البريد للتواصل: drsregeb11@gmail.com

قضايا عقائدية

موقف أبي الأعلى المودودي من الفلسفات المعاصرة



  • نشر في: 26-2-2022م
  • ساعة: 10:11
  • طباعة

موقف أبي الأعلى المودودي من الفلسفات المعاصرة

أ.د صالح حسين الرقب

         يرى المودودي أنَّ الفلسفةَ الغربيَّةَ فلسفةٌ ماديةٌ بحتةٌ. ذلك أنَّ زعماءَ هذه الفلسفة لم يؤمنوا بالحقائق الغيبية وراء المحسوسات، لأنَّهم كانوا جاحدين لمصادر معرفة هذه الحقائق، وهما الوحي والإلهام. ويصوِّرُ المودودي هذه الفلسفة بقوله: "كانت الروحُ العلميَّةُ الجديدةُ تمنعهم أنْ يُحدِثوا بأنفسهم بناء تصور عن الحقائق الغيبية على مجرد القياس والتخمين، بل إنَّهم لمَّا حاولوا ذلك لم يتماسك بنيانُهم الذي بنَوا في وجه النقد العلمي. فهكذا لمَّا لمْ يتجاوزوا حدودَ الشك واللاأدرية في باب الحقائق الغيبية، ما وجدوا أمامهم سبيلا لمعرفة حقيقة الدنيا وحياتها إلاَّ التَّعويلِ على الحواسِ، ممَّا جعلَ فلسفتَهم عن الحياة فلسفةً سطحيَّةً بحتةً، فقد زعموا أنَّ الإنسانَ إنْ هوَ إلاَّ نوعُ من البهيمةِ قد وجدَ على ظهر الأرض، فما هو بمنقادٍ لأحدٍ، ولا متبعٍ له، ولا مسئولٍ أمامَه، وهو لا يتلقَّی الهدايةَ من فوقِه، وعليه أنْ يتلقَّى الهداية بنفسه، وإن كان لهذه الهداية من مصدرٍ - حسب زعمهم - فإنَّما هو القوانينُ الطبيعيَّةُ، أو معلومات الحياة البهيمية، أو تجارب التاريخ الانساني الفارط.([1])

     والسَّعادةُ كما ترَى الفلسفةُ الغربيَّةُ تنحصرُ في الإقبالِ على الدنيا والاستمتاع بنعيمها، وسعادةُ الإنسان وشقاوته، إنَّما تكونُ بمدی حصوله على هذا النعيم أو عدم حصوله، والحقيقةُ عندهم تنحصرُ في الأشياء الواقعةِ تحتَ الحسِّ، أي الأشياء المادية لا غير، وأمَّا مَا لاَ يقعُ تَحتَ الحَوَاسِ فلا حَقيقةَ ولا قيمةَ له عندهم.([2])

     ولقد استولت على الحضارة الغربيَّةِ -كما يرى المودودي- ثلاثُ نظریاتٍ فلسفيَّةٍ كان لها الأثرُ السيءُ في الحياة البشريَّةِ أكثرَ من غيرِها من النَّظريَّاتِ الفلسفيَّةِ التي عرفتها أوربا في تاريخها الطويل، والنَّظريَّاتُ الفلسفيَّةُ الثلاثُ هي:1- نظرية هيجل وفلسفته للتاريخ، 2- نظرية دارون في التَّطور الإنساني. 3- نظرية ماركس في التفسير المادي للحياة وللتاريخ.

    وقد ذكر المودودی تلك النظريات بالدراسة والنقد في بعض كتبه. وسأذكر في الصفحات القادمة موقفه من هذه النظريات الفلسفية وآثارها السيئة في الحياة.

1- موقفه من نظرية هيجل:

خلاصة نظرية هيجل كما يصورها المودودي:

    إنَّ ما يحصل في الحضارة الإانسانية من تطورٍ وارتقاءٍ إنَّما يحصلُ بظهور الأضداد وتناطحها وتمازجها فيما بينها. وإنَّ كلَّ دورٍ من أدوارِ التَّاريخ في حد ذاته وحدةٌ، أو كائنٌ جسديٌ حيٌ، وإنَّ مختلفَ نظریَّاتِ الإنسان من سیاسية واقتصادية ومدنية وخلقية وعلمية وعقلية ودينية تكون علی مستوى معين في ذلك الدوره، ويكون بينها التناسب التلاوة والوحدة التماسكة، انها جوانب مختلفة لهذا الكائن الحي أو الوحدة الزمنية تسري فيها روحُ هذا الدَّور بكامله. وإن المبادئ والنظريات والأفكار الانسانية التي تقوم بالتوجيه في هذا الدَّورِ عندما تصلُ بالحضارة الإنسانية ومدنيتها إلى قمَّةِ الطَّاقَةِ والصلاحيَّةِ، ينبثقُ من ضمنِ هذا الدَّورِ نفسِه عدوُّه الذي يترعرعُ فيه ويبلغُ أشدَّه، أيْ أنَّ طائفةً أخرى من الأفكارِ الحديثة، والميول الحديثة، والنظريات الحديثة، والمبادئ الحديثة، لا تولدُ إلاَّ من المقتضى الطبيعي لهذا الدَّورِ الآخذِ فی الزَّوالِ بنفسِه، ثمَّ تشرعُ في محاربةِ الأفكار الباليةِ القديمةِ.

     ويستمرُّ الصِّراعُ على قدم وساق بين القديم والجديد إلى مدة من الزمن، وفي النهاية يحصل التماذج بينهما بعد الأخذ والرد، وتخرج إلى حيز الوجود حضارة عصرية جديدة خليطة من عناصر قديمة وأخرى جديدة، وهكذا يفاتح الدنيا دور جديد من أدوار التاريخ. ثم عندما ترتقی روح هذا الدور الجديد الى أعلى مدارجها، طى غرار الدور الذي سبق، يظهر من حفلها أيضا عدوها، ويلعب الصراع المقائدی الذي يتمخض عله ايضا خليط جديد مكون من عناصر من هذا وعناصر من ذاك، بعد الأخذ والرد يصير بحثا لدور جديد للحضارة والمدنية.([3])

    ويطلقُ هيجل على عمليَّةَ الإرتقاء والتطور الحضارة الإنسانية اصطلاح "المادية الجدلية". ويصوِّر المودوديُّ هذه العمليَّةَ كما رسمها هيجل هكذا: "فكان مجالَ التَّاريخِ أو حلبة الدهر تجری فيها مجادلةً منطقيَّةً متسلسلةً، وبموجبِها يقومُ أولاً الدَّعوى ثمَّ يَبرُزُ جوابُها، بعد أنْ يطول بينهما الصراع فإنَّ العقلَ الكلِّي أو الروحَ العالميَّةَ.([4]) يعقد بينهما الصُّلحَ، أيْ تقبلُ شيئًا من هذا وجانبًا من ذلك، وتجعلُ منهُمَا مزيجًا، وهذا المزيجُ الحضاريُ عندما يتقدَّمُ قليلاً يتحوَّلُ إلى دعوی، ثمَّ يواجه هذه الدعوی جوابُها، ثمَّ ينعقد بينهما الصُّلحُ بعد نشوب النزاع بينهما مدةً، ويأتي إلى حيز الوجود مزيجٌ جديدٌ، وهلُمَّ جَرَا.([5])

      هذه هي المادية الجدلية كما تصوِّرُها فلسفةُ هيجل للتَّاريخَ، وهي في نظره عمليَّةٌ اجتماعيةٌ كليَّةٌ، فلا يجوز لفردٍ من الأفرادِ، ولا لطائفةٍ من الطوائفٍ أنْ تَتَحرَّرَ من طبيعةِ عصرهاِ الجماعية أو من الرُّوحِ العامة لمدنية العصر أو حضارته. والإنسان حسب المادية الجدلية مهما كانت مكانته في التاريخ البشري فإنَّه لا يعدو أنْ يكونَ أحدَ أحجارِ لعبةِ الشطرنج، أي لا يملكُ من أمرِ نفسِه شيئًا، وليس له دورٌ یُذکَرْ. وحين يخضعُ هيجل - حسب نظريته المزعومة- الإنسان لطبيعة عصره الجماعية فإنَّه يبيِّنُ الدَّورَ الذي يقوم به العقلُ الكلِّيُ هكذا، إنَّه يغرِّرُ بالأفراد ويوهمُهم بأنَّهم في هذه المسرحية يلعبون دوراً هاماً، دورَ الأبطالِ المبارزین، دور الرُّواد والموجِّهينَ مع أنَّ العقلَ العالمي هو الذي يستعملُهم لإكمالِ ذاتِه في حقيقةِ الأمر.([6])

      ولقد وجَّه المودوديُّ جملةً من الانتقادات لفلسفة هيجل، بيَّن ما فيها من أخطاء، ومن أخطاء هذه الفلسفة.

 1- إنَّ فلسفةَ هيجل للتَّاريخ تضمَّنَتْ جملةً من الآراء السقيمةِ التي لا تَملكُ من الأَدلةِ اليقينيَّة والبراهين الثبوتيَة ممَّا تجعلُ الإنسانَ العاقلَ يميلُ إليها أدنی میلٍ، ومن هذه الأراء: أ- أنَّ الله تعالى هو يوم العالم، وأنه – تعالى الله عن قولِه علوًا كبيرًا- يستعملُ الإنسانَ لإكمال ذاتِه، وأنِّ تاريخَ ارتقاءِ المدنية والإنسانية وتطورها إنَّما هوَ تاريخُ السَّفرِ الذي يقومُ به الله تعالى إلى منتهی کمالِه. يقول المودوديُّ: "فمَا كلُّ هذه إلاَّ آراءٌ سخيفةٌ واهيةٌ، ليسَ في السَّماءِ ولا في الأَرضِ ما يُثبِتُ صِحَّتَها ثبوتًا يعتبرهُ "الثبوت" بحقٍ، فيرتاحُ إليه القلبُ وتطمئنُّ إليه النَّفسُ.([7])

ب- إلغاءُ إرادةِ الإنسان واختياره وحريته، وجعلُه مجردُ ممثلٍ، يؤدي دورَه في الحَضَارةِ كما تؤَدي قطعةٌ من البيدقِ دورَها في لعبة الشطرنج.([8])

ج - قوله: "إنَّ الله تعالى (العقل الكلى أو الروح العالمية) هو الذي يطرح الافكار المشاضة على بساط المسرح بوساطة الناس ويجعلهم يقتتلون أولاً، ثمَّ يعقدُ بينهم صلحًا، ويحدثُ فيهم صورًا جديدةً للفكرِ والخيالِ، وهذا القولُ قائمٌ على القياسِ الفاسدِ الذي لا أساسَ له من الصِّحةِ، ولا تُؤيِّدُه أيُّةُ حقيقةٌ علميةٌ.([9])

2- تشتملُ فلسفةُ هيجل للتَّاريخِ على جوانبَ من الصَّحة، ومنها: أنَّ الحربَ مازالت قائمةً بين الأفكارِ المتضادَّةِ على مرِّ التَّاريخِ، وأنَّ الصلحَ يمتدُ بينها بعد فترةٍ من الصِّراعِ، وأنَّ التَّقدمَ والارتقاءَ في الحضارة الإنسانيَّةِ إنَّما هو نتيجةَ ما حَصُلَ من صراعِ الأضدادِ وانعقاد الصلح بينها. ولكنَّ هيجل كما يقول المودودي: "ما کرسَّ نفسَّه كي يتعرَّفَ على حقيقة المسألة، ويعرفُ نوعيَّةَ الأضدادَ التي تحصلُ بينها الحربُ في الحقيقةِ، ودواعی انعقادِ الصُّلحِ بينها آخر الأمر، والسَّببُ أنِّ المزيجَ الذي يأتي إلى الوجود نتيجةَ هذا الصُّلح يُولِّدُ في حضنه عدواَ لنفسه بعد ذلك، فبدلاً من أنْ يدرسَ هيجل هذه العمليَّةَ الجدليَّةَ دراسةً وافيةً تحليليةً، إنَّما أَلقى عليها نظرةً عابرةً كما يُلقيَ الطائرُ نظرةً على المدينة في أثناءِ التَّحليق في جوها.([10])

3- يغلبُ علی النَّظريةِ عنصرا التخمين والقياس، حيثُ لم يستشهدْ بأحداثِ التَّاريخِ الإنساني ووقائعة من كونها تتعلق بالتاريخ الإنساني وما صاحبه من عمليات للتَّقدم والارتقاء في المدنية الانسانية. يقول المودودي: "إنَّ عناصرَ القياس والتخمين فيها يغلبُ عليها عنصرُ الاستشهاد بأحداثٍ التَّاريخ.([11])

     تلك هي أهمُّ الانتقادات التي وجَّهَها المودوديُّ إلى نظريةِ هيجل المزعومة، وسأذكرُ آثارَها مع آثارِ نظريةِ كارلِ مارکس لاتحادهما في أصلِ الفكرةِ، ولكون آثارِ النظريتين واحدةٍ.

