكفير.([1])

     ولم يسلمْ منهم أحدٌ، وممن تكلموا فيه: الشيخُ بنُ باز، فقد تكلّمَ فيهِ ربيعٌ المدخلي وانتقصهُ، والشيخُ الألبانيُّ، وقد تكلّمَ فيهِ ربيعٌ المدخلي وقالَ عنهُ سلفيّتُنا خيرٌ من سلفيّةِ الألبانيِّ، والشيخُ الدكتور عبد الله بنُ جبرين، الشيخُ بكرٌ أبو زيدٍ، والشيخُ عبد اللهِ الغُنيمانُ، والشيخُ عبد المحسن العبّادِ،  والشيخَ عبد الرحمن البرّاكِ، والدكتورَ جعفر شيخ إدريسَ. والشيخ محمد المنجّد، وإبراهيم الدويّش، وعلي عبد الخالق القرنيَّ، والمحدث عبد الله السعد، وسعد الحميّد، والدكتور عبد الرحمن المحمود، والدكتور محمّد العريفي، وبشر البشر، والشيخ سليمان العلوان، والدكتور سفر الحوالي، والدكتور سلمان العودة، والدكتور ناصر العمر، عايض القرني، والدكتور سعيد بن مسفر، والدكتور عوض القرني، والدكتور موسى القرني، والدكتور محمد بن عبد الله الدويش، عبد الله الجلالي، والشيخ محمد الشنقيطي، والشيخ أحمد القطان، والأستاذ محمد قطب، والشيخ عبد المجيد الزنداني، والشيخ عبد الرحمن عبد الخالق، والشيخ الدكتور عبد الرزّاق الشايجي، وغيرهم.

    ولو حلف أمرؤٌ باللهِ العظيم على أنَّهم أسقطوا كلِّ من خالفهم، لكان صادقا وما كان حاثناً في يمينه، فجميعُ الدعاةِ والمشايخ ِ والعلماءِ، ممّن لم يدِنْ بدعوتهم، أو يسلكْ طريقهم، فإنّهُ من المبتدعةِ، ويجبُ هجرهُ وإسقاطهُ. وهنا يطرح الواحد منا سؤالاً: هل يوجدُ على مرِّ تاريخ ِ الحركاتِ الإسلاميّةِ أو الجماعات الإسلاميّةِ، أو سنواتِ المدِّ الإسلاميِّ، أن قامتْ مجموعة محسوبة على العلم الشرعي بتسفيهِ جميع ِ أهل ِ العلم، والتنفير ِ منهم، وتحريم ِ الجلوس ِ إليهم، مثلَ ما فعلَ هؤلاءِ الجهلة!، وإذا كانَ جميعُ الدعاةِ والهُداةِ والمُصلحينَ مُبتدعة، فمن يبقى إذاً يقودُ الأمّة.([2])

    إنَّ غلاة التبديع والتكفير أصبحوا من الشخصيات البارزة والمتميزة، في البلدان التي ظهروا فيها، وصار إنتاجهم الفكري إن جاز التعبير جدير بالاهتمام من الباحثين ومن العلماء الذين يعتد بهم لما فيه من مخالفات للمنهج العلمي الصحيح، ولأثاره السلبية في المجتمعات الإسلامية خاصة على فئة الشباب. حيث انتشر بينهم التكفير والتفسيق لعلماء الأمة وللحركات الإسلامية العاملة للإسلام. وإنَّ من حق أبناء الأمة المسلمة أن يتعرفوا على سقائم وضلالات غلاة التبديع، فلا يقعوا فيما وقعوا فيه، وكي تسلم عقيدتهم من هذه السقائم وتسلم قلوبهم من الحقد والغل. "وخاصة أراد الشيخ ربيع أن يصرف شباب الإسلام عن اتباع الجماعات الإسلامية، والدعاة والمصلحين، اخترع أصلاً آخر من أصوله وهو أن كل من وقع في بدعة وجب وصفه بالمبتدع، وأن كل مبتدع يجب هجره، ولا يجوز الاستفادة من علمه، ولا دعوته، ولا جهاده!! وراح يستدلُّ لهذا الأصل باطلاً من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة، وخرجَ على النَّاس بكتابَهَ الذي سمَّاه (منهج أهل السنة والجماعة في نقد الرجال والكتب والطوائف)".([3])



[1]- تجريح الدعاة والناس والحكم عليهم بالبدعة والضلالة.. رؤية شرعية: موقع إسلام ويب- قسم الفتاوي، الخميس 11 ذو القعدة 1438هـ /3-8-2017م، https://www.islamweb.net/ar/fatwa.

[2]- فضائح الجامية المداخلة أبادهم الله،  فضائح الجامية المداخلة أبادهم الله Emptyالأحد 2/ سبتمبر/2018م.

[3]- الرد الوجيز على ربيع المدخلي: عبد الرحمن بن عبد الخالق اليوسف ص 6.

وسائل غلاة التبديع المداخلة الجامية في موقفهم ممن يبدعونهم ويحكمون بكفرهم:

1- استغلال امتلاكم امتيازات داخل المؤسسات التعليمية وفي المساجد والمؤسسات المعنية بالشؤون الدينية، في البلاد التي تُقرِّبُهم كونها تخدمُ مخططاتِهم في النَّيلِ من الدعوة الإسلامية والعلماء الذين لا يسايرون النظام الظالم في مخططاته، ويتمُّ تمكينُ غلاةِ التبديع والتكفير في تلك المؤسسات العلمية والدعوية، وهذا ما سهل لهم من نشرِ باطلِهم، وتجريحِ وذم العلماء والدعاة والحركات الإسلامية.

      وقد أشارت ورقات بحثية أن هذا الفكر المدخلي دخيل على أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولم يعرف تاريخ المسلمين له نظيرا، حيث أن المنتمين لهذا المذهب المحدث يقومون بالبحث في أشرطة العلماء والدعاة، ويتصيدون المتشابه من كلامهم وما يحتمل الوجه والوجهين، ثم يجمعون ذلك في نسق واحد، ويشهرون بالشخصية المستهدفة ويفضحونها، محاولين بذلك إسقاطها وهدرها. ومن خلال الدعم المقدم لهم إقليميا ودوليا؛ فقد استطاعوا في بداية نشوء مذهبهم جذب كثير من الشباب وشغلهم بالقيل والقال، والتهام لحوم العلماء والدعاة، كما تمكنوا أيضا من تحقيق الأهداف المسطرة لهم استراتيجيا.([1])

2- التواجد في الأماكن التي أقيل منها أو غادرها العلماء والأساتذة المحسوبون على الجماعات الإسلامية الأخرى، فمثلاً هذا ما مكَّن المداخلة من إحكام القبضة على الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، التي تولى عمادة كلية الحديث بها الشيخ الجامي نفسه حتى وفاته، وكان المدخلي أحد مدرسيها.  

3- رفع التقارير الأمنية الكيدية عن التيارات الإسلامية التي يعد أشهرها التقرير المعنون: "التنظيم السري العالمي بين التخطيط والتطبيق في المملكة العربية السعودية" الذي رفعه المداخلة منتصف التسعينيات من القرن الماضي إلى السلطات السعودية، وفصّلوا فيه ما يقولون إنه ممارسات للإخوان المسلمين مرتبطة بخطة عالمية لتغيير النظام الحاكم، ويوصي التقرير بأن "السلطات السعودية لابد أن تتحرك بأسرع وقت ممكن، لوضع حد لأنشطة المنظمة المذكورة، وقد أعقبت هذا التقرير حملات شنَّتها السلطات السعودية على الدعاة والعلماء المحسوبين على تيار الصحوة الإسلامية في المملكة، ثم زجت بكثير منهم في السجون، وحظرت أنشطة كثير منهم".([2])

4- استغلال الأجهزة الأمنية والاستخباراتية لغلاة التبديع والتكفير، وبيان ذلك أنَّ أهم ما يربط غلاة التبديع والتكفير بالأنظمة العربية العلاقات الأمنية والاستخباراتية، وإخلاء هذه الأجهزة الساحة للمداخلة للعمل الديني بعد إزاحة الحركات الإسلامية، فالمنفعة متبادلة بين المداخلة والأنظمة العربية، وقد أثبت المداخلة أنهم استثمار جيد للأنظمة. ففي السعودية لعبوا دوراً مهماً في إضعاف تيار الصحوة (الذي كان مستقلاً أو شبه معارض)، ولكن في ليبيا كان دورهم أوضح أكثر من أي بلد عربي، فقد أثبتوا أنهم المقاتلون الأكثر حماسة في دعم العقيد المنشق حفتر لدرجة صعوبة ضبطهم، ووقف جرائمهم وتهديداتهم التي امتدت حتى إلى تونس المجاورة. ([3])

    يقول العجيلي العجيلي: "وجدير بنا ها هنا التذكير أن وثائق مراكز الدراسات الغربية شددت على تعاون أجهزة الاستخبارات مع حاملي الفكر المدخلي، ودعمهم وفتح الباب أمامهم، لأنهم يقومون بنفس الدور الذي كانت تقوم به بعض الفِرَق الضالة الموالية للاحتلال، ويقفون حجر عثرة أمام الحركات الإسلامية برُمتها".([4])

    وقد اعترف طارق حجي  الكاتب والمفكر الليبرالي  المصري بذلك فقال: "حبيب العادلي أكد لي أنَّه قد جنَّد جيشا من السلفيين لمواجهة الإخوان المسلمين".

