البريد للتواصل: drsregeb11@gmail.com

قضايا عقائدية

أهم المرتكزات الدينية بين المسيحية الصهيونية اليهودية الصهيونية



  • نشر في: 6-10-2021م
  • ساعة: 12:26
  • طباعة

    أهم المرتكزات الدينية بين المسيحية الصهيونية اليهودية الصهيونية

التفسير العربي السطحي للعلاقة بين أمريكا والكيان الصهيوني في فلسطين:

   لقد اعتاد الناس في عالمنا العربي الإسلامي أن يفسروا التحيز الأميركي لإسرائيل بأسباب سياسية وإستراتيجية، مثل المال اليهودي المؤثر في الحملات الانتخابية، والإعلام اليهودي المتلاعب بالرأي العام الأميركي، والصوت اليهودي الموحد في الانتخابات، ثم موقع إسرائيل رأس حربة في المنطقة العربية، ذات الأهمية الإستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة.

   لكن كل هذه التفسيرات -عند التأمل- تبدو سطحية وبعيدة عن الدقة، أو هي -على أحسن تقدير- ليست سوى مظاهر تعبر عن ظواهر أعمق وأرسخ.

- فالمال اليهودي في الانتخابات لا يصلح تفسيرا للإجماع السياسي الذي يحظى به دعم إسرائيل في الأوساط السياسية الأميركية، حتى تنافس فيه المتنافسون من كل ألوان الطيف السياسي. إضافة إلى أن في أميركا من أهل الثراء غير اليهود ما يكفي وزيادة لمعادلة المال اليهودي.

- والإعلام اليهودي لا يكفي تفسيرا لانحياز شعبي كامل يبلغ درجة الاعتقاد، بل هو اعتقاد ديني عميق -كما سنرى لاحقا- في بلد فيه من التعددية الإعلامية وحرية الكلمة ما يكفي لبلورة رأي مخالف لو كان له أنصار.

- وموقع إسرائيل في المنطقة العربية لا يكفي لتفسير التحيز الأميركي. فقد كانت إسرائيل دائما مصدر حرج للنفوذ الأميركي في المنطقة العربية، أكثر من كونها مصدر دعم، إضافة إلى أن بعض حكام الدول العربية أغنوا أميركا عن إسرائيل في هذا المضمار.

- أمَّا الصوت اليهودي فليس موحدا بالطريقة التي يتخيلها البعض، بل فيه تعدد وتباين واختلاف. كما أن التحيز لإسرائيل أعمق وأرسخ في بعض الولايات الأميركية التي لا تكاد توجد بها جالية يهودية أصلا. ويكفي أن تعرف أن نسبة اليهود في أميركا أقل من 3%، وأن نسبتهم في مجلس الشيوخ 10% لتدرك أن الصوت اليهودي ليس أهم عامل هنا. ولاية (مينوساتا) الأميركية يمثلها يهودي دائما في مجلس الشيوخ منذ عام 1978 رغم أن عدد اليهود بها لا يتجاوز 1%. وأن المرشحين لهذا المنصب في الولاية يهوديان هما (نورم كولمان) و(ويلستون) الذي قتل في تحطم طائرة أثناء حملته الانتخابية.

تعريف المسيحية الصهيونية:

   المسيحة الصهيونية هي: "مجموعة المعتقدات الصهيونية المنتشرة بين المسيحيين، بخاصة وبين قيادات وأتباع الكنائس البروتستانتية، تهدف إلى تأييد قيام دولة يهودية في فلسطين بوصفها حقاً تاريخياً ودينياً لليهود، ودعمها بشكل مباشر وغير مباشر، باعتبار أن عودة اليهود إلى الأرض الموعودة –فلسطين - هي برهان على صدق التوراة، وضرورة حتمية لأنها تتمم نبوءات الكتاب المقدس بعهديته القديمة والجديدة وعلى اكتمال الزمان وعودة المسيح ثانية، وحجر الزاوية في الدعم الشديد لهؤلاء المسيحيين لإسرائيل هو الصلة بين دولة إسرائيل المعاصرة وإسرائيل التوراة، لذلك أُطلق على هذه الاتجاهات الصهيونية في الحركة الأصولية اسم الصهيونية المسيحية. (د. يوسف الحسن «المسيحية الصهيونية» في كتابه "البعد الديني في السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي الإسرائيلى").

ويمكن تعريفها: بأنها "المسيحية التي تدعم الصهيونية وأصبح يطلق على من ينتمون إلى هذه الحركة اسم "مسيحيين متصهينين". وتتلخص فكرة هذه الحركة في ضرورة المساعدة لتحقيق نبوءة الله من خلال تقديم الدعم لإسرائيل والدفاع عنها وعدم نقدها.

استخدام مصطلح المسيحية الصهيونية:

1- أول من استخدم مصطلح الصهيونية المسيحية: هو تيودور هرتزل مؤسس الصهيونية الحديثة وعرف المسيحي المتصهين بأنه "المسيحي الذي يدعم الصهيونية".

2- بعد ذلك تطور المصطلح ليأخذ بعدا دينيا، وأصبح المسيحي المتصهين هو "الإنسان الذي يساعد الله لتحقيق نبوءته من خلال دعم الوجود العضوي لإسرائيل، بدلا من مساعدته على تحقيق برنامجه الإنجيلي من خلال جسد المسيح".

3- ومصطلح المسيحية الصهيونية لم يتم الإشارة إليه كثيرا قبل حقبة التسعينيات من القرن الماضي، وتصنف هذه المدرسة ضمن جماعات حركة البروتستانت الإنجيليين، ولهذه الحركة ما يقرب من 130 مليون عضو في كل قارات العالم. وتعبير "الصهيونية المسيحية" شاع في منتصف القرن العشرين. وقبل ذلك الوقت التعبير الشائع كان الإعدادية.

     إن الرجوع إلى التاريخ والتعمق في الخلفية الدينية المؤطرة للعلاقات بين أميركا وإسرائيل، هو وحده الذي يقدم تفسيرا مقنعا لتلك العلاقات. ومن الكتب التي تقدم رؤية تاريخية موثقة للعلاقات الأميركية الإسرائيلية كتاب (المسيح اليهودي) للكاتب المصري رضا هلال، وكتاب (فرض إرادة الرب (للكاتبة الأميركية غريس هالسل.

   ولقد درج زعماء العرب على أن يميزوا دوماً بين أمريكا الصهيونية وربيبتها ما يسمى إسرائيل، فالأولى حليف لا يمكن الاستغناء عنه، والثانية معتدية ومغتصبة لحق تاريخي للعرب والمسلمين، فهل ما زال هذا الاعتقاد عند الحكام العرب مستمراً إلى اليوم؟. وهل صحيح أن أمريكا هي غير ما يسمى إسرائيل؟ وهل يمكن فعلاً التمييز بينهما في الموقف من الحقوق العربية الإسلامية في فلسطين؟. يقول الفريق سعد الدين الشاذلي: (جاءت أزمة الخليج لتزيد الموقف وضوحاً، ولتفضح المنافقين الذين كانوا يريدون أن يفرقوا بين أمريكا 'وإسرائيل' فيدعون أن صداقتهم لأمريكا شيء وعداءهم لإسرائيل شيء آخر. وهذا وهم وخداع لم يعد ينطلي على أحد، فإما أن يقف الفرد في صف الشعوب العربية الإسلامية، فيجد نفسه بالضرورة في الصف المعادي لأمريكا، وإما أن يختار أن يقف في صف أمريكا فيجد نفسه بالضرورة في صف إسرائيل أيضاً اعترف بذلك أو أنكر). ولكن دعنا نتساءل هل تغير شيء ما في الآونة الأخيرة؟ إنه لم يتغير شيء كل ما في الأمر أن الأوراق كشفت ولم يعد بالإمكان ممارسة اللعبة على الطريقة القديمة. فالحقيقة التي لا غبار عليها هي أن ما يسمى إسرائيل هي الولاية الواحدة والخمسون من الولايات المتحدة الأمريكية من أجل ازدهارها ورفاهيتها. وهي بالنسبة لأمريكا الصهيونية الغاية والوسيلة:غاية لأنها تحقق حلم اليهود بوطنهم القومي ووسيلة لأنها تضبط جيرانها العرب وتلعب دور الشرطي بل دور الشيطان لمصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وبالتالي فإن العرب والمسلمين اليوم لا يواجهون ما يسمى إسرائيل فحسب بل يواجهون ما يسمى إسرائيل وحلفاءها وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية الصهيونية. لقد تحولت أنظار اليهود إلى أمريكا لمّا أدركوا أنّ نفوذ وسطوة بريطانيا العظمى بدأت تتقلص خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها. يقول 'ديزموند سيتوارث' في كتابه (تاريخ الشرق الأوسط): 'إن بن غوريون شعر خلال الحرب العالمية الثانية أن مصدر القوة سيكون أمريكا لأن الحرب ستترك بريطانيا منهوكة مهما كانت نتائجها، لذلك أمضى في الولايات المتحدة خلال الحرب فترة طويلة، وهو يحاول الحصول على تأييد الحكومة لتكوين جيش يهودي في فلسطين، ولأغراض الصهيونية العامة فيها، ويعمل أيضاً بين الهيئات اليهودية المختلفة ليعدّها لطلب الدولة اليهودية بعد الحرب'. وفي أمريكا ألقى اليهود ثقلهم الاقتصادي والسياسي والفكري الديني وتغلغلوا في عقلية المجتمع الأمريكي، مستخدمين كل ما أمكنهم من وسائل الإعلام والتعليم، واستغلوا المجامع الكنسية والمؤتمرات الدينية، ووضعوا التفسيرات والشروحات الدينية للعهد القديم.