2- موقفه من نظرية ماركس في التفسير المادي للتاريخ:-

     يرى المودوديُّ أنَّ کارل مارکس استمدَّ فكرةَ الماديَّةَ الجدليَّةَ من نظريةِ هيجل الفلسفيَّة، ولكنَّ مارکسَ خالفَ هيجلَ في جوهر فلسفته، فبينما فلسفةُ هيجل تقومُ على الرُّوحِ أو الفكرةِ، فإنَّ فلسفةُ مارکس تستبعدُ الفكرةَ.([12]) وتعتبرُ العواملَ الاقتصاديَّةَ هي الأساسُ الوحيدُ للتَّطورَ التَّاريخي، فالاقتصادُ عندَ مارکس هو محورُ حياةِ الإنسانِ ومدنيتُه، وأمَّا الدِّينُ والأخلاقُ والعلومُ والفنونُ وكلُ أفكارِ الإنسانِ وتصوراتِه لا تَتَشكَّلُ إلاَّ بتأثيرِ العوامل الاقتصادية.

     ويصور المودودی المادية الجدلية في التاريخ كما يراها مارکس هكذا: عند وجود طبقة من الناس تحتكر انتاج أسباب الحياة وتوفيرها وتوزيعها، أي تحتكر وسائل الانتاج وما تدره من أرباح، وتجمل هذه الطبقة بقية الطبقات الأخرى خاضعة مستعبدة، وذلك في ظل نظام اقتصادی خاص.([13]) وفي ظل هذا النظام يبدأ القلق والاضطراب في الظهور بين الطبقات المستعبدة التي تطالب بنظام اقتصادی جديد يضمن لها حياة أفضل، تتحسنُ في ظلِّه العلاقاتُ الملكية وتتوزع أسباب الحياة. ويطلق على هذا جواب الدعوى، كما يطلق على نظام الإقطاع واحتكاره لأسباب الحياة اسم الدعوى.([14]) ثم هدا الصراع بين النظام الاقتصادي القائم وما يحمله من قوانين وأخلاق ونظريات في جانب، والقوى الجديدة التي تقوم للمطالبة بتغير النظام الاقتصادي واسمه الدينية والاجتماعية في الجانب الآخر. وتسعى هذه القوى لتحقيقِ آمالِها في وضعِ تصوراتٍ ونظریاتٍ اجتماعيةٍ وظقيةٍ ودينيةٍ تتفق ونظامها الاقتصادي الجديد. ويستمرُّ الصراعُ الطَّبَقٍيُ مدةً من الزَّمَنِ إلى أنْ يزولَ النِّظامُ الاقتصاديُّ القائمُ، وتزولُ معه أيضًا التَّصوراتُ القانونيَّةُ والدينيَّةُ والاجتماعية والفلسفية القديمة، لتحلَّ مكانُها التَّصوراتُ الجديدةُ. وحسب نظرية ماركس في التفسير المادي للتاريخ تتغيَّرُ الأخلاق والقوانين والدین بتغيُّرِ النِّظامِ الاقتصادي لأنَّ هذه الأمورَ من ثمراتِ المادةِ، كما أشرنَا إلى ذلك من قبل.([15])

    ويلاحظُ فی تفسیر مارکس للتَّاريخِ أنَّ العامل الاقتصادي الذي يتمثَّلُ في وسائل الانتاج وأسباب الحياة وتوزيعها هو الأساس لارتقاء الحضارة الانسانيَّة وتقدُّمِها، وأنَّ الصراعَ الطبقي هو القوة المحركة لهذا الأساس (العامل الاقتصادى).([16])

     كما يلاحظُ أنَّ التَّصورات الدينيَّة والأخلاق والقوانين لا تَتَمتَّعُ في فلسفة مارکس، بصفة الدَّوام لأنَّها في نظرهِ تابعةً للنظام الاقتصادی، تبقى ببقائه، وتتغيَّرُ بتغيَّرِه. ويرى مارکس أنَّ الإنسانَ إنَّما يتَّبِعُ الطريق التي تقتضيها مصالحُه الذاتيَّة ومطامعُه الاقتصادية، أمَّا الدَّينُ والأخلاقُ وباقي التصورات والنظرياته فهی من اختراع الإنسانِ نفسِه لكي يحققَ بها الطريقَ الذي اتَّبَعه في تحقيق طموحاته الاقتصادية.([17])

     ولم يقف مارکس عند هذا القول فحسب، بل زعم أنَّ الفطرةَ والعقلَ يؤيِّدَان تفسيرَه المادي للتاريخ . يقول المودوديُّ: "وممَّا يطابقُ الفطرةَ والعقلُ معًا - في نظر ماركس- أنَّ طبقةً من النَّاسِ إذا وجدت طريقًا آخرَ يُحقِّقُ مصلحتُها الاقتصادية فلها أنْ تَرفضَ نظامها الاقتصادي السابق، وترفضَ معه جميعَ ما يقوم عليه هذا النِّظام من التصورات الدينية والأخلاقية والقانونية والمدنية، وتخترعَ بدلاً منها عقائدَ ومبادئَ جديدةً أخرى، تلتئم مع مصلحتها الاقتصادية.([18])

      والإنسانُ في نظرِ مارکس ما خُلِقَ على الأرضِ إلاَّ للصِّرَاعِ والقتالِ والجريِّ وراءَ شهواتِه الذاتيَّةِ ومصالحِه الماديَّة، وهو يسندُ هذا الصراعَ إلى الفطرةِ. أمَّا المثلُ والأخلاقُ فليس لها عند الإنسان –بزعمه- أيَّ اعتبار. يقول المودوديُّ: يقول مارکس: إنَّ الصراعَ للأغراض الذاتيَّة الماديَّة هو من عينِ ما تنشدُه الفطرةُ، وأنَّ الطريقَ الوحيدَ لارتقاء التَّاريخِ الإنساني أن تَتَنازعَ وتتصادمَ وتتكالبَ مختلفُ طبقاتِ النَّاس فيما بينها لتحقيقِ أغراضِها ومصالحِها الذاتيَّةِ الماديَّةِ، لأنَّ الإنسانَ ما قطعَ حتَّى الآن مرحلةً من مراحل التَّاريخِ إلاَّ متخاصمًا متقاتلاً بعضه مع بعض. وأنْ ليسَ عليه الآنَ إلاَّ أنْ يواصلَ قطعَ مراحلِ التَّاريخِ بنفسِ المقاتلةِ والمصارعةِ، وأنَّه إنْ كانَ هناك أساسٌ للتَّوفيقِ بين مختلفِ أفرادِه فإنَّما هو تكتُّلُهم لأجل الأغراض الاقتصادية البحتة، فكلُّ من كانوا متكتِّلِينَ على هذا الأساس لابدَّ لهم من أن يتحوَّلوا إلى طبقةٍ خاصةٍ لشنِّ الحربِ على جميعِ ما يخالفُها من الطَّبقاتِ".([19])

 نقد المودودي لأفكارِ کارل ماركس:

      يرى المودوديُّ أنَّ مارکسَ قاصرُ النَّظرِ، محرومٌ من ذلك القدرِ اليَسيرِ من الفَهًمِ الذي تمتَّع به أُستاذهُ هيجل الذي تلقَّى عنه النظرية الجدلية: يقول المودودي: أمَّا ماركس فلم يُكتبْ له هذا الحظُّ اليسيرُ من عمقِ النَّظر وسعةِ الأُفقِ الذي كُتبِ لهيجل.([20])

     ثمَّ بدأَ المودوديُّ نقدَه لأفكارِ مارکس في التَّفسيرِ الماديِ للتَّاريخِ، وركَّز في نقدهِ على عدَّةِ أمورٍ.

- جهلُ مارکس لفطرةِ الإنسانِ وجهلِه بتركيبِ الإنسانِ بدیعِ خلقِ الله تعالی له. فالإنسانُ روحٌ وجسدٌ، وللرِّوحِ مطالبُها وأشواقُها، وللجسدِ مطالبُه وحاجاتُه، وماركسُ في فلسفته ينكرُ مطالبَ الرُّوحِ وأشواقِها التي لا تستغنيَ عنها، ويجعلُ همَّ الإنسانَ تلبيةَ مطالبِ الجسدِ فَحَسب. يقول المودوديُّ: إنَّه لا يحاولُ أصلاً أنْ يعرفَ ويفهمَ فطرةَ الإنسانِ وصنعِه وتركيبَه فهو لذلك إنَّما ينظرُ منه إلى الحيوان الخارج الذى تمسُّه الحاجةُ إلى أسبابِ المعيشةِ، ولا ينظرُ أبدًا إلى الإنسانِ الداخلى داخل (كبسولة) هذا الحيوان الخارجي، والذي ليسَ الحيوانُ الخارجُ إلاَّ أداةً من أدواتِه، والذي تختلفُ مقتضياتُ طبيعتِه عن مقتضياتِ طبيعةِ الحيوانِ الخارجي.

- ينكر المودودی علی مارکس جعله الإنسان عبدًا لتحقيقِ شهواتِه ورغباتِه الماديَّةِ، وأنَّ الإنسانَ يسخِّرُ كلَّ قواه العقليَّةِ والفكريَّةِ من أجلِ تحقيق ذلك، وأنَّه مخترعُ الدِّينِ لتحقيقِ أهواءِ النَّفسِ ورغباتِها. يقول المودوديُّ: "إنَّ قصورَ نظرِ مارکس ضالة فهمه جعلت كلَّ نظرياته الاجتماعية باطلةً كلَّ البطلان، وأَصبحَ يَظنُّ أنَّ الإنسانَ الداخلي إنَّما هو تابعٌ أو مُستخدمٌ بل عبدٌ مذللٌ للحيوان الخارجي، وأنَّ كلَّ ما أُوتيَه من قوى العقل والاستدلال والتفكير والبحث والمشاهدة والاستنباط والتحقيق والاختراع إنَّما هو مقصورٌ على خدمةِ الحيوان الخارجي وتحقيقِ شهواتِه ومطالبِه وأغراضهِ، ولهذا فإنَّ أَقصى ما قام به الإنسانُ الداخليُّ حتّى الآن أو يستطيع أنْ يقومَ به في المستقبل لا يعدو -علی حسب قول ماركس- أنْ يكونَ واضعًا لمبادئ الأخلاق والقانون، واختراع تصورات الدين، وتقرير طرق للحياة وفقا لأهواء الحيوان الخارجي، ما أضألَ هذه الفكرة لحقيقة الإنسان، وما أبلدَ الأذهان التي ترتاحُ إليه وتقبلُه.([21])

     ويضيفُ المودوديُّ: "إنَّنا لا نشكُّ في أنَّ أَحاسيسَ الحيوانِ الخارجيِّ ومطالبَه كثيرا ما تُؤَثِّرُ في عزيمةِ الإنسانِ الداخليِّ، وأنَّ هناك كثيرًا من النَّاسِ تَغلُبُ عليهم حیوانیَّتُهم، ولكنْ ما أخطأَ فكرةُ ماركس القائلةِ بأنَّ الإِنسانَ الداخليَّ لا يملكُ أيَّ نفوذٍ يقهرُ به الحيوان الخارجيَّ، وما أخطأ دراستَه لتاريخِ الحضَارةِ.

الإنسانية التي جملته لا يرى الحضارة الإنسانية إلا عمل أولئك الذين كانت إنسانيتهم تتبع حیوانیتهم ، مع أنه لو تأمل في صفحات التاريخ بمین متفتحه ، لوجه أن كل ما هو ثمین وصالح وجدير بالتقدير والاحترام من عناصر المدنية الإنسانية انما هو منحة من أولئك الذين جعلوا حيوانيتهم تتبع انسانيتهم ، وأثروا بشخصيتهم القاهرة في أغلبية ساحقة من أفراد البشر ضحايا الحيوانية ، فأفرغوا حياتهم في قوالب وهادئ دائمة للحضارة والتهذيب والشرف والأخلاق والعدل والإنصاف.([22])

      وأخيرًا إنَّ التَّصورَ القرآني للإنسانِ يُغنينَا عن دراسةِ فلسفةِ هيجل ومارکس، ومَا قدَّمَاه من تصورٍ غثٍ هزيلٍ عن الإنسان. فقد قدَّمَ لنا القرآنُ الكريمُ التَّصورَ السَّليمَ الواضحَ للإنسانَ والحياةَ والكونَ وفلسفةَ التَّاريخِ. كما أنَّ القرآنَ الكريمَ قدَّم الإجاباتِ الشَّافيةَ عن المسائلِ التي ارتبكً كلٌ من هيجل ومارکس وأتباعهما من فلاسفة الغرب ومفكريه، ولم يستطيعوا تقديمَ أجوبةٍ صَحِيحَةٍ سليمةٍ عنها.

