البريد للتواصل: drsregeb11@gmail.com

قضايا عقائدية

إثبات السلف صفة العلو لله رب العالمين



  • نشر في: 7-6-2022م
  • ساعة: 12:12
  • طباعة

إثبات السلف صفة العلو لله رب العالمين

شرح العقيدة الطحاوية

فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن الراجحي

  العلو صفة من صفات الله، والاستواء صفة من صفات الله، لكن هل هناك فرق بين العلو والاستواء، العلو صفة من صفات الله، والاستواء صفة من صفات الله، فما الفرق بينهما بين الصفتين؟ يتبين الفرق واضحا بين هاتين الصفتين من وجهين:

الوجه الأول: أن العلو من صفات الذات، فهو ملازم للرب الرب لا يكون قط إلا عاليا، والاستواء من صفات الأفعال، وكان بعد خلق السماوات والأرض كما أخبر الله بذلك في كتابه، فدل على أنه -سبحانه- تارة كان مستويا على العرش وتارة لم يكن مستويا عليه، فاستواؤه على العرش كان بعد خلق السماوات والأرض العرش مخلوق قديم، ولكن استواء الله على العرش كان بعد خلق السماوات والأرض، فالاستواء علو خاص، فكل مستو على شيء عال عليه، وليس كل عال على شيء مستويا عليه.

     فالأصل أن علوه سبحانه على المخلوقات وصف لازم له، كما أن عظمته وكبرياءه وقدرته كذلك، وأما الاستواء فهو فعل يفعله سبحانه بمشيئته وقدرته، ولهذا قال: ثم استوى.

الثاني: أن العلو من الصفات المعلومة بالسمع والعقل هذا الفارق الثاني، العلو من الصفات المعلومة بالسمع والعقل، وأما الاستواء على العرش فهو من الصفات المعلومة بالسمع لا بالعقل، يعني أن العلو صفة العلو ثابتة بالعقل والشرع كل الناس يثبتون ويدركون أن الله في العلو حتى البهائم أما الاستواء على العرش هذا ما عرف إلا من الشرع، والعلو من الصفات الذاتية من الصفات التي اشتد فيها النزاع صفة العلو من الصفات التي اشتد فيها النزاع بين أهل السنة وبين المخالفين من أهل البدع، فهي من الصفات العظيمة.

وقلت لكم إن هناك ثلاث صفات من أثبتها فهو من أهل السنة، ومن نفاها فهو من أهل البدعة، ما هي؟ الكلام صفة الكلام، صفة الرؤية، وصفة العلو هذه الصفات هي العلامات الفارقة بين أهل السنة وبين أهل البدعة من أثبتها، فهو من أهل السنة، ومن نفاها فهو من أهل البدعة، ولهذا الأشاعرة والجهمية والمعتزلة نفوا العلو، ونفوا الكلام، الأشاعرة أثبتوا الكلام معنى قائم بالنفس، وأثبتوا الرؤية لكن ما أثبتوا الفوقية، ما أثبتوا الجهة، قالوا: يرى لا في مكان.

 

 

     والعلو في اللغة العربية معناه الارتفاع، والمراد به شرعا: هو وصف ذاتي لله سبحانه وصف ذاتي لله سبحانه، وهو ثلاثة أنواع، علو الله ثلاثة أنواع: النوع الأول علو الذات ذاته سبحانهعالية، النوع الثاني علو القدر، قدره وشأنه عال، النوع الثالث علو القهر والغلبة والسلطان، فله سبحانه العلو المطلق بأنواعه الثلاثة علو ذاته فوق مخلوقاته، وعلو قدره وعظمته، وشأنه وعلو قهره وسلطانه.

أدلة السلف والأئمة وأهل السنة على علو الله على خلقه بذاته أولا عرفنا أن العلو ثلاثة أقسام أو ثلاثة أنواع:

النوع الأول: علو الله بالذات، والنوع الثاني: علو القدر والشأن، والنوع الثالث: علو القهر والسلطان، نوعان وافق فيهما أهل البدع، ونوع أنكروه ما هما النوعان اللذان وافقوا؟ علو القدر وعلو القهر، قالوا: نحن نوافق أن الله علو شأنه عال وقهره عال، أما كونه هو بذاته فوق، فهذا نخالفه، ولهذا أهل السنة إنما يستدلون على هذا النوع.

