البريد للتواصل: drsregeb11@gmail.com

قضايا عقائدية

هل يجوز إطلاق لفظ الشهيد على غير المسلمين



  • نشر في: 16-5-2022م
  • ساعة: 11:34
  • طباعة

هل يجوز إطلاق لفظ الشهيد على غير المسلمين

  منزلة الشهيدة والشهادة في الإسلام:

    الشهادة اصطفاء واختيار إلهي: قال تعالى: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) آل عمران:140. ولَقَدِ اقْتَضَتْ سُنَّةُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَصْطَفِيَ مِنْ عِبَادِهِ مَنْ يَشَاءُ فَيَرْفَعُ دَرَجَاتِهِمْ، وَيُعْلِي مِنْ شَأْنِهِمْ، وَيَمُدُّهُمْ بِعَطَايَاهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَقَامَ الشَّهَادَةِ مِنْ أَعْلَى مَقَامَاتِ الِاصْطِفَاءِ وَالِاجْتِبَاءِ الَّتِي يَمْتَنُّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، حَيْثُ يَقُولُ سُبْحَانَهُ:(وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا) النساء: 69. والشهيد في الإسلام هو من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وقتل على ذلك، وأما من قاتل أنفةً وغيرةً وحميَّةً وليس لإعلاء كلمة الله ولا دفاعاً عن حق يبتغي وجه الله فليس بشهيد، ومن قتل دفاعاً عن بلده في حقٍ أو دفاعاً عن مالِه فهو شهيدٌ، بشرط أن يكونَ مسلمًا. فعن أبي موسى الأشعري رضي: قد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل حمية ويقاتل شجاعة ويقاتل رياء، فأي ذلك في سبيل الله قال :من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله... ". رواه البخاري ومسلم .

   روى البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "افْتَتَحْنَا خَيْبَرَ، ولَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا ولَا فِضَّةً، إنَّما غَنِمْنَا البَقَرَ والإِبِلَ والمَتَاعَ والحَوَائِطَ، ثُمَّ انْصَرَفْنَا مع رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى وادِي القُرَى، ومعهُ عَبْدٌ له يُقَالُ له: مِدْعَمٌ، أهْدَاهُ له أحَدُ بَنِي الضِّبَابِ، فَبيْنَما هو يَحُطُّ رَحْلَ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذْ جَاءَهُ سَهْمٌ عَائِرٌ، حتَّى أصَابَ ذلكَ العَبْدَ، فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا له الشَّهَادَةُ، فَقَالَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: بَلْ، والذي نَفْسِي بيَدِهِ، إنَّ الشَّمْلَةَ الَّتي أصَابَهَا يَومَ خَيْبَرَ مِنَ المَغَانِمِ لَمْ تُصِبْهَا المَقَاسِمُ، لَتَشْتَعِلُ عليه نَارًا. فَجَاءَ رَجُلٌ حِينَ سَمِعَ ذلكَ مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بشِرَاكٍ -أوْ بشِرَاكَيْنِ- فَقَالَ: هذا شَيءٌ كُنْتُ أصَبْتُهُ، فَقَالَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: شِرَاكٌ -أوْ شِرَاكَانِ- مِن نَارٍ".

      وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: يا رسول الله، من قتل في سبيل الله فهو شهيد. قال: إن شهداء أمتي إذاً لقليل" قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ قال: "من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد......". رواه مسلم في صحيحه برقم 1915.

   وعن راشد بن حبيش رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على عبادة بن الصامت يعوده في مرضه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتعلَمون مَن الشَّهيدُ مِن أُمَّتِي؟" فأرَمَّ القَومُ، فقال عُبادةُ: سانِدُوني. فأسنَدوهُ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ! الصَّابرُ المُحتَسبُ. فقال رسولُ اللهِ: "إنَّ شُهداءَ أُمَّتِي إذًا لقَليلٌ، القَتلُ في سبيلِ اللهِ عزَّ وجلَّ شَهادةٌ، والطَّاعونُ شهادةٌ، والغَرَقُ شهادةٌ، والبَطنُ شهادةٌ، والنُّفَساءُ يجرُّها ولدُها بسرَرِه إلى الجنَّةِ"، "قال: وزادَ أبو العوامِ سادِنُ بيتِ المقدسِ: "والحَرقُ، والسُّلُّ". (صحيح الترغيب والترهيب؛ رقم 1396). وهذا من فضل الله العظيم على عباده المسلمين، فهو الذي خلق الداء وقدَّر على عباده الفناءَ، وتفضل على من مات منهم بهذه الأوصاف أن يمنحه أجر الشهادة، لما يحصل لهم من الألم والمعاناة نتيجة الإصابة بهذه الأمراض وما ترتب عليها من خروج روحه إلى بارئها سبحانه وتعالى.