     إنَّ الإنسانَ في التَّصورِ القرآني روحٌ وجسدٌ، أو هو عبارةٌ عن وجودَیْنِ: الأوَّلُ: الوجود المعنوی، وهو محلُّ الأحكام الخُلقيِّةِ، قد أُوتِيَ مواهبَ مختلفةً من العقلِ والوعيِ واكتسابِ العلمِ والرأيِ والفكرِ، والثَّانِي: هو الوجودُ الحيوانيُّ الذي هو محلُّ الغرائزِ المختلفة كالجوع والعطش والشهوة والطمح والخوف. والإنسانُ بهذا التَّصورِ يختلفُ عن الحيواناتِ التي تعيشُ لتحقيقِ مطالبِ الجسدِ فَحَسبْ، وقد وُجِّهت بواسطةِ الإلهامِ لسلوكِ طريقٍ معينٍ. بينَمَا الإنسانُ قد أعطاهُ الله عزَّوجلَّ قوةَ العملِ والكدِّ، بجانبِ ما أعطاه من حريَّةِ الاختيار والإرادة، وهو بذلك يتمتَّعُ بنوعٍ من الاستقلال الذاتيِ، فيختارُ الطَّريقَ الذي يريده بسعيه واختياره دونَ أنْ يمليَه عليه أحدٌ. والإنسانُ بفطرتِه التي فطرَهُ الله تعالى عليها يميلُ إلى الصِّراطِ المستقيمِ.([23])

آثارُ نظريتي هيجل ومارکس:

    لقد كان لنظريتي هيجل ومارکس تأثیرًا سيئًا بالغ الخطورة في الحياة البشريَّةِ، شمل كلَّ جوانبِها المختلفة. فمن الناحيةِ العلميَّةِ مارست نظریات هيجل وماركس دورًا سيئًا في توجيه علماء الغرب الذين افتتنوا بها، فصدرت عنهم وجهاتِ نظرٍ خاطئةٍ عن الدِّين والحضارة والأخلاق والاجتماع.([24]) ومن النَّاحيةِ الدينيَّة أَتَتْ هذه النَّظرياتُ على العقائدِ الدينية من أساسها، جعلت النَّاسَ ينظرون بإزدراء إلى الرسالات السماويِّة، وقد تخلَوا عن تعاليم الأنبياء وشرائعهم، باعتبارِ أنَّ كلَّ رسولٍ أوجدته ظروفُ عصرِه وزمانِه، وأنَّ التَّمسُّكَ بالرسالات السماوية السابقة رجعيةٌ وتخلفٌ. يقول المودوديُّ: "إنَّك لمَّا ذكرت له (أي لمارکس) إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم قال: إنَّما كانَ كلُّ واحدٍ من هؤلاء وليدَ زمانِه، ليقدِّم جوابًا لدعوى المدنيَّة الرَّائجةِ في ذلك الزَّمان الذي تحوَّل إلى جزءٍ من أجزاءِ المزيج الحضاري بعدَ أنْ جاوزَ ما جاوزَ من فترة الصِّراعِ والأَخذِ والردِّ، وكم من جوابٍ بعده تعاقبَ وفرضَ نفسَه، ثمَّ تحوَّلَ إلى مزيجٍ حضاري كما أسلفنا. وإنَّ المدنيَّةَ الإنسانيَّةَ ما زالت تجتاز بعده مراحلَ التَّقدمِ والرقيِ حتَّى بلغت الزمانَ الذي نعيش فيه، ولا نشكُّ أنا نُجلُّ هوءلاء الأفراد وتعترف لهم بما يستحقون من الفضل والتقدير من حيث عملوا لتطوير المدنية الانسانية وتنميتها في عهودِهم، ولكنْ لا يَصِّحُ ألبتةَ أنْ ترجعَ القهقرى، ونجابِهُ دعوی المدنيَّةِ الحاضرةِ بجوابٍ قديمٍ قد أكل عليه الدَّهرُ وشرِبَ.([25])

     وعن أثرِ نظريَّةِ هيجل في الجانب الديني يقول المودوديُّ: "والحقُّ أنَّ هذه الفلسفة هي حملة فكرية منظمة مدججة بالبراهين والحجج تكاد تأتي على الفكرة الدينية من أساسِها إذا أُصيبتْ فكرةُ رجلٍ بضربَتِها الفتَّاكة.([26])

    ومن آثار نظرية مارکس الاعتقاد بعدم خلود الدين والأخلاق والقوانين والأفكار، لأنَّ هذه الأمور-حسب زعم صاحب النظرية- تَتَغيَّرُ بتغيُّرِ أسلوبِ الإنتاجِ وتوزيع أسباب المعيشة، أي بتغيُّرِ العوامل الاقتصادية، وهذه الأمورُ وليدةُ النِّظام الاقتصادي السَّائد، وما وجدت إلاَّ لحمايته وحفظه، فإذا تغيَّر فلابدَّ أنْ يُصاحبُه التَّغيرُ الشامل في كلِّ شيءٍ، حيث لم تَعُد تَصلُحُ للنِّظام الاقتصادي الجديد. ويوضِّحُ المودودي هذا الأثرَ السيءَ لنظريَّةِ مارکس، بقوله: "فهلْ لإحدِ أنْ يَدَّعِيَ أنْ من كان يعتقدُ بنظريَّة ماركس، يستطيع أنْ يكونَ في الوقتِ ذاتِه مؤمنًا بتعليم ديني أو شريعة أو نظامٍ خُلُقيٍ يرجعُ إلى ما قبل القرون".([27])

 التناقض التام بين الاسلام والشيوعية:-

      يردُّ المودوديُّ علی من يزعمُ أنَّ المرءَ يمكنُ أنْ يكونَ مسلمًا وفي الوقت نفسه يكونً شیوعيًا أو ماركسيًا، لأنَّه في نظرِ صاحب هذا الزعمِ لا يوجدُ تناقضٌ بين الإسلامِ والشيوعيَّةِ. يقول المودوديُّ: "إنِّي أطلبُ منهم أنْ يدرسوا أولاً تعبيرَ (تفسير) ماركس المادي للتَّاريخ ونتائجه المنطقية، ثمَّ يتفكروا: أيُّ مجالٍ يبقى لمن اعترف بصحَّةِ هذه الفكرة لأنْ يقولَ بأنَّه مسلمٌ؟ لا ريبَ أنَّه من حقِّ كلِّ شخصٍ أن يختارَ ما يشاءَ من عقيدةٍ، فهم إنْ كانوا يعتقدون بصحَّةِ نظريَّةِ مارکس، فلهم أن يختاروها، ولكنْ من الواجبِ عليهم من ذلك أنْ يكونوا على بيِّنَةِ من الأمر، وألاَّ يساوِرُ أذهانَهم أيُّ نوعِ من التعقيدِ والارتباك، أمَّا كونهم يزعمون عقيدةً ما ثمَّ يعتقدون في عقيدةِ تَضَادُّها في الوقت ذاته، فهذا يدلُّ على إرتباكٍ في أذهانِهم، وهو أمرٌ يدعو إلى الأسفِ، ويبعثُ إلى الأسی.([28])

3- موقفه من نظرية دارون في التطور:

  بعضُ العناصر التي جاءت ضمن نظرية دارون:

    إنَّ أصلَ الكائنات الحيَّةِ كانت دودًا يدُبُّ على الأرضِ، وقد أصبحت بفعلِ العواملِ المختلفة -كالتنازع من أجل البقاء، والبقاء للأصلح، والانتخاب الطبیعی- إنسانًا ذا إحساسٍ وشعورٍ، والكائناتُ الحيَّةُ تَطوَّرَت تطورًا ذاتيًا تصاعديًا، من أدني الكائناتِ إلی أعلاها، وهو الإنسانُ، وقد نفَتْ هذه النَّظريةُ وجودَ الله خالق مدير حكيم.([29])

نقد المود ودي لنظرية دارون:

1- یری المودودی أنَّ نظريَّةَ دارون لا تزالُ منذ أنْ ظهرت إلى أيَّامنِا هذه كما هي نظريةً بحتةً، لم تصل إلى كونِها حقيقةَ علميةَ. وكما هو معلومٌ أنَّ هناكَ فرقٌ كبيرٌ بين النَّظريَّةِ والحقيقة العلميَّة، فالنَّظريَّةُ مبنيةٌ على العروض والاحتمالات، وعلى أساسٍ من التَّخمينِ والقياس، وأمَّا النَّظريَّةُ العلميَّةُ فمبنيَّةٌ على أساسٍ من القطعِ واليقينِ ومطابقة الواقع، ولا مجالَ للظَّنِّ والرَّيبِ فيها.([30]) وعندما سُئِلَ المودوديُّ عن التَّناقضِ بين القرآن الكريم ونظريَّةِ دارون في مسألة خلق الانسان أجاب بقوله: "إنَّ الإنسانَ لا يحتاج إلى إعادةِ النَّظرِ في إيمانه إلاَّ حينما يتصادمُ إيمانُه مع شيءٍ هو حقيقة وأمر واقع لا مجال للريب فيه، وإلاَّ فإنَّ الإيمانَ الذي لا يصمد أمام الأمور القياسيَّةِ والنَّظريَّات المجردة، فما هو إيمانٌ، وإنَّما هو حسنُ الظَّنَ يمكنُ أنْ يَتبدَّلَ بسوءِ الظَّنِ على أساسٍ مجردٍ من الأوهامِ والخرافاتِ والاشاعات".([31])

2- إن الحجج والبراهين التي ساقها دارون لإثبات صحة نظريته ضعيفة واهية ومفتقرة إلى الثبوت.

3- إن سلسلة الارتقاء التي قدمها دارون تفتقد عدة حلقات بعد الموجودة.

4- ان العلماء والمفكرين لم تطمئن نفسهم إلى نظرية دارون في التطور، حتى أنَّ هكسلي([32]) أحدُ دُعَاتِها الكبارِ لم يؤمنْ بها إلاَّ فِرَارًا من الإيمانِ بالله تعالى، وقد استغلَّ هو وغيرهُ هذه النَّظريَّةَ في نشرِ الإلحادِ ومحاربةِ الدِّينِ.([33])

5- إنَّ نظريَّةَ دارون تخالفُ العقلَ والمنطقَ، إذ أنَّ بِدْأَ الحياة من أصعب المسائل التي استُبْهِمَت على علماء الطبيعة الغربيَّين، ومع تقدم العلوم التجريبية في بلاد الغرب ونموها وازدهارها فما زالَ هؤلاء العلماء يفرُّونَ من الإِقْرَارِ بمَا استكنَّ في فِطَرِهِم من وجودِ الإِلَهِ الخالقِ المدبرِّ الحكيمِ، الذي أنشأَ آثارَ الحياة في المادَّةِ الميِّتَةِ.([34]) وإذاَ كانَ عُلماءُ الغربِ عاجزين عن حلِّ عقدةِ بدءِ الحياة! فلماذا يلجأون إلى القول بالظَّنِّ والتَّخمينِ في هذه المسألة (بدء الحياة)؟.

      يرى المودوديُّ أنَّهم لجأوا إلى ذلك هروبًا من الإيمانِ بإلَهٍ خالقٍ حكیمٍ، يَتَّصِفُ بصفاتِ الكمالِ، والاعترافِ بوجودِ خالقٍ يَصطدِمُ مع إلحادهم وعدائِهم للدِّين.([35]) وما يمكنُ قولُه في مسألة "بدء الحياة" يقال أيضًا في المسائلِ الأخرى التي تناولتها نظريَّةُ دارون، کمسألة التَّنوعِ في الحياة، ومسألةِ التَّفاضل بينِ مختلفِ الأنواع.

6- إنَّ دارون نفسَه لمْ يقلْ إنَّه أدركَ الحقيقة، وعلماءُ الغرب القائلون بنظريته لا يعتبرون قياسَهم وغرضَهم حقيقةً وفكرتَهم واقعًا.([36])

7- إنَّ نظريَّةَ دارون انتشرت في بيئةٍ منحرفةٍ عن منهج الحق، وفي بلادٍ جادةٍ في طريقٍ الإلحاد. وكما يقولُ المودوديُّ: "فإنَّ أوروبا التي كانت إلى ذلك الحينِ إنَّمَا تسيرُ إلحادها بدونِ أرجلٍ، هروَلَت إلى تَلقي هذه الأرجل الخشبية (يقصد نظرية دارون) بكلِّ قبولٍ، ووضعتها تحتَ كلِّ شعبةٍ من علومها الطبيعية، بل وفي فلسفتِها وأخلاقِها وعلومها للعمران، مع أنَّه كان ولا يزالُ في هذا التَّفسيرِ من الوجهة العلمية والعقلية اضطراباتٌ كثيرةٌ، لا يمكنُ لعاقلٍ أنْ يقولَ معها: إنَّ هذا التَّفسيرَ تفسیرٌ وجيهٌ، أو هو من التَّفاسير الجديرةِ بالاعتبار.([37])

8- بالرجوع إلى المصادر الأصليَّةِ التي تَضمَّنَت تدوينَ نظريَّةِ دارون يجد الدارس أنَّ بناءَ النَّظريَّةِ يقومُ على القولِ ب "لعل", "أظن"، أي القول بالظن والتخمين، والظن والتخمين لا يجدي في باب العلوم ، لأنَّ العلومَ إنِّما تقومُ على أساسٍ من القطعِ واليقينِ.     