 فالسلف يستدلون أهل السنة والأئمة على أن علو الله على خلقه بذاته، استدلوا بالنقل الصحيح والعقل الصريح والفطرة السليمة:

أما النقل الصحيح: فمن وجوه كثيرة الأدلة النقلية، يقول العلماء: أدلة العلو تزيد على ثلاثة آلاف دليل تزيد على ثلاثة آلاف دليل، لكن الآن نريد أن نأتي بقواعد يندرج تحتها أفراد كثيرة، نحن نأتي بنوع نوع من الأدلة أنواع أنواع الأدلة، ولكن كل نوع تحته أفراد:

النوع الأول: التصريح والإخبار بأن الله استوى على العرش في سبعة مواضع من كتابه، كلها جاءت بلفظ على، وهي تدل على العلو والارتفاع، وهذا نص لا يقبل الاحتمال ولا الاشتباه في المعنى، هذا نوع كم تحته من أفراد سبعة أدلة سبعة، كلها ثم استوى على العرش، نحن الآن نأتي بقواعد أنواع ما نستطيع أن نحصر الأدلة، أكثر من ثلاثة آلاف، لكن نستطيع أن نأتي بالنوع الذي يدخل تحته أفراد.

النوع الثاني: التصريح بلفظ العلو، وقد تكرر في الكتاب وصف الله بالعلي والأعلى، كقوله: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} وهذا يدل على ثبوت العلو لله بجميع أنواعه علو الذات وعلو القهر وعلو القدر علوالذات وعلو القدر وعلو القهر.

الثالث: التصريح بالفوقية لله تعالى تارة مقرونة بمن، كقوله تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} وتارة غير مقرونة، كقوله: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} فالمقرون بمن نص في معناه لا يقبل التأويل وغير المقرون ظاهر في المراد، ولا يقبل تأويله ممن ادعاه؛ لأن الأصل الحقيقة ودعوى المجاز لا تقبل بغير دليل، ولا دليل هنا.

    هذه كلها أنواع ليس الأصل الحقيقة، ودعوى المجاز لا تقبل بغير دليل ولا دليل هنا.

الرابع: هذه كلها أنواع ليس أفراد، التصريح بالعروج إليه، كقوله: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} والعروج معناه الصعود إلى أعلى.

الخامس: التصريح بالصعود إليه، كقوله: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} والصعود إنما يكون إلى أعلى. السادس: التصريح برفع بعض المخلوقات إليه، كقوله في المسيح عليه الصلاة والسلام: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} وقوله: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} وقوله في العمل الصالح: {وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} وثبت في الأحاديث والآثار ارتفاع دعوات المضطرين والمظلومين إلى الله، وذلك كله صريح في علو الله وفوقيته.

السابع: التصريح بتنزيل الكتاب منه، كقوله: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} {تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ} والنزول إنما يكون ممن هو فوق، وممن هو عال، وهذا يدل على علو الله وارتفاعه.

الثامن: التصريح بأنه في السماء، كقوله: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (17) } وقول النبي صلى الله عليه وسلم في دعاه: (ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمه) الحديث، و"في" إذا فسرت "السماء" بمعنى العلو، فهي للظرفية، وإذا فسرت السماء بالطباق المبنية فهي بمعنى على، كقوله تعالى: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} وقوله: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ} لأن الله سبحانه لا يحصره ولا يحيط به شيء من خلقه.

التاسع: الإخبار عن رفعته وعظمته بأنه رفيع الدرجات، كقوله: تعالى في سورة غافر: {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} فقوله: {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ} فعيل بمعنى مفعول، أي مرفوعة درجاته برفعته وارتفاعه وعلو شأنه، وليس رفيع هنا بمعنى رافع درجات المؤمنين، فيكون فعيل بمعنى فاعل، كما يقوله المعطلة؛ لأن السياق يأبى هذا القول.

وذلك أن الله -سبحانه- وصف نفسه قبل هذا بالعلو في قوله: {فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ} ثم وصف نفسه بأنه رفيع الدرجات ذو العرش، فالأوصاف كلها راجعة إلى رفعته هو وارتفاعه على الخلق، لا إلى رفعه بعض خلقه، ونظير هذا قول الله -تعالى- في سورة المعارج: {مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ} أي المصاعد التي تصعد فيها الملائكة إليه جل سلطانه، وهي الدرجات الرفيعة، والقرآن يفسر بعضه بعضا.

العاشر: التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده، كقوله تعالى: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ} وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} وقوله: {فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ} وروى الشيخان عن أبي هريرة  رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي) واختصاص هذه المخلوقات بأنها عنده دليل على علو الله على خلقه، وإلا لم يكن لتخصيص هذه الأشياء بأنها عنده فائدة، ولكان أشرف المخلوقات وأدناها في القرب عنه والعندية سواء.

