البريد للتواصل: drsregeb11@gmail.com

قضايا عقائدية

ماذا تعرف عن أبي منصور الحلاج مدعي الحلولية



  • نشر في: 10-9-2022م
  • ساعة: 12:04
  • طباعة

ماذا تعرف عن أبي منصور الحلاج مدعي الحلولية

إعداد أ. د صالح الرقب

       الحلَّاج هو الحسين بن منصور الحلاج، يكنى أبا مغيث، وقيل: أبا عبد الله، كان جده مجوسيًّا اسمه محمي، من أهل بيضاء فارس. انحدر -عياذًا بالله- في أودية الكفر والزندقة والحلول. قتل ببغداد عام 309 هـ بسبب ما ثبت عنه بإقراره وبغير إقراره من الكفر والزندقة . وأجمع علماء عصره على قتله بسبب ما نقل عنه من الكفر والزندقة .

   وكان من سعى في قتله وعقد له مجلساً وحكم عليه فيه بما يستحقه من القتل هو القاضي أبو عمر محمد بن يوسف المالكي رحمه الله . وقد امتدحه ابن كثير على ذلك فقال : وكان من أكبر صواب أحكامه وأصوبها قَتْلَهُ الحسين بن منصور الحلاج اهـ (البداية والنهاية 11/172).

   قال أبو بكر بن ممشاذ: "حضر عندنا بالدينور رجل معه مخلاة، ففتشوها، فوجدوا فيها كتابًا للحلاج عنوانه: من الرحمن الرحيم إلى فلان بن فلان. فوجه إلى بغداد فأحضر وعرض عليه، فقال: هذا خطي وأنا كتبته. فقالوا: كنت تدعي النبوة، صرت تدعي الربوبية؟! قال: لا، ولكن هذا عين الجمع عندنا، هل الكاتب إلا الله وأنا؟ فاليد فيه آلة. (انظر: تاريخ بغداد (8/707)

    وقال محمد بن يحيى الرازي: "سمعت عمرو بن عُثْمَان -وهو من مشايخ الصوفية- يلعنه ويقول: لو قدرت عليه لقتلته بيدي، فقلت: أيش الذي وجد الشيخ عليه؟ قَالَ: قرأت آية من كتاب اللَّه، فَقَالَ: يمكنني أن أؤلف مثله وأتكلم به". (انظر المرجع السابق ص 700). وقال أبو يعقوب الأقطع الصوفي: «زوجت ابنتي من الْحُسَيْن بن مَنْصُور لما رأيت من حسن طريقته واجتهاده، فبان لِي بعد مدة يسيرة أَنَّهُ ساحر محتال، خبيث كافر". (انظر المرجع السابق ص 700). وقال أبو بكر الصولي: "قد رأيت الحلاج وجالسته ، فرأيت جاهلًا يتعاقل، وغبيًّا يتبالغ، وفاجرًا يتزهَّد، وكان ظاهره أنه ناسكٌ صوفٌّي، فإذا علم أن أهل بلدة يرون الاعتزال صار معتزليًّا، أو يرون الإمام صار إماميًّا، وأراهم أن عنده علما من إمامتهم، أو رأى أهل السنة صار سنيًّا، وكان خفيف الحركة مشعبذًا، قد عالج الطب، وجرب الكيمياء، وَكَانَ مع جهله خبيثًا، وكان يتنقل في البلدان". (المنتظم في تاريخ الملوك والأمم 13/202).


1- اعتقادُ الحلاج ألوهية نفسِه من خلال قولِه بالحلول والاتحاد:

   قال الفقيه أبو علي بن البناء: "كان الحلاج قد ادعى أنه إله، وأنه يقول بحلول اللاهوت في الناسوت، فأحضره الوزير علي بن عيسى فلم يجده - إذ سأله- يحسن القرآن والفقه ولا الحديث، فقال: تعلمك الفرض والطهور أجدى عليك من رسائل لا تدري ما تقول فيها، كيف تكتب - ويلك- إلى الناس: تبارك ذو النور الشعشعاني؟! ما أحوجك إلى أدب! وأمر به فصلب في الجانب الشرقي، ثم في الغربي، ووجد في كتبه: إني مغرق قوم نوح، ومهلك عاد وثمود، وكان يقول للواحد من أصحابه: أنت نوح، ولآخر: أنت موسى، ولآخر: أنت محمد". (انظر: سير أعلام النبلاء 14/327(.