أسباب الشهادة ومراتبها:

    إنَّ أسباب الشهادة ليست محصور في عدد خمسة أو سبعة، كما ذهب بعض أهل العلم، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "وَلَمْ يَقْصِدِ الْحَصْرَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَقَدِ اجْتَمَعَ لَنَا مِنَ الطُّرُقِ الْجَيِّدَةِ أَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ خَصْلَةٍ فَإِنَّ مَجْمُوعَ مَا قَدَّمْتُهُ مِمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرْتُهَا أَرْبَعَ عَشْرَةَ خَصْلَةً وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ مَنْ يُنْكَبُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَدِيثُ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا مَنْ وَقَصَهُ فَرَسُهُ أَوْ بَعِيرُهُ أَوْ لَدَغَتْهُ هَامَّةٌ أَوْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ عَلَى أَيِّ حَتْفٍ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَهُوَ شَهِيدٌ وَصَحَّحَ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث بن عُمَرَ مَوْتُ الْغَرِيبِ شَهَادَةٌ وَلِابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا مَاتَ شَهِيدا". (فتح الباري 6/43). وليسوا هم في المرتبة سواء، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري" :والذي يظهر أن المذكورين ليسوا في المرتبة سواء، ويدلُّ عليه ما روى أحمد وابن حبان: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أيُّ الجهاد أفضل؟ قال: من عقر جواده وأهريق دمه. رواه الحسن بن علي الحواني في كتاب المعرفة له بإسناد حسن من حديث ابن أبي خالد قال: كل موتة يموت بها المسلم فهو شهيد غير أن الشهادة تتفاضل، وأضاف: "ويتحصل مما ذكر من هذه الأحاديث أنَّ الشهداءَ قسمان: شهيد الدنيا وشهيد الآخرة، وهو من يقتل في حرب الكفار مقبلاً غير مدبر مخلصًا. وشهيد الآخرة وهو من ذكر، بمعنى أنهم يعطون من جنس أجر الشهداء، ولا تجري عليهم أحكامهم في الدنيا".(فتح الباري 6/43).

أسباب تسمية الشهيد بالشهيد، ولا تنطبق إلاَّ على المسلم:

- ذهب كلٌ من الحنفيةُ والشَّافعيةُ إلى أن الشهيدَ سمي شهيدًا؛ ذلك أن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم  وملائكته يشهدون له بالجنة والمغفرة بإذنه.( ابن عابدين: الدر المختار (1/848)، الخطيب الشربيني: مغني المحتاج (1/350).

- لأَنَّ رُوحَهُ شَهِدَتْ دَارَ السَّلَامِ وهي الجَنَّة؛ فإنَّهُ يَدخلُهَا قبل الْقِيَامَةِ بِخِلَافِ رُوحِ غَيْرِهِ؛ فإنها لَا تَدْخُلُ الْجَنَّةَ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ صَاحِبِهَا، ولا يكون هذا إلا بَعْدَ الْقِيَامَةِ. أفاده النووي عن النضر بن شميل. (النووي: شرحه على صحيح مسلم  2/136)، حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني 1/526).

- إن الشهيدَ يُبعث يوم القيامة وله شاهدٌ بقتله، وهو دمه؛ لأنه يُبعث وجُرحه يتفجر دمًا، اللون لون الدم، والريح ريح المسك.(زكريا الأنصاري: أسنى المطالب في شرح روض الطالب 1/315).

- ثم إذا رأوه يُؤثِر القتل على الحياة من أجل بقاء هذا الدين؛ تأثروا به، وساروا على نهجه، وسموه شهيدًا؛ لشهادته بأن هذا الدين الجميل خيرٌ من الحياة ذاتها، بعد أن قام بشهادة الحق في أمر الله حتى قُتِل.(في ظلال القرآن 1/374).

-  ذكر النووي وغيرُهُ أن الصالحين شهدوا للمقتولِ في سبيل الله بالإيمان في حياته، وبخاتمة الخير عند موته، على ما ظهر من عمله.(النووي: شرحه على صحيح مسلم 2/136)، عبد الرحمن النجدي: حاشية الروض المربع 3/25).

- لأن الشهيدَ حاضرٌ شاهدٌ حيٌّ عند ربه، ليس بميت. (ابن عابدين: الدر المختار1/848، الخطيب الشربيني: مغني المحتاج 1/350).

