البريد للتواصل: drsregeb11@gmail.com

قضايا عقائدية

اختلاف حاخامات وعلماء اليهود في تحديد مكان الهيكل فوق جبل مُوريّا كما جاء في الكتاب المقدس



  • نشر في: 16-4-2022م
  • ساعة: 2:16
  • طباعة

اختلاف حاخامات وعلماء اليهود في تحديد مكان الهيكل فوق جبل مُوريّا كما جاء في الكتاب المقدس

    إنَّ جبلَ الموريَّا هو جبلُ الهضبة، حيثُ يوجدُ المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة. يقـول الكاتبُ الأمريكـيُّ "هـول ليدنسي" في كتابـه: "آخرُ أعظمُ كرة أرضية": "لم يبقَ سوى حدثٌ واحدٌ ليكتمل المسرح تماماً أمام دور "إسرائيل" في المشهد العظيم من مأساتها التاريخية، وهو إعادة بناء الهيكل القديم في موقعه القديم، ولا يوجدُ سوى مكانٍ واحدٍ يُمكنُ بناءُ الهيكل عليه استناداً إلى قانون موسى في جبل مُريّا حيث شُيِّدَ الهيكلان السابقان".([1])

    إنَّه على الرغم من اعتقاد كثير من اليهود أن سليمان بنى الهيكل فوق جبل موريَّا حيث تراءَى الرب تعالى لأبيه داود إلاَّ أنَّ اليهودَ اليوم لم يستطيعوا تحديدَ مكان الهيكل، وعلى الرغم من عمليات الحفر والتنقيب التي بدأت من سنة 1968م إلى يومنا هذا فإنَّهم ما زالوا مختلفين، لأنَّ نصوصَ الكتاب المقدس لم تُحدِّد مكانَ الهيكل بالضبط، ولأنَّ علماء الآثار لم يجدوا دليلاً واحداً يُسعفهم في ذلك. ولعلماء اليهود وحاخاماتهم أقوالٌ متعددةٌ حول تحديد المكان.

 1- - يقول عالمُ الآثار الأمريكي "غوردن فرانز".([2]): "لا توجدُ دلائلٌ على أنَّ الهيكلَ كان هناك أو أنَّه لم يكن هناك، إنَّ بعضَ الناس يعتقد أنَّه كان هناك". ويضيف: "هناك عدة نظريات حول الهيكل: كثيرون يقولون: إنَّه يقعُ حيثُ تقعُ الصخرةُ اليوم، ولذلك يقول الصهيونيون يجب إزالة المسجد… إنَّ كبيرَ الحاخامين الأشكناز الحاخام غوردن([3]) يعتقد أنَّ الهيكلَ كان يقعُ على الشمال قليلاً من قبة الصخرة. وثمَّةَ نظرية ثالثة تقول: إنَّ الهيكلَ كان يقعُ على الجانب الشمالي من الساحة، وهم يعتقدون أنَ قدسَ الأقداسَ يقعُ قربَ قُبَّةَ الروح القدس…".([4])

      وأحب أنْ أذكرَ هنا أنَّ معظمَ الباحثين الإسرائيليين من الحاخامين يروْنَ أنَّ الهيكل كان يقوم في المكان الذي يقع فيه مسجد قبة الصخرة اليوم، ومن هؤلاء مجموعة اليهود الأرثوذكس من حركة غوش إيمونيم الذين يسكنون مستوطنة كريات أربع المقامة في قلب مدينة الخليل، ومن أبرز قياداتهم الحاخام موشي لافينغر، والحاخام إليعازر والدمان، وقد حاولت مجموعة من هؤلاء اليهود نسف مسجد قبّة الصخرة، وقد نشر "روبرت فريدمان" تفاصيلَ مخططهم في مجلة "صوت القرية" الصادرة يوم 12 نوفمبر 1985م.([5])

2- وهناك دراسةٌ جديدةٌ أعدَّها اليهودي أستاذُ الفيزياء في الجامعة العبرية "أشركوفمان" المهاجرُ لإسرائيل من اسكتلندا، وقد أعلن بأنَّ دراستَه تعتمدُ على أدلةٍ ثابتةٍ، تفيدُ هذه الدراسةُ بأنَّ المعبدَ - الهيكل- اليهودي لم يكن قائماً في الموقع الحالي لقبة الصخرة، إنَّما إلى الجنوب منه، ولقد نشرت هذه الدراسة في مجلة "الآثار التوراتية" واعترف "أشركوفمان" أنَّ الحكومة الإسرائيلية قد موَّلت دراسته.([6]) وقد أيَّد هذه الدراسة بنسبة 50% العالم البيولوجي الأمريكي "جيمس جاننغ" والذي سبق أن أجرى دراسات جيولوجية كبيرة في مصر والأردن وفلسطين.