   يقول الأستاذ نبيل غزال: "وجدير بنا ها هنا التذكير أن وثائق مراكز الدراسات الغربية شددت على تعاون أجهزة الاستخبارات مع حاملي الفكر المدخلي، ودعمهم وفتح الباب أمامهم، لأنهم يقومون بنفس الدور الذي كانت تقوم به بعض الفرق الصوفية الموالية للاحتلال، ويقفون حجر عثرة أمام الحركات الإسلامية برمتها... ولا مكانة لديهم لباقي العلماء لأنَّهم بالنسبة لهم ضالون مبتدعون مارقون".([5])

    ولفت الدكتور سعيد بن ناصر الغامدي إلى أنَّ أجهزة القمع العربية استفادت من غلاة التبديع والتكفير منذ مدة طويلة، ففي زمن خالد نزار، (رابع رئيس أركان للجيش الجزائري، وكان أحد مؤيدي الانقلاب على نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في ديسمبر1991م) إبان سنوات العشرية الجزائرية، تم التنسيق لتدريس بعض رجال المخابرات الجزائرية في جامعات إسلامية، ليتخرجوا بعد ذلك مفتين وخطباء، همهم الأكبر هو القضاء على أي حراك إسلامي ومستقل ومؤثر في الشارع."

     وأردف: "وانتقلت خبرات رجال المخابرات إلى بلدان عربية عديدة، وفُتحت لهم القنوات، وطبعت لهم الكتب، وتم توظيفهم في وظائف شرعية كالخطابة والإمامة والوعظ والفتوى والتدريس في الجامعات". وتوقع الغامدي أنه: "بمجرد أن تزول الأنظمة القمعية، فإن ظاهرة الجامية المداخلة ستزول تبعا لذلك مباشرة، كما حصل لجامية ليبيا أيام القذافي وابنه سيف، فقد تلاشوا بسقوط النظام الذي استعملهم، ثم عادوا مع حفتر، وكذلك هم في جنوب اليمن، حيث كانوا يعملون مخبرين لصالح علي عبد الله صالح، ثم مع الحرب تحولوا إلى مليشيات خطف واغتيال تابعين للإمارات".([6])

5- إنَّهم يدَّعونَ التَّتلمذَ على كبار العلماء ثم بعد ذلك يعيبون عليهم، فإذا تكلَّم أحد من المداخلة الجامية في درسٍ أو محاضرةٍ، تراه فجأة يقول: رحم الله شيخَنا ابن باز، أو رحمَ الله شيخنا ابن عثيمين، حتى يوهم السامع أنه كان ملازما لهؤلاء العلماء الأجلاء الفضلاء، وقد تجدُ أن هذا الشخص لم يقرأ حتى متن واحد عند هؤلاء العلماء الأجلاء. مع  العلم أنَّ ربيع المدخلي الذي قال عنه أتباعه أنه يحمل لواء الجرح والتعديل لم يترك أحداً من علماء الإسلام إلاَّ بدَّعه أو عابَه وسبَّه وشتمَه، حتَّی مشايخ الإسلام العظام: كالشيخ ابن باز والألباني وابن عثيمين، وكل الذين مدحهم ممن كان يوافقه الرأي يومًا عادَ وكرَّ عليه بالتبديع والتفسيق".([7])

6- من أساليب غلاة التبديع والتكفير الماكرة: إنهم يدخلون أسماء شيوخهم ورموزهم مع کبار علماء الأمة، حتَّى يتوهم السامع أو القارئ لكتاباتهم ومحاضراتهم أنَّهم في نفس منزلة هؤلاء العلماء السلفيين، فتجد أحدُ غلاة التبديع والتكفير يقول في مسألةٍ ما: هذا رأيُ العلامة الشيخ عبد العزيز ابن باز، أو رأي العلامة محمد بن صالح العثيمين، أو رأي الشيخ الدكتور صالح بن عبد الله الفوزان، أو رأي الشيخ صالح بن محمد اللحيدان، أو رأي الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، ثم يلصقون رأي فلان وفلان من شيوخهم، وذلك حتى يخدعوا الناس، فالناس عندما يسمعون أو يقرأون أسماء هؤلاء الأعلام، وأسماء شيوخ الجامية، يظنون أنَّهم على نفس المنهج والمرتبة، وهذا نوع من المكر والتدليس والخداع، حيث يمكنهم من إلصاق انحرافهم المنهجي والسلوكي ببعض علماء الدعوة السلفية.

   مع العلم أن هؤلاء العلماء بعيدون كل البعد عن غلو الفكر المدخلي وتطرفه، ومنهجية تعاملهم مع الجماعات الإسلامية الفاعلة مناقضة تماما لما عليه غلاة التبديع من المداخلة من أتباع "ربيع" و"رسلان" و"الرضواني" وغيرهم، كما أن نظرتهم لتغيرات الواقع وحراك الشعوب لا علاقة له من قريب أو بعيد بما عليه تلك الطائفة.

     ولبيان هذه الحقيقة نذكر مثالاً لبعض أقوالهم ومواقفهم اتجاه الجماعات التي تقوم المداخلة بشيطنتهم.

أ- موقف الشيخ عبد العزيز ابن باز من جماعة التبليغ: "فأخبركم أنني لا زلت على رأيي في الجماعة المذكورة فيما كتبته عنهم قديماً وحديثاً من الكتابات الكثيرة، وما كتبه سلفي شيخنا الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ قدس الله روحه ونور ضريحه، وما كتبه غيرنا من العلماء وأيده جلالة الملك عبدالعزيز رحمه الله وجلالة الملك فهد وفقه الله فيما كتبه إلي لأنهم قد نفع الله بهم جمعاً غفيراً فالواجب شكرهم على عملهم وتشجيعهم وتنبيههم على ما قد يخفى عليهم وذلك من باب التعاون على البر والتقوى والتناصح بين المسلمين إلاَّ أنِّي أنصحهم وجميع المسلمين لا سيما الشباب، أنْ لا يسافرَ منهم إلى بلاد الكفار إلاَّ أهل العلم والبصيرة لما في ذلك من الخطر العظيم على كل من ليس له علم بالشريعة الإسلامية والعقيدة الصحيحة التي بعث الله بها نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم، ودرج عليها سلف الأمة أمَّا ما نسبه المعارضون لهم عني من الرجوع عن رأيي فيهم فهو كذب علي بل إني نصحتهم ووبختهم على عملهم".

    وكان الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله قد أصدر مجموعة من الفتاوى في هذه الجماعة، وأراد هؤلاء المحاربون لكل عمل إسلامي أن يلبسوا على الناس، فادعوا أن الشيخ تراجع عن موقفه في تأييد جماعة التبليغ، والنصح لهم، فقال الشيخ بعد سؤاله هل تراجع عن فتاويه السابقة؟.([8])

ب- قال الشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني لمَّا سئل عن حسن البنا - إمام جماعة الإخوان-: "حينما كانت مجلة (الإخوان المسلمون) تصدر في القاهرة، كان الأستاذ سيد سابق بدأ ينشر مقالات له في فقه السُّنَّة، هذه المقالات التي أصبحت بعد ذلك كتابًا ينتفع فيه المسلمون الذين يتبنَّون نهجنا من السير في الفقه الإسلامي على الكتاب والسنة، هذه المقالات التي صارت فيما بعد كتاب (فقه السنة) لسيد سابق، كنتُ بدأت في الاطِّلاع عليها، وهي لمّا تُجمع في الكتاب، وبدت لي بعض الملاحظات، فكتبتُ إلى المجلة هذه الملاحظات، وطلبتُ منهم أن ينشروها فتفضلوا، وليس هذا فقط؛ بل جاءني كتاب تشجيع من الشيخ حسن البنا رحمه الله. وكم أنا آسَف أن هذا الكتاب ضاع مني ولا أدري أين بقي! ثم نحن دائمًا نتحدث بالنسبة لحسن البنا رحمه الله فأقولُ أمام إخواني وأمام جميع المسلمين: لو لم يكن للشيخ حسن البنا رحمه الله من الفضل على الشباب المسلم سوى أنه أخرجهم من دور الملاهي في السينمات ونحو ذلك والمقاهي، وكتَّلهم وجمَّعهم على دعوة واحدة، ألا وهي دعوة الإسلام؛ لو لم يكن له من الفضل إلا هذا لكفاه فضلاً وشرفًا. هذا نقوله معتقدين، لا مرائين، ولا مداهنين".