الحادي عشر: الإخبار بأن من أسمائه الظاهر، وتفسير أعلم الخلق به له بنفي فوقية شيء عليه كقوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} مع قوله صلى الله عليه وسلم في دعائه واستفتاحه: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء..) فتفسير الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم للظاهر بنفي ضده تقرير لإثبات العلو، إذ الظهور والعلو متلازمان، فكل ما علا الشيء ظهر، وبان كما أنه كلما سفل الشيء خفي واستتر.

الثاني عشر: إشارة النبي صلى الله عليه وسلم بأصبعه إلى السماء حين خطب الناس يوم عرفة مخاطب ربه بقوله: (اللهم اشهد ثلاث مرات) وذلك يدل على علو الله على خلقه، وإلا لم يكن لتخصيص السماء بالإشارة فائدة.

الثالث عشر: ما ثبت في القرآن والسنة المتواترة من رؤية أهل الجنة لربهم عز وجل كقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} وقوله صلى الله عليه وسلم (إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر لا تضامون في رؤيته) فالرؤية قطعية الثبوت بالأدلة المتواترة، والرؤية المعقولة عند جميع بني آدم تقتضي مقابلة الرائي للمرئى ومواجهته له.

الرابع عشر: سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن الله بأين، كقوله صلى الله عليه وسلم للجارية: (أين الله قالت: في السماء قال: أعتقها فإنها مؤمنة).

والسؤال عن الله بأين وإقرار الجارية على أن الله في السماء يدل دلالة قطعية على إثبات علو الله على خلقه، والرسول صلى الله عليه وسلم منزه عن أن يسأل سؤالا فاسدا، ومنزه -أيضا- عن أن يقر الجارية أيضا على جواب فاسد، ويلزم من يقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم خاطب الجارية بما تعرف، وإن كان على خلاف الحقيقة أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يبين الحق وأن يكون قد أقر على الخطأ وما شاه صلى الله عليه وسلم من ذلك يعني المعطلة هذا الحديث في صحيح مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم للجارية: (أين الله قالت: في السماء قال: اعتقها فإنها مؤمنة) ماذا يجيب أهل البدع أهل البدع أهل البدع يقولون: لو رفعت إصبعك إلى السماء عند الجهمي والمعتزلي قطع أصبعك، يقول: لا تشير إليه هو في كل مكان، فاحذر أن ترفع أصبعك عند جهمي أو معتزلي، وليس عندك أحد يقطع أصعبك يقول: هذا تنزيه لله، هذا قذف الله جعلته محصور في مكان، فقيل لهم الرسول قال: أين الله؟ وأين يسأل عنها في المكان، قالوا: هذا الرسول صلى الله عليه وسلم سأل سؤالا فاسدا، هذا يخاطبها بقدر عقلها، هذه جارية جاهلة ما تفهم أعجمية، فهو يخاطبها على مقدار فهمها، وإلا مقصود الرسول أن يقول: من الله؟ مقصوده أن يقول: من الله؟ لكن قال: أين لأن من غير من يسأل بها عن الشيء، أما أين يسأل بها عن المكان، فقالوا: أين الله؟ مقصود الرسول أن يقول: من الله، لكن الجارية ما تفهم خاطبها بمقدار عقلها أعجمية، الرسول أفصح الخلق ما يقدر أن يقول: من الله طيب، ولما قالت: في السماء، قال الرسول: (أعتقها فإنها مؤمنة) قالوا: أقرها على جواب فاسد موافقة لعقلها.

هذه أربعة عشر نوع من أيش؟ أربعة عشر نوع من الأدلة، وكل نوع تحته من تحته أفراد، هذه تعتبر قواعد المبتدعة، هل سكتوا اعترضوا على هذه الأدلة، وأجاب أهل السنة على اعتراضهم، وهناك أدلة عقلية لأهل السنة واعتراض وجواب عليه، وهناك أيضا أدلة من الفطرة واعتراض من النفاة وجواب عليه، وهناك أدلة أيضا عقلية لأهل البدع للنفاة وجواب عليهم.