    لقد استطاع اليهود أن يجعلوا الرأي العام الأمريكي ينطلق من المرتكزات التوراتية الصهيونية في الدين والفكر والسياسة. يقول بول فندلي عضو الكونجرس الأمريكي في كتابه: (من يجرؤ على الكلام): 'الواقع أنّ جميع النصارى ينظرون إلى الشرق الأوسط من منظار الصلة الروحية بإسرائيل، ومن زاوية الميل إلى معارضة أو عدم تصديق أي شيء يشكك في سياسة إسرائيل، والقناعات الدينية هي التي جعلت الأمريكيين يستجيبون لنداءات اللوبي الإسرائيلي'، ويضيف: 'أعتقد أنّ أسباب البركة في أمريكا عبر السنين أننا أكرمنا اليهود الذين لجئوا إلى هذه البلاد، وبورك فينا لأنّنا دافعنا عن إسرائيل بانتظام واعترفنا بحقها في الأرض'. يقول السيناتور الأمريكي 'وليم أغنر' سنة 1955م: 'لقد تمكنت الحكومة الخفية – يقصد- الصهيونية اليهودية- أن تكون لها رقابة كاملة على الصحف والإذاعة والتلفزيون والمسرح والسينما، وكثير من المؤسسات التي تؤثر على الرأي العام الأمريكي، بما في ذلك الكنائس المسيحية'. وأخيراً كشفت دراسة وثائقية أعدها الكاتب الأمريكي 'ديفيد ديوك' عن سيطرة اليهود الموالين للدولة الصهيونية على أجهزة الإعلام الأمريكية. ويسيطر اليهود على أغلب دور النشر والإنتاج السينمائي والمكتبات العامة لخدمة مصالحهم ويبلغ عدد الصحف المستقلة عن سيطرة الإمبراطوريات الإعلامية اليهودية حوالي 25% فقط من بين 1600 صحيفة تصدر في أمريكا.ويمتلك 'البيت الجديد' لوحده حوالي 12 قناة تلفزيونية و87 محطة كيبل و24 مجلة و26 صحيفة يومية. وأشار ديوك لسيطرة اليهود على الصحف والمجلات والقنوات التلفزيونية غير اليهودية، من خلال سيطرتهم على شركات الدعاية وتوجيه الإعلان لما تتماشى مع ميولهم، ممّا جعل افتتاحيات تلك الصحف تعبر وتدافع عن مصالح اليهود. ونتيجة للجهود اليهودية ظهرت في أمريكا مؤسسات ومنظمات صهيونية مسيحية تمارس نشاطها الديني لمصحة الصهيونية السياسية، وقد استخدمت اسم فلسطين في ذلك، وهي تهدف من وراء ذلك إلى تعبئة الرأي العام الأمريكي,وممارسة الضغط على الجهات الرسمية في الإدارة الأمريكية والكونجرس لمصلحة الصهيونية السياسية.وشارك في عضوية تلك المنظمات والمؤسسات بشكل أساسي قيادات دينية بروتستانتية، إضافة إلى المسئولين الحكوميين والسياسيين ورجال الأعمال ورجال الصحافة والإعلام،كما ساهمت منظمات يهودية في إيجاد وإنشاء بعض هذه المنظمات الصهيونية المسيحية أو دعمها أو التنسيق معها. لقد أدى تأثير المسيحية الصهيونية في الثقافة العامة للشعب الأمريكي إلى تصوير الصراع العربي الإسرائيلي في الذهنية والثقافة الأمريكية على أنّه امتداد للصراع التوراتي بين داود الإسرائيلي الذي انتصر عل جليات الفلسطيني الغني القوي. وشكلت التوراة نتيجة لذلك مصدراً للإيمان العام في التقاليد الأمريكية وقوة مهمة في طموحه الوطني، وأساساً في التوجهات الأخلاقية للشخصية والصفة الأمريكية. ولو قفزنا إلى العصر الذي نعيش فيه فإنّنا نكتشف أنّه ليس صحيحا أن الأمريكيين شعب غير متدين كما هو شائع بيننا..إنّ جورج بوش قبل أن يواجه الكونجرس أول مرة بعد أحداث سبتمبر الأسود وجه الدعوة إلى 27 رجل دين مسيحيا للصلاة معه في قاعة روزفلت في البيت الأبيض.. وفي دائرة من المقاعد جلس الجميع في خشوع وقد تشابكت أيديهم معا بينما كانت أنظارهم شاخصة إلى السماء.. ولم يتردد الرئيس الأمريكي سيئ الحظ في أن يقول لمن حوله: إنّ الله معهم في عالم الحروب الآن- حسب ما نشرت مجلة 'نيوزويك الأمريكية' -. وفيما بعد أضاف أمام الكونجرس بتحد وحزم ودون أن يغمض له جفن:' إنّه باسم الله سيقود الأمة الأمريكية القلقة في حرب حاسمة ضد الإرهاب..' ثم بصريح العبارة استطرد: 'إنّنا نحتاج إلى جانب مساعدة الحلفاء إلى مساعدة السماء'، ثم وبثقة لا أحد يعرف مصدرها قال: 'وسنحصل على هذه المساعدة'. إنّ 95% من الأمريكيين يعتقدون في وجود الله.

   لقد عادت حركة الإحياء الديني في الولايات المتحدة في الربع الأخير من القرن العشرين..فقد شهدت تلك الدولة القوية ابتداء من عام 1976م صعود المسيحية السياسية والأصولية أو ما يسمى باليمين المسيحي.. وهو ما ضاعف من عملية مساندة إسرائيل على أسس لاهوتية وإيمانية، لقد وصل في تلك الأيام إلى البيت الأبيض الرئيس جيمي كارتر الذي أعلن أنّه مسيحي أعيد تنصيره أو أعيد تعميده، وتوالى صعود الصهيوني المسيحي في الثمانينيات والتسعينيات حتى أصبح قوى مؤثرة في انتخابات الرئاسة والكونجرس، إذ أصبح يستحوذ على ربع عدد الأصوات على الأقل.. أي نحو عشرة أضعاف الأصوات اليهودية..وفي طريقه إلى السيطرة على المسرح السياسي تحالف اليمين المسيحي-الصهاينة المسيحيون- مع اليمين السياسي في الحزب الجمهوري ليشكل ما أصبح يعرف باسم حزب الله. وفي الوقت نفسه أصبحت الصهيونية المسيحية صفة لأمريكا، لدرجة قطع لسان من لا يصف أمريكا باليهودية إلى جانب المسيحية .. وذلك ما حدث في انتخابات عام 1992م الرئاسية والبرلمانية التي أطاحت فيها أمريكا الصهيونية بالرئيس جورج بوش الأب، بالرغم من أنّ فترة رئاسته شهدت سقوط الاتحاد السوفييتي وانتصار بلاده في حرب الخليج.وقد استوعب جورج بوش الابن هذا الدرس الصعب وتعمد أن يقول خلال حملة الترشيحات الأولية في الحزب الجمهوري في ديسمبر عام 1999م: إنّ يسوع المسيح هو الفيلسوف السياسي المفضل لي..وعندما سأله 'تيم رو سرت' المذيع في شبكة (إن. بي. سي) التليفزيونية توضيح ذلك كانت إجابته: إنّ المسيح هو الأساس الذي أعيش به حياتي شاء من شاء وأبى من أبى.. وبعد أن فاز جورج بوش على منافسه 'جورج ماكين' بترشيح الحزب الجمهوري له كشف 'ماكين' عن دور اليمين المسيحي في فوز بوش. وعندما انعقد المؤتمر القومي للحزب الجمهوري في أوائل أغسطس عام 2000م لاختيار بوش مرشحا للرئاسة لفت نظر الجميع بأنّه افتتح المؤتمر بنشيد المسيح، وأعلن بوش تبنيه لبرنامج اليمين المسيحي، وهو برنامج يلغي مبدأ الفصل بين الدولة والكنيسة.. ثمّ أنهى المؤتمر بصلاة البركة.    

نشأت المسيحية الصهيونية:

   نشأت المسيحية الصهيونية -كما نعرفها اليوم- في إنجلترا في القرن ـ17، حيث تم ربطها بالسياسة لا سيما بتصور قيام دولة يهودية حسب زعمها لنبوءة الكتاب المقدس، ومع بدء الهجرات الواسعة إلى الولايات المتحدة أخذت الحركة أبعادا سياسية واضحة وثابتة، كما أخذت بعدا دوليا يتمثل في تقديم الدعم الكامل للشعب اليهودي في فلسطين. وتتصل جذور هذه الحركة بتيار ديني يعود إلى القرن الأول للمسيحية ويسمى بتيار الألفية  (Millenarianism، والألفية هي معتقد ديني نشأ في أوساط المسيحيين من أصل يهودي، وهو يعود إلى استمرارهم في الاعتقاد بأن المسيح سيعود إلى هذا العالم محاطا بالقديسين ليملك في الأرض ألف سنة ولذلك سموا بالألفية.

    وحدث انقسام بين منظري المسيحية الصهيونية في القرن الـ19، وظهرت مدرستان، البريطانية الداعمة لنظرية تحول اليهود للمسيحية قبل عودتهم لفلسطين كمسيحيين، والأميركية التي آمنت بأن اليهود سيعودون إلى فلسطين كيهود قبل تحولهم للمسيحية. ورأس فكر المدرسة الأميركية القس الأيرلندي جون نيلسون داربي الذي يعتبر بمثابة الأب الروحي لحركة المسيحية الصهيونية الأميركية.

   وخلال 60 عاما بشر داربي لنظريته بكتابة العديد من المؤلفات التي فصلت رؤيته لنظرية عودة المسيح الثانية، ونظرية الألفية. وقام داربي بست زيارات تبشيرية للولايات المتحدة، ومن ثم أصبح داعية مشهورا ومدرسا له أتباع كثيرون.

   وحمل لواء الحركة من داربي عدة قساوسة من أشهرهم داويت مودي الذي عرف بترويجه لنظرية "شعب الله المختار"، وويليام  يوجين بلاكستون الذي ألف كتاب "المسيح آت" عام 1887 وأكد فيه على نظرية حق اليهودي طبقا لقراءته للتوراة في فلسطين. إلا أن أكثر المنظرين تطرفا كان القس سايروس سكوفيلد الذي ألف كتابا عنوانه "إنجيل سكوفيلد المرجعي" عام 1917، وهو الكتاب الذي أصبح بمثابة المرجع الأول لحركة المسيحية الصهيونية.

    ومن أشهر السياسيين الذين أسهموا في نمو حركة المسيحية الصهيونية عضو البرلمان البريطاني اللورد شافتسبري، وكان شافتسبري مسيحيا محافظا وعلى علاقة جيدة بصانعي السياسة البريطانيين في منتصف القرن الـ19. وفي العام 1839 ذكر شافتسبري في مقال نشر في دورية شهيرة Quarterly Review أنه "يجب أن نشجع عودة اليهود إلى فلسطين بأعداد كبيرة، حتى يستطيعوا مرة أخرى القيام بالرعي في سامراء والجليل"، وكان ذلك قبل 57 عاما من ظهور الحركة الصهيونية العالمية، وكان اللورد شافتسبري هو أول من وصف اليهود وفلسطين قائلا  "شعب بلا وطن.. لوطن بلا شعب". 

     يعد تيودور هرتزل مؤسس الصهيونية الحديثة هو أول من استخدم مصطلح "الصهيونية المسيحية"، وعرف المسيحي المتصهين بأنه "المسيحي الذي يدعم الصهيونية"، بعد ذلك تطور المصطلح ليأخذ بعدا دينيا، وأصبح المسيحي المتصهين هو "الإنسان الذي يساعد الله لتحقيق نبوءته من خلال دعم الوجود العضوي لإسرائيل، بدلا من مساعدته على تحقيق برنامجه الإنجيلي من خلال جسد المسيح".

وتيودور هرتزل نفسه آمن وطرح فكرة الدولة اليهودية ولم تكن دوافعه دينية بالأساس، فهو قومي علماني، وأعلن استعداده لقبول استيطان اليهود في أوغندا أو العراق أو كندا أو حتى الأرجنتين، أما المسيحيون المتصهينون فقد آمنوا بأن فلسطين هي وطن اليهود، واعتبروا ذلك شرطا لعودة المسيح، لذا انتقدوا الموقف المتساهل من قبل تيودور هرتزل.