   وردًا على الذين اعتنقوا نظرية دارون وتعصَّبوا لها مع أَنَّها قائمةٌ على التَّخمينِ والظنِ، يقول المودوديُّ: إنَّه إذا كان هناك نوعٌ من الاعتبار للقياس والتَّخمين في العلوم، فكيفَ ولماذاَ يُمكنُ التَّفريقُ بين قياسٍ وقياسٍ، ولا سِيما إذا كان أحدُ القياسين أقوىَ وأقربَ إلى التَّعقلِ من الآخر. إنَّكم إذا كنتم مستعدِّين لأن تقبلوا حتَّى القياس والتخمين في تفسير المشهودات، فكيفَ لكم أنْ تردوا قياسي إذا قلت لكم على أساسه بأن بدء الحياة والتنوع والتفاضل بين الموجودات إنَّما يكونُ قد حصلُ بأمرٍ حكيمٍ عليمٍ وتخطيطِه، وهو أقربُ إلى التَّعقلِ، وأسهل علی الفهمِ، وأحظى للقبول من قياس دارون، ولا يتركُ سوألاً دونَ أنْ يردَّ عليه بجوابٍ مقنعٍ". ويضيف المودوديُّ قائلا: "إنَّه ليسَ هناك في جانبِ دارون من أحدٍ يستطيع الجزم بشيءٍ في صدقٍ وأمانةٍ، وكلُّ ما يستطيعه هو أنْ يقولَ: عسى أنْ يكونَ كذلك، أو لعلَّ أن يكون كذلك، وأمَّا في جانبي أنا فهناكَ عددٌ لا يُحصَى من أصلحِ النَّاسِ خُلُقًا وأطهرُهُم سيرةً وأصدقُهم قولاً يقولون بكل جزمٍ وتأکیدٍ: إنَّ الأمرَ الفلانيَّ حقیقتُه كذا وكذا، وإنَّنَا لا نقولُ بشيءٍ إلاَّ بعدَ أنْ رأيناه بأَعيُنَنا.([38])

بعض آثار نظرية دارون:-

     لقد ترکت نظريَّةُ دارون آثارا سيئةً في الأخلاق والفلسفة والعلومِ، ومن هذه الأثار:-

1- انهيارُ العقيدةِ الدِّينيَّةِ في نفوس المؤمنين بهذه النظريَّةِ الشيطانيَّة، وبذلك انتشر الإلحادُ، حيثُ إنَّها دَعمَتْ الآراءَ القائلةَ إنَّ نظامَ الكونِ يجري من تلقاءِ نفسِه بدونِ إلّهٍ مُدَبِّرٍ حَكيمٍ، وإنَّ آثارَ الطَّبيعةِ ليسَ لها علةٌ أو مرجحٌ إلاَّ قوانين الفطرة نفسها.([39])

2- لقد كان دارون زعيم الطبقة التي حفرت للدين القبرَ في أُوربا، وكان له النصيب الأوفي في توجيِه الأفكارِ إلى الإلحاد والزندقة واللادينية.([40])

3- القولً بحيوانية الانسان وماديته: ويظهرُ هذاَ الأَثرُ من قولِ دارون: أنَّ أصلَ الإنسانِ جرثومةٌ صغيرةٌ، ونتيجةً لذلك أصبحَ الإنسانُ المؤمنُ بهذه النَّظريَّةِ لا يشعرُ بأيِّ حرجٍ حينَ يقارنُ بينَ متطلبَّاتِ حياتِه ومتطلبَّاتِ حياةِ الحيوان، حتَّى وُجِدَ في عالمِ الغربِ من يدافعُ عن الحَيوانِ، ويدَّعِيَ أنَّ للحيوانِ عواطفَ ومشاعرَ وأحاسيسَ، لا تَختلِفُ عن الإنسانِ بحالٍ.

4- لقد حوَّلت هذه النَّظريَّةُ الإنسانَ إلى ذئبٍ مفترسٍ، فلا معنى للقيَمِ والأخلاقِ، لأنَّ صراعَ الأقوياءِ ضدَّ الضُّعفاءِ من أجلِ البقاءِ لا تناسبُه مثلُ هذه القيم والأخلاق. وبذلك انعدَمَتْ العواطفُ الشَّريفةٌ والأخلاق الفاضلةُ: کالمواساة والرحمة والايثار. كما انعَدَمَتْ معانيَ الصِّدقِ والعدلِ والخيرِ في تلك المُجتمعاتِ، التي يَدِينُ أفرادُها بنظرِّيَّةِ دارون المزعومة. ولقد مارسَ الأوربيونَ شتَّى أنواعِ الظُلمِ والعدوانِ تجاهَ كثيرٍ من شعوبِ الأرضِ، فأزالوا قسمًا من أهل البلاد الأصليين، كما حدثَّ في أمريكا واستراليا وبعض بلدان أفريقيا، واستعبدوا الآخرين، وما زالوا يذيقونهم سوءَ العذابِ إلى الآن،([41]) فالزَّنوجُ في أمريكا، والسُّودُ في جنوب أفريقيا، وغيرِها من الدُّولِ التي ابتليت بالإستعمارِ الأوربي ما زالوا يعانونَ أشدَّ العذابِ من التَّفرقةِ العُنصريَّةِ والمعاملةِ البغيضةِ من قبل الأوربيين البيض. وكلُّ هذا يجری بمقتضى نظامِ الفطرةِ وقوانينها، كما تُصوِّرُه النظرية الدروانيَّةُ المزعومةُ. وقد عَمِلَ اليهودُ على نشرِ أفكارِ دارون لمصالحهم، فهم شعبُ الله المختار المؤهلِ للحياة، وأمَّا غيرُهم من الشعوب فيستحقون الموتَ والدمارَ، وهم يعملونَ الآن من أجلِ تَطبيقِ هذا التَّصورَ الَّلعين.

     يقول المودوديُّ: "فلعلَّ أحدٌ إذا كان عنده بقية من الفهم الصحيح والعقل السديد لا يتلكأَ القول معنا بأنَّ نظريَّةَ دارون هذه قمةٌ في رأسِ النَّظرياتِ الباطلةِ التي ناصبت الإنسانَ العداءَ في هذا الزَّمانِ، وعملت للقضاء على إنسانِيَتِه، فقد حاولَتْ أنْ تجعلَ الإنسانَ يعتقدُ بأنَّه ليسَ إلاَّ حيوانًا كسائرِ الحيوانات، ومن نتائجها أنَّ بني آدم لا يتعاطَوْنَ فيما بينَهم في أيِّ شعبةٍ من شعبٍ الحياة إلاَّ كما تتعاملُ الوحوشُ في الغابة. ومن تأثيرها أنَّ الإنسانَ بدلَ أنْ يستَمِدَّ القوانينَ والمبادئ والمناهجَ لحياتِه من مصدرٍ من المصادرِ السَّاميةِ، إنَّما يبحثُ عنها في حياةِ البهائمِ والوحوشِ، وهي التي قد عَرَضتْ على الإنسانِ نظامَ الحياةِ کميدانٍ للصِّراعِ والقتالِ، بحيثُ أنَّ كلَّ من يبديَ قوتَه وجدارتَه في هذا الصِّراعِ والقتالِ هو الذي يستحقُّ الحياةَ، ويحرزُ النَّجاحَ، وهو الصَّالحُ الباقي، ومن برکاتِ هذه النَّظريَّةِ الفاشيَّةِ أنَّ جميعَ النَّاسِ أفرادًا وطوائفً وأُمَمًا وشعوبًا ودولاً جعلوا الدُنيَا ميدانًا للتَّنازعِ والصراعِ والقتالِ، وليسَ مقتضى الفطرةِ - حسبَ زعمِهم- إلاَّ أنَّ القويَّ من حقِّهِ أنْ يستعبدَ الضَّعيفَ، ولا يَرَى له على نفسِه إلاً ولا ذمةً".([42]



[1]- انظر موجز تاريخ تجديد الدین ص 163.

[2]- انظر موجز تاريخ تجديد الدین ص 163-164.

 

[3]- الإسلام في مواجهة التحديات المعاصرة للمودودي ص 26–27.

[4]- يقصد هيجل من تسبيره "العقل الكلى" أو "الروح العالمية" ذات الله، تعالى الله عما يقول علواً كبيراً، وقد يعبِّرُ عنها بالروحِ المطلقة، أو الفكرة المطلقة. انظر هامش ص 27 من نفس المصدر السابق.

[5]- انظر نفس المصدر السابق ص 27.

[6]- انظر نفس المصدر السابق ص 28.

[7]- انظر المصدر السابق ص 33.

[8]- انظر المصدر السابق ص 27، 28.

[9]- انظر المصدر السابق ص 33. ولعلَّ المودودي فی قوله: "قياسٌ فاسدٌ" يشيرُ إلى أنَّ نظريَّةَ هيجل فی تعارضِ الأضداد وتقابلها ثمَّ انسجامها وتآخيها، وتمخضها عن نوعٍ من الحضارة، وأنَّ الإله يقومُ بهذا الدور لإكمال ذاته، يشبه إلى حدٍ ما حال الإنسان الذي يعيش بين متناقضات الحياة، أو الحاكم الذي يعيش بين تعارضِ الطَّوائفِ والمصالح والمضار، ويحاولُ أنْ يوفِّقَ بينها، ويحدثُ تلائمًا فيها، ليتمكَّنَ من العيش معها والاستفادة منها، أشبه بحال العقل الكلى في خلقه التعارضات في الكون، والتناقضات التي تتصارع وتتنازع، ثمَّ تنتهى من هذا الصراع الى حالةٍ من التوسط فيما بينها والانسجام، ليستفيدَ هو آخرُ الأمرِ من ذلك كلِّه، هو يشبه ما يسمِّيَه علماءُ الكلامِ قياسَ الغائبِ على الشَّاهدِ الذي يعتبرونه قياسًا فاسدًا.

[10]- انظر المصدر السابق ص 33.

[11]- انظر نفس المصدر السابق.

[12]- أي أنَّ الفكرةَ والروحَ عند هيجل هو الأصلُ، وأنَّ المادةَ من ثمراتها، بينما المادةُ أصلٌ عند مارکس، والفكر والروحُ من ثمراتها، كما أنَّ العمليَّةَ الجدليَّةَ تتمُّ بين الفكر والمادة كما في فلسفة هيجل، بينما يرى ماركس أنَّ العمليَّة الجدليَّة تتمُّ ضمنَ المادةِ ذاتِها، دونَ أيَّ عاملٍ خارجیٍ من فكر أو غيره. انظر: نقض أوهام المادية الجدلية للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي ص 30-31.

[13]- كالنظام الإقطاعي مثلاً، فالإقطاع بما يملك من أسباب الإنتاج تظهر في ظله طبقة المستعبدين والمستقلين.

[14]- ويطلقُ على الدَّعوى اسمَ "الأطروحة"، وعلی جوابها اسم النفي: (وهو الانعاكسات التي تأتي نتيجة الأطروحة)، ويطلقُ اسمُ التَّركيب أو نفي النفي علی جامع الدعوى ومقابلها: (وهو بلوغ الانعكاسات ذروتها). انظر الإسلام في مواجهة التحدِّيات المعاصرة ص 31-33.

[15]- انظر المصدر السابق 28-29.

[16]- انظر المصدر السابق نفسه.

[17]- انظر المصدر السابق 29-30.

[18]- انظر المصدر السابق ص 30، وانظر نفس هذا المعنی کتاب: موجز تاریخ تجديد الدين وإحيائه ص 170.

[19]- الإسلام في مواجهة التحديات المعاصرة ص 30، وانظر نفس المعنى كتاب موجز تاريخ تجديد الدين ص 169.

[20]- الإسلام في مواجهة التحديات المعاصرة ص 34.

 

 

 

 

 

 

[21]- الإسلام في مواجهة التحديات المعاصرة ص 34-35.

[22]- الإسلام في مواجهة التحديات المعاصرة ص 35

[23]- انظر المصدر السابق.

[24]- انظر المصدر السابق ص 30، وانظر موجز تاریخ تجديد الدين ص 166.

[25]- الإسلام في مواجهة التحديات المعاصرة ص 31.

[26]- موجز تاريخ تجديد الدین ص 166.

[27]- الإسلام في مواجهة التحديات المعاصرة ص 32.

[28]- المصدر السابق نفسه.

[29]- انظر نحن والحضارة الغربية ص 20-21.

[30]- انظر الإسلام في وجه التَّحديات المعاصرة ص 19، 276.

[31]- المصدر السابق ص 19.

[32]- هكسلي: (1825-1895م). بيولوجي انجليزي، تخرج من مستشفى ستيرنج كروس عام 1845، عمل جراحًا، اعتنق الدروانية مع شيءٍ من التَّحفظ، له عدةُ كتبٍ في فروع علم الحيوان المختلفة. انظر الموسوعة العربية الميسرة 2/1899.

[33]- انظر نحن والحضارة الغربية ص 33.

[34]- يقول سير أرثر کيث: إنَّ نظريَّة النشوء والإرتقاء غيرُ ثابتةٍ علميًا، ولا سبيلَ إلى إثباتِها بالبرهان، ونحنُ لا نؤمنُ بها إلاَّ لأنَّ الخيارَ الوحيدَ بعد ذلك هو الإيمانُ بالخلقِ الخاص المباشر، وهذا ما لا يمكنُ التَّفكيرُ فيه. عن الإسلام يتحدی: وحید الدین خان، ترجمة ظفر الإسلام خان، ومراجعة د. عبد الصبور شاهين طبعة 6، ص 40. ويقول سیر جیمس جنز: "إنَّ في قولِنا تعصبًا يُرجِّحُ التَّفسيرَ الماديَّ للحقائقِ.

[35]- انظر الإسلام في وجه التحديات المعاصرة ص 19-20

[36]- انظر المصدر السابق ص 20.

[37]- انظر المصدر السابق ص 20-21.

 

 

 

 

[38]- الإسلام في مواجهة التَّحديات المعاصرة ص 34.

[39]- انظر نحن والحضارة الغربية ص 20.

[40]- انظر المصدر السابق ص 39.