     وفي مبحث العلو اعترض النفاة على الأدلة التي استدل بها أهل السنة والجماعة على علو الله على خلقه، وهي كما سبق أربعة عشر نوعا من الأدلة اعترض نفاة العلو على الأدلة العقلية التي تثبت علو الله على خلقه بذاته، وتأولوها بأن المراد بها علو وفوقية القدر والعظمة والشأن وعلو وفوقية القهر والغلبة والسلطان، تأولوها بأنها بأن المراد بها علو وفوقية القهر، علو وفوقية القدر والعظمة والشأن والخيرية والأفضلية وفوقية القهر والغلبة والسلطان لأن النفاة يثبتون هذين النوعين من العلو، وهو علو القهر وعلو القدر، والخلاف بينهم وبين أهل السنة في علو الذات قالوا: فمعنى قوله سبحانه: {فَوْقَ عِبَادِهِ} خير من عباده وأفضل، ومعنى كونه فوق العرش، خير من العرش وأفضل، قالوا: ونظير ذلك قول العرب: الأمير فوق الوزير، والدينار فوق الدرهم، والذهب فوق الفضة، قالوا: هذا يدل على أن المراد بالفوقية الخيرية الأمير فوق الوزير، يعني في الرتبة، والدينار فوق الدرهم، والذهب فوق الفضة في الرتبة، وليس المراد أن ذاك فوق ذاك.

أجاب أهل الحق أن هذا الاعتراض بأجوبة:-

الجواب الأول: أن صرف الفوقية إلى فوقية الرتبة، أو إلى فوقية القهر، حمل حمل على المجاز حمل للفظ على مجازه، وهذا خلاف الأصل، إذ الأصل الحقيقة وحقيقة الفوقية علو ذات الشيء على غيره، والمجاز على خلاف الأصل؛ لأنه خلاف الظاهر، فلا يقبل إلا بدليل يخرجه عن حقيقته، كما في قوله تعالى حكاية عن فرعون أنه قال: {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} فهذه فوقية قهر وغلبة؛ لأنه قد علم أنهم جميعا مستقرون على الأرض، ولا يلزم مثل ذلك في قوله تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} إذ قد علم بالضرورة أنه وعباده ليسوا مستوين في مكان واحد، حتى تكون فوقية قهر وغلبة.

الجواب الثاني: أن تفضيل الله سبحانه على أحد من خلقه لم يذكر في القرآن ابتداء، وإنما ورد ذلك في سياق الرد على من اتخذ ذلك الشيء ندا لله تعالى، وعبده معه، وأشركه في إلهيته، فبين الله سبحانه أنه خير من تلك الآلهة، وذلك الند كقوله تعالى: {آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} وقوله سبحانه: {أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} وقوله حكاية عن سحرة فرعون: {إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} وقوله: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} وذلك لأنه يحسن في الاحتجاج على المنكر وإلزامه من الخطاب الداحض لحجته ما لا يحسن في سياق غيره، وهذا أمر واضح لا ينكره إلا غبي.

الجواب الثالث: أن تأويل الفوقية بالخيرية والأفضلية تأويل باطل، إن تأويل الفوقية والخيرية والأفضلية بهذه النصوص تأويل باطل تنفر منه العقول السليمة، وتشمئز منه القلوب الصحيحة، إذ ليس في ذلك تمجيد، ولا تعظيم ولا مدح، والرب سبحانه لم يتمدح في كتابه وعلى لسان رسوله ولا على لسان رسوله بأنه أفضل من العرش، وأن رتبته فوق رتبة العرش، وأنه خير من السماوات والعرش والكرسي، ولو تكلم أحد بمثل هذا الكلام في حق المخلوق لكان مستهجنا جدا، فلو قال شخص: الشمس أضوء من السراج، والسماء أكبر من الرغيف، أو أعلى من سقف الدار، والجبل أثقل من الحصى، ورسول الله أفضل من اليهود لعد ذلك من ساقط القول، بل هو من أرذل الكلام وأسمجه وأهجنه لما فيه من التنقص، كما قيل في المثل السائر

ألم تر أن السيف ينقص قدره *** إذا قيل يوما هو أمضى من العصا

    وإنما يصح أن يقال هذا المعنى في حق المتقاربين في المنزلة، وأحدهما أفضل من الآخر، وإذا كان يقبح كل القبح أن تقول: الجوهر فوق قشر البصل، ويضحك من ذلك العقلاء للتفاوت العظيم الذي بينهما فالتفاوت بين الخالق والمخلوق أعظم وأعظم.

الجواب الثالث: أن الله أثبت لنفسه الفوقية المطلقة، وهي تشمل فوقية الذات وفوقية القدر وفوقية القهر، فمن أثبت البعض ونفى البعض، فقد جحد ما أثبته الله لنفسه، وتنقصه ولا يلزم من إثبات فوقية الله بذاته على كل شيء على السماء وعلى العرش، أن يكون هناك شيء يحويه أو يحصره أو يكون محلا له أو وعاء أو ظرفا، تعالى الله عن ذلك، بل هو سبحانه فوق كل شيء، وهو عال على كل شيء، وهو غني عن العرش وعن كل مخلوق، وكل شيء مفتقر إليه، وهو الحامل بقوته وقدرته للعرش ولحملة العرش، وهو {اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا}.