معتقدات المسيحية الصهيونية:

    لقد تأثرت العقيدة البروتستانتية كثيرا باليهودية، ونتج عن هذا التأثر تعايش يشبه التحالف المقدس بين البروتستانتية واليهودية بصورة عامة، وخلقت علاقة أكثر خصوصية بين الصهيونية اليهودية والبروتستانتية الأصولية.ومن أهم معتقداتها:

1- المسيحية الصهيونية أمنت قبل تأسيس دولة إسرائيل" بضرورة عودة الشعب اليهودي إلى أرضه الموعودة في فلسطين، وإقامة كيان يهودي فيها يمهد للعودة الثانية للمسيح وتأسيسه لمملكة الألف عام.وتمثل فكرة عودة اليهود إلى فلسطين وإنشاء "وطن قومي لليهود في فلسطين" أهم ما يجمع بين المسيحية والصهيونية، وحجر الأساس في فكر المسيحية الصهيونية، والتي آمن بها المسيحيون البروتستانت قبل إيمان اليهود أنفسهم بها والدليل على ذلك إن تيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية حينما طرح فكرة الدولة اليهودية لم تكن دوافعه دينية بالأساس، فهو قومي علماني في الصميم، ولذلك كان مستعداً لقبول استيطان اليهود في أوغندا أو العراق أو كندا أو الأرجنتين. أما المسيحيون الصهاينة في أميركا وغيرها فقد آمنوا من أول يوم بفلسطين وطنا لليهود، واعتبروا ذلك شرطا في عودة المسيح، وأخرجوا "المسألة اليهودية" من الإطار السياسي إلى الإطار الاعتقادي. ولذلك فقد انتقدوا الموقف المتساهل لهرتزل، والمؤتمر الصهيوني الأول في بازل عام 1897م، حتى إن بلاكستون أرسل إلى هرتزل نسخة من العهد القديم، وقد علَّم على صفحاتها، مشيرا إلى الفقرات التي عين فيها النبيون فلسطين تحديدا بأنها "الوطن المختار للشعب المختار" (رضا هلال ص 99).

2- اعتقاد الصهيونية المسيحية أن عودة اليهود إلى الأرض المقدسة وتأسيس دولة إسرائيل في عام 1948، تم وفقا للنبوءة التوراتية، وتتراكب مع مؤيدون لدوافع دينية وسياسية. مع بعض الصهاينة المسيحيين الذين يعتقدون أن "تجمع" اليهود في إسرائيل هو شرط مسبق للعودة الثانية للمسيح. ويقترن هذا الاعتقاد أساساً، وليس حصريا مع القدرية المسيحية.

3- وقد ظلت فكرة أن المسيحيين يجب أن يدعموا بنشاط عودة اليهود إلى أرض إسرائيل، مع الفكرة الموازية لها في وجوب تشجيع اليهود على اعتناق المسيحية، كوسيلة لتحقيق النبوءة التوراتية، ظلت هذه الفكرة شائعة في الأوساط البروتستانتية منذ الإصلاح

4- ويعتقد العديد من الصهاينة المسيحيين بأن شعب إسرائيل يبقى جزءاً من شعب الله المختار، مطعـَّماً (بناء على سفر الرومان 11:17-24، الإنجيل) بمسيحيين. ولذلك وقع إضافي في تحويل الصهاينة المسيحيين إلى مؤيدين للصهيونية اليهودية.

5- هناك تفسير اعتمد تاريخيا في العقيدة المسيحية ينص على أن الأمة اليهودية انتهت بمجيء المسيح، وأن خروج اليهود من فلسطين كان عقابا لهم على صلب السيد المسيح، وأن فلسطين هي إرث المسيح للمسيحيين، إلا أن ظهور حركة الإصلاح الديني في أوروبا في القرن الـ 16 تبنت مقولة أن "اليهود هم شعب الله المختار"، وأنهم الأمة المفضلة عند الرب، وأن هناك وعدا إلهيا يربط اليهود بفلسطين، لذا ارتبط الإيمان المسيحي البروتستانتي بعد حركة الإصلاح بالإيمان بعودة المسيح الثانية بشرط قيام الكيان الصهيوني على كل أرض فلسطين.

أسباب التحالف بين المسيحية والصهيونية:

  1.  يفسر ناتان بيرلمتر وهو يهودي أمريكي، من حركة (بناي برث)، وهي إحدى المنظمات اليهودية في أمريكا- أسباب تحالف يهود الولايات المتحدة مع الأصوليين المسيحيين، رغم الخلاف الشديد بينهما، بقوله: "إن الأصوليين الإنجيليين يُفسّرون نصوص الكتاب المُقدّس بالقول: "أن على جميع اليهود، أن يؤمنوا بالمسيح أو أن يُقتلوا في معركة هَرْمَجَدُّون"، ولكنه يقول في الوقت نفسه: "نحن نحتاج إلى كل الأصدقاء لدعم إسرائيل، فإذا جاء المسيح فسوف نفكر بخياراتنا في ذلك اليوم، أمَّا في الوقت الحاضر دعونا نُصلّي للرب ونرسل الذخيرة".

  2.  الصهيونية المسيحية قبل أختها اليهودية: إن الذين يقرؤون التحيز الأميركي لإسرائيل بعيون سياسية واستراتيجية، يغفلون حقيقة تاريخية على قدر كبير من الأهمية، وهي أن الصهيونية المسيحية سبقت الصهيونية اليهودية في الزمان.ففي عام 1844م وفد إلى القدس أول قنصل أميركي وهو (واردر كريستون)، وكان من الأهداف التي رسمها القنصل لنفسه أن يقوم بعمل الرب، ويساعد على إنشاء وطن قومي لليهود في أرض الميعاد.

    وقد بذل (كريستون) جهدا مضنيا في الاتصال بالقادة الأميركيين وحثهم على العمل من أجل "جعل فلسطين وطنا قوميا لليهود حتى يلتئم شمل الأمة اليهودية، وتمارس شعائرها وتزدهر" كما ألح على القادة العثمانيين للتعاون في هذا السبيل دون جدوى.

3- وعلى خطى كريستون جاء الرحالة الإنجيلي الأميركي (ويليام بلاكستون)، الذي نشر كتابا بعنوان "المسيح قادم" عام 1878م بيعت منه ملايين النسخ، وأثر تأثيراً عميقاً على البروتستانتية الأميركية، والفكرة الرئيسية للكتاب أن عودة المسيح التي ظل المسيحيون ينتظرونها على مرِّ القرون لن تتم إلا بعودة اليهود إلى أرض الميعاد. وفي العام 1891م تقدم بلاكستون بعريضة إلى الرئيس الأميركي يومها بنيامين هاريسون مطالباً بتدخل أميركا لإعادة اليهود إلى فلسطين، وجمع على العريضة توقيعات 413 من كبار رجال الدين المسيحي في أميركا، إضافة إلى كبير قضاة المحكمة العليا، ورئيس مجلس النواب، وعدد كبير من أعضاء مجلس الشيوخ، ورؤساء تحرير عدد من الصحف الكبرى[1]

   ففكرة إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين آمن بها المسيحيون البروتستانت قبل إيمان اليهود بها، وسعوا إلى تنفيذها قبل أن يسعى اليهود إلى ذلك، بل قبل أن يؤمن اليهود بإمكانية تحقيقها. ويمكن الجزم بأنه لولا الدعم الاعتقادي لهذه الفكرة من طرف البروتستانت الأميركيين والبريطانيين لما اهتم بها اليهود اهتماما عمليا.

التحالف بين المسيحية والصهيونية:

1- يفسر ناتان بيرلمتر وهو يهودي أمريكي، من حركة (بناي برث)، وهي إحدى المنظمات اليهودية في أمريكا- أسباب تحالف يهود الولايات المتحدة مع الأصوليين المسيحيين، رغم الخلاف الشديد بينهما، بقوله: "إن الأصوليين الإنجيليين يُفسّرون نصوص الكتاب المُقدّس بالقول: "أن على جميع اليهود، أن يؤمنوا بالمسيح أو أن يُقتلوا في معركة هَرْمَجَدُّون"، ولكنه يقول في الوقت نفسه: "نحن نحتاج إلى كل الأصدقاء لدعم إسرائيل، فإذا جاء المسيح فسوف نفكر بخياراتنا في ذلك اليوم، أمَّا في الوقت الحاضر دعونا نُصلّي للرب ونرسل الذخيرة".

2- الصهيونية المسيحية قبل أختها اليهودية: إن الذين يقرؤون التحيز الأميركي لإسرائيل بعيون سياسية واستراتيجية، يغفلون حقيقة تاريخية على قدر كبير من الأهمية، وهي أن الصهيونية المسيحية سبقت الصهيونية اليهودية في الزمان.ففي عام 1844م وفد إلى القدس أول قنصل أميركي وهو (واردر كريستون)، وكان من الأهداف التي رسمها القنصل لنفسه أن يقوم بعمل الرب، ويساعد على إنشاء وطن قومي لليهود في أرض الميعاد.

    وقد بذل (كريستون) جهدا مضنيا في الاتصال بالقادة الأميركيين وحثهم على العمل من أجل "جعل فلسطين وطنا قوميا لليهود حتى يلتئم شمل الأمة اليهودية، وتمارس شعائرها وتزدهر" كما ألح على القادة العثمانيين للتعاون في هذا السبيل دون جدوى.

3- وعلى خطى كريستون جاء الرحالة الإنجيلي الأميركي (ويليام بلاكستون)، الذي نشر كتابا بعنوان "المسيح قادم" عام 1878م بيعت منه ملايين النسخ، وأثر تأثيراً عميقاً على البروتستانتية الأميركية، والفكرة الرئيسية للكتاب أن عودة المسيح التي ظل المسيحيون ينتظرونها على مرِّ القرون لن تتم إلا بعودة اليهود إلى أرض الميعاد. وفي العام 1891م تقدم بلاكستون بعريضة إلى الرئيس الأميركي يومها بنيامين هاريسون مطالباً بتدخل أميركا لإعادة اليهود إلى فلسطين، وجمع على العريضة توقيعات 413 من كبار رجال الدين المسيحي في أميركا، إضافة إلى كبير قضاة المحكمة العليا، ورئيس مجلس النواب، وعدد كبير من أعضاء مجلس الشيوخ، ورؤساء تحرير عدد من الصحف الكبرى[2]

   ففكرة إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين آمن بها المسيحيون البروتستانت قبل إيمان اليهود بها، وسعوا إلى تنفيذها قبل أن يسعى اليهود إلى ذلك، بل قبل أن يؤمن اليهود بإمكانية تحقيقها. ويمكن الجزم بأنه لولا الدعم الاعتقادي لهذه الفكرة من طرف البروتستانت الأميركيين والبريطانيين لما اهتم بها اليهود اهتماما عمليا.

دور ما سمي بالصحوة المسيحية في امريكا في انشاء ودعم الكيان الصهيوني

   وزاد من تهود المسيحية الأميركية التحولات العميقة في الثقافة الدينية الأميركية منذ السبعينيات حتى اليوم، فقد خرجت الكنائس من الزوايا وهوامش المجتمع، إلى صدارة الحدث السياسي والاجتماعي، بفضل ثورة الإعلام والاتصال، وخصوصا عبر ما يدعى (الكنائس التلفزيونية)، وتوسعت الطوائف الأصولية كالمعمدانية والمنهجية وغيرها على حساب المسيحية التقليدية. وأصبح تيار "المسيحيين المولودين من جديد في اتساع مطرد، وهو أكثر التيارات المسيحية تماهيا مع اليهودية، وبالتالي مع عصمة الدولة اليهودية وقدسيتها. لأن من عقيدة المسيحية الصهيونية الأمريكية التي تؤمن : بأن قيام دولة إسرائيل عام 1948 كان ضرورة حتمية لأنها تتمم نبوءات الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد وتشكل المقدمة لمجيء المسيح الثاني إلى الأرض كملكٍ منتصر. يعتقد الصهاينة المسيحيون أنه من واجبهم الدفاع عن الشعب اليهودي بشكل عام وعن الدولة العبرية بشكل خاص، ويعارضون أي نقد أو معارضة لإسرائيل خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية حيث يشكلون جزءاً من اللوبي المؤيد لإسرائيل بدون تحفظ.

    ولأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة وصل إلى البيت الأبيض عام 1974م رئيس يعتز بانتمائه إلى هذا التيار، وهو الرئيس (جيمي كارتر)، الذي عبر عن حقيقة الرباط العقدي بين اليهود والمسيحية الأميركية في خطاب له أمام الكنيست الإسرائيلي عام 1979م، قال فيه: "إن علاقة أميركا بإسرائيل أكثر من مجرد علاقة خاصة. لقد كانت ولاتزال علاقة فريدة، وهي علاقة لا يمكن تقويضها، لأنها متأصلة في وجدان وأخلاق وديانة ومعتقدات الشعب الأميركي.

ومن بعد كارتر زادت قوة هذا التيار رسوخا برئاسة (بوش) الأول، ثم بوش الثاني وقد توصل أحد الباحثين الأميركيين مؤخرا -بعد دراسته لكل أحاديث الرئيس بوش وخطاباته إلى أن بوش "أصولي مسيحي، يؤمن بأن الضفة الغربية وقطاع غزة منحة ربانية لليهود لا يجوز التنازل عنها". وهو نفس الاعتقاد الذي عبر عنه (التحالف المسيحي) بقيادة (بات روبرتسون) مؤخرا في مسيرة له بواشنطن العاصمة، طالب فيها القادة الإسرائيليين بعدم التنازل عن الضفة الغربية وقطاع غزة، لأن ذلك "مناقض لإرادة الرب".

   ومما يدل على أصولية وصهيونية الرئيس بوش أنه أول رئيس أميركي يمول التعليم الديني من ميزانية الدولة الأميركية التي يفترض فيها أنها دولة علمانية تقف من الدين موقف الحياد. وحينما سأل الصحفي الشهير (جيم لهرر) جورج بوش أثناء مناظرة تلفزيونية مع (آل غور) عن برنامجه اليومي، رد بوش بأنه يبدأ يومه بقراءة في الكتاب المقدس، وإطعام كلبه، وإعداد القهوة لزوجته. كما صرح مرارا بأن المسيح هو مثاله السياسي. وهذه مظاهر جديدة على السياسة الداخلية الأميركية، كما لاحظ البروفسور (جون أسبوعية) مدير مركز التفاهم الإسلامي المسيحي بجامعة (جورج تاون)، في كتابه الجديد "الحرب غير المقدسة". وقد شوهد الرئيس بوش وهو يصرح بأنَّ "اليهود هم شعب الله المختار الوحيد على وجه الأرض".

     ورغم وجود عدد من اليهود في الحزب الديمقراطي الأمريكي، نظرا لانقسام اليهود إلى ليبراليين ومتدينين وأحيانا تفاديا لوضع البيْض في سلة واحدة -فإن الجماعات اليهودية بدأت في الأعوام الأخيرة تميل إلى الحزب الجمهوري، لأن ولاءه للمسألة اليهودية نابع من اعتقاد ديني ثابت، مجرد من الاعتبارات السياسية والإستراتيجية في الغالب، بخلاف الحزب الديمقراطي ذي الميول الليبرالية، الذي يتعامل مع إسرائيل باعتبارها "دولة دنيوية" إلى حد ما.

اليهود من التدنيس إلى "التقديس:

   ظل اليهود في نظر العالم المسيحي بأسره "أمة ملعونة" لمدة ألف وخمسمائة عام، لأنهم -في اعتقاد المسيحيين- هم قتلة السيد المسيح. وقد عانى اليهود صنوفا من الاضطهاد والازدارء بناء على هذا التصور الذي ترسخ في العقل المسيحي. ورغم أن هذا التصور من وجهة نظر إسلامية تصور ظالم أنتج ممارسات ظالمة، إلا أنه صمد على مر القرون، مدعوما بنصوص كثيرة من الإنجيل، وظروف اجتماعية وسياسية خاصة.

    لكن القرن الخامس عشر الميلادي أظهر تحولات عميقة في النفس المسيحية الغربية على الأقل، مع بزوغ ما عرف بحركة الإصلاح، وما استتبعه ذلك من انشقاق سياسي وعقائدي داخل الديانة المسيحية بشكل عام، والكاثولوكية الغربية بشكل خاص.

   كان من نتائج هذه التحولات أن أصبحت المسيحية الجديدة التي عرفت باسم البروتستانتية ربيبة لليهودية: فقد أصبحت للتوراة - أو العهد القديم- أهمية أكبر في نظر البروتستانت من الإنجيل أو العهد الجديد، وبدأت صورة الأمة اليهودية تتغير تبعا لذلك في أذهان المسيحيين الجدد.

     وقد ظهر هذا التحول في النظرة المسيحية إلى اليهود في كتابات رائد الإصلاح البروتستانتي، القس الفيلسوف (مارتن لوثر). فقد كتب لوثر عام 1523 كتابا عنوانه: "المسيح ولد يهوديا" قدم فيه رؤية تأصيلية للعلاقات اليهودية المسيحية من منظور مغاير تماما لما اعتاده المسيحيون من قبل، فكان مما قال في كتابه: "إن الروح القدس شاءت أن تنزل كل أسفار الكتاب المقدس عن طريق اليهود وحدهم. إن اليهود هم أبناء الرب، ونحن الضيوف الغرباء، وعلينا أن نرضى بأن نكون كالكلاب التي تأكل من فتات مائدة أسيادها" (رضا هلال ص63(.

    ومع ذلك لم يكن مارتن لوثر حاسما في موقفه من اليهود، بل كان مترددا مثقلا بتراث الماضي السحيق، ولذلك عاد فألف كتابا آخر في ذم اليهود سماه "ما يتعلق باليهود وأكاذيبهم"، بعدما يئس من دفعهم لاعتناق المسيحية. لكن (لوثر) فتح ثغرة في تاريخ المسيحية لصالح اليهود ظلت تتسع إلى اليوم. وظلت كفة الصراع بين مدرسة "المسيح ولد يهوديا" ومدرسة "ما يتعلق باليهود وأكاذيبهم" تتأرجح في الضمير الغربي طيلة القرون الأربعة التالية لكتابة هذين الكتابين، حتى انحسم الأمر أخيرا للمدرسة الأولى. فاليهود تحولوا من "أمة ملعونة" إلى "أبناء الرب"، من "الغيتو" إلى قمة المجتمع، من "أمة مدنسة" ظلمها المسيحيون كثيرا، إلى "أمة مقدسة" يظلم بها المسيحيون شعوبا أخرى.

أشهر المنظرون لتأسيس المسيحية الصهيونية وداعميها:

من الافراد:

1- ورأس فكر المدرسة الأمريكية القس الأيرلندي جون نيلسون داربي الذي يعتبر بمثابة الأب الروحي لحركة المسيحية الصهيونية الأمريكية .وخلال 60 عاما بشر داربي لنظريته بكتابة العديد من المؤلفات التي فصلت رؤيته لنظرية عودة المسيح الثانية، ونظرية الألفية. وقام داربي بست زيارات تبشيرية للولايات المتحدة، ومن ثم أصبح داعية مشهورا ومدرسا له أتباع كثيرون.

2- وحمل لواء الحركة من داربي عدة قساوسة من أشهرهم داويت مودي الذي عرف بترويجه لنظرية "شعب الله المختار"،

3- وويليام يوجين بلاكستون الذي ألف كتاب "المسيح آت" عام 1887 وأكد فيه على نظرية حق اليهودي طبقا لقراءته للتوراة في فلسطين.

 4- إلاَّ أنَّ أكثر المنظرين تطرفا كان القس سايروس سكوفيلد الذي ألف كتابا عنوانه "إنجيل سكوفيلد المرجعي" عام 1917، وهو الكتاب الذي أصبح بمثابة المرجع الأول لحركة المسيحية الصهيونية.
من السياسيين الغربيين:

   أشهر السياسيين الذين أسهموا في نمو حركة المسيحية الصهيونية عضو البرلمان البريطاني اللورد شافتسبري، وكان شافتسبري مسيحيا محافظا وعلى علاقة جيدة بصانعي السياسة البريطانيين في منتصف القرن الـ 19. وفي العام 1839 ذكر شافتسبري في مقال نشر في دورية شهيرة أنه "يجب أن نشجع عودة اليهود إلى فلسطين بأعداد كبيرة، حتى يستطيعوا مرة أخرى القيام بالرعي في سامراء والجليل"، وكان ذلك قبل 57 عاما من ظهور الحركة الصهيونية العالمية، وكان اللورد شافتسبري هو أول من وصف اليهود وفلسطين قائلا "شعب بلا وطن. لوطن بلا شعب.

ج- ومن أبرز الحركات الداعية لها:

 1- الحركة الپيوريتانية التطهرية التي تأسست على المبادئ الكالڤنية بزعامة السياسي البريطاني أوليفر كرومويل 16491659 الذي دعا حكومته إلى حمل شرف إعادة إسرائيل إلى أرض أجدادهم حسب زعمه.

2- في عام 1807 أُنشئت في إنجلترا جمعية لندن لتعزيز اليهودية بين النصارى وقد أطلق اللورد أنطوني آشلي-كوپر، إرل شافتسبري السابع 1801-1885، أحد كبار زعمائها شعار: "وطن بلا شعب لشعب بلا وطن" الأمر الذي أدى إلى أن يكون أول نائب لقنصل بريطانيا في القدس وليم برنگ أحد أتباعها،

3- )اللورد پالمرستون( وزير خارجية بريطانيا 1784-1765 يعتبر من أكبر المتعاطفين مع أفكار تلك المدرسة الصهيونية المسيحية وأيضاً فإنّ تشارلز هـ. تشرشل الجد الأعلى لونستون تشرشل -رئيس الحكومة البريطانية الأسبق -أحدُ كبار أنصارها.

4- يعتبر سايروس سكوفيلد 1843 الأب اللاهوتي للصهيونية المسيحية في أمريكا عندما انتقلت الصهيونية المسيحية إلى أمريكا من خلال الهجرات المبكرة لأنصارها نتيجة للاضطهاد الكاثوليكي، وقد استطاعت تأسيس عدة كنائس هناك من أشهرها الكنيسة المورمونية.

5- مجموعة كنائس امريكية أشهرها الفدرالية الأمريكية المؤيدة لفلسطين التي أسسها القس تشارلز رسل عام 1930، واللجنة الفلسطينية الأمريكية التي أسسها في عام 1932 السناتور روبرت واضر، وضمَّت 68 عضواً من مجلس الشيوخ، و200 عضواً من مجلس النواب وعدد من رجال الدين الإنجيليين، ورفعت هذه المنظمات شعارات: الأرض الموعودة، والشعب المختار..