 

 

 

 

[41]- انظر موجز تاریخ تجديد الدین ص 168-169.

[42]- الإسلام في مواجهة التحديات المعاصرة ص 25.

 

 

 

 

 

 

موقف أبي الأعلى المودودي من الفلسفات المعاصرة

أ.د صالح حسين الرقب

         يرى المودودي أنَّ الفلسفةَ الغربيَّةَ فلسفةٌ ماديةٌ بحتةٌ. ذلك أنَّ زعماءَ هذه الفلسفة لم يؤمنوا بالحقائق الغيبية وراء المحسوسات، لأنَّهم كانوا جاحدين لمصادر معرفة هذه الحقائق، وهما الوحي والإلهام. ويصوِّرُ المودودي هذه الفلسفة بقوله: "كانت الروحُ العلميَّةُ الجديدةُ تمنعهم أنْ يُحدِثوا بأنفسهم بناء تصور عن الحقائق الغيبية على مجرد القياس والتخمين، بل إنَّهم لمَّا حاولوا ذلك لم يتماسك بنيانُهم الذي بنَوا في وجه النقد العلمي. فهكذا لمَّا لمْ يتجاوزوا حدودَ الشك واللاأدرية في باب الحقائق الغيبية، ما وجدوا أمامهم سبيلا لمعرفة حقيقة الدنيا وحياتها إلاَّ التَّعويلِ على الحواسِ، ممَّا جعلَ فلسفتَهم عن الحياة فلسفةً سطحيَّةً بحتةً، فقد زعموا أنَّ الإنسانَ إنْ هوَ إلاَّ نوعُ من البهيمةِ قد وجدَ على ظهر الأرض، فما هو بمنقادٍ لأحدٍ، ولا متبعٍ له، ولا مسئولٍ أمامَه، وهو لا يتلقَّی الهدايةَ من فوقِه، وعليه أنْ يتلقَّى الهداية بنفسه، وإن كان لهذه الهداية من مصدرٍ - حسب زعمهم - فإنَّما هو القوانينُ الطبيعيَّةُ، أو معلومات الحياة البهيمية، أو تجارب التاريخ الانساني الفارط.([1])

     والسَّعادةُ كما ترَى الفلسفةُ الغربيَّةُ تنحصرُ في الإقبالِ على الدنيا والاستمتاع بنعيمها، وسعادةُ الإنسان وشقاوته، إنَّما تكونُ بمدی حصوله على هذا النعيم أو عدم حصوله، والحقيقةُ عندهم تنحصرُ في الأشياء الواقعةِ تحتَ الحسِّ، أي الأشياء المادية لا غير، وأمَّا مَا لاَ يقعُ تَحتَ الحَوَاسِ فلا حَقيقةَ ولا قيمةَ له عندهم.([2])

     ولقد استولت على الحضارة الغربيَّةِ -كما يرى المودودي- ثلاثُ نظریاتٍ فلسفيَّةٍ كان لها الأثرُ السيءُ في الحياة البشريَّةِ أكثرَ من غيرِها من النَّظريَّاتِ الفلسفيَّةِ التي عرفتها أوربا في تاريخها الطويل، والنَّظريَّاتُ الفلسفيَّةُ الثلاثُ هي:1- نظرية هيجل وفلسفته للتاريخ، 2- نظرية دارون في التَّطور الإنساني. 3- نظرية ماركس في التفسير المادي للحياة وللتاريخ.

    وقد ذكر المودودی تلك النظريات بالدراسة والنقد في بعض كتبه. وسأذكر في الصفحات القادمة موقفه من هذه النظريات الفلسفية وآثارها السيئة في الحياة.

1- موقفه من نظرية هيجل:

خلاصة نظرية هيجل كما يصورها المودودي:

    إنَّ ما يحصل في الحضارة الإانسانية من تطورٍ وارتقاءٍ إنَّما يحصلُ بظهور الأضداد وتناطحها وتمازجها فيما بينها. وإنَّ كلَّ دورٍ من أدوارِ التَّاريخ في حد ذاته وحدةٌ، أو كائنٌ جسديٌ حيٌ، وإنَّ مختلفَ نظریَّاتِ الإنسان من سیاسية واقتصادية ومدنية وخلقية وعلمية وعقلية ودينية تكون علی مستوى معين في ذلك الدوره، ويكون بينها التناسب التلاوة والوحدة التماسكة، انها جوانب مختلفة لهذا الكائن الحي أو الوحدة الزمنية تسري فيها روحُ هذا الدَّور بكامله. وإن المبادئ والنظريات والأفكار الانسانية التي تقوم بالتوجيه في هذا الدَّورِ عندما تصلُ بالحضارة الإنسانية ومدنيتها إلى قمَّةِ الطَّاقَةِ والصلاحيَّةِ، ينبثقُ من ضمنِ هذا الدَّورِ نفسِه عدوُّه الذي يترعرعُ فيه ويبلغُ أشدَّه، أيْ أنَّ طائفةً أخرى من الأفكارِ الحديثة، والميول الحديثة، والنظريات الحديثة، والمبادئ الحديثة، لا تولدُ إلاَّ من المقتضى الطبيعي لهذا الدَّورِ الآخذِ فی الزَّوالِ بنفسِه، ثمَّ تشرعُ في محاربةِ الأفكار الباليةِ القديمةِ.

     ويستمرُّ الصِّراعُ على قدم وساق بين القديم والجديد إلى مدة من الزمن، وفي النهاية يحصل التماذج بينهما بعد الأخذ والرد، وتخرج إلى حيز الوجود حضارة عصرية جديدة خليطة من عناصر قديمة وأخرى جديدة، وهكذا يفاتح الدنيا دور جديد من أدوار التاريخ. ثم عندما ترتقی روح هذا الدور الجديد الى أعلى مدارجها، طى غرار الدور الذي سبق، يظهر من حفلها أيضا عدوها، ويلعب الصراع المقائدی الذي يتمخض عله ايضا خليط جديد مكون من عناصر من هذا وعناصر من ذاك، بعد الأخذ والرد يصير بحثا لدور جديد للحضارة والمدنية.([3])

    ويطلقُ هيجل على عمليَّةَ الإرتقاء والتطور الحضارة الإنسانية اصطلاح "المادية الجدلية". ويصوِّر المودوديُّ هذه العمليَّةَ كما رسمها هيجل هكذا: "فكان مجالَ التَّاريخِ أو حلبة الدهر تجری فيها مجادلةً منطقيَّةً متسلسلةً، وبموجبِها يقومُ أولاً الدَّعوى ثمَّ يَبرُزُ جوابُها، بعد أنْ يطول بينهما الصراع فإنَّ العقلَ الكلِّي أو الروحَ العالميَّةَ.([4]) يعقد بينهما الصُّلحَ، أيْ تقبلُ شيئًا من هذا وجانبًا من ذلك، وتجعلُ منهُمَا مزيجًا، وهذا المزيجُ الحضاريُ عندما يتقدَّمُ قليلاً يتحوَّلُ إلى دعوی، ثمَّ يواجه هذه الدعوی جوابُها، ثمَّ ينعقد بينهما الصُّلحُ بعد نشوب النزاع بينهما مدةً، ويأتي إلى حيز الوجود مزيجٌ جديدٌ، وهلُمَّ جَرَا.([5])

      هذه هي المادية الجدلية كما تصوِّرُها فلسفةُ هيجل للتَّاريخَ، وهي في نظره عمليَّةٌ اجتماعيةٌ كليَّةٌ، فلا يجوز لفردٍ من الأفرادِ، ولا لطائفةٍ من الطوائفٍ أنْ تَتَحرَّرَ من طبيعةِ عصرهاِ الجماعية أو من الرُّوحِ العامة لمدنية العصر أو حضارته. والإنسان حسب المادية الجدلية مهما كانت مكانته في التاريخ البشري فإنَّه لا يعدو أنْ يكونَ أحدَ أحجارِ لعبةِ الشطرنج، أي لا يملكُ من أمرِ نفسِه شيئًا، وليس له دورٌ یُذکَرْ. وحين يخضعُ هيجل - حسب نظريته المزعومة- الإنسان لطبيعة عصره الجماعية فإنَّه يبيِّنُ الدَّورَ الذي يقوم به العقلُ الكلِّيُ هكذا، إنَّه يغرِّرُ بالأفراد ويوهمُهم بأنَّهم في هذه المسرحية يلعبون دوراً هاماً، دورَ الأبطالِ المبارزین، دور الرُّواد والموجِّهينَ مع أنَّ العقلَ العالمي هو الذي يستعملُهم لإكمالِ ذاتِه في حقيقةِ الأمر.([6])

      ولقد وجَّه المودوديُّ جملةً من الانتقادات لفلسفة هيجل، بيَّن ما فيها من أخطاء، ومن أخطاء هذه الفلسفة.

 1- إنَّ فلسفةَ هيجل للتَّاريخ تضمَّنَتْ جملةً من الآراء السقيمةِ التي لا تَملكُ من الأَدلةِ اليقينيَّة والبراهين الثبوتيَة ممَّا تجعلُ الإنسانَ العاقلَ يميلُ إليها أدنی میلٍ، ومن هذه الأراء: أ- أنَّ الله تعالى هو يوم العالم، وأنه – تعالى الله عن قولِه علوًا كبيرًا- يستعملُ الإنسانَ لإكمال ذاتِه، وأنِّ تاريخَ ارتقاءِ المدنية والإنسانية وتطورها إنَّما هوَ تاريخُ السَّفرِ الذي يقومُ به الله تعالى إلى منتهی کمالِه. يقول المودوديُّ: "فمَا كلُّ هذه إلاَّ آراءٌ سخيفةٌ واهيةٌ، ليسَ في السَّماءِ ولا في الأَرضِ ما يُثبِتُ صِحَّتَها ثبوتًا يعتبرهُ "الثبوت" بحقٍ، فيرتاحُ إليه القلبُ وتطمئنُّ إليه النَّفسُ.([7])

ب- إلغاءُ إرادةِ الإنسان واختياره وحريته، وجعلُه مجردُ ممثلٍ، يؤدي دورَه في الحَضَارةِ كما تؤَدي قطعةٌ من البيدقِ دورَها في لعبة الشطرنج.([8])

ج - قوله: "إنَّ الله تعالى (العقل الكلى أو الروح العالمية) هو الذي يطرح الافكار المشاضة على بساط المسرح بوساطة الناس ويجعلهم يقتتلون أولاً، ثمَّ يعقدُ بينهم صلحًا، ويحدثُ فيهم صورًا جديدةً للفكرِ والخيالِ، وهذا القولُ قائمٌ على القياسِ الفاسدِ الذي لا أساسَ له من الصِّحةِ، ولا تُؤيِّدُه أيُّةُ حقيقةٌ علميةٌ.([9])

2- تشتملُ فلسفةُ هيجل للتَّاريخِ على جوانبَ من الصَّحة، ومنها: أنَّ الحربَ مازالت قائمةً بين الأفكارِ المتضادَّةِ على مرِّ التَّاريخِ، وأنَّ الصلحَ يمتدُ بينها بعد فترةٍ من الصِّراعِ، وأنَّ التَّقدمَ والارتقاءَ في الحضارة الإنسانيَّةِ إنَّما هو نتيجةَ ما حَصُلَ من صراعِ الأضدادِ وانعقاد الصلح بينها. ولكنَّ هيجل كما يقول المودودي: "ما کرسَّ نفسَّه كي يتعرَّفَ على حقيقة المسألة، ويعرفُ نوعيَّةَ الأضدادَ التي تحصلُ بينها الحربُ في الحقيقةِ، ودواعی انعقادِ الصُّلحِ بينها آخر الأمر، والسَّببُ أنِّ المزيجَ الذي يأتي إلى الوجود نتيجةَ هذا الصُّلح يُولِّدُ في حضنه عدواَ لنفسه بعد ذلك، فبدلاً من أنْ يدرسَ هيجل هذه العمليَّةَ الجدليَّةَ دراسةً وافيةً تحليليةً، إنَّما أَلقى عليها نظرةً عابرةً كما يُلقيَ الطائرُ نظرةً على المدينة في أثناءِ التَّحليق في جوها.([10])

3- يغلبُ علی النَّظريةِ عنصرا التخمين والقياس، حيثُ لم يستشهدْ بأحداثِ التَّاريخِ الإنساني ووقائعة من كونها تتعلق بالتاريخ الإنساني وما صاحبه من عمليات للتَّقدم والارتقاء في المدنية الانسانية. يقول المودودي: "إنَّ عناصرَ القياس والتخمين فيها يغلبُ عليها عنصرُ الاستشهاد بأحداثٍ التَّاريخ.([11])

     تلك هي أهمُّ الانتقادات التي وجَّهَها المودوديُّ إلى نظريةِ هيجل المزعومة، وسأذكرُ آثارَها مع آثارِ نظريةِ كارلِ مارکس لاتحادهما في أصلِ الفكرةِ، ولكون آثارِ النظريتين واحدةٍ.