    ذهب الحلَّاجُ إلى القول بحلولِ الله تعالى في ذاته، وله في هذا المعنى أقوالٌ كثيرةٌ، ويعدُّ کتابُه "الطواسین" سجلاً لمذهبه الحلولي، وكان يمثِّلُ إرهاصاتِ مذهب وحدة الوجود لابن عربي بعده، إذ تظهرُ فيه الاصطلاحاتُ الغامضةُ، وأفكارُ الحلول التي يلبِّسَها أثواباً من الرموز.([1])

   وقد صرَّح الحلاجُ أكثرَ من مرةٍ بدعوى الألوهية، وقال: إنه إله، وأمَر بعض الناس أن يسجدُوا له لهذا المعنى، وادَّعى أنه يحيِي ويُميت ويرزق "(الحلاج الأعمال الكاملة ص 235(

 وسبب هذه الدعوى راجعٌ إلى القول بالاتحاد، وأنه ما ثمتَ غير الله سبحانه وتعالى، فهو متَّحد بخلقه؛ ولذا صرح بأستاذيَّة إبليس له وإمامته له في هذه الدعوى فقال: “تناظرت مع إبليس وفرعون في الفتُوَّة فقال إبليس: إن سجدتُ سقط عني اسم الفُتُوَّة، وقال فرعون: إن آمنت برسوله سقطتُ من منزلة الفُتوة، وقلت أنا أيضًا: إن رجعت عن دعواي وقولي سقطتُ من بساط الفتوَّة، وقال إبليس: أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ حين لم ير غيرًا، وقال فرعو:. مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي حين لم يعرف في قومه من يميِّز بين الحق والباطل، وقلت أنا: إن لم تعرفون فاعرفوا آثاره، وأنا ذلك الأثر، وأنا الحق؛ لأني ما زلت أبدًا بالحقِّ حقًّا، فصاحبي وأستاذي إبليس وفرعون، وإبليس هدِّد بالنار وما رجع عن دعواه، وفرعون أُغرِق في اليمِّ وما رجع عن دعواه، ولم يقرّ بالواسطة أبدًا، وإن قتلت أو صلبت أو قطِّعت يداي ورجلاي ما رجعت عن دعواي". (الحلاج الأعمال الكاملة ص 235(.

    وقد صحَّح مذهبَ إبليس في عدم السجود لغير الله، وادَّعى أن الدافع لذلك هو توحيده واعتقاده الحلول. وقد ورد في بعض كتبه التي كتبها لأصحابه عبارة لفظها: "من الرحمن الرحيم إلى فلان ابن فلان"، فسئل الحلاج عنها قال: "إنها كتابته والخطّ خطُّه، وأن هذا هو التوحيد عنده.  (الطواسين الأعمال الكاملة ص 192).

  وقد ناظره العلماء على هذه الدعوى، وأقاموا البينةَ عليه، فقد حكى أبو بكر الصولي قال: “قبضَ عليّ بن أحمد الراسبيّ الأمير الحلاجَ وأدخله بغداد وغلامًا له على جمل مشهورين سنة إحدى وثلاثمائة، وكتب يذكر أن البيِّنَة قامت عنده أنه يدَّعي الربوبية ويقول بالحلول، فأحضره عليّ بن عيسى الوزير، وأحضر العلماء، فناظروه، فأسقط في لفظه، ولم يجده يُحسن من القرآن شيئًا ولا من غيره. ثمَّ حُبِس مدّة. قال الصولي: كان يُرِي الجاهلَ شيئًا من شعبذته، فإذا وثق به دعاه إلى أنه إله، فدعا فيمن دعا أبا سعيد بن نوبخت، فقال له -وكان أقرع-: أَنْبِت في مقدم رأسي شعرًا. ثم ترقَّت به الحال، ودافع عنه نصر الحاجب لأنه قيل: إنّه سني، وإنما يريد قتلَه الرافضة. قال: وكان في كتبه: إني مغرق قوم نوح ومهلِك عاد وثمود. (الشقا 2/297).