- لأن الشهيد يشهد حاضرًا بنفسه ما أعدَّ الله تعالى له من الكرامة بالقتل؛ فقد أخبرنا القرآن أن عموم الشهداء أحياءٌ عند ربهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، ألا خوفٌ عليهم، ولا هم يحزنون.  وأضاف الفقيه الشافعي زكريا الأنصاري أن ملائكة الرحمة يَشْهَدُونَهُ فَيَقْبِضُونَ رُوحَهُ، فسمي شهيدًا لشهادتهم له، وحضورهم عنده. (زكريا الأنصاري: أسنى المطالب في شرح روض الطالب 1/315).

    وقد جاءت هذه الأسياب مجملةً فيما ذكر ابن حجر في فتح الباري (قوله باب الشهادة سبع سوى القتل). اختلف في سبب تسمية الشهيد شهيدا: فقال النضر بن شميل: لأنَّه حيٌ، فكأنَّ أرواحَهم شاهدةٌ أيْ حاضرةٌ. وقال بن الأنباري: لأنَّ الله وملائكته يشهدون له بالجنة. وقيل: لأنه يشهد عند خروج روحه ما أعد له من الكرامة. وقيل: لأنه يشهد له بالأمان من النار. وقيل: لأن عليه شاهدا بكونه شهيدا. وقيل: لأنه لا يشهده عند موته إلا ملائكة الرحمة. وقيل: لأنَّه الذي يشهد يوم القيامة بإبلاغ الرسل. وقيل: لأن الملائكة تشهد له بحسن الخاتمة. وقيل: لأنَّ الأنبياءَ تشهدُ له بحسنِ الاتباع. وقيل: لأنَّ الله يشهد له بحسن نيته وإخلاصه. وقيل: لأنه يشاهد الملائكة عند احتضاره. وقيل: لأنَّه يشاهد الملكوت من دار الدنيا ودار الآخرة. وقيل: لأنه مشهود له بالأمان من النار. وقيل: لأنَّ عليه علامة شاهدة بأنه قد نجا. وبعض هذه يختص بمن قتل في سبيل الله، وبعضها يعم غيره، وبعضها قد ينازع فيه"..(فتح الباري: ابن حجر العسقلاني 6/42). وبالنظر في هذه الأسباب جميعًا فإنَّها خاصةٌ بالمسلم، لا يمكنُ بذلك إطلاقَ اسمَ الشَّهيدِ على غيرِ المسلم.

جواز أن تطلق الشهادة على المسلم إذا قتل في المعركة حسبما يبدو لنا:   

      لقد وردت الأدلة الصريحة الصحيحة على جواز إطلاق الشهادة على هذا النوع، فقد قال الصحابة رضوان الله عليهم والنبي صلى الله عليه وسلم يستمع : فلان شهيد وفلان شهيد حتى مروا على رجلٍ فقالوا: فلانٌ شهيد، فقال صلى الله عليه وسلم: كلاً، إني رأيته في النار في عباءة غلها أو بردة غلها".)أخرجه مسلم وغيره). وفيه دليل على جواز إطلاق الشهادة على من قتل شهيداً حسبما يبدو لنا، لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على الصحابة ذلك، ولكن لا ينبغي أن يقال ذلك على سبيل الجزم والقطع، ولا يكون ذلك إلاَّ عن طريقِ الوحيِ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لأم العلاء الأنصارية رضي الله عنها عندما قالت لعثمان بن مظعون بعد وفاته: "رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال لها صلى الله عليه وسلم: وما يدريكُ أنَّ الله أكرمَه؟ فقالت: بأبِي أنتَ يا رسولَ الله فمن يُكرِمَه اللهُ؟ فقال: أمَّا هو فقد جاءه اليقينُ، والله إنِّي لأرجو لَهُ الخيرَ، والله ما أَدري وأنا رسول الله ما يفعل بي، قالت: فوالله لا أزكي أحدًا بعده أبدًا". رواه البخاري وغيره.