2- موقفه من نظرية ماركس في التفسير المادي للتاريخ:-

     يرى المودوديُّ أنَّ کارل مارکس استمدَّ فكرةَ الماديَّةَ الجدليَّةَ من نظريةِ هيجل الفلسفيَّة، ولكنَّ مارکسَ خالفَ هيجلَ في جوهر فلسفته، فبينما فلسفةُ هيجل تقومُ على الرُّوحِ أو الفكرةِ، فإنَّ فلسفةُ مارکس تستبعدُ الفكرةَ.([12]) وتعتبرُ العواملَ الاقتصاديَّةَ هي الأساسُ الوحيدُ للتَّطورَ التَّاريخي، فالاقتصادُ عندَ مارکس هو محورُ حياةِ الإنسانِ ومدنيتُه، وأمَّا الدِّينُ والأخلاقُ والعلومُ والفنونُ وكلُ أفكارِ الإنسانِ وتصوراتِه لا تَتَشكَّلُ إلاَّ بتأثيرِ العوامل الاقتصادية.

     ويصور المودودی المادية الجدلية في التاريخ كما يراها مارکس هكذا: عند وجود طبقة من الناس تحتكر انتاج أسباب الحياة وتوفيرها وتوزيعها، أي تحتكر وسائل الانتاج وما تدره من أرباح، وتجمل هذه الطبقة بقية الطبقات الأخرى خاضعة مستعبدة، وذلك في ظل نظام اقتصادی خاص.([13]) وفي ظل هذا النظام يبدأ القلق والاضطراب في الظهور بين الطبقات المستعبدة التي تطالب بنظام اقتصادی جديد يضمن لها حياة أفضل، تتحسنُ في ظلِّه العلاقاتُ الملكية وتتوزع أسباب الحياة. ويطلق على هذا جواب الدعوى، كما يطلق على نظام الإقطاع واحتكاره لأسباب الحياة اسم الدعوى.([14]) ثم هدا الصراع بين النظام الاقتصادي القائم وما يحمله من قوانين وأخلاق ونظريات في جانب، والقوى الجديدة التي تقوم للمطالبة بتغير النظام الاقتصادي واسمه الدينية والاجتماعية في الجانب الآخر. وتسعى هذه القوى لتحقيقِ آمالِها في وضعِ تصوراتٍ ونظریاتٍ اجتماعيةٍ وظقيةٍ ودينيةٍ تتفق ونظامها الاقتصادي الجديد. ويستمرُّ الصراعُ الطَّبَقٍيُ مدةً من الزَّمَنِ إلى أنْ يزولَ النِّظامُ الاقتصاديُّ القائمُ، وتزولُ معه أيضًا التَّصوراتُ القانونيَّةُ والدينيَّةُ والاجتماعية والفلسفية القديمة، لتحلَّ مكانُها التَّصوراتُ الجديدةُ. وحسب نظرية ماركس في التفسير المادي للتاريخ تتغيَّرُ الأخلاق والقوانين والدین بتغيُّرِ النِّظامِ الاقتصادي لأنَّ هذه الأمورَ من ثمراتِ المادةِ، كما أشرنَا إلى ذلك من قبل.([15])

    ويلاحظُ فی تفسیر مارکس للتَّاريخِ أنَّ العامل الاقتصادي الذي يتمثَّلُ في وسائل الانتاج وأسباب الحياة وتوزيعها هو الأساس لارتقاء الحضارة الانسانيَّة وتقدُّمِها، وأنَّ الصراعَ الطبقي هو القوة المحركة لهذا الأساس (العامل الاقتصادى).([16])

     كما يلاحظُ أنَّ التَّصورات الدينيَّة والأخلاق والقوانين لا تَتَمتَّعُ في فلسفة مارکس، بصفة الدَّوام لأنَّها في نظرهِ تابعةً للنظام الاقتصادی، تبقى ببقائه، وتتغيَّرُ بتغيَّرِه. ويرى مارکس أنَّ الإنسانَ إنَّما يتَّبِعُ الطريق التي تقتضيها مصالحُه الذاتيَّة ومطامعُه الاقتصادية، أمَّا الدَّينُ والأخلاقُ وباقي التصورات والنظرياته فهی من اختراع الإنسانِ نفسِه لكي يحققَ بها الطريقَ الذي اتَّبَعه في تحقيق طموحاته الاقتصادية.([17])

     ولم يقف مارکس عند هذا القول فحسب، بل زعم أنَّ الفطرةَ والعقلَ يؤيِّدَان تفسيرَه المادي للتاريخ . يقول المودوديُّ: "وممَّا يطابقُ الفطرةَ والعقلُ معًا - في نظر ماركس- أنَّ طبقةً من النَّاسِ إذا وجدت طريقًا آخرَ يُحقِّقُ مصلحتُها الاقتصادية فلها أنْ تَرفضَ نظامها الاقتصادي السابق، وترفضَ معه جميعَ ما يقوم عليه هذا النِّظام من التصورات الدينية والأخلاقية والقانونية والمدنية، وتخترعَ بدلاً منها عقائدَ ومبادئَ جديدةً أخرى، تلتئم مع مصلحتها الاقتصادية.([18])

      والإنسانُ في نظرِ مارکس ما خُلِقَ على الأرضِ إلاَّ للصِّرَاعِ والقتالِ والجريِّ وراءَ شهواتِه الذاتيَّةِ ومصالحِه الماديَّة، وهو يسندُ هذا الصراعَ إلى الفطرةِ. أمَّا المثلُ والأخلاقُ فليس لها عند الإنسان –بزعمه- أيَّ اعتبار. يقول المودوديُّ: يقول مارکس: إنَّ الصراعَ للأغراض الذاتيَّة الماديَّة هو من عينِ ما تنشدُه الفطرةُ، وأنَّ الطريقَ الوحيدَ لارتقاء التَّاريخِ الإنساني أن تَتَنازعَ وتتصادمَ وتتكالبَ مختلفُ طبقاتِ النَّاس فيما بينها لتحقيقِ أغراضِها ومصالحِها الذاتيَّةِ الماديَّةِ، لأنَّ الإنسانَ ما قطعَ حتَّى الآن مرحلةً من مراحل التَّاريخِ إلاَّ متخاصمًا متقاتلاً بعضه مع بعض. وأنْ ليسَ عليه الآنَ إلاَّ أنْ يواصلَ قطعَ مراحلِ التَّاريخِ بنفسِ المقاتلةِ والمصارعةِ، وأنَّه إنْ كانَ هناك أساسٌ للتَّوفيقِ بين مختلفِ أفرادِه فإنَّما هو تكتُّلُهم لأجل الأغراض الاقتصادية البحتة، فكلُّ من كانوا متكتِّلِينَ على هذا الأساس لابدَّ لهم من أن يتحوَّلوا إلى طبقةٍ خاصةٍ لشنِّ الحربِ على جميعِ ما يخالفُها من الطَّبقاتِ".([19])

 نقد المودودي لأفكارِ کارل ماركس:

      يرى المودوديُّ أنَّ مارکسَ قاصرُ النَّظرِ، محرومٌ من ذلك القدرِ اليَسيرِ من الفَهًمِ الذي تمتَّع به أُستاذهُ هيجل الذي تلقَّى عنه النظرية الجدلية: يقول المودودي: أمَّا ماركس فلم يُكتبْ له هذا الحظُّ اليسيرُ من عمقِ النَّظر وسعةِ الأُفقِ الذي كُتبِ لهيجل.([20])

     ثمَّ بدأَ المودوديُّ نقدَه لأفكارِ مارکس في التَّفسيرِ الماديِ للتَّاريخِ، وركَّز في نقدهِ على عدَّةِ أمورٍ.

- جهلُ مارکس لفطرةِ الإنسانِ وجهلِه بتركيبِ الإنسانِ بدیعِ خلقِ الله تعالی له. فالإنسانُ روحٌ وجسدٌ، وللرِّوحِ مطالبُها وأشواقُها، وللجسدِ مطالبُه وحاجاتُه، وماركسُ في فلسفته ينكرُ مطالبَ الرُّوحِ وأشواقِها التي لا تستغنيَ عنها، ويجعلُ همَّ الإنسانَ تلبيةَ مطالبِ الجسدِ فَحَسب. يقول المودوديُّ: إنَّه لا يحاولُ أصلاً أنْ يعرفَ ويفهمَ فطرةَ الإنسانِ وصنعِه وتركيبَه فهو لذلك إنَّما ينظرُ منه إلى الحيوان الخارج الذى تمسُّه الحاجةُ إلى أسبابِ المعيشةِ، ولا ينظرُ أبدًا إلى الإنسانِ الداخلى داخل (كبسولة) هذا الحيوان الخارجي، والذي ليسَ الحيوانُ الخارجُ إلاَّ أداةً من أدواتِه، والذي تختلفُ مقتضياتُ طبيعتِه عن مقتضياتِ طبيعةِ الحيوانِ الخارجي.

- ينكر المودودی علی مارکس جعله الإنسان عبدًا لتحقيقِ شهواتِه ورغباتِه الماديَّةِ، وأنَّ الإنسانَ يسخِّرُ كلَّ قواه العقليَّةِ والفكريَّةِ من أجلِ تحقيق ذلك، وأنَّه مخترعُ الدِّينِ لتحقيقِ أهواءِ النَّفسِ ورغباتِها. يقول المودوديُّ: "إنَّ قصورَ نظرِ مارکس ضالة فهمه جعلت كلَّ نظرياته الاجتماعية باطلةً كلَّ البطلان، وأَصبحَ يَظنُّ أنَّ الإنسانَ الداخلي إنَّما هو تابعٌ أو مُستخدمٌ بل عبدٌ مذللٌ للحيوان الخارجي، وأنَّ كلَّ ما أُوتيَه من قوى العقل والاستدلال والتفكير والبحث والمشاهدة والاستنباط والتحقيق والاختراع إنَّما هو مقصورٌ على خدمةِ الحيوان الخارجي وتحقيقِ شهواتِه ومطالبِه وأغراضهِ، ولهذا فإنَّ أَقصى ما قام به الإنسانُ الداخليُّ حتّى الآن أو يستطيع أنْ يقومَ به في المستقبل لا يعدو -علی حسب قول ماركس- أنْ يكونَ واضعًا لمبادئ الأخلاق والقانون، واختراع تصورات الدين، وتقرير طرق للحياة وفقا لأهواء الحيوان الخارجي، ما أضألَ هذه الفكرة لحقيقة الإنسان، وما أبلدَ الأذهان التي ترتاحُ إليه وتقبلُه.([21])

     ويضيفُ المودوديُّ: "إنَّنا لا نشكُّ في أنَّ أَحاسيسَ الحيوانِ الخارجيِّ ومطالبَه كثيرا ما تُؤَثِّرُ في عزيمةِ الإنسانِ الداخليِّ، وأنَّ هناك كثيرًا من النَّاسِ تَغلُبُ عليهم حیوانیَّتُهم، ولكنْ ما أخطأَ فكرةُ ماركس القائلةِ بأنَّ الإِنسانَ الداخليَّ لا يملكُ أيَّ نفوذٍ يقهرُ به الحيوان الخارجيَّ، وما أخطأ دراستَه لتاريخِ الحضَارةِ.

الإنسانية التي جملته لا يرى الحضارة الإنسانية إلا عمل أولئك الذين كانت إنسانيتهم تتبع حیوانیتهم ، مع أنه لو تأمل في صفحات التاريخ بمین متفتحه ، لوجه أن كل ما هو ثمین وصالح وجدير بالتقدير والاحترام من عناصر المدنية الإنسانية انما هو منحة من أولئك الذين جعلوا حيوانيتهم تتبع انسانيتهم ، وأثروا بشخصيتهم القاهرة في أغلبية ساحقة من أفراد البشر ضحايا الحيوانية ، فأفرغوا حياتهم في قوالب وهادئ دائمة للحضارة والتهذيب والشرف والأخلاق والعدل والإنصاف.([22])

      وأخيرًا إنَّ التَّصورَ القرآني للإنسانِ يُغنينَا عن دراسةِ فلسفةِ هيجل ومارکس، ومَا قدَّمَاه من تصورٍ غثٍ هزيلٍ عن الإنسان. فقد قدَّمَ لنا القرآنُ الكريمُ التَّصورَ السَّليمَ الواضحَ للإنسانَ والحياةَ والكونَ وفلسفةَ التَّاريخِ. كما أنَّ القرآنَ الكريمَ قدَّم الإجاباتِ الشَّافيةَ عن المسائلِ التي ارتبكً كلٌ من هيجل ومارکس وأتباعهما من فلاسفة الغرب ومفكريه، ولم يستطيعوا تقديمَ أجوبةٍ صَحِيحَةٍ سليمةٍ عنها.