ج- يقول الشيح الدكتور عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين: "ربيع المدخلي ليس هو مقبول الكلام في الجرح والتعديل؛ فإن له أخطاء في كتبه تدلُّ على جهله أو تجاهله بما يقول!!! وله مؤلفاتٌ يطعن فيها على الكثير من الدعاة والعلماء المشاهير، ومنهم عدنان العرعور الذي هو من علماء أهل السنة، ولا نعلم عنه إلا خيرًا، ولا نزكي على الله أحدًا. وقد ذكر أهل العلم أنه لا يجوز قبول المطاعن من أهل الزمان المتقارب إذا كان بينهما منافسة كما حصل بين ابن إسحاق ومالك بن أنس وبين ابن حَجَر والْعِيني وبين السخاوي والسيوطي وأمثالهم، فلا يُقبل قول بعضهم في بعض، وعلينا أن نسعى في الإصلاح بينهم، والله الموفق. والله أعلم".([9])

د- لقد دافع الشيخ اللحيدان الرئيس السابق للمجلس الأعلى للقضاء السعودي عن حركة المقاومة الإسلامية حماس وعن زعيمها الشيخ أحمد ياسين رحمه الله فقال: "من لم يفعل فعل أولئك لا يحق أن ينتقصهم"، وقال: اشتهر عنه - أي الشيخ ياسين- الخير والثبات وإغاظة اليهود ومن وراءهم، وقد قُتل قتلةً بشعةً أسألُ الله أن يجعلَه في عليين، وتنقُّصهم هو ومن يقاتلُ اليهودَ لا يدلُّ على خيرٍ من المنتقص، وإنَّما يدلُّ على جهلٍ بالحقائق أو عن هوى، والمسلم ينبغي أن يتجنب هذا وهذا"...([10])

ثالثًا: سمات وخصائص أدبيات المداخلة الجامية  في التضليل والتبديع للمخالفين:

     إنَّ أدبيات المداخلةِ الجاميةِ أهلِ التَّبديعِ والتَّفسيقِ لها سمات وخصائص معروفةٌ مشهورةٌ؛ بينَّها عددٌ من العلماء المعاصرين، وقد فصَّل القولَ فيها الشيخ أبو الحسن مصطفى السليماني، وهو يُعدُّ من الباحثين المتخصصين في مجال الفرق، وله مؤلفٌ كبيرٌ يقع في مجلدين كشف فيه منهج غلاة التبديع المنتسبين للسلفية (زورًا وبهتانًا)، وبين جملةً من أصولهم وقواعدهم التي يعلنون عنها تارةً بلسانِ المقالِ، وتارةً بلسانِ الحَالِ.([11])

     ونذكر هنا بعضاً من هذه السمات والخصائص، من خلال متابعتنا لبعض أدبيات القوم ومن خلال ما ذكره أهل العلم المطلعين على أدبيات المداخلة الجامية، وما تميَّزت به من سمات وخصائص:-

1- التناقض بين منهجهم الدعوي وموقفهم من العلماء العاملين:

أ- مناقضة الشيخ ربيع المدخلي في منهجه الدعوي: حيث يهاجم العلماء العاملين ويفسقهم أو يبدعهم، وفي نفس الوقت ينصح الشباب المسلم بالرفق واللين في تعاملهم مع المخالفين، ويحذرهم من المسلك الذي يهلككم ويهلك الدعوة السلفية. ففي رسالته بعنوان (الحثُّ على المودة والائتلاف والتحذير من الفُرقة والاختلاف) التي يَنصحُ فيها الشَّبابَ المسلمَ في الجزائر قال ربيع المدخلي: "أقول عليكم بالرفق، عليكم باللين، عليكم بالتآخي، عليكم بالتراحم، الآن يعني هذه الشدة توجهت إلى أهل السنة أنفسهم، تركوا أهل البدع واتجهوا إلى أهل السنة بهذه الشدة المهلكة، وتخللها ظلم وأحكام باطلة ظالمة، فإياكم ثم إياكم أن تسلكوا هذا المسلك الذي يهلككم ويهلك الدعوة السلفية ويهلك أهلها، أدعُ إلى الله بكل ما تستطيع، بالحجة والبرهان في كل مكان، قال الله، قال رسول الله، وتستعين بعد ذلك بعد الله بكلام أئمة الهدى الذين يُسلِّم بإمامتهم ومنزلتهم في الإسلام أهل السنة".([12])

ب- يقول ربيع المدخلي في كتابه "منهاج الأنبياء" صفحة 139: "رحم الله سيد قطب لقد نفذَ من دراسته إلى عين الحقيقة والصَّواب، ويجب على الحركات الإسلامية أن تستفيدَ من هذا التقرير الواعي الذي انتهى إليه سيد قطب عند آخر لحظة من حياته، لقد وصل في تقريره إلى عين منهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام". وبما أن المداخلة يكذبون ونحن نعلم أنهم يكذبون، وهم يعلمون أنهم كاذبون، فهذا الكلام الذي كتبه ربيع المدخلي في الطبعة الأولى من كتابه (منهاج الأنبياء سنة 1985م) قام بحذفه في الطبعات الأخرى.

     فإنْ كان الثناءُ على الشهيد سيد قطب هو سببٌ لإسقاط الدعاة والمشايخ فمن باب أولى أنَّ يتم إسقاط ربيع المدخلي نفسَه، مع العلم أن كثير من الحكومات الإسلامية أنكرت على الحاكم الظالم المجرم جمال عبد الناصر إعدامه لسيد قطب، بما فيها حكومة المملكة العربية السعودية، كما أنكر هذه الجريمة علماءُ السعودية، وجمعية العلماء المسلمين في الجزائر.

     وإذا كان مدح سيد قطب والصوفية والأشاعرة يعتبر ضلالاً - لانحرافهم في العقيدة-  ويستدعي التوبة لدى غلاة التبديع - ومنهم الجامية المداخلة- فمن باب أولى أن يتوبوا هم من دعمهم للإرهابي العلماني المحارب للشريعة الإسلامية المدعو العقيد المنشق خليفة حفتر في ليبيا، ومعلوم أنَّ انحرافَه العقدي أكبرُ بكثيرٍ ممن يبدعونهم ويكفرونهم، كما أنَّ خليفة حفتر يُعدُّ من الخوارج وفق ميزان المداخلة أنفسهم كونه انشق عن النظام القائم، فكيف يدعمه المداخلة وهو خارجيٌ على أصولهم؟.([13])

ج- لقد طعن المداخلة وعلى رأسهم ربيع المدخلي في العلماء وغيرهم ممَّن حضروا ما يسمى بمؤتمر "حوار الأديان"،([14]) فالشيخ ربيع المدخلي يرى أنَّ الدعوة إلى (حوار الأديان)، والتي هي عندَهُ تُساوِي: - وحدة الأديان- هي دعوة إلى الكفر والردة عن الإسلام، وحكم على إمام مسجد كان يدعو إلى التقريب بين الأديان بالكُفرِ الأكبر! فعلى هذا الأصل: يكون ولي أمره قد أتى بالكفر الأكبر المخرج عن الملة، والموجب للردة حسب موقفه، فهل يستطيع أن يكفَّر وليّ أمرهِ، كما كفّر إمام الصلاة؟!!، حيث قال في فتاوى في العقيدة والمنهج - الحلقة الثانية : -السؤال: عندنا إمام في مدينتنا يدعو إلى تقارب الأديان؟ الجواب: إذا استطعتم أن تطردوه من هذا المسجد فاطردوه، الذي يدعو إلى وحدة الأديان كافر، أكفر من اليهود والنصارى"!. ففي هذا النصِّ تكفيرٌ (عينيٌّ) للإمامِ المَذكور؟!.

    فقد قال في (مجموع الكتب والمؤلفات، 10/57-58): "ولطوائفَ منهم مشاركات في مؤتمرات وحدة الأديان وحوار الأديان، فلا حول ولا قوة إلا باللَّه، والحديث عن مؤتمرات وحدة الأديان وحوار الأديان يطول"! وقال في نفس المصدر (1/116): "السِّياسة التي تؤدي بأهلها إلى وحدة الأديان والمصالحات مع كلِّ المِلل والنِّحل؛ بدءًا من هذا الإلحاد الصُّوفي الرَّافضي، وينتهي بأُخَوَّة الأديان الأخرى! هذا مآل الدَّعوات السِّياسية الآن وتُسَمَّى الآن بحوار الأديان! وعُقِدت مؤتمرات لوحدة الأديان باسم الإسلام"!.  وقال في مقال (الذب عن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم) : "لقد سرد لنا الدكتور في هذا التصريح الموجز عدداً من العبارات التي يطلقها كثير من المفكرين الذين يدعون أهل الديانات إلى وحدة الأديان؛ ألا وهي: (الحوار بين الأديان، التقارب بين الأديان، الديانات السماوية ، الديانات ومقدساتها ، حرية الاعتقاد ، ولهم عبارات أخرى لم يذكرها الدكتور)". وقال في (فتاوى فقهية متنوعة -الحلقة الأولى- ): "إنّ هناك دعوة قوية الآن إلى وحدة الأديان، والوسيلة إليها ما يسمونه: حوار الأديان.... ويترأس المؤسسات في الغرب -لهم- مؤسسات في أمريكا وغيرها ودعاة ومبشرون يكيدون للإسلام، ويضحكون على المسلمين بالحوار بين الأديان"!