     هذه الكنائس لعبت دوراً هامًّا في تمكين اليهود من احتلال فلسطين واستمرار دعم الحكومات الأمريكية لهم إلاّ ما ندر من خلال العديد من اللجان والمنظمات والأحزاب التي أنشئت من أجل ذلك.

من أهم أقوال اتباع المسيحية الصهيونية:

1- تقول جريس هالسل: "إن قادة اليمين المسيحي الجديد يعتقدون أن الكتاب المقدس يتنبأ بالعودة الحتمية الثانية للمسيح بعد مرحلة من الحرب أو الكوارث الطبيعية والانهيار الاقتصادي والفوضى الاجتماعية. وتقول إنهم يعتقدون أن هذه الأحداث يجب أن تقع قبل العودة الثانية كما يعتقدون أنها مسجلة بوضوح في الكتاب المقدس".

2- ويقول المسيحي الصهيوني جيم روبنسون – وقد كان شخصية متمكنة في الحكومة الأمريكية-: "لن يكون سلام حتى يعود المسيح، وكل من يؤمن بالسلام فهو ضد كلمة الله، ضد المسيح". ويقول نصارى أوروبا: "إنّنا نحن المسيحيين نؤخر وصول المسيح من خلال عدم مساعدة اليهود على مصادرة مزيد من الأراضي".

3- ويقول المبشر المسيحي الصهيوني فرانك جناوي: "إنّ هجرة اليهود إلى أرض كنعان تمثل التحقيق المطلق لتلك النبوءات فيما يتعلق بعودة اليهود إلى أرضهم قبل مجيء المسيح المنتظر إلى العالم"

الوجه الجديد للمسيحية الأميركية

   إن علاقة أميركا بإسرائيل أكثر من مجرد علاقة خاصة. لقد كانت ولا تزال علاقة فريدة، وهي علاقة لا يمكن تقويضها، لأنها متأصلة في وجدان وأخلاق وديانة ومعتقدات الشعب الأميركي، وقد ظهر هذا التحول في النظرة المسيحية إلى اليهود في كتابات رائد الإصلاح البروتستانتي، القس الفيلسوف (مارتن لوثر). فقد كتب لوثر عام 1523 كتابا عنوانه: "المسيح ولد يهوديا" قدم فيه رؤية تأصيلية للعلاقات اليهودية المسيحية من منظور مغاير تماما لما اعتاده المسيحيون من قبل، فكان مما قال في كتابه: "إن الروح القدس شاءت أن تنزل كل أسفار الكتاب المقدس عن طريق اليهود وحدهم. إن اليهود هم أبناء الرب، ونحن الضيوف الغرباء، وعلينا أن نرضى بأن نكون كالكلاب التي تأكل من فتات مائدة أسيادها" (رضا هلال ص63).

   ومع ذلك لم يكن مارتن لوثر حاسما في موقفه من اليهود، بل كان مترددا مثقلا بتراث الماضي السحيق، ولذلك عاد فألف كتابا آخر في ذم اليهود سماه "ما يتعلق باليهود وأكاذيبهم"، بعدما يئس من دفعهم لاعتناق المسيحية. لكن (لوثر) فتح ثغرة في تاريخ المسيحية لصالح اليهود ظلت تتسع إلى اليوم. وظلت كفة الصراع بين مدرسة "المسيح ولد يهوديا" ومدرسة "ما يتعلق باليهود وأكاذيبهم" تتأرجح في الضمير الغربي طيلة القرون الأربعة التالية لكتابة هذين الكتابين، حتى انحسم الأمر أخيرا للمدرسة الأولى.

فكرة إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين:

     آمن المسيحيون البروتستانت بفكرة إنشاء "وطن قومي لليهود في فلسطين": قبل إيمان اليهود بها، وسعوا إلى تنفيذها قبل أن يسعى اليهود إلى ذلك، بل قبل أن يؤمن اليهود بإمكانية تحقيقها، وفي عام 1983 وصلت إلى القدس الكاتبة الأميركية (غريس هالسل) ضمن مئات من المسيحيين الأميركين جاؤوا في رحلة إلى الأراضي المقدسة على نفقة القس (جيري فالويل)، ولاحظت الكاتبة الأميركية أن فالويل لم يشر في منشوراته التي وزعها على المسافرين على الإطلاق إلى "أن هؤلاء الحجاج المسيحيين قادمون إلى الأرض التي ولد بها السيد المسيح، ونشر دعوته.. بل كان كل تركيزه على إسرائيل" كما لاحظت أن "المسيحيين [الفلسطينيين" كانوا حولنا في كل مكان، لكن فالويل لم يرتب لنا لقاء مع أي من هؤلاء المسيحيين"(غريس هالسل ص 59).

    ولو أن هالسل عاشت لترى حصار الجنود الإسرائيليين لكنيسة المهد أمام سمع وبصر العالم المسيحي، لأدركت أن المسيحية الجديدة لم تعد تمت بصلة للمسيحية التي آمنت بها.

    واستغربت هالسل كيف أصبح اليهود في نظر العديد من المسيحيين الأميركيين أقرب وأهم من المسيحيين الآخرين، بمن فيهم المسيحيون الفلسطينيون، كما استغربت كيف أن بعض المسيحيين الأميركيين مستعدون لتجاوز الخطوط الحمراء في خدمة الأهداف اليهودية، أكثر من اليهود أنفسهم، كما دلت عليه حاثة اعتقال الشرطة الإسرائيلية مجموعة من الأميركيين كانوا يخططون لنسف المسجد الأقصى عام 1999م. (هالسل ص 89(

   ويمكن أن نضيف نحن إلى ذلك أن الأصوليين المسيحيين أكثر جرأة في الطعن في الإسلام، وجرح مشاعر المسلمين، من حلفائهم اليهود. كما تدل عليه تصريحات (فرانك غراهام) و(بات روبرتسون) و(جيري فالويل) حول الإسلام خلال العام المنصرم.

   ولاحظت الكاتبة الأميركية أن الأصوليين المسيحيين في أميركا "مستعدون لتقبل نقد موجه لفرنسا أو إنجلترا، أو ألمانيا، أو إيطاليا، أو الولايات المتحدة، أو أي بلد آخر في العالم، لأن ذلك شأن سياسي، أما نقد إسرائيل فهو يساوي عندهم نقد الرب ذاته" حسب تعبيرها (هالسل ص 80).

    إن فهم المسار التاريخي الذي أدى إلى تهود المسيحية البروتستانتية هو المدخل الصحيح -في اعتقادي- لفهم السياسة الأميركية في فلسطين، وفي العالم الإسلامي بشكل عام، فالوقوف عند المظاهر السياسية والانتخابية لهذه السياسة لم يعد مجديا اليوم، وتفسيره بمجرد "شطارة" الأقلية اليهودية في أميركا تفسير سطحي لظاهرة تاريخية عميقة ضاربة الجذور "متأصلة في وجدان وأخلاق وديانة ومعتقدات الشعب الأميركي" حسب تعبير الرئيس (كارتر)

   لقد آن الأوان لفهم الحقيقة المرة: إن إسرائيل التي نعتبرها آخر جيوب الاستعمار والعنصرية، هي في أذهان أغلب الأميركيين مشروع إلهي لا يقبل الإدانة والنقد، فضلا عن المقاومة والنقض، فهل ندرك مدلول ذلك في الوقت الذي يترسخ فيه أثر الدين في السياسة الأميركية يوما بعد يوما؟؟!!

المرتكزات العقائدية للصهيونية المسيحية والصهيونية اليهودية

  لقد أصبحت المرتكزات العقائدية للصهيونية المسيحية والصهيونية اليهودية تتلخص في ثلاثة أمور، هي:-

 أولاً: اليهود هم شعب الله المختار، وهم الأمة المفضلة على بقية الأمم والشعوب. ثانياً: هناك ميثاقاً إلهياً ووعداً مقدساً يربط اليهود بالأرض المباركة فلسطين:

إنّ هذا الميثاق والوعد أعطاه الله تعالى لإبراهيم ونسله، وخاصة يعقوب (إسرائيل) بن إسحاق عليهم السلام، وهو ميثاق أبدي. يقول الحاخام اليهودي ألمر بيرجر: من الغريب أنّ الطوائف المسيحية البروتستانتية والتي تقبل التفسير الحرفي للكتاب المقدس أصبحت تتطلع إلى عودة اليهود إلى أرض الميعاد'. يقول بن غوريون أول رئيس وزراء لليهود: 'أما السيف الذي أعددناه إلى غمده، فإنّه لم يعد إلا مؤقتاً، إننا سنستله حين تتهدد حريتنا في وطننا، وحين تتهدد رؤى أنبياء التوراة، فالشعب اليهودي بأسره سيعود إلى الاستيطان في أرض الآباء والأجداد من النيل إلى الفرات'، ويقول:'تستمد الصهيونية وجودها من مصدرين: مصدر عميق عاطفي دائم، وهو مستقل عن الزمان والمكان، وهو قديم قد الشعب اليهودي ذاته، وهذا المصدر: هو الوعد الإلهي والأمل بالعودة، يرجع الوعد إلى قصة اليهودي الأول –يقصد إبراهيم عليه السلام-الذي أبلغته السماء أن: 'سأعطيك ولذريتك من بعدك جميع أرض بني كنعان ملكاً خالداً لك'... والإيمان بظهور المسيح لإعادة المملكة أصبح مصدراً سياسياً في الدين اليهودي يردده الفرد في صلواته اليومية... أما المصدر الثاني فقد كان مصدر تجديد وعمل. وهو ثمرة الفكر السياسي والعملي الناشئ عن ظروف الزمان والمكان، والمنبعث من التطورات والثورات التي شهدتها أوربا في القرن التاسع عشر، وما خلفته هذه الأحداث الكبيرة من آثار عميقة في الحياة اليهودية'. ويقول إيغال ألون نائب رئيسة وزراء إسرائيل السابقة- غولدا مائير-: 'جاء اليهود إلى البلاد لكي يستردوا الأرض التي يعتقدون أنها كانت أرض آبائهم، الأرض التي وعدها الله لهم ولذراريهم في العهد القديم المبرم قبل آلاف السنين بين الله وإبراهيم'. وقال السفير اليهودي السابق بنيامين نتنياهو في الأمم المتحدة- رئيس وزراء إسرائيل السابق- أمام مؤتمر صهيوني مسيحي عقد في واشنطن سنة 1985م: 'هناك شوق قديم في تقاليدنا اليهودية للعودة إلى إسرائيل، هذا الحلم الذي يراودنا منذ ألفي سنة تفجر من خلال المسيحيين الصهيونيين. المسيحيون هم الذي عملوا على تحويل الأسطورة الجميلة إلى دولة يهودية'.

 ثالثاً: ربط الإيمان المسيحي بعودة المسيح ونزوله إلى الأرض بقيام دولة يهودية صهيونية في فلسطين.