    كما ادَّعى قدرته على تأليف القرآن والإتيان بمثله كما تقدَّم، فهذه هي معتقدات الحلاج في الربوبية، وما يتعلَّق بها وهي كلها ترجع إلى القول بالحلول والاتحاد ودعوى الربوبية والألوهية، وإغراق الأمم هي فرع عن هذا المعتقد الفاسد.

      ونذكر هنا بعض أقوال الحلاَّج التي تدلُّ علي مذهبه الحلولي: قوله: "من هذَّب نفسَه في الطاعة، وصبَرَ على اللذَّات والشهوات ارتقى إلى مقام المقربين، ثمَّ لا يزال يصفو ويرتقي من درجات المصافاة حتى يعفو عن البشرية، فإذا لم يبق فيه من البشرية حظ حلَّ فيه روحُ الإله الذي حلَّ في عیسی بن مريم، ولم يرد حينئذ شيئاً إلاَّ كان كما أراد، وكان جميعُ فعلهِ فعلَ الله تعالى". وقيل: إنَّ الحلَّاج قد ادعى لنفسه هذه الرتبة. وذكر أنَّه ظُفرَ بكتبٌ له إلى أتباعه عنوانها: (من الهو الذي هو ربُّ الأرباب، المتصورُ في كلِّ صورة إلى عبده فلان). كما وجِدَ في كتب أتباعه إليه: "يا ذات الذات، ومنتهي غاية الشهوات، نشهد أنَّك المتصورُ في كل زمان بصورة، وفي زماننا بصورة الحسين بن منصور، ونحن نستجيرُك، ونرجو رحمتَكَ يا علاَّم الغيوب".([2])

    ورويَ أنَّ الحلَّاج مرَّ يوماً على الجنيد، فقال له: أنا الحقُّ، فقال الجنيد: أنت بالحقِّ أيةَ خَشَبَةَ تُفسِدُ. فتحقق فيه قول الجنيد، لأنَّه صُلب بعد ذلك.([3]) ومن أقوال الحلَّاج: "دع الخليقة لتكون أنت هو (الله)، أو هو أنت من حيث الحقيقة".([4])

     وكان الحلَّاج يدعو بقوله: يا إلهَ الآلهة، وياربَّ الأرباب، ويا من لا تأخذه سنة ولا نوم، ردَّ إلى نفسي لئلاَ يفتتن بي عبادك، يا هو أنا وأنا هو، الفرق بين أنيتي وهويتك إلاَّ الحدث والقدم .."، ثمَّ قال: يا أبا إسحاق: أمَا ترى أنَّ ربي ضربِ قدمَه في حدَثي حتى استهلكَ حدَثي في قدمهِ، فلم يبقَ لي صفةً إلاَّ صفة القديم، ونطقي في تلك الصفة، والخلقُ كلُّهم أحداث ينطقون عن حدث. ثمَّ إذا نطقت عن القدم ينكرون عليَّ، ويشهدون بكفري، ويسعون إلى قتلي، وهم بذلك معذورون، وبكلِّ ما يفعلون بيِ مأجورون".([5])