   وقال في مقاله الأخير (... الجهل والخبال...): "ثم تمادوا في باطلهم حتى وصل بهم الأمر إلى الدفاع عن أهل وحدة الأديان وأخوة الأديان وحرية الأديان ومساواة الأديان...الخ"!. وقال في (فتاوى في العقيدة والمنهج» - الحلقة الأولى-): "نفس نظرية زويمر ينفذونها؛ الدعوة إلى حوار الأديان ووحدة الأديان إلى آخره يريدون أن يخرج المسلمون من الإسلام، ويذهبون إلى أيّ دين!".

2- الغلو في التبديع والتفسيق والتأثيم:

    لقد عرف المنتمون لهذه الفرقة بـالغلو في التبديع والتفسيق والتأثيم، بل والغلو أيضًا في التكفير، فترى من سلك هذا المسلك يتهم الأبرياء بالابتداع في الدين، وينسب له بدعًا كبرى، ويرمي بالأحكام الجائرة الفظة على من لا يستحق ذلك، بل ربما رموا بذلك من هو أولى بالحق منهم، ومن هو أهدى سبيلاً، وأقوم قيلاً، ويضع شيخ هذه الطائفة القاعدة، ثمَّ لا يجرؤ على العمل بمقتضاها -أحياناً- ويأتي غيره ممن هو أكثر جرأة، وأقل علماً وورعاً؛ فيعمل بمقتضى ذلك، فيكفر المسلمين، وفيهم السني البريء، ومنهم المبتدع الجاهل، ومنهم المبتدع المتبصر، ومعلوم ما ورد في ذم تكفير مسلم أو لعنته بغير حق.  

    وبهذا يتبينُ لنا أنَّ منهجَ المداخلة أهل التبديع والتكفير في التعامل مع الجماعات الإسلامية وبعض العلماء لا يختلف كثيرًا عن منهج ما يسمى بالدولة الإسلامية "داعش" التكفيري، فقد مارست التكفير لمعظم التنظيمات الإسلامية المقاتلة ضد النظام السوري، كتكفير جبهة النصرة، وأحرار الشام، وتكفير حركة الإخوان المسلمين كبرى الحركات الإسلامية في العالم المعاصر، وتكفير حركة المقاومة الإسلامية "حماس". وكفَّرت داعش فصائل المجلس السياسي للمقاومة العراقية، التي تضم الجيش الإسلامي في العراق، وجماعة أنصار السنة، والهيئة الشرعية، والجبهة الإسلامية للمقاومة العراقية (جامع)، وحركة المقاومة الإسلامية (حماس- العراق)، بل ووصفت داعش المجلس السياسي للمقاومة العراقية بالعمالة والردّة. ([15])

    ونذكر هنا موقف بعض أهل العلم من غلاة الغلو في التبديع والتفسيق والتأثيم، يقول الشيخ  الدكتور عبد الله ابن جبرين: "وأمَّا ربيع المدخلي والشيخ النجمي- أحمد بن يحيى النجمي- فإنَّهما من العلماء السلفيين إن شاء الله، ولكن قد ظهر منهما شيء من المخالفة لبعض المشايخ، فأظهرا الطعن في الإخوان المسلمين بـ مصر رغم أنهما قبل عشر سنين أو خمس عشرة سنة كانوا من الذين يمدحون الإخوان المسلمين، ويترحمون عليهم، فنقول: إن الواجب على الجميع النصيحة لمن يخالفه، والاشتغال بانتقاد الكثير من المبتدعة الأحياء كـابن علوي، وكذا التحذير من دعاة البدع كالرافضة والمعطلة، وعدم الاشتغال بالبحث عن أخطاء أولئك الذين ماتوا بعد أن قاموا بالدعوة إلى الله تعالى وهدى الله على أيديهم خلقًا كثيرًا في مصر وغيرها.

    ويقول أيضا: "ولا شكَّ أنَّ الذين يقدحون في علماء الدين ويتتبعون الهفوات فيجعلون من الحبَّةِ قُبَّةً أنَّهم بعيدونَ من الصواب فلا يَغتَّر بهم، فالواجب أن يسمع من العلماء، وإذا رُئِيَ منهم شيءٌ من الخطأ فإنَّهم يُعذَرون لأنَّهم مجتهدون، والمجتهد له أجرُ على اجتهاده، لحوم العلماء مسمومة، والطعن فيهم طعن في العلم الذي هو ميراث الأنبياء، وهكذا يُقالُ في الشيخ بكر أبي زيد فإنَّه من المعروفين بالعلم الصحيح والتحقيق في المعلومات، وقد نفع الله تعالى بكتبه، ولا عبرة بمن خَطَّأَه في بعض رسائله، فإنَّ أولئك الطاعنين هم من أهل الفساد والميل إلى المعاصي، والدعاة إلى تبرج النساء، وإلى الاختلاط بين الجنسين، وهدفهم أن يشبعوا غرائزهم من فعل الفواحش ونيل المشتهيات، ونقول: متى سمعت السبَّ والعيبَ لعلماء الدِّين، فعليكَ أنْ تُناقشَهم، وتجعلَ المرجعَ كتاب الله، وتفسيره للعلماء المتقدمين كـعبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وابن كثير وكذلك صحيح البخاري ومسلم والسنن الأربعة وشروحها، فإنَّ الذين يتحاكمون إليها هم أهل السنة، والذين يطعنون فيها هم أهل البدع".([16])

      ويقول الشيخ  الدكتور عبد الرزاق بن خليفة الشايجي- أستاذ الحديث في كلية الشريعة في جامعة الكويت-: "الأصل الأول من أصولهم :خوارج مع الدعاة مرجئة مع الحكام، رافضة مع الجماعات، قدرية مع اليهود والنصارى والكفار ...هذه المجموعة التي اتخذت التجريح دينا، وجمع مثالب الصالحين منهجا... جمعوا شر ما عند الفرق .فهم مع الدعاة إلى الله خوارج يكفرونهم بالخطأ ويخرجونهم من الإسلام بالمعصية، ويستحلون دمهم ويوجبون قتلهم وقتالهم .وأما مع الحكام فهم مرجئة يكتفون منهم بإسلام اللسان ولا يلزمونهم بالعمل، فالعمل عندهم بالنسبة للحاكم خارج عن مسمى الإيمان .وأما مع الجماعات فقد انتهجوا معهم نهج الرافضة مع الصحابة وأهل السنة، فإن الرافضة جمعوا ما ظنوه أخطاء وقع فيها الصحابة الكرام ورموهم جميعا بها، وجمعوا زلات علماء أهل السنة وسقطاتهم واتهموا الجميع بها .وهم مع الكفار من اليهود والنصارى قدرية جبرية يرون أنه لا مفر من تسلطهم ولا حيلة للمسلمين في دفعهم، وأن كل حركة وجهاد لدفع الكفار عن صدر أمة الإسلام فمصيره الإخفاق، ولذلك فلا جهاد حتى يخرج الإمام !!فوا عجبا كيف جمع هؤلاء بدع هذه الفرق؟!"!!. ([17])