     في سنة 1649م وجه من هولندا عالما اللاهوت التطهريّان الإنجليزيان: جوانا، وأليندز كارترايت مذكرة إلى الحكومة البريطانية عبّرا فيها عن مدى التحوّل في النظرة اللاهوتية إلى فلسطين والقدس من كونها أرض المسيح المقدسة التي قامت من أجلها الحروب الصليبية إلى كونها وطناً قومياً لليهود، كما عبرّا عن التحول من الإيمان بأنّ عودة المسيح يجب أن تسبقها عودة اليهود إلى فلسطين، وأنّ العودتين لن تتحققا إلا بتدخل إلهي إلى الإيمان بأنّ هاتين العودتين ممكن أن تتحققا بعمل بشري'. ويقول المسيحي الصهيوني جيم روبنسون– وقد كان شخصية متمكنة في الحكومة الأمريكية- : 'لن يكون سلام حتى يعود المسيح، وكل من يؤمن بالسلام فهو ضد كلمة الله، ضد المسيح'. ويقول نصارى أوروبا: 'إنّنا نحن المسيحيين نؤخر وصول المسيح من خلال عدم مساعدة اليهود على مصادرة مزيد من الأراضي'. ويقول المبشر المسيحي الصهيوني فرانك جناوي: 'إنّ هجرة اليهود إلى أرض كنعان تمثل التحقيق المطلق لتلك النبوءات في ما يتعلق بعودة اليهود إلى أرضهم قبل مجيء المسيح المنتظر إلى العالم'.

ولمّا شارف القرن العشرون على البزوغ –أي سنة 1900م– بدأت تظهر الدعوات لظهوره من جديد ولما لم ينزل اعتقدوا أنه سينزل وسيعود عام 2000م، وبما أنّ ظهوره سيكون في موطنه الأصلي فلسطين، فلا بد إذا من الإعداد والتهيؤ لنزوله، ومن ذلك تجميع اليهود في فلسطين على شكل دولة تكون القدس عاصمتها الموحدة الأبدية –وقد تم ذلك– ثمّ إقامة هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى، كما بينّا ذلك قبل سطور قليلة.

واستطاعت الصهيونية المسيحية أن تغرس في أذهان وعقلية الغرب المسيحي أن ثلاثة أمور يجب أن تتحقق قبل ظهور السيد المسيح في فلسطين وهي:-

 الأول: قيام دولة إسرائيل، ولمّا قامت سنة 1948م اعتبرها المسيحيون الصهاينة في أمريكا أعظم حدث في التاريخ، لأنّه جاء مصدقاً للنبوءة الدينية التوراتية التي يؤمنون بها.

وبعد قيام إسرائيل: أصبحت العقيدة الصهيونية المسيحية تقوم على دعائم ومرتكزات أربعة، وهي:-

1- إعطاء كلمة إسرائيل معنى دينياً رمزياً، وليس مجرد اسم ودولة والالتزام الأخلاقي بدعم إسرائيل هو التزام ديني ثابت ودائم، وليس مجرد التزام سياسي متغير ومتحرك وفقاً لمصالح الشعوب.

2- اعتبار شرعية الدولة اليهودية مستمدة من التشريع الإلهي، ومن ثمّ اعتبار قيام دولة إسرائيل تحقيقاً للنبوءات الدينية.

 3- التشديد على أنّ أرض إسرائيل هي: كلّ الأرض التي وعد الله بها إبراهيم وذريته من النيل إلى الفرات كما جاء في التوراة: 'لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات'. يقول الأصولي الإنجيلي (الصهيوني المسيحي) الأمريكي د.جيري فولويل: 'إنّه لا يحق لإسرائيل أن تتنازل عن شئ من أرض فلسطين لأنها أرض التوراة التي وعد الله بها شعبه'. ويقول الأصولي الإنجيلي دوغلاس كريكر:'إنّ الأصوليين الإنجيليين مثل اليهود والأرثوذكس، مغرمون بالأرض التي وعد الله بها إبراهيم وذريته'.

 4- استمرار العمل بالشعار التوراتي الذي يقول:'إنّ الله يبارك إسرائيل ويلعن لاعنيها'. وعملاً به لابدّ من: تقديم كل أنواع العون والمساعدة المادية والمعنوية والعلمية لإسرائيل للحصول على بركة الرب، وتجنب لعنته. ومن خلال ذلك تلتزم الكنائس المسيحية الصهيونية في أمريكا بتوجيه الرأي العام والقيادات السياسية لتأييد إسرائيل، وإصدار القرارات التي تترجم رغبة إرادة الله، وإذا تعارضت القرارات الأمريكية مع القوانين والمواثيق الدولية فإن القرار الصادر لمصلحة إسرائيل والقرار الإسرائيلي يجب احترامه والعمل بموجبه، لأنه يعكس إرادة الله، وأما القوانين والمواثيق الدولية فلتذهب إلى الجحيم، إنها لا تساوي الحبر الذي كتبت به. وجّه أحد الزعماء المسيحيين الصهاينة نداءً إلى اليهود جاء فيه: 'إنه لا يجوز أن يبقى اليهود أوفياء إلى هذه المبادئ البراقة –يقصد القوانين الدولية- إذ أنّه على إسرائيل أن تكسر من وقت لآخر القوانين الدولية، وأن تقرر بنفسها ما هو قانوني وما هو أخلاقي وذلك على قاعدة واحدة، هي: ما هو جيد لليهود، ما يكون هو في مصلحة اليهود" يقول بن غوريون: 'إذا كان ينبغي من أجل خير أرض أجدادنا أن نغزو أمماً أجنبية ونستعبدها ونبيدها، فيجب أن لا تمنعنا من ذلك اعتبارات إنسانية'. ويقول الدكتور إسرائيل شاحاك عضو جمعية حقوق الإنسان الإسرائيلية: 'إن اليمين المسيحي الجديد يبرر أي عمل عسكري أو إجرامي تقوم به إسرائيل، وبالتالي فهو يؤيد هذه الأعمال'.

الثاني: جعل مدينة أورشليم –القدس- تحت السيطرة الإسرائيلية، لأنّها المدينة التي سيحكم منها السيد المسيح العالم كله، ولما احتلت إسرائيل بقية القدس سنة 1967م –برعاية ومساعدة مسيحية أوربية وأمريكية– ضغطت الكنائس الصهيونية المسيحية في أمريكا من أجل الاعتراف بالقدس عاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل. ولقد كان ما أرادت، إذ تجاوب الكونجرس الأمريكي -مجلس الشيوخ والنواب- لهذا الأمر بإصدار قرار في ذلك في إبريل 1990م.

 الثالث: إعادة بناء هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى المبارك بعد هدمه وإزالته من الوجود.

ومن أقوالهم بذلك:-

1- يقول أحد أبرز قادة الحركة الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة وهو القس جيري فولويل - الذي توفي أخيراً – يقول: "إنني مع كوني سعيداً لعودة اليهود الى فلسطين ولقيام اسرائيل، فإنني أشعر أن اليهود لم ينجزوا مهمتهم تماماً بعد. إن على اليهود اليوم استرجاع كل الأرض التي أعطاها الله للعبرانيين. أي أن على اليهود أن يملكوا كل الأرض التي منحهم الله قبل عودة المسيح وكشرط مسبق لهذه العودة. وإن على العرب مغادرة هذه الأرض لأن هذه الأرض تخصّ اليهود. الله أعطى كل هذه الأرض لليهود".

2- ويقول فولويل: "لقد أعددنا جميع الخطط لبناء الهيكل. ويوظف الصهيوني المسيحيون – واليهود معاً – نتائج العمليات الحربية التي قامت بها دولة العدو المحتل لصياغة تفسيرات دينية من نصوص توراتية. من هذه العمليات تجميع اليهود في فلسطين تحت شعار صهيون، واحتلال يهودا والسامرة (الضفة الغربية) بما في ذلك مدينة القدس. إن بناء المستوطنات اليهودية في الضفة وفي القدس خاصة لا يستجيب لحاجة إسكانية بقدر ما يستهدف تهويداً مقصود في حدّ ذاته لإعداد أرضية تساعد على استخراج المزيد من التفسيرات الدينية للنصوص التوراتية. فالمستوطنات اليهودية في القدس وحولها هي الحصن اللازم للهيكل الذي يستعد اليهود لبنائه بمساعدة حركة الصهيونية المسيحية.

3- المبشر الصهيوني النصراني (أوين) وهو ضابط متقاعد: يقول "إنّنا نعتقد بأن سيكون الخطوة التالية في الأحداث بعد إقامة دولة إسرائيل وعودة اليهود للقدس، هو أن يعاد الهيكل، هذه ستكون مؤدية إلى عودة المسيح، وإن اليهود بمساعدة المسيحيين يجب أن يدمروا المعبد القائم – المسجد الأقصى ويبنوا الهيكل لأنّ هذا ما يقوله الإنجيل". وقال أحد الزعماء اليهود لزملائه النصارى الإنجيليين: "إنكم تنتظرون مجيء المسيح للمرة الثانية، ونحن ننتظر مجيئه للمرة الأولى، فلنبدأ أولاً ببناء الهيكل وبعد مجيء المسيح ورؤيته نسعى لحل القضايا المتبقية سوياً.

4- هال ليندسي وهو الأب الروحي لحركة نبوءة إنجيل العهد الجديد والممثل الرئيسي للصهيونية المسيحية: يرى أن مساحة الـ 35 فداناً المقام عليها الآن المسجد الأقصى، والتي يجب أن يقام عليها الهيكل الثالث هي أهم نقطة في الصراع العالمي، وسيتم حسم مصير الأرض كلها بناء على نتيجة الصراع حول هذه القطعة من الأرض!. ويضيف ليندسي: أن الهيكل سيتم إعادة بنائه... هكذا تقول النبوءة... وهذه أول مرة يسيطر فيها اليهود على الهيكل بشكل كامل منذ 2600 سنة، وبناء الهيكل العظيم إشارة إلى العودة القريبة للمسيح وعلى كل الذين يؤمنون بالمسيح أن يستعدوا لاستقباله. ويعتقد المسيحيون الصهيونيون أن الهيكل يجب أن يقام مكان قبة الصخرة, ويدعي ليندسي أن علماء الآثار في جامعة بارإيلان قد اكتشفوا عموداً يعود إلى هيكل سليمان على مسافة عشرة أمتار من قبة الصخرة. ومن الواضح أن ليندسي يكذب، ف"إسرائيل" لا يمكن أن تخفي مثل هذه المعلومة، ولو أنها حقيقية لكانت أعلنتها في كل وسائل الإعلام.

5- وقال أحد الزعماء اليهود لزملائه النصارى الإنجيليين: 'إنكم تنتظرون مجيء المسيح للمرة الثانية، ونحن ننتظر مجيئه للمرة الأولى، فلنبدأ أولاً ببناء الهيكل وبعد مجيء المسيح ورؤيته نسعى لحل القضايا المتبقية سوياً. وممّا هو جدير بالإشارة والتنبيه إليه: أنّ نصارى العالم يعتقدون بعودة المسيح عليه السلام بعد ألف سنة من ميلاده، ثم يحكم العالم ألف سنة، وقد أخذوا عقيدتهم هذه من رؤيا يوحنا اللاهوتي من رسائل العهد الجديد. وقد انتظر النصارى نزول المسيح وعودته على رأس الألف الميلادية الأولى، ولمّا لم ينزل بقيت الأحلام بعودته في رؤوسهم. ولمّا شارف القرن العشرون على البزوغ –أي سنة 1900م– بدأت تظهر الدعوات لظهوره من جديد ولما لم ينزل اعتقدوا أنه سينزل وسيعود عام 2000م، وبما أنّ ظهوره سيكون في موطنه الأصلي فلسطين، فلابد إذا من الإعداد والتهيؤ لنزوله، ومن ذلك تجميع اليهود في فلسطين على شكل دولة تكون القدس عاصمتها الموحدة الأبدية –وقد تم ذلك– ثمّ إقامة هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى.