إثبات العلو من العقل:

أما أدلة السلف والأئمة وأهل السنة على إثبات العلو من العقل الدليل الأول دليل العقل بطريقة السبر والتقسيم وطريقة السبر والتقسيم عند المناطقة وأهل الأصول، هو أن يحصر المستدل الأقسام التي يتصورها العقل، ثم يبطلها واحدا بعد واحد، ويبقي ما قام عليه الدليل. وصياغة الدليل هكذا: أن يقال: إن الله لما خلق الخلق لا يخلو إما أن يكون خلقهم داخل ذاته، أو خلقهم خارج ذاته، أو خلقهم لا داخلها ولا خارجها، هذه هي الأقسام التي يتصورها العقل.

أما الأو ل وهو كونه خلقهم داخل ذاته، فباطل بالاتفاق بيننا وبين خصومنا، لأنه يلزم عليه أن يكون الرب محلا للحوادث والخسائس والقاذورات، تعالى الله عن ذلك، وهذا قول الحلولية وهو الكفر.

وأما الثالث وهو كونه خلقهم لا داخل ذاته ولا خارجه، فهو ممتنع عقلا؛ لأنه يلزم عليه نفيه تعالى وعدم وجوده بالكلية؛ لأنه وصف له بارتفاع النقيضين، وهو وصف له بالعدم، وهو قول معطلة الجهمية ونفاتهم وهو كفر، فتعين الثاني، وهو كونه خلقهم خارج ذاته الكريمة، فلزمت المباينة، ويلزم حينئذ أن يكون عليا على خلقه مستويا على عرشه؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون مباينا لهم من فوقهم أو من تحتهم أو أمامهم أو خلفهم أو عن إيمانهم أو عن شمائلهم وأليقها بالله صفة العلو؛ لأنها من صفات المدح والكمال اعترض نفاة العلو اعترض نفاة العلو المعطلة على هذا الدليل، قالوا: نحن ننكر بداهته، لأنه أنكره جمهور العقلاء، فلو كان بديهيا لما كان مختلفا فيه بين العقلاء، بل هو قضية وهمية خيالية، وأجيب عن هذا الاعتراض أن يقال: إن العقل إن قبل قولكم فهو لقول الله أعظم قبولا، وإن رد العقل قولنا فلقولكم أعظم ردا، فإن كان قولنا باطلا في العقل، فقولكم أشد بطلانا، وإن كان قولكم حقا مقبولا في العقل، فقولنا أولى بأن يكون مقبولا في العقل، فإن دعوى الضرورة مشتركة، فإنا نقول: نعلم بالضرورة بطلان قولكم، وأنتم تقولون كذلك، فإذا قلتم تلك الضرورة التي تحكم ببطلان قولنا: هي من حكم الوهم لا من حكم العقل، قابلناكم بنظير قولكم وعامة فطر الناس ليسوا منا ولا منكم موافقون لنا على هذا.

فإن كان حكم فطر بني آدم مقبولا ترجحنا عليكم، وإن كان مردودا غير مقبول بطل قولكم بالكلية، فإنكم إنما بنيتم قولكم على ما تدعون أنه مقدمات معلومة بالفطرة الآدمية، وبطلت عقلياتنا أيضا وكان السمع الذي جاءت به الأنبياء معنا لا معكم، فنحن مختصون بالسمع دونكم، فنحن مختصون بالسمع دونكم، والعقل مشترك بيننا وبينكم، والمراد بالسمع الأدلة الشرعية الكتاب والسنة، وقولكم إن أكثر العقلاء يقولون بقولنا وينكرون بداهة دليلكم، يقال: ليس الأمر كذلك، فإن الذين يصرحون بأن صانع العالم شيء موجود ليس هو فوق العالم، وأنه لا مباين له ولا حال في العالم طائفة من النظار، وهم قلة وأول من عرف عنه ذلك في الإسلام الجهم بن صفوان واتباعه.