     والحاصل أنَّه لا مانعَ من أنْ يقال فلانٌ شهيدٌ، أو يطلقُ ذلك على سبيلِ الإجمال، لأنَّه حكمٌ بالظاهر، وقد غلبَ لفظ (الشهيد) في لسان الشريعة على مَن يُقْتل مجاهِدًا في سبيل الله تعالى.
     وأمَّا من حَكَمَ له النبي صلى الله عليه وسلم بالشهادة كالمبطون وغيره، فيشترط فيه أن يكون مسلماً، والمسلمون فيهم الظالم لنفسه، والمقتصد، والسابق بالخيرات، وأمَّا الكافر فلا يدخل في هذا قطعاً. قد ذكر الإمام البخاري هذا الحديث تحت باب: لا يقول فلا ن شهيد، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:  "أي على سبيل القطع بذلك إلاَّ إنْ كان بالوحي، وكأنَّه أشار إلى حديث عمر أنه خطب فقال: تقولون في مغازيكم فلان شهيد، ومات فلانٌ شهيداً ولعلَّه قد يكونُ قد أوقرَ راحلته. ألاَ لاَ تقولوا ذلكم، ولكن قولوا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مات في سبيل الله أو قتل فهو شهيد. والحديثُ فيه دليلٌ على جوازِ إطلاقِ لفظِ الشَّهادة لا على سبيل القطع، لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على الصحابة ذلك بل أقرهم حيث كانوا يقولون: فلان شهيد وفلان شهيد، كما في لفظ مسلم حتى مروا على رجل فقالوا: فلان شهيد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلا إني رأيته في النار...فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم إطلاق لفظ الشهادة على الغال لملابسة خاصة به.

عدم جواز إطلاق اسم الشهيد على غير المسلم إذا قتل بيد الأعداء أو توفي بمرض مما ذكر في شهداء الآخرة:

    من المعلوم ضرورة لكل مسلم أنَّ الشهادة من أعظم الرتب، وأعلاها، وأنفس المقامات، وأحسنها، وأبهاها، الشهادة منزلة عظيمة تفوق منزلة الصالحين كما دلَّ على ذلك القرآن، ذلك لمَا لأهلها عند الله تعالى من الأجر العظيم، والثواب الجزيل، والدرجة العالية. شَرَفُ مَكَانِهِمْ وَجِوَارِهِمْ، وَعَظِيمُ أَجْرِهِمْ وَنَعِيمِهِمْ، قَالَ تَعَالَى :(وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ (الحديد: 19.

يقول الشيخ العلامة محمد الحسن الددو: "أما لفظ الشهيد فهو وسام شعري عال، ولقب من ألقاب التشريف، لا يطلق إلاَّ على من يستحقه، فالكفار لا علاقة لهم بهذه الألقاب المشرفة شرعًا؛ لأنها منازل من منازل الجنة، فلا يمكن أن يوصف كافر بأنه نبي أو أنه صديق أو أنه شهيد. فلا يمكن أن تميع هذه الأوصاف بأن يقال: شهيد الكرة، أو شهيد بمعنى شهد المعركة، أو شهيد قتله العدو، فلا يجوز أن نقول مثلًا: فلان الصحابي الجليل؛ لأنه صحب الرئيس الفلاني أو الزعيم الفلاني، فالصحابي الجليل هو من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومات على دينه. والشهيد هو من وصل إلى مقام الشهادة في سبيل الله، وهي مقام رفيع، من أعلى مقامات أهل الإيمان، وشرطها الإيمان، فمن لم يكن من أهل الإيمان لا تسلط له على مقامات أهل الإيمان بحال من الأحوال. ولا يمكن إطلاق ذلك بقصد تأويل أو بنية معينة؛ لأن ذلك من تمييع النصوص وتمييع المصطلحات الشرعية، فهذه المقامات مقام النبوة ومقام الصحبة ومقام الخلة، ومقام الصديقية ومقام الشهادة ومقام الولاية، هي مقامات من مقامات الإيمان، ولا يمكن أن تتحقق لمن ليس من أهل الإ يمان أصلًا، بل إن من سوء الأدب ومن الإسراف العظيم أن يوصف بها المسلم الذي هو من أهل الإيمان إذا لم يرد نص بذلك، أو تقم حجة عليه".(هل يجوز الترحم على من مات من غير المسلمين؟ فتاوى فضيلة الشيخ محمد الحسن الددو، وهي كلمة مسجلة بالفيديو،( https://www.youtube.com/watch?v=xDk4St_pbB8).

   ولذا فالوصف "بالشهادة" وصفٌ شرعيٌ لا يجوز وضعه بغير دليل شرعي في غير محله؛ ولكن بعض الناس قد امتهنوا هذا اللفظ وأضفوا هذا اللقب على من شاءوا. والرسول صلى الله عليه وسلم في كلِّ أحاديثه عن الشهيد قد قيَّد إطلاق هذه الاسم على فئة محددة من المسلمين، فكيف يجرأُ أحدُ من المسلمين على أنْ يطلق على الكافر بعد موته اسم الشهيدا! مع العلم أنَّ الإمام البخاري بوَّب في صحيحه: (باب لا يُقال فلان شهيد) انظر (صحيح اليخاري 4/37)، ويقصد "بفلان" المسلم، فأنَّى به لو علم  رحمه الله بمن ينسب الشهادة لمن ثبت عدم إسلامه!.