     إنَّ الإنسانَ في التَّصورِ القرآني روحٌ وجسدٌ، أو هو عبارةٌ عن وجودَیْنِ: الأوَّلُ: الوجود المعنوی، وهو محلُّ الأحكام الخُلقيِّةِ، قد أُوتِيَ مواهبَ مختلفةً من العقلِ والوعيِ واكتسابِ العلمِ والرأيِ والفكرِ، والثَّانِي: هو الوجودُ الحيوانيُّ الذي هو محلُّ الغرائزِ المختلفة كالجوع والعطش والشهوة والطمح والخوف. والإنسانُ بهذا التَّصورِ يختلفُ عن الحيواناتِ التي تعيشُ لتحقيقِ مطالبِ الجسدِ فَحَسبْ، وقد وُجِّهت بواسطةِ الإلهامِ لسلوكِ طريقٍ معينٍ. بينَمَا الإنسانُ قد أعطاهُ الله عزَّوجلَّ قوةَ العملِ والكدِّ، بجانبِ ما أعطاه من حريَّةِ الاختيار والإرادة، وهو بذلك يتمتَّعُ بنوعٍ من الاستقلال الذاتيِ، فيختارُ الطَّريقَ الذي يريده بسعيه واختياره دونَ أنْ يمليَه عليه أحدٌ. والإنسانُ بفطرتِه التي فطرَهُ الله تعالى عليها يميلُ إلى الصِّراطِ المستقيمِ.([23])

آثارُ نظريتي هيجل ومارکس:

    لقد كان لنظريتي هيجل ومارکس تأثیرًا سيئًا بالغ الخطورة في الحياة البشريَّةِ، شمل كلَّ جوانبِها المختلفة. فمن الناحيةِ العلميَّةِ مارست نظریات هيجل وماركس دورًا سيئًا في توجيه علماء الغرب الذين افتتنوا بها، فصدرت عنهم وجهاتِ نظرٍ خاطئةٍ عن الدِّين والحضارة والأخلاق والاجتماع.([24]) ومن النَّاحيةِ الدينيَّة أَتَتْ هذه النَّظرياتُ على العقائدِ الدينية من أساسها، جعلت النَّاسَ ينظرون بإزدراء إلى الرسالات السماويِّة، وقد تخلَوا عن تعاليم الأنبياء وشرائعهم، باعتبارِ أنَّ كلَّ رسولٍ أوجدته ظروفُ عصرِه وزمانِه، وأنَّ التَّمسُّكَ بالرسالات السماوية السابقة رجعيةٌ وتخلفٌ. يقول المودوديُّ: "إنَّك لمَّا ذكرت له (أي لمارکس) إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم قال: إنَّما كانَ كلُّ واحدٍ من هؤلاء وليدَ زمانِه، ليقدِّم جوابًا لدعوى المدنيَّة الرَّائجةِ في ذلك الزَّمان الذي تحوَّل إلى جزءٍ من أجزاءِ المزيج الحضاري بعدَ أنْ جاوزَ ما جاوزَ من فترة الصِّراعِ والأَخذِ والردِّ، وكم من جوابٍ بعده تعاقبَ وفرضَ نفسَه، ثمَّ تحوَّلَ إلى مزيجٍ حضاري كما أسلفنا. وإنَّ المدنيَّةَ الإنسانيَّةَ ما زالت تجتاز بعده مراحلَ التَّقدمِ والرقيِ حتَّى بلغت الزمانَ الذي نعيش فيه، ولا نشكُّ أنا نُجلُّ هوءلاء الأفراد وتعترف لهم بما يستحقون من الفضل والتقدير من حيث عملوا لتطوير المدنية الانسانية وتنميتها في عهودِهم، ولكنْ لا يَصِّحُ ألبتةَ أنْ ترجعَ القهقرى، ونجابِهُ دعوی المدنيَّةِ الحاضرةِ بجوابٍ قديمٍ قد أكل عليه الدَّهرُ وشرِبَ.([25])

     وعن أثرِ نظريَّةِ هيجل في الجانب الديني يقول المودوديُّ: "والحقُّ أنَّ هذه الفلسفة هي حملة فكرية منظمة مدججة بالبراهين والحجج تكاد تأتي على الفكرة الدينية من أساسِها إذا أُصيبتْ فكرةُ رجلٍ بضربَتِها الفتَّاكة.([26])

    ومن آثار نظرية مارکس الاعتقاد بعدم خلود الدين والأخلاق والقوانين والأفكار، لأنَّ هذه الأمور-حسب زعم صاحب النظرية- تَتَغيَّرُ بتغيُّرِ أسلوبِ الإنتاجِ وتوزيع أسباب المعيشة، أي بتغيُّرِ العوامل الاقتصادية، وهذه الأمورُ وليدةُ النِّظام الاقتصادي السَّائد، وما وجدت إلاَّ لحمايته وحفظه، فإذا تغيَّر فلابدَّ أنْ يُصاحبُه التَّغيرُ الشامل في كلِّ شيءٍ، حيث لم تَعُد تَصلُحُ للنِّظام الاقتصادي الجديد. ويوضِّحُ المودودي هذا الأثرَ السيءَ لنظريَّةِ مارکس، بقوله: "فهلْ لإحدِ أنْ يَدَّعِيَ أنْ من كان يعتقدُ بنظريَّة ماركس، يستطيع أنْ يكونَ في الوقتِ ذاتِه مؤمنًا بتعليم ديني أو شريعة أو نظامٍ خُلُقيٍ يرجعُ إلى ما قبل القرون".([27])

 التناقض التام بين الاسلام والشيوعية:-

      يردُّ المودوديُّ علی من يزعمُ أنَّ المرءَ يمكنُ أنْ يكونَ مسلمًا وفي الوقت نفسه يكونً شیوعيًا أو ماركسيًا، لأنَّه في نظرِ صاحب هذا الزعمِ لا يوجدُ تناقضٌ بين الإسلامِ والشيوعيَّةِ. يقول المودوديُّ: "إنِّي أطلبُ منهم أنْ يدرسوا أولاً تعبيرَ (تفسير) ماركس المادي للتَّاريخ ونتائجه المنطقية، ثمَّ يتفكروا: أيُّ مجالٍ يبقى لمن اعترف بصحَّةِ هذه الفكرة لأنْ يقولَ بأنَّه مسلمٌ؟ لا ريبَ أنَّه من حقِّ كلِّ شخصٍ أن يختارَ ما يشاءَ من عقيدةٍ، فهم إنْ كانوا يعتقدون بصحَّةِ نظريَّةِ مارکس، فلهم أن يختاروها، ولكنْ من الواجبِ عليهم من ذلك أنْ يكونوا على بيِّنَةِ من الأمر، وألاَّ يساوِرُ أذهانَهم أيُّ نوعِ من التعقيدِ والارتباك، أمَّا كونهم يزعمون عقيدةً ما ثمَّ يعتقدون في عقيدةِ تَضَادُّها في الوقت ذاته، فهذا يدلُّ على إرتباكٍ في أذهانِهم، وهو أمرٌ يدعو إلى الأسفِ، ويبعثُ إلى الأسی.([28])

3- موقفه من نظرية دارون في التطور:

  بعضُ العناصر التي جاءت ضمن نظرية دارون:

    إنَّ أصلَ الكائنات الحيَّةِ كانت دودًا يدُبُّ على الأرضِ، وقد أصبحت بفعلِ العواملِ المختلفة -كالتنازع من أجل البقاء، والبقاء للأصلح، والانتخاب الطبیعی- إنسانًا ذا إحساسٍ وشعورٍ، والكائناتُ الحيَّةُ تَطوَّرَت تطورًا ذاتيًا تصاعديًا، من أدني الكائناتِ إلی أعلاها، وهو الإنسانُ، وقد نفَتْ هذه النَّظريةُ وجودَ الله خالق مدير حكيم.([29])

نقد المود ودي لنظرية دارون:

1- یری المودودی أنَّ نظريَّةَ دارون لا تزالُ منذ أنْ ظهرت إلى أيَّامنِا هذه كما هي نظريةً بحتةً، لم تصل إلى كونِها حقيقةَ علميةَ. وكما هو معلومٌ أنَّ هناكَ فرقٌ كبيرٌ بين النَّظريَّةِ والحقيقة العلميَّة، فالنَّظريَّةُ مبنيةٌ على العروض والاحتمالات، وعلى أساسٍ من التَّخمينِ والقياس، وأمَّا النَّظريَّةُ العلميَّةُ فمبنيَّةٌ على أساسٍ من القطعِ واليقينِ ومطابقة الواقع، ولا مجالَ للظَّنِّ والرَّيبِ فيها.([30]) وعندما سُئِلَ المودوديُّ عن التَّناقضِ بين القرآن الكريم ونظريَّةِ دارون في مسألة خلق الانسان أجاب بقوله: "إنَّ الإنسانَ لا يحتاج إلى إعادةِ النَّظرِ في إيمانه إلاَّ حينما يتصادمُ إيمانُه مع شيءٍ هو حقيقة وأمر واقع لا مجال للريب فيه، وإلاَّ فإنَّ الإيمانَ الذي لا يصمد أمام الأمور القياسيَّةِ والنَّظريَّات المجردة، فما هو إيمانٌ، وإنَّما هو حسنُ الظَّنَ يمكنُ أنْ يَتبدَّلَ بسوءِ الظَّنِ على أساسٍ مجردٍ من الأوهامِ والخرافاتِ والاشاعات".([31])

2- إن الحجج والبراهين التي ساقها دارون لإثبات صحة نظريته ضعيفة واهية ومفتقرة إلى الثبوت.

3- إن سلسلة الارتقاء التي قدمها دارون تفتقد عدة حلقات بعد الموجودة.

4- ان العلماء والمفكرين لم تطمئن نفسهم إلى نظرية دارون في التطور، حتى أنَّ هكسلي([32]) أحدُ دُعَاتِها الكبارِ لم يؤمنْ بها إلاَّ فِرَارًا من الإيمانِ بالله تعالى، وقد استغلَّ هو وغيرهُ هذه النَّظريَّةَ في نشرِ الإلحادِ ومحاربةِ الدِّينِ.([33])

5- إنَّ نظريَّةَ دارون تخالفُ العقلَ والمنطقَ، إذ أنَّ بِدْأَ الحياة من أصعب المسائل التي استُبْهِمَت على علماء الطبيعة الغربيَّين، ومع تقدم العلوم التجريبية في بلاد الغرب ونموها وازدهارها فما زالَ هؤلاء العلماء يفرُّونَ من الإِقْرَارِ بمَا استكنَّ في فِطَرِهِم من وجودِ الإِلَهِ الخالقِ المدبرِّ الحكيمِ، الذي أنشأَ آثارَ الحياة في المادَّةِ الميِّتَةِ.([34]) وإذاَ كانَ عُلماءُ الغربِ عاجزين عن حلِّ عقدةِ بدءِ الحياة! فلماذا يلجأون إلى القول بالظَّنِّ والتَّخمينِ في هذه المسألة (بدء الحياة)؟.

      يرى المودوديُّ أنَّهم لجأوا إلى ذلك هروبًا من الإيمانِ بإلَهٍ خالقٍ حكیمٍ، يَتَّصِفُ بصفاتِ الكمالِ، والاعترافِ بوجودِ خالقٍ يَصطدِمُ مع إلحادهم وعدائِهم للدِّين.([35]) وما يمكنُ قولُه في مسألة "بدء الحياة" يقال أيضًا في المسائلِ الأخرى التي تناولتها نظريَّةُ دارون، کمسألة التَّنوعِ في الحياة، ومسألةِ التَّفاضل بينِ مختلفِ الأنواع.

6- إنَّ دارون نفسَه لمْ يقلْ إنَّه أدركَ الحقيقة، وعلماءُ الغرب القائلون بنظريته لا يعتبرون قياسَهم وغرضَهم حقيقةً وفكرتَهم واقعًا.([36])

7- إنَّ نظريَّةَ دارون انتشرت في بيئةٍ منحرفةٍ عن منهج الحق، وفي بلادٍ جادةٍ في طريقٍ الإلحاد. وكما يقولُ المودوديُّ: "فإنَّ أوروبا التي كانت إلى ذلك الحينِ إنَّمَا تسيرُ إلحادها بدونِ أرجلٍ، هروَلَت إلى تَلقي هذه الأرجل الخشبية (يقصد نظرية دارون) بكلِّ قبولٍ، ووضعتها تحتَ كلِّ شعبةٍ من علومها الطبيعية، بل وفي فلسفتِها وأخلاقِها وعلومها للعمران، مع أنَّه كان ولا يزالُ في هذا التَّفسيرِ من الوجهة العلمية والعقلية اضطراباتٌ كثيرةٌ، لا يمكنُ لعاقلٍ أنْ يقولَ معها: إنَّ هذا التَّفسيرَ تفسیرٌ وجيهٌ، أو هو من التَّفاسير الجديرةِ بالاعتبار.([37])

8- بالرجوع إلى المصادر الأصليَّةِ التي تَضمَّنَت تدوينَ نظريَّةِ دارون يجد الدارس أنَّ بناءَ النَّظريَّةِ يقومُ على القولِ ب "لعل", "أظن"، أي القول بالظن والتخمين، والظن والتخمين لا يجدي في باب العلوم ، لأنَّ العلومَ إنِّما تقومُ على أساسٍ من القطعِ واليقينِ.     