الدليل الثاني من الأدلة العقلية لأهل السنة على علو الله على خلقه دليل بطريق الملازمة والاستثنائية، وهذا يسمى دليل بطريق الملازمة والاستثنائية، لو كان كذا لكان كذا، لكنه لا يكون كذا فيكون كذا صياغة الدليل هكذا لو لم يتصف الرب بفوقية الذات مع أنه قائم بنفسه غير مخالط للعالم، لو لم يتصف الرب بفوقية الذات مع أنه قائم بنفسه غير مخالط للعالم، لكان متصفا بضدها؛ لأن القابل للشيء لا يخلو منه أو من ضده وضد الفوقية السفول، وهو مذموم على الإطلاق، وهو مستقر إبليس وجنوده، يعني يقال: لو لم يكن الرب متصفا بفوقية الذات لكان متصفا بضدها، وهو السفول، لكنه لا يتصف بالسفول، فدل على أنه متصف بالفوقية، اعترض نفاة العلو على هذا الدليل العقلي، فقالوا: لا نسلم أنه قابل للفوقية حتى يلزم من نفيها ثبوت ضدها، لا نسلم أنه قابل للفوقية حتى يلزم من نفيها ثبوت ضدها، وأجيب على هذا الاعتراض بجوابين، الجواب الأول لو لم يكن قابلا للفوقية والعلو لم يكن له حقيقة قائمة بنفسها، فمتى أقررتم بأنه ذات قائم بنفسه غير مخالط للعالم، وأنه موجود في الخارج ليس وجوده ذهنيا فقط لزم إثبات علوه وفوقيته.

الجواب الثاني: لو لم يقبل العلو والفوقية، لو كان الرب لا يقبل العلو والفوقية، لكان كل عال على غيره أسفل منه، فإنما يقبل العلو فإن ما يقبل العلو أكمل مما لا يقبله، والعلو والفوقية صفة كمال لا نقص فيه، ولا يستلزم نقصا، ولا يوجب محذورا، ولا يخالف كتابا ولا سنة ولا إجماعا، فنفي حقيقته عين الباطل.

أدلة السلف والأئمة وأهل السنة على إثبات العلو من الفطرة :

  استدلوا بالفطرة الدليل الفطري أن يقال: هو أن الخلق جميعا بطباعهم وقلوبهم السليمة يرفعون أيديهم عند الدعاء إلى السماء، ويقصدون جهة العلو بقلوبهم عند التضرع إلى الله تعالى، وهذا أمر فطر الله عليه عباده من غير أن يتلقوه من الرسل يجدون في قلوبهم طلبا ضروريا يتوجه إلى الله، ويطلبه في العلو، فالجارية الأعجمية التي قال لها النبي صلى الله عليه وسلم (أين الله قالت: في السماء) إنما أخبرت عن الفطرة التي فطرها الله عليها، وأقرها النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وشهد لها بالإيمان.

اعترض نفاة العلو على هذا الدليل باعتراضين.

الاعتراض الأول: قالوا: إن رفع الإنسان يديه عند الدعاء إنما كان لكون السماء قبلة للدعاء كما أن الكعبة قبلة للصلاة، لا لأن الله في العلو، وأجيب عنه بأجوبة، الجواب الأول أن ادعاءكم أن السماء قبلة للدعاء، لم يرد بذلك كتاب ولا سنة، ولم يقله أحد من سلف الأمة، وهذا من الأمور الشرعية الدينية، فلا يجوز أن يخفى على سلف الأمة وعلمائها.

ثانيا: أن قبلة الدعاء هي قبلة الصلاة بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستقبل القبلة في دعائه في مواطن كثيرة فمن ادعى أن للدعاء قبلة غير قبلة الصلاة فهو مبتدع في الدين ومخالف لجماعة المسلمين.

ثالثها: أن القبلة هي ما يستقبلها العابد بوجهه كما تستقبل الكعبة في الصلاة والدعاء والذكر والذبح، أما الموضع الذي ترفع الأيدي إليه فلا يسمى قبلة لا حقيقة ولا مجازا.

رابعها: لو كانت السماء قبلة للدعاء لكان المشروع أن يوجه الداعي وجهه إليها، وهذا لم يشرع.

خامسا: أن أمر القبلة مما يقبل النسخ والتحويل، كما تحولت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وأمر التوحيد في الدعاء إلى الجهة العلوية مركوز في الفطر، لا يقبل التحويل.

سادسها: أن المستقبل للكعبة يعلم أن الله تعالى ليس هناك بخلاف الداعي فإنه يتوجه إلى ربه وخالقه ويرجو الرحمة أن تنزل من عنده.