    وإنَّ المسلم منهيٌ عن تزييف الحقائق، وتغيير المُسميات الشرعية، والتلاعبِ بأحكام الدين؛ لتخدم الأفكار الوضعية الهدامة، وتوافق القلوب المفتونة، وتساير الواقع الضاغط على الإسلام وأهله؛ وهو كذلك منهيٌ عن توظيف النصوص الشرعية توظيفا خاطئا يخدم العواطف الجياشة والمجاملات لغير المسلمين، وإن فعل ذلك كان بمجرد الهوى أو الشبهة، وربَّمَا الانتصار للنفس. فإن المصطلحات الشرعية أو الأسماء الشرعية تدخل في مفهوم حدود الله مثلها مثل الأحكام الشرعية التي لا يجوز العدوان عليها. إن القول جواز إطلاق اسم الشهيد على غير المسلم سيؤدي لا محالة لتغيير المبادئ المرتبطة بهذا المصطلح الشرعي الذي استعمله المسلمون منذ عهد الصحابة رضي الله عنهم، وسيؤدي إلى صناعة أعداء الإسلام لأفكار ومفاهيم جديدة لدى المجتمعات الإسلامية، بهدف تهميش المصطلحات الشرعية ومدلوها وآثارها النفسية والروحية في النفس المسلمة. والذي يفتي بجواز استعمالها من المسلمين ويروج لها في الحياة العامة يكون حينئذ يدعم مشروع الحداثي والعلماني بقصد أو بغير قصد.  وإذا كنا لا نستغرب من المعادي للإسلام وقيمه وحضارته أن يصنع ما يصنع لتهميش المصطلحات الشرعية فذاك دوره، فإننا نستغرب كل الاستغراب من المسلمين عموما وأصحاب الخطاب الشرعي خصوصا أن يشاركوا في هذا التهميش لتلك المصطلحات الشرعية والزهد فيها ـ ولو بغير قصد، وقبول بالمصطلحات البديلة والوقوع في مكرها، فتُوظف وتستعمل في مخاطبة المجتمعات الإسلامية على أساس أنها مجرد اختلاف في الألفاظ والمباني، وعليه، فلا ضير لدى هؤلاء المسلمين أو الدعاة في استعمالها ما دامت أنَّها قد تفيد المعاني الذي قصدها الشرع !؟.

     إنَّ محاولة عرض القضايا القطعية اليقينية بطريقة مغايرة هو نوع من التلبيس والتمييع وتضليل للناس. ولا بد أن يكون عرضنا تفسيرنا للمصطلحات الشرعية تفسيراً دقيقاً علمياً مبنياً على أصول أهل السنة والجماعة مهتدياً بفهم السلف وأقوالهم بعيداً عن الهوى والتعصب والجهل، فلا نحمّل المصطلحات الشرعية ما لا تحتمل من المعاني، ولا تغيير أو تبديل لمعاني مصطلحات الشريعة من أجل إرضاء البشر ومجاملتهم وإتباع عواطفهم.

    إنَّ القول: "فإطلاق العلماء لفظ الشهيد على من غل وسرق وأدبر دليل على جواز إطلاقه على شهداء الدنيا مثل شهيد الوطن، وشهيد القضية، أو الكلمة". قولٌ يجانبه الصواب فإطلاق العلماء اسم الشهيد على من غل وسرق وأدبر مستفاد من مجموعة أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز أن يقاس على صنيعهم، فنطلق اسم الشهيد على ما لم ترد به النصوص الدينية، وإلا سيتم فتح المجال لكل من هبَّ ودبَّ لإطلاق المصطلحات الشرعية على كل ما يميل إليه بهواه، ويجد له فبولاً عن عوام المسلمين.

    وأخيرًا فالواجب على المسلمين عموما وأهل العلم والدعاة خصوصا والشباب المسلم أن يهتموا بالمصطلحات الشرعية المعبرة عن حقائقها، ولا يكونوا عونا للمناوئين للإسلام الذين يمكرون في تغييب الحقائق الشرعية ومصطلحاتها، وبالتالي نسيان أحكامها وتعميق غربة الإسلام وأهله.

 

 

 

 

 

 

هل أعجبك الموضوع؟