     ولكنَّ هذه الدراسة لم تعجب كثيرين من العلماء اليهود. ويعتبرون أن وراء الدراسة دوافع سياسية: حتى تقول إسرائيل للعالم: إنَّنا لا نريدُ تدميرَ المسجد لبناء الهيكل، وإنَّنا سنقيمه إلى جانب قبة الصخرة، ويتمنى كثيرُ من اليهود أن لا يُنظرَ إليهم كمجرمين بل كمعتدلين، وحتَّى تتجنبَ الحكومةُ مخاطرَ الدخول في حربٍ مقدسَّةٍ مع مئات الملايين من المسلمين. ولعلَّ الحكومةَ الإسرائيليةَ تريدُ من وراء ذلك أنْ تختبرَ الأجواء السياسية لبناء الهيكل في الموقع الذي تريد ولو على حساب المسجد الأقصى.([7])

3- إنَّ الصخرةَ التي بساحةِ المسجد الأقصى تختلفُ كلَّ الاختلاف عن الصخرة التي يقدِسها اليهود، طبقاً لما هو واردٌ عنها في صحفهم فالتلمود -حسب أكاذيبهم- يذكر أنَّ الصخرةَ التي يقدسها اليهود ترتفعُ عن مستوى الأرض بمقدارِ ثلاثةِ أصابع، وأيَّد ذلك مؤرخُهم وكاهنهُم "موسي بن ميمون" في كتابه "طقوس الغفران"، بينما الصخرة الشريفة الموجودة حالياً بالمسجد الأقصى ترتفعُ عن مستوي سطح الأرض بنحو مترٍ كاملٍ، ومحيطها يناهزُ العشرةَ أمتار، وتحتَها فجوةٌ هي بقية مغارة قديمة، عمقُها أكثرُ من مترٍ ونصف، تبدو الصخرةُ فوقَها وكأنَّها ملعقةٌ بين السماء والأرض وبين الصخرة وقاع المغارة دعامةٌ من الخشب حتى لا تنهار.([8]) كما أنَّ صخرةَ المسجد الأقصى هي صخرةٌ قديمةٌ جداً، ويرجعُ تاريخُها إلى عهد ضاربٍ في القدم.. قِدَمِ مدينة القدس ذاتها، وعهدها يسبقُ النَّصرانية، بل ويسبق اليهوديَّة التي تزعمُ أنَّها هي التي قدَّستها، فهذه البقعةُ الطيبةُ من مدينة القدس كانت مباركةً منذ أقدم العصور، وعلي حدِّ قول الدكتور حسن ظاظا، فإنَّ الحرمَ الإسلاميَّ الذي يضمُّ المقدسات الإسلامية أقيمَ في المنطقة التي كان "ملكي صادق" ملك بيت المقدس، يدعو فيها باسم الله العلي زمان إبراهيم الخليل عليه السلام.([9])  

    ومن الذين شكُّكوا في أنْ تكونَ الصخرةُ الشريفةُ هي الصخرة المعنية في التلمود الباحث الألماني "شيك" في أوائل هذا القرن حيث قال: "إنَّ الصخرةَ الحاليَّةَ لم تكن في يومٍ ما داخلة ضمنَ قُدس الأقداس - ومقصدُه في ذلك هيكل سليمان- أمَّا صخرة اليهود فالله أعلم ماذا صنعَ بها "بختنصر البابلي"، و"انطيخوس ابيفاتوس" ملك سوريا اليوناني، وتيطس وهدريان" قواد وأمراء وملوك الرومان، وكذلك الصليبيون وغيرهم ممن دمَّروا مدينةَ القدس مرارًا وتكرارًا، تدميرًا يكاد يكونُ كاملاً بعد استيلائِهِم عليها.([10])

4- هناك نسبةٌ كبيرةٌ من اليهود يرونَ أنَّ مكانَ الهيكل هو تحت المسجد الأقصى،([11]) وأصحابُ هذا الرأي يقولون: يجبُ إزالةُ المسجد الأقصى وبناءُ الهيكل لنثبت للعرب والمسلمين وللعالم كلِّه أنَّ لليهود السيادةَ الكاملةَ على أرض إسرائيل والسيادةَ الكاملةَ على مدينة أورشليم.