     وممّا هو جدير بالإشارة والتنبيه إليه: أنّ نصارى العالم يعتقدون بعودة المسيح عليه السلام بعد ألف سنة من ميلاده، ثم يحكم العالم ألف سنة، وقد أخذوا عقيدتهم هذه من رؤيا يوحنا اللاهوتي من رسائل العهد الجديد وقد انتظر النصارى نزول المسيح وعودته على رأس الألف الميلادية الأولى ولما لم ينزل بقيت الأحلام بعودته في رؤوسهم.

 المنظمات والمؤسسات الصهيونية المسيحية واليهودية العاملة لبناء الهيكل:

      إنّ نصارى - مسيحيي- العالم يعتقدون بعودة المسيح عليه السلام بعد ألف سنة من ميلاده، ثمّ يحكم العالم ألف سنة، وقد أخذوا عقيدتهم هذه من رؤيا يوحنا اللاهوتي من رسائل العهد الجديد.([3]) ولكن قبل نزوله لابد من بناء هيكل الربّ في مكانه الأصلي، حيث يوجد المسجدان الأقصى وقبة الصخرة. وقد انتظر النصارى نزول المسيح وعودته على رأس الألف الميلادية الأولى، ولمّا لم ينزل بقيت الأحلام بعودته في رؤوسهم، ولمّا شارف القرن العشرون على البزوغ –أي سنة 1900م– بدأت تظهر الدعوات لظهوره من جديد، ولمّا لم ينزل اعتقدوا أنّه سينزل، وسيعود عام 2000م، وبما أن ظهوره سيكون في موطنه الأصلي فلسطين، فلابدّ إذاً من الإعداد والتهيؤ لنزوله، ومن ذلك تجميع اليهود في فلسطين على شكل دولة، تكون القدس عاصمتها الموحدة الأبدية، ثمّ إقامة هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى.

     ولإتمام هذا المخطط الشيطاني الرهيب المتمثل في جعل القدس عاصمة موحدة أبديّة لإسرائيل وبناء هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى وجدت في العالم– وخاصّة في أمريكا– مئات المنظمات والمؤسسات الصهيونية المسيحية واليهودية التي تعمل من أجل إنفاذ هذا المخطط الذي هو في الأصل اعتقاد مشترك.

     إنَّ من أشهر هذه المنظمات الصهيونية المسيحية: السفارة المسيحية الدوليـة أنشئت هذه السفـارة في المدينـة المقدسـة–القدس– في 30 سبتمبر عام 1980م. وقد تداعى لإنشائها أكثرُ من ألفِ رجلِ دينٍ من رجالات الصهيونية المسيحية، يمثلون كنائسَ أصوليَّةً إنجيليَّةً لثلاث وعشرين دولة. أقامت هذه السفارة لها فروعاً وقنصليات في أكثر من أربعين دولة، فلها في أمريكا وحدها أكثر من اثنين وعشرين مركزاً في اثنتين وعشرين ولاية أمريكية، يترأس كلّ مركز رجل دين صهيوني مسيحي برتبة قنصل، تعتبر السفارة الدولية من أكبر وأقوى المنظمات الصهيونية المسيحية العاملة في العالم من أجل تحقيق النبوءات التوراتية في القدس، وإقامة هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى.

       جاء في النشرة الأولى لها: "الإسلام مسئول عن السخرية الكبيرة من الله، إذ أنّ هناك مسجداً إسلامياً في أقدس بقعة في جبل موريا، وهذه وصمة عار للموقع المقدس للهيكل.. إنّ الله وحده هو الذي أنشأ هذه السفارة الدولية في هذه الساعات الحرجة، من أجل تحقيق راحة صهيون، واستجابة حب جديد لإسرائيل". يقول مؤسس هذه المنظمة: "إنّنا صهاينة أكثر من الإسرائيليين أنفسهم، وأن القدس هي المدينة الوحيدة التي تحظى باهتمام الله، وأنّ الله قد أعطى هذه الأرض لإسرائيل إلى الأبد".([4])

      نشرت مجلةُ "نيويبا بليك" الأمريكية دراسة في 18 يونيه عام 1984م دراسة أعدّها "مايكل لدين" المحاضر في معهد الدراسات الاستراتيجية في جورج تاون بالتعاون مع زوجته "باربارا" أظهرت هذه الدراسة أنّ هناك مؤامرة محبكة أعدها اليهود اليمينيون والنصارى الصهاينة -من الأمريكان والأوربيين- لنسفِ المسجد الأقصى وبناء الهيكل على أنقاضه.([5]) يقول المبشر الصهيوني النصراني (أوين) وهو ضابط أمريكي متقاعد: "إنَّنا نعتقدُ بأنَّه ستكون الخطوة التالية في الأحداث بعد إقامة دولة إسرائيل وعودة اليهود للقدس، هو أن يعاد الهيكل هذه ستكون مؤدية إلى عودة المسيح، وإنّ اليهود بمساعدة المسيحيين يجب أن يدّمروا المعبد القائم –المسجد الأقصى- ويبنوا الهيكل لأنَّ هذا ما يقوله الإنجيل".([6]) وقال أحدُ الزعماء اليهود لزملائه النَّصارى الإنجيليين: "إنَّكم تنتظرون مجيء المسيح للمرة الثانية، ونحن ننتظر مجيئه للمرة الأولى فلنبدأ أولاً ببناء الهيكل وبعد مجيء المسيح ورؤيته نسعى لحل القضايا المتبقية سوياً".([7]) ويقول عالم الاجتماع الأمريكي الأستاذ غوردون والتي: إنّ الإنجيليين الأصوليين الأمريكيين الذين يجمعون الأموال لتدمير المسجد- الأقصى- يمارسون نفس العقيدة التي مارسها أجدادهم من قبل...وكما أنّ بعض المستوطنين المسيحيين وجدوا أنه من الأصوب قتل الهنود، فإنً بعض المسيحيين يجدون من الصواب تقديم المال إلى الصهاينة الذين يقتلون الفلسطينيين".([8]) وهنالك العديد من الحركات الأخرى التي تهتم بشراء الأراضي والاستيلاء عليها، ومضايقة المسلمين في القدس، وإقامة المؤتمرات والمهرجانات للإعداد لإقامة الهيكل المزعوم، وتتعامل الحكومة اليهودية مع تلك الجماعات والحركات بتسامح يصل إلى حد إعطاء الضوء الأخضر للكثير من الممارسات والاعتداءات. وتتميز هذه المنظمات والحركات بالتنسيق فيما بينها، والتكامل في أنشطتها، هذا بالإضافة للابتكار والتجديد لأساليب العمل مع عدم الزحزحة عن الثوابت التي تعمل من أجلها، والتي لم تتوقف في يوم من الأيام منذ احتلال القدس إلى يومنا هذا.

  وظهرت في الغرب جمعية تسمى "مسيحيون من أجل إسرائيل" عملت على توطين 50 ألف يهودي أوكراني في فلسطين المحتلة، وقالت المتحدثة باسم الجمعية أن هذا العمل هدية لإسرائيل في ذكرى قيامها في مايو أيار 1948م، وقد جمع فرع الجمعية في هولاندا بالإضافة إلى جمعية صهيونية أخرى في بريطانيا قد جمعتا ست مليون دولار لاستخدامها في تمويل الهجرة إلى فلسطين المحتلة.  

  وإنَّ ممَّا يبينُ تأثيرَ الصهيونية المسيحية ومنظماتها في عقلية المجتمع الأمريكي ما يلي:-

1- إنَّه قدمت إلى فلسطين المحتلة مجموعات مسيحية أمريكية ينتمون إلى منظمة صهيونية واحدة من أجل التخطيط لنسف المسجد الأقصى، وقد سكنوا حي العيزرية على جبل الزيتون شرقي القدس غير بعيد من المسجد الأقصى، وألقت السلطات الإسرائيلية القبض على واحد وعشرين شخص من هؤلاء للتحقيق معهم. وقد أوضح رافي كوهين رئيس مديرية الأحوال المدنية في وزارة الداخلية الإسرائيلية أنّ هؤلاء الأمريكيين يؤمنون بأن عودة المسيح لن تتم إلا بعد بناء هيكل سليمان وتدمير المساجد الإسلامية القائمة فوق جبل الهيكل يقصد: مسجدي الأقصى وقبة الصخرة. ([9])

2- هناك مؤسسات ومنظمات أمريكية أخرى مثل: منظمة المسيحيين المتحدين من أجل إسرائيل، يشرف عليها القس (لويس) والمصرف الأمريكي المسيحي من أجل إسرائيل، ومؤتمر القيادة الوطنية المسيحية من أجل إسرائيل ويرأسها الأستاذ فرانكلين بجامعة المعبد في بنسلفانيا، والاتحاد المسيحي من أجل سلامة أمريكا، وتاف الرعويات الأمريكية، ومنظمة الصوت المسيحي والائتلاف الأمريكي من أجل القيم التقليدية.([10])

3- كشفت التقارير عن أن الرئيس (كلينتون) طالب في اجتماعات (كامب دافيد-2) من رئيس السلطة الفلسطينية نقل المسجد الأقصى من مكانه لتمكين الإسرائيليين الصهاينة من إقامة هيكل هناك في مكانه على الرغم من الغضب العربي والإسلامي الذي واجهه، بل إنه عمد إلى إرسال سياسيين من دول أخرى لإقناع رئيس السلطة بهذا الأمر. وقد كشف الرئيس كلينتون عن هدف اقتصادي يتحقق لليهود بسيطرتهم على المسجد الأقصى وذلك في حديثه في البيت الأبيض الذي نقلته جريدة "أوتاوا سيتزن" الكندية يوم 1/12/2000م، وأشار فيه إلى أنّ "الموقع" ويقصد الحرم سيصبح مقصد السياح الأكثر مردوداً مالياّ في التاريخ، وهو يحاول إقناع الرئيس ياسر عرفات بنقل المسجد منه.