   وردًا على الذين اعتنقوا نظرية دارون وتعصَّبوا لها مع أَنَّها قائمةٌ على التَّخمينِ والظنِ، يقول المودوديُّ: إنَّه إذا كان هناك نوعٌ من الاعتبار للقياس والتَّخمين في العلوم، فكيفَ ولماذاَ يُمكنُ التَّفريقُ بين قياسٍ وقياسٍ، ولا سِيما إذا كان أحدُ القياسين أقوىَ وأقربَ إلى التَّعقلِ من الآخر. إنَّكم إذا كنتم مستعدِّين لأن تقبلوا حتَّى القياس والتخمين في تفسير المشهودات، فكيفَ لكم أنْ تردوا قياسي إذا قلت لكم على أساسه بأن بدء الحياة والتنوع والتفاضل بين الموجودات إنَّما يكونُ قد حصلُ بأمرٍ حكيمٍ عليمٍ وتخطيطِه، وهو أقربُ إلى التَّعقلِ، وأسهل علی الفهمِ، وأحظى للقبول من قياس دارون، ولا يتركُ سوألاً دونَ أنْ يردَّ عليه بجوابٍ مقنعٍ". ويضيف المودوديُّ قائلا: "إنَّه ليسَ هناك في جانبِ دارون من أحدٍ يستطيع الجزم بشيءٍ في صدقٍ وأمانةٍ، وكلُّ ما يستطيعه هو أنْ يقولَ: عسى أنْ يكونَ كذلك، أو لعلَّ أن يكون كذلك، وأمَّا في جانبي أنا فهناكَ عددٌ لا يُحصَى من أصلحِ النَّاسِ خُلُقًا وأطهرُهُم سيرةً وأصدقُهم قولاً يقولون بكل جزمٍ وتأکیدٍ: إنَّ الأمرَ الفلانيَّ حقیقتُه كذا وكذا، وإنَّنَا لا نقولُ بشيءٍ إلاَّ بعدَ أنْ رأيناه بأَعيُنَنا.([38])

بعض آثار نظرية دارون:-

     لقد ترکت نظريَّةُ دارون آثارا سيئةً في الأخلاق والفلسفة والعلومِ، ومن هذه الأثار:-

1- انهيارُ العقيدةِ الدِّينيَّةِ في نفوس المؤمنين بهذه النظريَّةِ الشيطانيَّة، وبذلك انتشر الإلحادُ، حيثُ إنَّها دَعمَتْ الآراءَ القائلةَ إنَّ نظامَ الكونِ يجري من تلقاءِ نفسِه بدونِ إلّهٍ مُدَبِّرٍ حَكيمٍ، وإنَّ آثارَ الطَّبيعةِ ليسَ لها علةٌ أو مرجحٌ إلاَّ قوانين الفطرة نفسها.([39])

2- لقد كان دارون زعيم الطبقة التي حفرت للدين القبرَ في أُوربا، وكان له النصيب الأوفي في توجيِه الأفكارِ إلى الإلحاد والزندقة واللادينية.([40])

3- القولً بحيوانية الانسان وماديته: ويظهرُ هذاَ الأَثرُ من قولِ دارون: أنَّ أصلَ الإنسانِ جرثومةٌ صغيرةٌ، ونتيجةً لذلك أصبحَ الإنسانُ المؤمنُ بهذه النَّظريَّةِ لا يشعرُ بأيِّ حرجٍ حينَ يقارنُ بينَ متطلبَّاتِ حياتِه ومتطلبَّاتِ حياةِ الحيوان، حتَّى وُجِدَ في عالمِ الغربِ من يدافعُ عن الحَيوانِ، ويدَّعِيَ أنَّ للحيوانِ عواطفَ ومشاعرَ وأحاسيسَ، لا تَختلِفُ عن الإنسانِ بحالٍ.

4- لقد حوَّلت هذه النَّظريَّةُ الإنسانَ إلى ذئبٍ مفترسٍ، فلا معنى للقيَمِ والأخلاقِ، لأنَّ صراعَ الأقوياءِ ضدَّ الضُّعفاءِ من أجلِ البقاءِ لا تناسبُه مثلُ هذه القيم والأخلاق. وبذلك انعدَمَتْ العواطفُ الشَّريفةٌ والأخلاق الفاضلةُ: کالمواساة والرحمة والايثار. كما انعَدَمَتْ معانيَ الصِّدقِ والعدلِ والخيرِ في تلك المُجتمعاتِ، التي يَدِينُ أفرادُها بنظرِّيَّةِ دارون المزعومة. ولقد مارسَ الأوربيونَ شتَّى أنواعِ الظُلمِ والعدوانِ تجاهَ كثيرٍ من شعوبِ الأرضِ، فأزالوا قسمًا من أهل البلاد الأصليين، كما حدثَّ في أمريكا واستراليا وبعض بلدان أفريقيا، واستعبدوا الآخرين، وما زالوا يذيقونهم سوءَ العذابِ إلى الآن،([41]) فالزَّنوجُ في أمريكا، والسُّودُ في جنوب أفريقيا، وغيرِها من الدُّولِ التي ابتليت بالإستعمارِ الأوربي ما زالوا يعانونَ أشدَّ العذابِ من التَّفرقةِ العُنصريَّةِ والمعاملةِ البغيضةِ من قبل الأوربيين البيض. وكلُّ هذا يجری بمقتضى نظامِ الفطرةِ وقوانينها، كما تُصوِّرُه النظرية الدروانيَّةُ المزعومةُ. وقد عَمِلَ اليهودُ على نشرِ أفكارِ دارون لمصالحهم، فهم شعبُ الله المختار المؤهلِ للحياة، وأمَّا غيرُهم من الشعوب فيستحقون الموتَ والدمارَ، وهم يعملونَ الآن من أجلِ تَطبيقِ هذا التَّصورَ الَّلعين.

     يقول المودوديُّ: "فلعلَّ أحدٌ إذا كان عنده بقية من الفهم الصحيح والعقل السديد لا يتلكأَ القول معنا بأنَّ نظريَّةَ دارون هذه قمةٌ في رأسِ النَّظرياتِ الباطلةِ التي ناصبت الإنسانَ العداءَ في هذا الزَّمانِ، وعملت للقضاء على إنسانِيَتِه، فقد حاولَتْ أنْ تجعلَ الإنسانَ يعتقدُ بأنَّه ليسَ إلاَّ حيوانًا كسائرِ الحيوانات، ومن نتائجها أنَّ بني آدم لا يتعاطَوْنَ فيما بينَهم في أيِّ شعبةٍ من شعبٍ الحياة إلاَّ كما تتعاملُ الوحوشُ في الغابة. ومن تأثيرها أنَّ الإنسانَ بدلَ أنْ يستَمِدَّ القوانينَ والمبادئ والمناهجَ لحياتِه من مصدرٍ من المصادرِ السَّاميةِ، إنَّما يبحثُ عنها في حياةِ البهائمِ والوحوشِ، وهي التي قد عَرَضتْ على الإنسانِ نظامَ الحياةِ کميدانٍ للصِّراعِ والقتالِ، بحيثُ أنَّ كلَّ من يبديَ قوتَه وجدارتَه في هذا الصِّراعِ والقتالِ هو الذي يستحقُّ الحياةَ، ويحرزُ النَّجاحَ، وهو الصَّالحُ الباقي، ومن برکاتِ هذه النَّظريَّةِ الفاشيَّةِ أنَّ جميعَ النَّاسِ أفرادًا وطوائفً وأُمَمًا وشعوبًا ودولاً جعلوا الدُنيَا ميدانًا للتَّنازعِ والصراعِ والقتالِ، وليسَ مقتضى الفطرةِ - حسبَ زعمِهم- إلاَّ أنَّ القويَّ من حقِّهِ أنْ يستعبدَ الضَّعيفَ، ولا يَرَى له على نفسِه إلاً ولا ذمةً".([42]



[1]- انظر موجز تاريخ تجديد الدین ص 163.

[2]- انظر موجز تاريخ تجديد الدین ص 163-164.

[3]- الإسلام في مواجهة التحديات المعاصرة للمودودي ص 26–27.

[4]- يقصد هيجل من تسبيره "العقل الكلى" أو "الروح العالمية" ذات الله، تعالى الله عما يقول علواً كبيراً، وقد يعبِّرُ عنها بالروحِ المطلقة، أو الفكرة المطلقة. انظر هامش ص 27 من نفس المصدر السابق.

[5]- انظر نفس المصدر السابق ص 27.

[6]- انظر نفس المصدر السابق ص 28.

[7]- انظر المصدر السابق ص 33.

[8]- انظر المصدر السابق ص 27، 28.

[9]- انظر المصدر السابق ص 33. ولعلَّ المودودي فی قوله: "قياسٌ فاسدٌ" يشيرُ إلى أنَّ نظريَّةَ هيجل فی تعارضِ الأضداد وتقابلها ثمَّ انسجامها وتآخيها، وتمخضها عن نوعٍ من الحضارة، وأنَّ الإله يقومُ بهذا الدور لإكمال ذاته، يشبه إلى حدٍ ما حال الإنسان الذي يعيش بين متناقضات الحياة، أو الحاكم الذي يعيش بين تعارضِ الطَّوائفِ والمصالح والمضار، ويحاولُ أنْ يوفِّقَ بينها، ويحدثُ تلائمًا فيها، ليتمكَّنَ من العيش معها والاستفادة منها، أشبه بحال العقل الكلى في خلقه التعارضات في الكون، والتناقضات التي تتصارع وتتنازع، ثمَّ تنتهى من هذا الصراع الى حالةٍ من التوسط فيما بينها والانسجام، ليستفيدَ هو آخرُ الأمرِ من ذلك كلِّه، هو يشبه ما يسمِّيَه علماءُ الكلامِ قياسَ الغائبِ على الشَّاهدِ الذي يعتبرونه قياسًا فاسدًا.

[10]- انظر المصدر السابق ص 33.

[11]- انظر نفس المصدر السابق.

[12]- أي أنَّ الفكرةَ والروحَ عند هيجل هو الأصلُ، وأنَّ المادةَ من ثمراتها، بينما المادةُ أصلٌ عند مارکس، والفكر والروحُ من ثمراتها، كما أنَّ العمليَّةَ الجدليَّةَ تتمُّ بين الفكر والمادة كما في فلسفة هيجل، بينما يرى ماركس أنَّ العمليَّة الجدليَّة تتمُّ ضمنَ المادةِ ذاتِها، دونَ أيَّ عاملٍ خارجیٍ من فكر أو غيره. انظر: نقض أوهام المادية الجدلية للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي ص 30-31.

[13]- كالنظام الإقطاعي مثلاً، فالإقطاع بما يملك من أسباب الإنتاج تظهر في ظله طبقة المستعبدين والمستقلين.

[14]- ويطلقُ على الدَّعوى اسمَ "الأطروحة"، وعلی جوابها اسم النفي: (وهو الانعاكسات التي تأتي نتيجة الأطروحة)، ويطلقُ اسمُ التَّركيب أو نفي النفي علی جامع الدعوى ومقابلها: (وهو بلوغ الانعكاسات ذروتها). انظر الإسلام في مواجهة التحدِّيات المعاصرة ص 31-33.

[15]- انظر المصدر السابق 28-29.

[16]- انظر المصدر السابق نفسه.

[17]- انظر المصدر السابق 29-30.

[18]- انظر المصدر السابق ص 30، وانظر نفس هذا المعنی کتاب: موجز تاریخ تجديد الدين وإحيائه ص 170.

[19]- الإسلام في مواجهة التحديات المعاصرة ص 30، وانظر نفس المعنى كتاب موجز تاريخ تجديد الدين ص 169.

[20]- الإسلام في مواجهة التحديات المعاصرة ص 34.

[21]- الإسلام في مواجهة التحديات المعاصرة ص 34-35.

[22]- الإسلام في مواجهة التحديات المعاصرة ص 35

[23]- انظر المصدر السابق.

[24]- انظر المصدر السابق ص 30، وانظر موجز تاریخ تجديد الدين ص 166.

[25]- الإسلام في مواجهة التحديات المعاصرة ص 31.

[26]- موجز تاريخ تجديد الدین ص 166.

[27]- الإسلام في مواجهة التحديات المعاصرة ص 32.

[28]- المصدر السابق نفسه.

[29]- انظر نحن والحضارة الغربية ص 20-21.

[30]- انظر الإسلام في وجه التَّحديات المعاصرة ص 19، 276.

[31]- المصدر السابق ص 19.

[32]- هكسلي: (1825-1895م). بيولوجي انجليزي، تخرج من مستشفى ستيرنج كروس عام 1845، عمل جراحًا، اعتنق الدروانية مع شيءٍ من التَّحفظ، له عدةُ كتبٍ في فروع علم الحيوان المختلفة. انظر الموسوعة العربية الميسرة 2/1899.

[33]- انظر نحن والحضارة الغربية ص 33.

[34]- يقول سير أرثر کيث: إنَّ نظريَّة النشوء والإرتقاء غيرُ ثابتةٍ علميًا، ولا سبيلَ إلى إثباتِها بالبرهان، ونحنُ لا نؤمنُ بها إلاَّ لأنَّ الخيارَ الوحيدَ بعد ذلك هو الإيمانُ بالخلقِ الخاص المباشر، وهذا ما لا يمكنُ التَّفكيرُ فيه. عن الإسلام يتحدی: وحید الدین خان، ترجمة ظفر الإسلام خان، ومراجعة د. عبد الصبور شاهين طبعة 6، ص 40. ويقول سیر جیمس جنز: "إنَّ في قولِنا تعصبًا يُرجِّحُ التَّفسيرَ الماديَّ للحقائقِ.

[35]- انظر الإسلام في وجه التحديات المعاصرة ص 19-20

[36]- انظر المصدر السابق ص 20.

[37]- انظر المصدر السابق ص 20-21.

[38]- الإسلام في مواجهة التَّحديات المعاصرة ص 34.

[39]- انظر نحن والحضارة الغربية ص 20.

[40]- انظر المصدر السابق ص 3

[41]- انظر موجز تاریخ تجديد الدین ص 168-169.

[42]- الإسلام في مواجهة التحديات المعاصرة ص 25.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هل أعجبك الموضوع؟