      ومن أقواله: "يا أيُّها النَّاسُ إنَّه([6]) يُحدِّثُ الخلقَ تلطفاً فيتجلَّى لهم، ثمَّ يستَتُر عنهم تربيةً لهم. فلولا تجليه لكفروا جملةً، ولولا سترهُ لفتنوا جميعاً، فلا يديم عليهم إحدى الحالتين. لكن ليس يستَتِرُ عني لحظةً فأستريح حتى استهلكت ناسوتيتي في لاهوتيته، وتلاش جسمي في أنوارِ ذاته، فلا عينَ لي ولا أثرَ، ولا وجهَ ولا خيرَ... واعلموا أنَّ الهياكلَ قائمةٌ بياهوه والأجسام متحركة باسینه، والهو والسين طريقان إلى معرفة النقطة الأصلية".([7])

      وذكر ابن الجوزي في "تلبيس ابليس"([8]) أنَّ أبا بكر بن حمشاد([9]) قال: حضر عندنا بالدينور رجلٌ ومعه مخلاةٌ، فما كان يفارقُها لا بالليل ولا بالنهار، ففتَّشوا المخلاةَ، فوجدوا فيها كتاباً للحلاج عنوانه: (من الرحمن الرحيم إلى فلان بن فلان)، فوجَّه إلى بغداد، فأُحضِرَ وعُرضَ عليه. فقال: ما أدعي الربوبية، ولكن هذا عينُ الجمع عندنا، وهل الكاتب إلاَّ الله تعالى، وأنا واليد فيه آلة". وممَّا يوكد دعوى الحلَّاج للألوهية: أنَّ بنت الحلَّاج أمرت بنت السمري زوجة ابن الحلَّاج بالسجود له، فقالت على الفطرة: أو يسجد لغير الله؟!، فما كان من الحلَّاج لمَّا سمع كلامها إلاَّ أنْ قال: "نعم، إلهٌ في السماء، إلهٌ في السماء، وإلهٌ في الأرض".([10])

     وقد زعم الحلَّاج أنَّه يستطيع أنْ يأتيَ بمثل القرآن الكريم، قال عمرو بن عثمان المكي كنت أماشي الحلَّاج يوماً في بعض أزقة مكة، فقرأت شيئاً من القرآن الكريم، فقال الحلَّاج: يمكنني أنْ أقول مثل هذا.([11])

    وأما أشعاره التي تنعق بالحلول فهي كثيرة:-

    فمن أشعاره التي صرَّح فيها برفع ثبوت أنيته حتى يقال: إنَّ وجودَهَ هو وجودُ الحق، وأَنِيَّتَهُ هي أَنَيَّةُ الحق، فلا يقال إنَّه غير الله ولا سوی، قوله:

   أأنت أم أنا هذا في إلهين .... حاشاكَ حاشاكَ من إثبات اثنين

هويةٌ لك في لائيَّتي أبداً ..... كُلي على الكلِّ تلبيسٌ بوجهين

وأين ذاتُك عنِّي حيثُ كنتُ أُرَى .... فقد تَبِينَ ذاتي حيث لا أينَ

وأينُ وجهُك مقصودٍ بناظرتي ... في باطنِ القلبِ أم في ناظرِ العين

            بيني وبينك أنِّيٌّ يزاحمني ......... فارفع بأنِّيْكَ أنيَّتِيَ من البين([12])

ومن أشعاره التي صرح فيها بحلول اللاهوت (الله) في الناسوت (الجسد)، أي بحلول الله تعالى فيه. قوله:   سبحانَ من أظهرَ ناسوتَه ... سرَّ سنَا لاهوته الثاقبِ

ثمَّ بدَا لخلقه ظاهراً ... في صورة الأكل الشاربِ

حتى لقد عايَنَه خلقه ... كلحظة الحاجب بالحاجبِ

 وقوله:  أنا من أهوى ومن أهوى أنا ... نحنُ روحان حَلَلَنا بدناً

     فإذا أبصرتني أبصرتُه ... وإذا أبصرتُه أبصرتَنا([13])

وقوله:   مزجت روحَك في روحي كما ... تُمزجُ الخمرةُ بالماءِ الزلال

     فإذا مسَّكَ شيءٌ مسَّني ... فإذا أنت أنا في كلَّ حال([14])