    ويقول الشيخ عبد الرزاق الشايجي: "قولكم يا شيخ ربيع : "إن سيد قطب ما ترك بدعة إلا واحتواها، ولا أصلاً من أصول الإسلام إلا وهدمه(، هذا القولُ يا شيخ ربيع يمثل تماماً منهج التَّعدِّي والظلم واتهام الناس بالباطل، فلا شكَّ أنَّ سيدَ قطب رحمه الله كان يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، ويؤمن برسل الله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الأخر، ويؤمن بالقدر خيره وشره من الله تعالى، وكان يقيم الصلاة، ويرى وجوب الزكاة، والصوم، والحج، ويرى وجوب الصدق والأمانة، ولا يُكذِّبُ بشعبة من شعب الإيمان السبعين، وإن كانت له أقوال أخطأ فيها، فإنَّها لا تهدمُ هذه الأصول التي كان يؤمن بها وينشرها .. فكيف يقال في مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر ويدعو إلى الكتاب والسنة، أنَّه لم يتركْ بدعةً إلاَّ واحتواها، ولا أصلاً للإسلام إلاَّ وهدَمه. إنَّ هذا الحكم الذي أطلقتموه يا فضيلة الشيخ على سيد قطب رحمه الله يمثل انحراف المنهج الذي تسيرون عليه في الحكم على الناس واخراجهم من الإسلام، وتكفيرهم وتبديعهم، ولا أظن أن هناك كفر بعد أن يكون الشخص لم يترك أصلاً للإسلام إلا وهدمه، ولا بدعة إلاَّ احتواها، وهل هذا التكفير تكفير، إنَّ إبليسَ نفسُه وهو رأس الكفر لا يقال عنه أنه لم يترك أصلاً للإسلام إلا وهدمه، لأنه كان يعتقد باليوم الآخر {قال انظرني إلى يوم يبعثون} وكان يعتقد بقوة الله وقدرته {فبعزتك لأغوينهم أجمعين} فكيف يقال في مسلم صالح مجاهد، قتل صبراً في سبيل الله، ودفاعاً عن دينه أنه لم يترك بدعة إلا واحتواها، ولا ترك أصلاً للإسلام إلا وهدم !! هل هذا هو "منهج أهل السنة والجماعة في نقد الرجال والكتب والطوائف" الذي ادعيتموه يا شيخ ربيع، وكتبتم فيه ، ودعوتم إليه. لا شك أن هذا المنهج الذي يقوم على الظلم وتكفير المسلمين هو منهج الخوارج في تكفير المسلم بل إن الخوارج لم يقولوا مثل هذا في الذين يكفرونهم، وهذا يوضح جلياً الأصل الأول الذي ذكرناه عن الطائفة التي أدخلت في السلفية ما ليس فيها، أنهم خوارج مع الدعاة... مرجئة مع الحكام... رافضة مع الجماعات... قدرية مع اليهود والنصارى والكفار. ولا شك أن منهجكم يا شيخ ربيع في نقد الدعاة والجمعات، والحكم على الناس ليس هو منهج أهل السنة والجماعة... فإنَّ أهل السنة كانوا أرحم الناس بالمخالفين فإنهم لم يكفروا الخوارج، ولا المتأولين في الصفات، ولم يتهموا الناس بالباطل... وكان نقدهم ووزنهم للناس كموازين الذهب يزنون بمثقال الذرة في الخير والشر... وإذا كان مثل سيد قطب رحمه الله يقال فيه هكذا (لم يترك بدعة إلا واحتواها، ولا أصلاً للإسلام إلا وهدمه) فكيف بمن هو دون سيد قطب رحمه الله إن هذا يجرئ - وقد جرَّأَ فعلًا - صِغارً الطُلاَّبِ الذين سمعوا هذا الكلام مسجلاً منكم يا شيخ ربيع في الحكم على المسلمين وتكفيرهم، وتبديعهم، وتضليلهم بأدنى الأسباب . إني أقول للشيخ ربيع - وهو أستاذ في الحديث ويعلم مناهج المحدثين في الجرح والتعديل- لقد أفسدت منهج أهل الحديث في النقد، وجعلت الجرح بالهوى والتعصب والمبالغة، والظلم والتعدي . إني يا فضيلة الشيخ أخاف عليكم من تحمل إثم كل الذين تجرئ ألسنتهم اليوم بتكفير سيد قطب رحمه الله ولعنه، وتضليله، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ومن لعن مؤمناً فهو كقتله"، "لا ينبغي لصديق أن يكون لعاناً"، "ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذئ". لقد اسمتع إلى كلامكم هذا في سيد قطب صغار طلاب "العلم" وراحوا يبدعونه ويلعنونه، ولا شك أنك ستتحمل تبعة هذا كله لأنك الداعي لذلك والمحرض عليه".([18])

    وللدكتور عبد الرزاق الشايجي كتاب بعنوان: (الخطوط العريضة لأدعياء السلفيّة)، كتبه في بيان منهج الشيخ ربيع المدخلي وأتباعه. ذكر فيه ثلاثة  وخمسين أصلاً من أصولهم الفاسدة، التي يقولون بها ويلزمون العلماء والدعاة وعامة الناس بالقول بها، ومن لم يقل بها فهو ليس منهم وليس بسلفي، مع رده على كل أصل من أصولهم، وبيانه لفساده وبُعده عن الحق.

- فالحاكم عندهم لا يُسأل عمَّا يفعل، ويُلتمسون له الأعذار، ولا يُتحدثون عن أخطائه، بينما تجدهم مع الدعاة والجماعات الإسلامية الأخرى تبديع وتفسيق، وقد يصل إلى إخراجهم من الملة، كما يرون بوجوب تتبع عوراتهم والبحث عن زلاتهم!! وهم مع الدعاة إلى الله خوارج يكفرونهم بالخطأ ويخرجونهم من الإسلام بالمعصية، ويستحلون دمهم ويوجبون قتلهم وقتالهم. وأما مع الحكام فهم مرجئة يكتفون منهم بإسلام اللسان ولا يلزمونهم بالعمل، فالعمل عندهم بالنسبة للحاكم خارج عن مسمى الإيمان. وأما مع الجماعات فقد انتهجوا معهم نهج الرافضة مع الصحابة وأهل السنة، فإن الرافضة جمعوا ما ظنوه أخطاء وقع فيها الصحابة الكرام ورموهم جميعا بها ، وجمعوا زلات علماء أهل السنة وسقطاتهم واتهموا الجميع بها. وهم مع الكفار من اليهود والنصارى قدرية جبرية يرون أنه لا مفر من تسلطهم ولا حيلة للمسلمين في دفعهم، وأن كل حركة وجهاد لدفع الكفار عن صدر أمة الإسلام فمصيره الإخفاق، ولذلك فلا جهاد حتى يخرج الإمام!!.

3- تتبع سقطات وأخطاء الدعاة المخالفين لهم:

   لقد تتبع غلاة التبديع المداخلة سقطات وأخطاء الدعاة المخالفين لهم، وجمع ما يصدر ممن يخالفهم، ولو في أمر يسير، وجعلها أحيانا سقطة في باب العقيدة التي يجب أن يؤاخذ بها، مع جعلهم الفروع أصولاً، والأخذ بلازم القول، وعدم حمل المطلق على المقيد، ولا المبهم على المفسر، ولا المتشابه على محكم، ولا المتقدم على المتأخر..، بل وقد يكون الحق مع مخالفهم- فيطيرون بها في الآفاق، وينشرونها في كل حدب وصوب، للتشهير بمن يخالفهم، وتنفير الناس عنه، حتى يخلو لهم الجو، زاعمين أن هذا من باب تحذير المسلمين من أهل البدع، ومن باب الجرح والتعديل!! وإذا كانت الكلمة من مخالفهم تحتمل معنى صالحا، وآخر سيئا؛ حملوها على المعنى السيئ، بزعم أنهم أعرف بمخالفيهم، وأن مخالفيهم أهل مراوغة ولف ودوران، بل صرح بعضهم متهمًا مخالفيه: بأنهم أهل زندقة. كما أنهم يحملون كلام خصمهم - الداعي إلى السنة الصافية- مالا يحتمل، وهذا أمر مشهور عند من يعرف حالهم بإنصاف. ([19]) لقد جمع غلاة التبديع المداخلة ما أخطأ فيه الدعاة، وجعلوا ما هو سقطة لأحدهم كأنها عقيدةٌ يؤاخذ بها، وجعل الفروع أصولاً، وأخذ بلازم القول، ولم يحمل مطلقاً على مقيَّد، ولا مبهماً على مفسَّر، ولا متشابهاً على محكم، ولا متقدماً على متأخر..([20])

     ولا شكَّ بأنَّ الداعية المسلم لابدَّ أن يتصف بالنزاهة، ويتجرد عن الأهواء والمصالح الذاتية، ولابد من التزامه بالموضوعية التامة، وأن يكون طرحه للمسائل والموضوعات بتجرد تام، وطريقة مهذبة. وهذا يعني أن هم أهل التغليط في التبديع أن ينتصروا على غيرهم ممن لا يسيرون وفق منهجهم، وأن ترتفع رايتهم هم، دون أن يقصدوا إعلاء كلمة الله تعالى.

4- استخدامهم العبارات القاسية والفظة مع مخالفيهم من أهل السنة والجماعة:

    استخدم المداخلة العبارات الفظّة الجافية مع مخالفيهم من أهل السنة والجماعة كقولهم: (فلان أخبث أو أكذب من اليهود والنصارى)، أو(أخبث من هو على وجه الأرض)، أو(أضل أهل البدع)، أو(أتى بما لم يَدُر في خلد الشيطان منذ تاريخ البشرية)، ودع عنك قولهم: (دجال، وكذاب، وفاجر، وأفاك أثيم، ومراوغ، ومخادع، وماكر، وعدو للسنة، ومحارب للسلفيين الكبار منهم والصغار، وخبيث مخبث، ومائع، ومميع، وضال مضل، ومبتدع خبيث، وكذاب أشر، وأحد الدجاجلة، والروافض أفضل منه، واليهود والنصارى أهون منه، ولو خرج الدجال لركض وراءه فلان وأتباعه، أو لو ادعى رجل الربوبية أو النبوة لركض وراءه فلان وأتباعه، وزائغ، وحزبي ضال، وحزبي متستر، ودسيسة، ومدسوس في الصف لتدميره، ومُجنَّد من قبل الأعداء لهدم السلفية، وساقط، وتافه، وصاحب دنيا...) الخ ما في هذا القاموس العفن.([21])

ومن أمثلة ذلك:

غلو الشيخ ربيع المدخلي:  بالإضافة إلى غلوه في الرد على سيد قطب؛ وقع الشيخ ربيع في أنواع كثيرة من الغلو؛ منها:

أ- غلو ربيع المدخلي في نقد الحركات والجماعات الإسلامية: قال في (“منهج النقد”؛ ص:19) - بعد أن ذكر جهود أهل التوحيد-: "مما أقض مضاجع كل خصوم الحق والتوحيد، من علمانيين ويهود ونصارى وشيوعيين وأهل البدع الضالين من خرافيين وحزبيين وحركيين".