     جاءَ في "دائرة المعارف اليهودية" في شرح كلمة صهيون: "يبغي اليهودُ أنْ يجمعوا أمرَهم وأنْ يَقدِموا إلى القدس، ويتغلَّبوا على قوةِ الأعداء، وأنْ يعيدوا العبادةَ إلى الهيكلِ مكانَ المسجد الأقصى، ويقيموا أملاكَهم هناك".([12])

5- ذهبَ بعضُ العلماء والباحثين اليهود إلى أنَّ الهيكلَ يقعُ في المنطقة الواقعة بين المسجد الأقصى وبين مسجد قبة الصخرة، ومن هؤلاء الباحث اليهودي" لفنوني"، والباحث "برافر"، والحاخام "الرامبام"، والرابي "أشتوري هفرحي" - وجد قبل 600 سنة تقريباً- واعتمد هؤلاء على تفسيراتهم وفهمهم لنصوصٍ من المشناة التي تُحَدِّدُ قياسات الهيكل وهيئته ثمَّ بتطبيقها على أرض الحرم وقياساتها.([13])

     وظهرت مزاعمُ صهيونيةٌ تفيدُ العثورَ على أدلةٍ أثريةٍ تُحَدِّدُ المكانَ الدقيقَ للهيكل اليهودي في قلب الحرم في خطوة قد تقود إلي تصعيد التوتر بشان الحرم القدسي. وأشارت هذه الأدلة المزعومة التي نشرتها صحيفة "معاريف" الصهيونية نقلاً عن نتائج توصل إليها البروفيسور يوسف باتريخ من معهد الآثار في الجامعة العبرية، إلى أن الهيكل يقع شرقي الساحة الحالية، ويميل جنوبا وليس بالتوازي مع حائط المبكى (البراق). وأوضحت الصحيفةُ التي نشرت رسماً تخطيطيًا أنَّ المكانَ الدقيقَ للهيكل في ساحةِ الحرمِ كان حتى الآن بمثابة التخمين. ولكنَّ باتريخ يقول أنَّ المكتشفاتِ التي تمَّ تجاهلها حتى الآن، تشيرُ إلى المكان الدقيق للهيكل في الحرم. كما يدورُ الحديثُ عن بئرِ مياهٍ هائلِ الحجم، موجودٌ تحت الساحة العليا للحرم، بمحاذاة الزاوية الجنوبية الشرقية منها. هذه البئر بحسبِ أوهام الباحثُ تشيرُ إلى المكان الدقيق للمذبح والهيكل. وبحسب مزاعمه في مكتشفات البحث فإنَّ الصَّخرةَ التي بُنيت فوقُها مسجدُ قُبَّةِ الصَّخرة في القرن السابع الميلادي، توجد خارجَ نطاق الهيكل.

6- في شهر سبتمبر سنة 2000م– أصدر المهندس الأثري "طوبيا سغيف" من تل أبيت – وقد كرَّس سنواتٍ طويلةً من حياته للبحث عن مكان الهيكل– دراسةً يُنْكِرُ فيها الافتراضَ الذي ذهب إليه كثيرٌ من الحاخامين اليهود الإسرائيليين الذي يقضي بوجود الهيكل تحتَ مسجدِ قُبَّةِ الصخرة، ويذهبُ إلى أنَّ أطلالَ الهيكلِ مدفونةٌ في الساحة الواقعة بين قبة الصخرة والمسجد الأقصى. وكان "طوبيا سغيف" ينشرُ أفكارَه منذ سنوات، ولكن لم يكنْ يهتمُّ بها الأثريون اليهود، واليوم يصغون إليه.([14])

7- ونودُّ أنْ نُنَبِّهُ هنا: أنَّه توجدُ دراسةٌ من الدكتور الأمريكي مايكل جيرمان - المتخصص في علم الآثار والأنثروبولوجية-  تثبت أنَّ الهيكلَ الأوَّلَ وكذلك الثاني لم يكونا في أرض الحرم القدسي، وأنَّ مكانَهُما كما تفترضُ الأوصافُ التوراتيِّةُ والأدبيِّةُ كان موجوداً فوق نبع جيحون، شمالي مدينة داود القديمة المعروفة بجبل صهيون، وذلك عند الطرف الجنوبي الشرقي للقدس، وأنَّ كافة الأقوال اليهودية حول وجود الهيكل في مكان ما داخل الحرم القدسي إنَّما هي أقوال خاطئة. وأنَّ المواصفات التوراتية حولَ جبل صهيون تتوافق مع موقع الهياكل،([15]) وجبل صهيون يوجد في الطرف الجنوبي للتلال الجنوبية الشرقية للقدس.([16]) وجاءَ في الدراسة أيضاً: أنَّه لا يوجدُ دليلٌ في الكتاب المقدس يشيرُ إلى أنَّ صخرة - مثل الصخرة الموجودة التي توجد تحت مسجد قبة الصخرة – كانت جزءاً من السمات الجغرافية لهيكل سليمان أو هيرود. بل الكتاب المقدس يثبت أنَّ الهيكلَ بُنِيَ فوقَ أرضٍ مندرسةٍ، واستدلَّ الباحثُ بما جاءِ في سفر صموئيل: (24: 16-24) حول إقامة بيت الربِّ على البيدر،([17]) الذي اشتراه نبيُّ الله داودُ عليه السلام.([18])