الاعتراض الثاني للنفاة: قالوا: إن دليلكم منقوض بوضع المصلي جبهته على الأرض مع أن الله ليس في جهة الأرض، فكما أن المصلي يضع جبهته على الأرض، والله ليس في جهة الأرض، فكدلك يرفع يديه في الدعاء، والله ليس في العلو، وأجيب عنه بأن واضع الجبهة إنما قصده الخضوع لمن فوقه بالذل له والخشوع، وليس قصده بأن يميل إليه؛ لأنه تحته، هذا لا يخطر في قلب ساجد إلا ما حكي عن بشر المريسي -قبحه الله- أنه سمع وهو يقول في سجوده: سبحان ربي الأسفل، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

شبهة نفاة العلو:

  لهم شبه لهم شبه عقلية، وليس عندهم أدلة شرعية. الشبهة الأولى: قالوا: إن إثبات العلو يلزم منه أن يكون الله في جهة، وإذا كان في جهة كان محتاجا إلى تلك الجهة، وكان محدودا ومتحيزا، والله منزه عن ذلك منزه عن الجهة، ومنزه عن أن يحتاج إلى شيء، ومنزه عن كونه محدودا متحيزا، أجاب أهل الحق عن هذه الشبه بجوابين بجوابين، جواب إجمالي وجواب تفصيلي، الجواب الإجمالي: أن يقال: تنزيهكم الله عن الجهة إن أردتم أنه منزه عن جهة وجودية تحيط به وتحويه وتحصره إحاطة الظرف بالمظروف، فنعم هو أعظم من ذلك وأكبر وأعلى، فليس هو داخل المخلوقات، وإن أردتم بالجهة ما وراء العالم، فلا ريب أن الله فوق العالم مباين للمخلوقات.

الجواب التفصيلي أولا:

   إن لفظ الجهة يراد به أمر موجود، ويراد به أمر معدوم، فإن أريد بالجهة، فإن أريد بالجهة أمر موجود جهة وجودية، وأن الله داخل السماوات، أو داخل العرش، فهذا باطل فإن الله لا يدخل في ذاته شيء من مخلوقاته، ولم يدخل في مخلوقاته شيء من ذاته، بل هو مباين للمخلوقات منفصل عنها، يعني إن أردتم بالجهة أمرا وجوديا العرش السماوات أو العرش، وأنه داخل فيها هذا باطل، وإن أردتم بالجهة أمرا عدميا، وأردتم بالعرش، ويراد بكونه فيها أنه عليها، كما قيل في قوله: إنه في السماء، أي: على السماء، وعلى هذا التقدير، فهو فوق الموجودات كلها، وهو غني عنها لم يكن عنده جهة وجودية يكون فيها، فضلا عن أن يحتاج إليها.

فالخلاصة: أنه إن أريد بالجهة أمر وجودي، فالله ليس فيه شيء من مخلوقاته، وإن أريد بالجهة أمر عدمي، وهو ما فوق العالم، فذاك ليس بشيء، ولا هو أمر وجودي حتى يقال: إنه محتاج إليه، أو غير محتاج إليه.

ثانيا: إنما يكون محتاجا إلى الجهة، أن يقال: إنما يكون محتاجا إلى الجهة لو كان في جهة مخلوقة تحويه وتحصره وتحيط به، أما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم لم يلزم ذلك، بل لا يلزم من كون المخلوق فوق مخلوق آخر أن يكون محتاجا إليه، فإن الله خلق هذا العالم بعضه فوق بعضه، ولم يجعل عاليه محتاجا إلى سافله، فالهواء فوق الأرض، وليس محتاجا إليها، والسحاب فوقها، وليس محتاجا إليها، والسماوات فوق السحاب، والهواء والأرض، وليست محتاجة إلى ذلك، والعرش فوق السماوات والأرض وليس محتاجا إليها، فكيف يكون العلي الأعلى خالق كل شيء سبحانه وتعالى محتاجا إلى مخلوقاته، لكونه فوقها عاليا عليها.

وثالثا: أن لفظ الجهة أن لفظ الجهة والحيز والحد والجسم والجوهر والعرض ألفاظ اصطلاحية فيها إجمال وإبهام، قد يراد بها معان متعددة، ولم ترد هذه الألفاظ في الكتاب والسنة بنفي ولا إثبات، ولا جاء عن أحد من سلف الأمة وأئمتها فيها نفي ولا إثبات، فالمعارضة بها ليست معارضة بدلالة شرعية، بل الأئمة الكبار أنكروا على المتكلمين وجعلوهم من أهل الكلام الباطل المبتدع، ومعروف موقف الإمام الشافعي رحمه الله وحكمه على أهل الكلام موقفه من أهل الكلام، وحكمه عليهم أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام، وصح عن إمام الأئمة في زمانه محمد بن إسحاق بن خزيمة أنه قال: من لم يؤمن بأن الله فوق سمواته، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، وجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وطرح على مذبلة.