   تأمل كيف سوى بين اليهود والحركيين في كونهم خصوم الحق والتوحيد!

ب- اتهم الشيخ ربيع كلَّ الإسلاميين إلا أتباعه بأنَّهم لا يجاهدون إلاَّ لأغراضٍ دنيويةٍ؛ فقال في كتابه (أهل الحديث هم الطائفة المنصورة الناجية؛ ص163): "والذي يعرف الواقع وحقائق الأمور يعلم أنه لا يجاهد لإعلاء كلمة الله، ورفع راية التوحيد هنا وهناك؛ إلا السلفيون. وأن جهاد غيرهم من حزبيين وخرافيين ما هو إلا لأغراض دنيوية، من وطنية وتطلع إلى السلطة والحكم.. إلى غير ذلك من الأغراض التافهة"!.

ج- اعتبر ربيع المدخلي اعتدال الإمام ابن باز في التعامل مع جماعة التبليغ لينا وغفلة: فقال عن الشيخ ابن باز: "فإن حصل منه لين موقف من جماعة التبليغ فإن لذلك أسبابه،.. ومعروف مكر أهل البدع، ومنهم جماعة التبليغ، فقد جندوا من يخدمهم عند الشيخ ابن باز، ممن يلبس لباس السلفية، فيطنب في مدحهم، ويسهل لجماعاتهم ووفودهم الدخول على الشيخ ابن باز، فتتظاهر هذه الجماعات والوفود من مشارق الأرض ومغاربها بالسلفية، فيصورون له أعمالهم في صورة أعمال سلفية عظيمة، ويبالغون فيها، وينفخون فيها بكل ما أوتوا من خيالات كاذبة". (النصر العزيز ص:170).. مع أنه أقر بمعرفة الشيخ ابن باز بالجماعات في كتابه: (أهل الحديث هم الطائفة المنصورة الناجية؛ ص:91): “حتى ليعتقد فيه أنه لو كانت في المريخ حركة إسلامية لكان وراءها، ألا وهو الشيخ ابن باز”.

د- غلو ربيع المدخلي في نقد أتباع المذاهب الأربعة: قال في كتابه (أهل الحديث هم الطائفة المنصورة الناجية؛ ص:50): "فهناك أتباع المذهب الزيدي وعوامهم، وأتباع المذهب الإباضي وعامتهم، فإن كثيرا منهم أقرب إلى الفطرة والتوحيد من كثير من أتباع المذاهب الأربعة وعوامهم، وأبعد عن الشرك والخرافات والقبورية والصوفية من عامة أصحاب المذاهب الأربعة".

ه- غلو ربيع المدخلي في نقد من يرى مشروعية العمل السياسي: اتهم الشيخ ربيع العلماء الذين يجيزون الدخول في البرلمانات بالمكابرة؛ وهو يعلم أن الجمهور ومنهم الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين يجيزون ذلك! فالإسلاميون الذين يمارسون العمل السياسي فمن أفسد الفاسدين عنده: يقول في كتابه (جماعة واحد لا جماعات وصراط واحد لا عشرات؛ ص:28) معلقا على كلام للشيخ عبد الرحمن بن عبد الخالق حول مشروعية المشاركة في المجالس التشريعية (البرلمانات): "أقول: لا يعرف ضلال أو باطل يحمل مثل هذه المفاسد، ومنها فساد المشاركين فيه من السياسيين الذين يحسبون أنفسهم على الإسلام، فنحن نربأ بالإسلام أن يبيح عملا ينطوي على مائة وخمسين مفسدة، ولا أظن باطلا على الأرض ينطوي على هذا الكم الهائل من المفاسد، ولا نعرف مكابرا مثل مكابرة من يجيز هذا العمل بعد علمه بهذه المفاسد". ويقول في الكتاب نفسه (ص:84-85): "إن السياسيين الجاهليين بتحزبهم مزقوا شباب الأمة، وفرقوهم أحزابا وشيعا، كل حزب بما لديهم فرحون، وتابعوا الأحزاب الكافرة الظاهرة والخفية في التنظيمات السرية والمشاركة في المجالس والبرلمانات والديمقراطية الكافرة في البلدان التي استعمرت ورضعت لبان الاستعمار بكل ما فيه من تقاليد وقوانين وأنظمة كافرة".

و- غلو ربيع المدخلي في نقد جماعة الإخوان المسلمين: قال في (جماعة واحدة..؛ ص 128): "الإخوان المسلمون الذين آمنوا بالاشتراكية والديمقراطية". وقال في (ص121 في الحاشية): "وأهل البدع في هذا العصر مثل الإخوان المسلمون حينما اعتنقوا الاشتراكية والديمقراطية وأخوة الأديان وحرية التدين ودعوة بعضهم إلى وحدة الأديان". وقال في  (ص 19) بعد أن نقل كلاما لسيد قطب: "إن هذا لإسقاط متعمد للثقة بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه هي نظرة أهل البدع والضلال من الجهمية والمعتزلة والقرآنيين". وهذا تكفير واضح.

   لذا فقد حذَّرَ الشيخ صالح النجدي من ربيع المدخلي فقال:  "إنَّ أساليبَ الشيخِ ربيع المدرِّبة على التكفير لهي من أشدِّ أسباب الفتن التي ابتُلِيَ بها بعضُ الأحداث، الذين أطلقوا ألسنتَهم بالتَّضليل والتَّبديع والتكفير". (نظرات سلفية في آراء الشيخ ربيع المدخلي ص 37). وقال: "وبهذه المناسبة فإني أحذر الأمة -علماءها ورجالاتها- من هذا الاتجاه التكفيري الجديد؛ فالتبديع بريد التكفير، والذي أخشاه أن يتطور فيشكل جماعة تكفيرية خارجية، تبتلى بها الأمة، ويصعب حينذاك إقناعها بالحجة والدليل، فتلجأ إلى العنف، ثم السلاح، وقانا الله شر الفتن ما ظهر منها وما بطن".([22])

ز- غلو ربيع المدخلي في نقد الشيخ عبد الرحمن بن عبد الخالق: يقول الشيخ ربيع عن الشيخ عبد الرحمن بن عبد الخالق كما في (جماعة واحدة؛ ص31): "لقد سلك عبد الرحمن عبد الخالق مسالك دعاة الفتن والبدع في الاستدلال على مشروعية التجمعات البدعية والمذهبية من أمثال دحلان والنبهاني والكوثري وتلاميذهم، ولاشك أن هذا تحليل لما حرَّم الله. ويقول عنه كما في نفس الكتاب (ص 145): "فهذه دعوةٌ من عبد الرحمن لإقرارِ الباطل، والبدع والتصوف، والتعطيل لأسماء  الله وصفاته!".

2- غلو مقبل بن هادى الوادعى: طعن المذكور فى الدكتور عبد الكريم ِزيدان رحمه الله العالمُ العراقيُّ الشهيرُ، (صاحبُ عدة مؤلفات، منها: أصول ِ الدعوةِ، وكتابِ المُفصّل ِ في أحكام ِ المرأةِ المُسلمةِ، وأحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام، السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد في الشريعة الإسلامية، القصاص والديات في الشريعة الإسلامية، والقيود الواردة على الملكية الفردية للمصلحة العامة في الشريعة الاسلامية، والكفالة والحوالة في الفقه المقارن مع مقدمة في الخلاف واسبابه). قالَ عنهُ المدخلي الجامي مقبل الوادعيُّ: إنَّ علمهُ زبالة! وقد وصلت تلكَ العبارة ُ أسماع الدكتور عبد الكريم زيدان، فجلسَ يبكي بكاءً مُرّاً.([23])

5- أنزلوا أنفسهم منـزلة لا يستحقونها:

   إنَّ المداخلة الجامية قاموا بالتشنَّيع على من وقع في خطأ من المخالفين لهم، وإنْ اعترف بخطئه، وتراجع عن قوله بلسان عربي مبين، وأعلن ذلك ما استطاع إلى ذلك سبيلاً؛ فبدل أنْ يشكروه قاموا باتهامه بالكذب والمراوغة في توبته، وزعموا بعدمِ صحَّةِ توبته إلاَّ ما لم تحصل بين أيديهم، وبالألفاظ التي يُملونها هم عليه، والله عزَّوجلَّ يقول: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} النور:31، نعوذ بالله من قوم نصبوا أنفسهم آلهة على الناس، فالله تعالى لم يجعل التوبةَ لأحدٍ من الناس!!. وبهذا الصنيع أنزلوا أنفسهم منـزلةَ الوصي على الدعوة، وأن طلاب العلم والدعاة إلى الله في جميع الأقطار بمنـزلة القاصر، الذي يتصرف فيه وصيُّه، فمن حكموا له بالسلفية؛ فقد فازَ ورشدَ!! ومن تحفَّظوا في حقه بهذا الحكم؛ فهو على شفا جُرُفٍ هار، ويشار إليه بأصابع الاتهام، والخوف عليه من السقوط!! ومن صرحوا في حقه بأنه ليس سلفيًا؛ فتهوي به الريح في مكان سحيق، وذلك عند هؤلاء المقلدة الذين ضلوا الطريق!!.([24])

6- عدم تمييزهم لأنواع المسائل الخلافية:

  لا يفرِّقُ غلاةَ التَّبديعِ الجامية المداخلة بين مسائل الاجتهاد، ومسائل العقوبات، ومسائل الأصول، فمن خالفهم ولو في سنَّة من السُنن، أو في تقدير المصالح أو المفاسد وإن كانوا متفقين على الحكم في الجملة، أو خالفهم في تزكية شخص أو تجريحه؛ رَمَوْهُ بأنَّه مُمَيعٌ، وأمثلة ذلك يطول المقام بذكرها، وتراهم يُبَدِّعونَ كلَّ من لم يقع في بدعة أصلاً، إنَّما خالفهم فيما لم يعرفوا غيره، وإن كان الحقُّ مع مخالفهم!!.... ويقوم غلاةَ التَّبديعِ بتوظيف النصوص الشرعية، وإخراج القواعد العلمية عن إطارها، والآثار العلماء عن سياقها، واستعمالهم المفرط للغة التعالي والكبر ضد من يعتبرونهم مخالفين خارجين عن المنهج، وعدم ورعهم في إطلاق عبارات السَّبِّ والشتم، والتحذير والتحريض، والرمي بالبدعة والضلال والمروق؛ والاحتقار والرغبة الكبيرة في سحق الآخرين.([25])

7- تفريغ منهج الأنبياء من الدعوة والعمل لتحكيم شريعة الله:

   قام شيخ غلاة التبديع المداخلة ربيع المدخلي بتفريـغ منهج الأنبياء عليهم السلام من الدعوة إلى تحكيم شريعة الله تعالى، وتحليل ما أحله الله، وتحريم ما حرَّمـه الله، وحصر منهج الأنبياء عليهم السلام فقط في توحيد العبادة كما فهموه هم: بأن تكون العبادات والقربات لله وحده، وهذا التوحيد هو الذي اصطلح عليه عند علماء السلف بتوحيد (الألوهية)، وهو نوعٌ واحدٌ من التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وقد كتب الشيخ ربيع بن هادي كتاباً لتأصيل هذا الأصل الباطل سمَّاه (منهجَ الأنبياءِ في الدعوة إلى الله)، أراد الشيخ ربيع أن ينبه جماعات الدعوة التي تهتمُّ بتوحيد الحكم، وتقدمه وحده دون سائر أنواع التوحيد وهذا خطأ منهم فقلَّل هو من شأن توحيد الحكم، وقلَّل من شأن جهادهم في الدعوة إليه وإقراره.. والحالُ أنَّ هذا التوحيد قرين لهذا التوحيد، فإن التحاكم إلى غير شرع الله وعبادة الأصنام والأوثان سواء.. ثم جاء بعد ذلك من بنى على أصل ربيع الذي أصله في كتابه (منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله) فأنكر أن يكون توحيد الحكم داخلاً في مسمى التوحيد!! ومن قـال إنه فرعية من الفروع!! وفرح المبدلون لشرائع الله بهذا الأصل الفاسد فرحاً عظيماً لأن فيه صرفاً للدعاة إلى الله أن يسعوا في أن يحكم المسلمون بشريعة الله!.([26])

8- المؤاخذة بالزلات، وعدم الإعذار بالجهل:

   لما أراد الشيخ ربيع أن يصرف شباب الإسلام عن اتباع الجماعات الإسلامية، والدعاة والمصلحين، اخترع أصلاً آخر من أصوله، وهو أنَّ كلَّ من وقع في بدعةٍ وجبٍ وصفُه بالمبتدع، وأنَّ كلَّ مبتدعٍ يجبُ هجرُه، ولا يجوزُ الاستفادةُ من علمِه، ولا دعوتِه، ولا جهادِه!! وراحَ يستدلُّ لهذا الأصلِ استدلالاً باطلاً من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة، وخرج على الناس بكتابه الذي سماه (منهج أهل السنة والجماعة في نقد الرجال والكتب والطوائف). قال الشيخ الألباني عن كتب الشيخ ربيع المدخلي: "في كلُّ كتبه الشِّدة موجودة".(سلسلة في الهدى والنور، شريط/915(، وقال عن كتاب الشيخ ربيع المدخلي (صدّ عدوان الملحدين): "بأنَّه مصيبة ومتناقضات، المقصود بها تبرير هذا الواقع"، كما في سلسلة الهدى والنور شريط 469(.

9- وَضْع قواعد مخترعة من أنفسهم ما أنزل الله بها من سلطان:

   لقد وَضْع غلاة التبديع المداخلة قواعد مخترعة، ما أنزل الله بها من سلطان، ووفقها قاموا بإخراج السلفيين من دائرة السلفية، وإلحاقهم بركب أهل البدع، فمن تلك القواعد:

أ- قولهم: من نزل ضيفًا في بيت حزبي؛ فيُلحق به، ومن التمس عذرًا لحزبي - ولو في أمر حق- فهو مميع، ومن لم يهجر فلانًا؛ فيُلحق به، وكذا من لم يهجره؛ فهو كذلك، وهكذا وقولهم: من ذكر حسنة مبتدع - ولو كان ذلك أحيانًا لحاجة شرعية- فهو مميع، وقائل بالموازنات.

ب- ومن قواعدهم الفاسدة أن من اشتغل بتحصيل العلوم الشرعية، دون رد على الجماعات؛ فليس بسلفي، أو مائع، أو في سلفيته نظر، لا سيما إذا عارض شيئًا من أحكام هذه الطائفة الجائرة!!.

ج- ومن قواعدهم الفاسدة: أن من استشهد بكلام وهو حق من كلام أحد المخالفين؛ فهو مميع، وملمِّع لأهل الباطل، ومدافع عن أهل البدع، ومن قال: المسلم يُحب ويبغض على حسب ما فيه من خير وشر؛ فهو مميع، ومن أهل الموازنات، وإخواني أو قطبي.

د- ومن قواعدهم الفاسدة: أن من خالفهم ولو في شيء يسير مما يسمونه هم "مسائل المنهج" فزكى رجالاً جرحوه، أو رأى المصلحة في غير ما يرون، أو نحو ذلك؛ قالوا: هذا أضر على الدعوة من الحزبي الظاهر، لأن الحزبي الظاهر يحذره الناس، أما هذا فموضع ثقة عند الناس، فيكون ضرره أكبر. وهكذا كلما كان المخالف لهم -مع بقائه على السنة في الواقع- أكثر صلاحاً وعلماً وفضلاً وجاهاً منفعاً؛ كلَّما كان أضر على الإسلام وأهله وكلما كان التحذير منه أكبر، وكلما كان المخالف متهتكاً مشهوراً بالضلالة؛ كلما كان أهون وأخف؛ فبين هذا الفكر شبه وبين فكر من يقتلون أهل الإسلام، ويدَعون أهل الأوثان، والله المستعان.([27])

- ومن قواعدهم الفاسدة التفريق بين العقيدة والمنهج : والهدف من ذلك تسهيل الطعن في مخالفيهم من أهل السنة والجماعة بحجة أنه وإن كانت عقيدته سليمة إلا أن منهجه فيه خلل. لذلك تجدهم يكثرون من القول: "كيف منهجه" عندما يريدون أن يستفسروا عن أحد من الدعاة ليعرفوا هل هو من جماعتهم أم من الجماعات الأخرى.