    ويصف كلينتون الأقصى بـِ(جبل الهيكل) ويؤيد سيطرة إسرائيلية عليه، فقد ذكرت صحيفة (يديعوت أحرونوت) العبرية في عددها الصادر اليوم أنّ الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون صرَّح خلال حديث خاص هذا الأسبوع بينه وبين رئيس الكنيست الإسرائيلي أنه لا يمكن التوصل إلى تسوية دائمة للنزاع الفلسطيني– الإسرائيلي لا يضمن تواجداً للإسرائيليين في الحرم القدس الشريف. ونقلت الصحيفة عن رئيس الكنيست أبراهام بورغ قوله: "قال لي كلينتون –خلال لقائنا يوم الاثنين 10/9 في نيويورك: أوضحت للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بأنّ التسوية ليست فقط للإسرائيليين والفلسطينيين بل للديانات الثلاث...لذا فإن أي تسوية تدعو إلى تنازل عن التواجد الإسرائيلي في جبل الهيكل (الحرم الشريف) لن تكون تسوية أو حلاً للنزاع". وقد أبلغ رئيس الكنيست الصحيفة بأنّه خرج بانطباع مفاده أنّ الرئيس الأميركي يعتقد بأنّ الحل لمسألة الحرم القدسي يجب أن يتم باتفاق سائر الأطراف ذات العلاقة تتوفر بموجبه موافقة على وضع من الإدارة المشتركة بما يمكن كل طرف من القول: الكل لي بمعنى لا يكون هناك وضع من التنازل الرسمي من جانب أي طرف عن حقوقه في المكان.([11])

4- ذكرت صحيفـة الوطـن القطرية في يوم 29-7-2001م ما يلي:- قدّم العضو اليهودي في مجلس النواب الأميركي أريك كانتور- عضو جمهوري من ولاية فرجينيا-مشروع قانون إلى الكونغرس من شأنه أن يوقف المساعدة عن السلطة الفلسطينية إذا استمرّت بالسّماح بإزاحة آثار العصور القديمة مما أسماه (أقدس مكان لليهودية)، وذلك في محاولة من الحزبين الأمريكيّين الرئيسيّين-الجمهوري والديمقراطي- لدعم المزاعم اليهودية بوجود آثار يهودية قديمة تحت الحرم القدسي. وتزامن تقديم المشروع مع سماح المحكمة الصهيونية العليا للمنظمة اليهودية المتطرفة (أمناء جبل الهيكل) بوضع حجر الأساس لمعبدهم (الهيكل) في ساحة الحرم في سياق الجهود الصهيونية المستمرة لتهويد القدس المحتلة.

      وقد أشاد زعماء المنظمات اليهودية - الأمريكية بمشروع القانون المسمى (قانون الحفاظ على جبل الهيكل) الذي تقدم به(أريك كانتور) إلى جانب 16 عضواً آخرين. وقال نائب رئيس مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأميركية الرئيسية مالكولم هوينلاين: "إنّ مشروع القانون يرسل رسالة مهمةً جداً بأنّ كلّ أولئك الذين يريدون المحافظة على المكان لن يساعدوا أولئك المسؤولين عن ذلك التدمير". ويدعو مشروع القانون حكومة الرئيس جورج بوش إلى وقف المساعدة عن السلطة الفلسطينية أو مؤسساتها ما لم يؤكّد الرئيس الأميركي أنّه لا تجري حفريّات في جبل الهيكل.

5- مايك بينس العضو الجمهوري في مجلس النواب الأميركي عن ولاية أنديانا يقول: "إنّ الولايات المتحدة ليست وسيطا نزيها في المنطقة، بل هي صديقة ل(إسرائيل)، وهذه هي اللحظة المناسبة بالضبط بأن يقوم الصديق والشريك الذي يكتب الشّيكات بالتحدث إلى مستلم هذه الشّيكات السلطة الفلسطينية".

6- وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت قالت مصادر صحفية عبرية: "إنّ الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات انسحب غاضباً من لقاء جمعه الأسبوع الماضي مع وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت، وذلك بسبب خلاف نشب بينهما حول تسمية الحرم القدسي الشريف". وذكرت صحيفة معا ريف- التي أوردت النّبأ في عددها الصادر يوم الاثنين 11-9-2000م- أنّ أجواء صعبة للغاية خيّمت على اللقاء الذي عقد نهاية الأسبوع الفائت بين الرئيس عرفات ووزيرة الخارجية الأمريكية أولبرايت في نيويورك. وقالت: إنّ اللقاء الذي بدأ في أجواء اعتيادية تحوّل إلى لقاء مشحون، حينما نعتت الوزيرة أولبرايت الحرم القدسي الذي يضم مقدسات المسلمين: المسجدين الأقصى وقبة الصخرة المشرفة في القدس الشرقية المحتلة باصطلاح (جبل الهيكل) مستخدمة التعبير الإنجليزي-Temple Mount- وأضافت الصحيفة أنّ الرئيس عرفات قاطع كلام الوزيرة الأمريكية، وقال: مصححاً:(المسجد الأقصى)، لكن أولبرايت أصرّت على استخدام تعبيرها السالف في وصف المكان. ممّا دعا الرئيس عرفات إلى مخاطبتها قائلاً: "عندما تلتقين معي هذا ليس Temple Mount، وإنّما "الأقصى". وأيضا قالت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت- حسب تأكيد مراسل القناة الأولى في التلفزيون الإسرائيلي- إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك أثناء قمّة الألفية التي عقدت قبل شهرين في نيويورك.: "اطمئنوا.. لن تكون هناك سيادة فلسطينية على المسجد الأقصى ولن نسمح أن تتحول هذه المشكلة إلى عائق أمام التوصل لاتفاقية سلام بينكم وبين الفلسطينيين".

7- دنس روس- وسيط السلام الأمريكي في عهد كلينتون- خلال مقابلة مع صحيفة جيروزاليم بوست يقول: "إنّه كيهودي كان يشعر بالألم عندما يشكك الفلسطينيون بالروابط التاريخية اليهودية بالحرم القدسي خلال المفاوضات المتعلقة بالقدس".([12])

8- الثرية الأمريكية أورلي بني ديفيس: تصل هذه الثرية الأمريكية إلى الكيان الصهيوني لتضع اللمسات الأخيرة للمؤتمر الحاشد الذي سيعقد الأربعاء 26/1/2004م في "مباني الأمة" في القدس المحتلة، حيث من المتوقع أن يشارك في هذا المؤتمر أكثر من ألفي(2000) شخص. وقد انتسبت إلى الحزب الجمهوري الأمريكي عام 1998م والتقت من حينها بأكثر من مسؤول أمريكي مقرب من الرئيس الأمريكي الحالي جورج بوش.

    وحسب مصادر متعددة فإنَّ أورلي بني ديفيس تمول مؤتمراً كاملاً من جيبها الخاص، في سبيل تحقيق الهدف الذي وضعته نصب أعينها ألا وهو بناء الهيكل الثالث المزعوم. ومن أجل إنجاح المؤتمر المذكور قامت "ديفيس" بالاتصال من شقتها الفاخرة الواقعة في جنوب كارولينا الأمريكية، والتحدث مع أعضاء أكثر من عشرين منظمة وجماعة يهودية فاعلة في مجال بناء الهيكل الثالث المزعوم ودعتهم للمشاركة في المؤتمر الذي سيبحث في الأساس بناء الهيكل الثالث المزعوم. وتعتبر أورلي بني ديفيس ذات منصب رفيع في الحزب الجمهوري وناشطة داعمة للوبي الصهيوني في أمريكا، وهي صديقة لوزير الخارجية الصهيوني "سلفان شالوم" ووزيرة التربية والتعليم "ليمور ليفنات" وهما من حزب الليكود اليميني. وديفيس امرأة مثقفة وثرية يذكر عنها أنها لا تستطيع الانتظار أكثر لزيارة الهيكل الثالث المزعوم، وأن هذه الفكرة وصلت إليها من خلال نشاطها الداعم للكيان الصهيوني وشعب (إسرائيل) ولمدينة القدس المحتلة. ومع تقادم السنين اقتنعت "بني – ديفيس" أن النشاط والعمل السياسي من أجل القدس ليس كافيا ويجب تقوية السيطرة والسيادة اليهودية على القدس عن طريق فكرة ومشروع قوي وبارز، وكانت الفكرة القوية هذه ليس غير بناء الهيكل الثالث المزعوم.

     وينقل الصحفي الصهيوني حاييم لفينسون في تقرير له حول الأمريكية الداعية لبناء الهيكل المزعوم "أنها حازمة في قضية المسجد الأقصى–جبل الهيكل كما يدعونه زورا وبهتانا" إذ تقول: "إنّ القدس هي أساس دولة اليهود، لا يمكن أن هرتسل ألف كتاباً ولم يفكر في القدس، لقد بقي اليهود 2000 سنة في المهجر ورجعوا إليها بعد كتاب هرتسل ووعد بلفور". وعندما سئلت أورلي بني ديفيس عن الوسيلة التي يمكن من خلالها بناء الهيكل ونظرتها للموضوع قالت: "يجب فرض وقائع على الأرض، ومن الممنوع أن يقال إنَّ القدس أراض محتلة، وليس هناك شيء اسمه الجدار الغربي، الجدار الغربي هو أحد جدران الهيكل". وأضافت: "إذن المحور هو الهيكل فالقدس والهيكل هما الأساس في العودة لأرض (إسرائيل) والقدس هي عاصمة (إسرائيل)".

      ولا تخفي بني ديفيس هدفها من نشاطها المتواصل فتقول إنها تسعى إلى "جعل قضية بناء الهيكل الثالث المزعوم في الواجهة والعناوين البارزة وأن يعطى الأولوية الرئيسية، وأنه يجب الاستيلاء كاملا على القدس". وتقول: "إنه سيكون  لبناء الهيكل مردوداً اقتصادياً مهماً لـ(إسرائيل)، ويمكن تسويقه سياحيا بشكل جبار، مقارنة ذلك بحاضرة الفاتيكان في إيطاليا التي يزورها الملايين من البشر سنويا.. الهيكل والقدس أرض مقدسة، ويمكن تسويق الهيكل عالمياً فهو كنز يجب استغلاله بالشكل المناسب وهذا ممكن جدا".

  

أهم المراجع:

1- لماذا تضحي الولايات المتحدة بمصالحها من أجل إسرائيل، غريس هالس، ترجمة محمد السماك، دار الشروق، القاهرة، 2000م.

2- المسيح اليهودي ونهاية العالم، رضا هلال، مكتبة الشروق، القاهرة، 2001م.

3- المسيحية الصهيونية (البعد الديني في السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي الإسرائيلى) الدكتور يوسف الحسن، 2017م، مكتبة النور.

4-النبوءة والسياسة: غريس هالسيل، ترجمة محمد السماك، دار الشروق- طبعة 2-2003م ص121.

5- المسيحية الصهيونية، دراسة تحليلية، فاخر أحمد شريتح. 2005م غزة. (رسالة ماجستير).

6- المسيحية الصهيونية: محمد السماك.

 


 

 

[3] - انظر رؤيا يوحنا المعمداني الإصحاح: 20.

[4]- انظر: البعد الديني في السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي- الصهيوني، الدكتور يوسف الحسن- مركز دراسات الوحدة العربية –بيروت- الطبعة الأولى 1990م، ص 129-131.

[5]- انظر قبل أن يهدم المسجد الأقصى: عبدا لعزيز مصطفى- دار النشـر والتوزيـع الإسـلامية ص 161.

[6] - قبل أن يهـدم المسـجد الأقصـى: ص 164.

[7] - المصدر السابق ص155.

[8] - النبوءة والسياسة: غريس هالسل- ترجمة: محمد السماك- دار هايل للطباعة – الخرطوم يوليو 1989م، ص117.

[9]- جريـدة الأيـام الفلسطينية- عدد 1394- السنة الرابعة السبت 6/11/1999م ص 11.

[10]- قبل أن يهدم المسجد الأقصى، ص205-212، البعد الديني، ص145-150.

[11] - صحيفة القدس: العدد11173-الخميس 14/9/2000م.

[12] - جريـدة القدس-الفلسطينية-عدد- 11284، السبت 20 يناير 2001 م،25 شوال 1421هـ، ص.

 

هل أعجبك الموضوع؟