البريد للتواصل: drsregeb11@gmail.com

سؤال وجواب

زعم المتكلمون أنَّ الرحمة ضعف وخور في الطبيعة، وتألُّم على المرحوم، فكيف نبطل هذا الزعم ؟



  • نشر في: 16-4-2022م
  • ساعة: 2:13
  • طباعة

زعم المتكلمون أنَّ الرحمة ضعف وخور في الطبيعة، وتألُّم على المرحوم، وممَّا يبيِّن بطلان هذا الزعم ما يلي:- 

1- إنَّ الضعف والخور مذموم في الآدميين، ولا يسلم أنَّ الرحمة ضعف وخور، بدليل أنَّ الله تعالى مدحها وحثَّ عليها، وليس من المعقول أنْ يمدحَ ويحثَّ على فعل مذموم، قال تعالى: (وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة) البلد:17، كما أنَّه عزَّ وجلَّ  نهى عن الوهن والحزن فقال تعالى: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنْتم الأعلون إنْ کنتم مؤمنين) آل عمران:139.([1])

2- إنَّ ممَّا يبطل كون الرحمة في المخلوق خوراً وضعفاً أنّا نشاهد حصول الرحمة من الأقوياء للضعفاء مع غاية العزة والقدرة، فالرحمة يتراحم بها المسلمون فيما بينهم دون أنْ يشعر أحدهم بالضعف والوهن.([2])

3- قال صلى الله عليه وسلم: "لا تنزع الرحمة إلا من شقي".([3]) ومحالٌ أنْ يقول عليه السلام أنَّه لا ینزع الضعف والخور إلاَّ من شقي، وقد تكون الرحمة مقارنة للضعف والخور عند النساء، ولكن ليست الرحمة هي الخور والضعف.([4])

4- إذا قدِّر أنَّ الرحمة تستلزم الضعف في حق المخلوقين فهي لا تستلزم ذلك في حق الخالق القاهر ذي العظمة والقوة والجبروت، ذلك أنَّ الرحمة عند كثير من المخلوقين ممتزجة بجهلهم وعجزهم، فيدخلها الأسف والحسرة والبكاء والأماني الباطلة فتصرفهم عن العدل والحق.([5])

5- إذا قدِّر أنَّ الرحمة مستلزمة للنقص في المخلوقين، فإنَّ غيرها من الصفات تستلزم ذلك، كالسمع، والعلم، والإرادة، والبصر، والكلام، وهذه الصفات ثابتة لله تعالى، وهي من صفات الكمال الواجب له عزَّ وجلَّ، ولم يقل أحدٌ من العقلاء أنَّها تستلزم نقصاً أو حاجةً في حقِّه كما تستلزم ذلك في حق المخلوقين المتَّصفین بها. ذلك أنَّ ذات الإنسان وصفاته مقرونة بالحاجة والحدوث والإمكان، وليس ذات الله وصفاته كذلك، فهو الغني الواجب بنفسه، الأحد الصمد، ربُّ العالمين.([6]) يقول ابن الوزير([7]): "وما المانع للمسلم من إثباتها صفة حمد ومدح وثناء، كما علمنا ربنُا، مع نفي صفات النقص المتعلقة برحمة المخلوقين عنه تعالى.. كذلك كل صفة يوصف بها الربُّ سبحانه ويوصف بها العبد، فإنَّ الربَّ يوصف بها على أتمِّ الوصف، مجردة عن جميع النقائص، والعبد يوصف بها محفوفة بالنقص".([8])

6- ومنها: أنَّه لا يجوز حمل الرحمة على الإرادة، لأنَّ الإرادة ليست هي الرحمة، فالإرادة تتناول ما ينافي الرحمة من المعاصي، وتتناول مالا ينافيها، فالصواب أنَّ الغضب والرضا والرحمة صفات كالقدرة والعلم، والقدرة والعلم غير الإرادة كما هو معلوم.([9])

7- وإذا فرضنا موجودين أحدهما يرحم غيره فيجلب له المنفعة ويدفع عنه البلاء والضرر، والآخر لا يملك ذلك، فإنَّ العقل يجزم أنَّ الأول أكمل، وإذا كان هذا في حق الآدميين، فمن باب أولى إثبات الكمال المطلق لله تعالى، الذي يحتاجه النَّاس جميعاَ لفقرهم وحاجتهم وعدم استغنائهم عن ربوبيته تعالى لهم.([10])

8- إنَّ ابطال صفة الرحمة بدعوى المجاز مع إثبات القرآن الكريم لها فيه مضاهاة لمشركي العرب الذين أنكروا تسمية الله الرحمن. قال تعالى في شأنهم: (وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن) سورة الفرقان:10، واسم الرحمن مشتق من صفة الرحمة، وصفة الرحمة قائمة بموصوفها، وأوَّلُ المنكرين من المتكلمين أنْ يكون الله تعالی رحماناً هو جهم بن صفوان رأس المعطلين.([11])

9- إنَّ أسماء الله تعالى كالسميع والبصير والعليم تدلُّ على صفاته: السمع والبصر والعلم، ومدعي المجاز في اسم الرحمن وما دلَّ عليه من صفة الرحمة يلزمه أنْ يقول بأنَّ تلك الأسماء مجاز أيضاً، لأنَّ الدافع إلى دعوى المجاز هنا موجود هناك، وإلاَّ كان الاضطراب والتناقض سائداً في مذهبكم.([12])



[1]- انظر مجموع الفتاوی 1/117.

[2]- انظر شرح العقيدة الواسطية ص 58.

[3]- البخاري في الأدب المفرد ص 56، أحمد في المسند 2/301، قال الأستاذ أحمد شاكر في تعليقه على الحديث: إسناده صحيح، انظر المسند - ط دار المعارف- 5/156، والترمذي رقم 1924، 6/172، في البر، باب ما جاء في رحمة الناس. وقال: هذا حديث حسن. وأبو داود رقم 4942، 5/ 532، في الأدب، باب في الرحمة، والحاكم 4/248-249، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. 

[4]- انظر مجموع الفتاوی 6/117.

[5]- انظر ایثار الحق على الخلق لابن الوزير ص 122، 123.

[6]- انظر مجموع الفتاوی 6/117-118.

[7]- ابن الوزير: محمد ابن إبراهيم بن علي بن المرتضى بن المفضل الصنعاني، المشهور بابن الوزير. ولد سنة 775ه، وقيل سنة 15ھ، توفي سنة 765ه، محدث وأصولي ونحوي ومتكلم زيدي، يذهب مذهب السلف في كثير من مسائل الاعتقاد. من مصنفاته إيثار الحق على الخلق، الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم، ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان، البرهان القاطع في إثبات الصانع وجميع ما جاءت به الشرائع، العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم. انظر البدر الطالع 2/1، شذرات الذهب 7/125، فهرس الفهارس 2/440-441، الضوء اللامع 6/272، الأعلام 6/191.

[8]- إیثار الحق على الخلق ص 138.

[9]- انظر إبطال التأويلات - المخطوطة- ص 267. 

[10]- انظر مجموع الفتاوی 6/118.

[11]- مختصر الصواعق المرسلة - بتصرف– 1/109.

[12]- المصدر السابق - بتصرف – ص 112-131

 

هل أعجبك الموضوع؟