     ولخَّص الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق منهج ربيع المدخلي في موقفه من الجماعات الإسلامية والعلماء، بقوله: "وامتلأ قلبُه المسكين على جلِّ العاملين للإسلام غيظاً وحنقاً، وبغضاً بل قيحاً وصديداً.. وأصبحَ لا يقومُ ولا يقعدُ إلاَّ وهو يذمُّهم ويشتمهم ويحذِّرُ منهم، وأصبحَ صراخُهُ الدائمُ: هم أخطرُ من اليهود والنصارى!!". ([28])

10- طعن الجاميَّة بعضهم البعض:

      ذكر الدكتور مشاري سعيد المطرفي في كتابه (الجامية في الميزان دراسة موضوعيّة نقديّة من بداية ظهورهم إلى وقتنا الحاضر) تسعة عشر نموذجاً من نماذج طعون غلاة التبديع والتفسيق بعضهم بعضًا، وبيَّن أنَّ من تتبَّعَ واستقصى جميع طعونهم في أنفسهم لاحتاج إلى مؤلّف مستقل، لكثرة طعونات بعضهم في بعض.( ([29]وقال: "أما أهل البدع والزيغ - والعياذُ بالله - فيضلل بعضهم بعضاً، ويفسّق بعضهم بعضاً، ويبدّع بعضهم بعضاً، ويطعن بعضهم في بعض، ويسبّ ويشتم بعضهم بعضاً، ويحذّر بعضهم من بعض. والجامية خالفوا منهج أهل السُّنَّة والجماعة في التعامل مع أخطاء بعضهم البعض، وسلكوا منهج أهل الزيغ والبدع في التعامل مع أخطاء بعضهم البعض، فضلّل بعضهم بعضاً، وطعن بعضهم في بعض، وحذّر بعضهم من بعض، وهذا بلا شك منهج أهل البدع والزيغ والعياذ بالله. فالجامية لما فرغوا من الطعن والتحذير من الذين يخالفونهم في منهجهم القائم على الطعن في العلماء والدعاة والتحذير منهم باسم الجرح والتعديل، تفرّغوا للطعن والتحذير في بعضهم البعض".( ([30]

طرق مواجهة التيار المدخلي والتصدي له:

1- مواجهتهم في الميدان الذي نشطوا فيه وأوشكوا أن يُلبِّسوا على الناس دينهم فيه، وذلك بتحذير الناس من اتِّباع الهوى وبيان آثاره على تصورات الإنسان ومعتقداته، ودوره في إحداث الفرقة بين المسلمين، وإضعاف صفّهم، فضلًا عن الحيد عن مراد الله.

2- الرّد العلمي الممنهج على شبهاتهم وإبطال احتجاجاتهم، وتفنيد منهجهم في الغلو، وبيان آثاره ومقتضياته السلبية، وتحذير الناس من هذا المنهج، ونشر أقوال أهل العلم الثقات.

3- معالجة التحيزات الفكرية لأنصار التيار الجامي المدخلي قبل الخوض في آثارها، والتركيز على بيان العدل مع المخالف. فيُقبَل الحقّ من قائله أيًّا ما كان، ما دام أثبت صحة قوله مدعمًا بالأدلة الصحيحة.

4- بعد محاججتهم وبيان خطأ منهجهم، لابد من إقامة الحجة عليهم، فإن أبوا الرجوع إلى الجادّة واستمروا في منهجهم التبديعي التكفيري، فليلزم اتخاذ حكم شرعي واضح فيهم من المراجع العلمية وتعميمه على طلبة العلم والدعاة في العالم الإسلامي، ودعوة المسلمين لهَجْرٍهم، وهذا من باب العقوبة الشرعية. ([31])



[1]- التيار المدخلي.. النشأة والتوظيف: نبيل غزال، موقع طريق الإسلام، 6/4/2016م.

[2]- المَداخِلة ولاء للسلطة وحرب على التيارات الإسلامية: 26/11/2017م، المصدر: الجزيرة،  والجامية المدخلية.. حيثما مال النظام السعودي تميل 25/11/2017، المصدر: الجزيرة.

[3]- تاريخ وحقيقة تيار المداخلة: العجيلي العجيلي، قناة التناصح الفضائية الليبية،28/12/2019م.

 

[4]- المداخلة قصة السلفيين الذين لا يعترفون إلا بالحاكم المستبد ويؤيدون السلام مع إسرائيل، ويحاربون أي رئيس منتخب موقع عربي بوست، على الإنترنت.

[5]- التيار المدخلي.. النشأة والتوظيف: نبيل غزال، موقع طريق الإسلام، 6/4/2016م.

 

[6]- لماذا حرض المداخلة على القتال بليبيا وامتنعوا عنه بسوريا؟.: بسام ناصر، موقع عربي 21، الأحد 14/4/2019م.

[7]- الرد الوجيز على ربيع المدخلي : عبد الرحمن بن عبد الخالق الأثنين 23 ذو الحجة 1434ه.

[8]- الرد الوجيز على ربيع المدخلي: عبد الرحمن بن عبد الخالق، الأثنين 23 ذو الحجة 1434ه، ص 9-10.

[9]- الموقع الرسمي للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، على الإنترنت.

[10]- التيار المدخلي.. النشأة والتوظيف: نبيل غزال، موقع طريق الإسلام، 6/4/2016م

[11]- الدفــــاع عن أهـل الاتبـــــاع ردٌّ علمي على الشيخ ربيع المدخلي: أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني.

[12]- الحث على المودة والائتلاف والتحذير من الفرقة والاختلاف ص 8، وقد نشرت في موقعه http://www.rabee.net/ar/articles.php?cat=8&id=170   بتاريخ 21/12/1429هــــ.

[13]- التيار المدخلي في الجزائر: كيف ولماذا ظهر ومن نشره؟ شخصية ربيع المدخلي ورسالته في ميزان النقد: معتز الجزائري،/10  أبريل/2019م.

[14]- وكان مركز الملك عبدا لله بن عبد العزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات في فيينا، قد ختم لقاءه الثاني، بعنوان: (الحوار بين الأديان من أجل السَّلام: تعزيز التعايش السلمي) أمس الثلاثاء، الذين نظمه المركز خلال الفترة من 26-27 فبراير2018م.. انظر جريد الرياض السعودية، بعنوان: حضور "حوار الأديان": الملك سلمان نشر السلام ودعا للتعايش، 2018/3/1م. يوم 24-3-2008م أطلق الملك عبد الله  مبادرة للحوار بين الأديان السماوية الثلاثة (الإسلام والمسيحية واليهودية 7/71/ 2008شارك خادم الحرمين الشريفين في (المؤتمر العالمي للحوار بين الأديان)، وألقى كلمة جاء فيها : "أيها الأصدقاء: جئتكم من مهوى قلوب المسلمين، من بلاد الحرمين الشريفين حاملاً معي رسالة من الأمة الإسلامية، ممثلة في علمائها ومفكريها الذين اجتمعوا مؤخراً في رحاب بيت الله الحرام ، رسالة تعلن أن الإسلام هو دين الاعتدال والوسطية والتسامح، رسالة تدعو إلى الحوار البنَّاء بين أتباع الأديان .(

 

 

[15]- صدرت عدة بيانات عن جماعة أنصار الإسلام الموجهة للدكتور أيمن الظواهري وغيره من قيادات الدولة الإسلامية في العراق، حيث تشكو تكفير أفراد الدولة "داعش" لجماعة أنصار السنة. انظر بعض هذه البيانات: موقع عرين المجاهدين (https://al-aren.com/vb/showthread.php?t=955). وانظر الدَّولة الإسلامية "داعش" نشأتها - حقيقتها- أفكارها - وموقف أهل العلم منها: إعداد أ. د صالح حسين الرقب ص  .

 

[16]- الموقع الرسمي للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين، على الإنترنت.  

[17]- أصول وصفات مرجئة العصر المجرمين: الشيخ عبد الرزاق الشايجي.

[18]- خطاب مفتوح إلى ربيع المدخلي: الشيخ عبد الرزاق الشايجي.

[19]- الرد الوجيز على الشيخ ربيع المدخلي الشيخ: عبد الرحمن عبد الخالق ص 6.

[20]- المصدر السابق.

[21]- التيار المدخلي.. النشأة والتوظيف: نبيل غزال، موقع طريق الإسلام، 6/4/2016م.

[22]- نظرات سلفية في آراء الشيخ ربيع المدخلي ص 40.

[23]-الجامية والمداخلة، نشأتهم – أسماؤهم – مشايخهم: عبد السلام راغب، موقع الإسلاميون 7/4/2014م.

[24]-التيار المدخلي.. النشأة والتوظيف: نبيل غزال، موقع طريق الإسلام، 6/4/2016م.

[25]- المصدر السابق.

[26]- الرد الوجيز على الشيخ ربيع المدخلي الشيخ: عبد الرحمن عبد الخالق.

[27]- التيار المدخلي.. النشأة والتوظيف: نبيل غزال، 6/4/2006م.

[28]- الرد الوجيز على الشيخ ربيع المدخلي الشيخ: عبد الرحمن عبد الخالق ص 6.

[29]- انظر الجامية في الميزان دراسة موضوعيّة نقديّة من بداية ظهورهم إلى وقتنا الحاضر: الدكتور مشاري سعيد المطرفي ص138.

[30]- المصدر السابق ص137.

[31]-  التيار المدخلي: قائمة بأهم الردود على مرتكزاته الفكرية: مي محمد - 24 مارس، 2018م، تبيان  https://tipyan.com/madkhalis-and-a-list-of-the-most-important-responses-to-their-suspicions.

 

هل أعجبك الموضوع؟