الشبهة الثانية لنفاة العلو: هذه الشبهة جاءت على لسان الرازي أبو عبد الله الرازي، يقول أبو عبد الله الرازي في صياغة هذا الدليل مكون من مقدمتين ونتيجة يقول: لو كان الله تعالى في جهة فوق لكان سماء ولو كان سماء لكان مخلوقا لنفسه وذلك محال فكونه في جهة فوق محال.

المقدمة الأولى: لو كان الله في لو كان الله تعالى في جهة فوق لكان سماء أثبت هذه المقدمة بدليلين أو بأمرين:

الأمر الأول: أن الاشتقاق اللغوي للسماء من السمو وكل شيء سماك فهو سماء، وعرف القرآن متقدم عليه.

الثاني: لو كان الأمر الثاني الذي يثبت في هذه المقدمة يقول أبو عبد الله الرازي: لو كان الله فوق العرش؛ لكان من جلس في العرش ونظر إلى فوق لم يرى إلا نهاية ذات الله تعالى، فكان نسبة نهاية السطح الأخير من ذات الله إلى سكان العرش كنسبة السطح الأخير من السماوات إلى سكان الأرض، فثبت أنه لو كان فوق لكان سماء، أما المقدمة الثانية: ولو كان سماء لكان مخلوقا لنفسه، دليلها أن السماء مخلوقة بنص القرآن قال تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} وقال {إِن رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} فلو كان سماء لكان مخلوقا لنفسه، وذلك محال، فكونه في جهة فوق محال. أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عن هذه الشبهة بقوله لما كان قد استقر في نفوس المخاطبين أن الله هو العلي الأعلى، وأنه فوق كل شيء كان مفهوما من قوله: إنه في السماء، أنه في العلو، وأنه فوق كل شيء، وكذلك الجارية لما قال لها: (أين الله؟ قالت: في السماء) إنما أرادت العلو مع عدم تخصيصه بالأجسام المخلوقة وحلوله فيها، وإذا قيل العلو، فإنه يتناول ما فوق المخلوقات كلها، فما فوقها كلها هو في السماء، ولا يقتضي هذا أن يكون هناك ظرف وجودي يحيط به؛ إذ ليس فوق العالم شيء موجود إلا الله كما لو قيل: العرش في السماء فإنه لا يقتضي أن يكون العرش في شيء آخر موجود مخلوق، وإن قدر أن السماء المراد بها الأفلاك كان المراد أنه عليها، كما قال تعالى: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} وكما قال: {فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ} وكما قال: {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ} ويقال: فلان في الجبل وفي السطح، وإن كان على أعلى شيء منه.

ثانيا: ثم من توهم أن كون الله في السماء بمعنى أن السماء تحيط به، فهو كاذب إن نقله عن غيره، وضال إن اعتقده في ربه، وما سمعنا أحدا يفهمه من اللفظ، ولا رأينا أحدا نقله عن واحد، ولو سئل سائر المسلمين: هل يفهمون من قوله سبحانه ورسوله: إن الله في السماء أن السماء تحويه؟ لبادر كل أحد منهم أن يقول: هذا شيء لعله لم يخطر ببالنا وإذا كان الأمر هكذا، فمن التكلف أن يجعل ظاهر اللفظ، أن يجعل أحد ظاهر اللفظ شيئا محالا لا يفهمه الناس منه، ثم يريد أن يتأوله، بل عند المسلمين إن الله في السماء، وهو على العرش واحد، إذ السماء إنما يراد به العلو بمعنى أن الله في العلو لا في السفل، وقد علم المسلمون أن كرسيه سبحانه وسع السماوات والأرض، وأن الكرسي في العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وأن العرش خلق من مخلوقات الله لا نسبة له إلى قدرة الله وعظمته، فكيف يتوهم بعد هذا أن خلقا يحصره ويحويه.

ثالثا: وما في الكتاب والسنة كقوله سبحانه: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} ونحو ذلك قد يفهم منه بعضهم أن السماء هي نفس المخلوق العالي العرش، العرش فما دونه، فيقولون: قوله: في السماء، يعني على السماء، كما قال: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} أي على جذوع النخل، وكما قال: {فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ} أي على وجه الأرض ولا حاجة إلى هذا، بل السماء اسم جنس للعالي، لا يخص شيئا، فقوله: في السماء، أي في العلو دون السفل، وهو العلي الأعلى، فله أعلى العلو، وهو ما فوق العرش، وليس هناك غيره العلي الأعلى سبحانه وتعالى.

 

 

هل أعجبك الموضوع؟