    وأيضاً فقد ذكر الباحثُ إيرنست مارتن أنَّ جبلَ صهيون ليس اسماً يدللُ على وجودِ جبلٍ تَسمَّى بهذا الاسم (جبل صهيون)، بل إنَّ هذا الاسمَ قد تبدَّلَ من جبلٍ لآخرَ في العصر الحديث، وقد وردَ اسمُ صهيون ليدلَّ على وجود جبلٍ يقع عند الطرف الجنوبي للتلال الجنوبية الشرقية للقدس، وهو في المنطقة التي سماها المؤرخ اليهودي يوسفيوس - الذي عاش في القرن الأول للميلاد -باسم المدينة السفلى، وفي الوقت ذاته فقد وصفت التوراة صهيون بأنَّه مكانٍ عالٍ وبارزٍ، ومن هنا يطرح المرءُ هذا السؤالَ: كيف يمكن لشيءٍ واحدٍ أنْ يكون عاليًا، ويوصف نفسه بأنَّه سفلي؟.([19])

 



[1] - نقلاً عن النبوءة والسياسة – مصدر سابق- غريس هالسل ص 101.

[2] - غوردن فرانز: عالم آثار أمريكي من نيوجرسي، أمضى عامين في أعمال الحفريات مقيماً في معهد الأرض المقدسة في القدس بفلسطين.

[3]- الحاخام غوردن: هو شلومو غوردن كان في الستينات الحاخام الأكبر للجيش الإسرائيلي.

[4]- النبوءة والسياسة - مصدر سابق- ص 109، وقدس الأقداس: هو أقدس الأماكن في الهيكل وكان يضم تابوت العهـد كما يزعمون. انظر موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية -مصدر سابق- 3/165.

[5]- المسجد الأقصـى المبارك وهيكـل بني إسـرائيل، د. محمود مصالحة  ص 130.

[6]- النبوءة والسياسة ص 110.

[7]- المصدر السابق نفسه.

[8]- المسجد الأقصى هل أقيم حقيقة علي أنقاض هيكل سليمان: محمد عزت الطهطاوي - مجلة منار الإسلام - أبو ظبي رجب 1408هـ.

[9]- المسجد الأقصى وأسطورة الهيكل اليهودي: أحمد أبو زيد مصر: المجلة العربية السبت 30/3/2019م.

[10]- تذكير النفس بحديث القدس واقدساه: د. حسين العفاني، الناشر مكتبة معاذ بن جبل، توزيع دار العفاني، الطبعة الأولى 1421ه-2001م، مصر ص 58.

[11]- المسجد الأقصى المبارك وهيكل بني إسرائيل: د. محمود مصالحة ص 158.

[12] - نقلاً عن كتاب: قبل أن يهدم المسجد الأقصى - مصدر سابق– ص164.

[13]- المسجد الأقصى المبارك – مصدر سابق – محمود صالحة- ص 182-189.

[14] - جريدة القدس العدد 1161، 18 جمادى الآخرة 1421هـ،16 سبتمبر 2000م ص 2.

[15]- جاء في مزامير داود (87: 1-7): "أساسه في الجبال المقدسة-أي الهيكل- الرب أحب أبواب صهيون أكثر من جميع مساكن يعقوب. قد قيل بك أمجاد يا مدينة الله..".

[16]- الهيكلان اللذان نسيتهما القدس: الدكتور إيرنست. ل. مارتن ص 26، 30.

[17]- البيدر أرض صالحة للزراعة خالية من الصخور الكبيرة.

[18]-  المصدر السابق ص17.

[19]- نقد أفكار هيكل سليمان الواردة في النص التوراتي: د. زكريا إبراهيم السنوار - مصدر سابق-  ص 18.

 

 

هل أعجبك الموضوع؟