وقوله:   دخلت بناسوتي لديك على الخلق ... ولولاك لاهوت خرجن من الصدق([15])

وقوله:   أنا الحقُّ والحقُّ للحق حقٌ ... لابسٌ ذاته فمَّا ثَمَّ فرق([16])

وقوله:     ولم ألهُ باللاهوت عن حكمِ مظهري ... ولم أنسَ بالناسوت مظهرَ حكمتي([17])

ومن أشعاره التي يرى فيها أنَّ المحبوب هو المحب، فالعبدُ هو الربُّ والربُّ هو العبدُ.    قوله:         قال لي المحبوبُ لما زرتُهُ ... من ببابي قلتُ بالباب أنا

   قال لي أنكرتَ توحیدَ الهوى .... عندما فرَّقْتَ فيه بَينَنَا

   ومضى عامٌ فلمَّا جئتُهُ ...... أْطْرُقُ الباب عليه موهِناً

   قال ليَ مَنْ أنتَ قلتُ ... انظر فمَا ثمَّ بالباب سوى أنتَ هنَا

 قال لي أدركتُ توحيدَ الهوى ... وعرفتُ الحبَّ فادخلْ يا أنَا([18])

2- دعواه النبوة:

   كان الحلاجُ في بداية أمره وظهوره قد ادَّعى النبوة، ومرَّ ادعاؤه للنبوة بمراحل، كان في أولها يقول: إن أرواح الأنبياء حلَّت فيه، وهذا فرع معتقدِه السابق. (انظر: تاريخ الإسلام للذهبي 23/40، البداية والنهاية 11/140( ثم صار يدَّعي معجزاتهم بما يفعل من شعوذة ودجَل وسحر تعلَّمه في الهند، فكان يخرج للناس فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، ويمدّ يده إلى الهواء فيعيدها مملوءة دراهم عليها مكتوب: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ}، ويسميها: دراهم القدرة، ويخبر الناس بما أكلوه، وما صنعوه في بيوتهم، ويتكلَّم بما في ضمائرهم، فافتتن به خلقٌ كثير، واعتقدوا في الحلول. (الكامل في التاريخ لابن الأثير 6/671).

     وفي مرحلة متأخِّرة صار يشرع من دون الله عز وجل، ومن تشريعاته أن الإنسان إذا أراد الحج ولم يمكنه أفرد من داره بيتا لا يلحقه شيء من النجاسات، ولا يدخله أحد، فإذا حضرت أيام الحج طاف حوله، وفعل ما يفعله الحاج بمكة، ثم يجمع ثلاثين يتيمًا، ويعمل أجود طعام يمكنه، ويطعمهم في ذلك البيت، ويخدمهم بنفسه، فإذا فرغوا كساهم، وأعطى كل واحد منهم سبعة دراهم، فإذا فعل ذلك كان كمن حج.) المرجع السابق (6/674(.

   وقد وُجِد له كتاب فيه: أن المرء إذا عمل كذا وكذا - من الجوع والصدقة ونحو ذلك- أغناه عن الصوم والصلاة والحج، فقام عليه حامد فقتل.) العبر في خبر من غبر 1/457).

    ثم صرَّح بدعوى النبوة، واستُدعي في ذلك من طرف القضاة فأنكره. (البداية والنهاية (11/160) والظاهر أنَّ دعواه النبوة سابق لدعوى الألوهية، ويظهر ذلك من خلال قصص المحاكمات التي أقيمت له، فقد قالوا له: كنت تدَّعي النبوةَ، فصرتَ تدَّعي الربوبية. (المرجع السابق 11/162).

   لقد أدرك علماء وفقهاء المسلمين خطورة أقوال الحلَّاج وما تضمنته من زندقة وكفر، فأفتَوا بقتلِهِ وصلبهِ. كما أنَّ أكابر الصوفية المعاصرين له جفَوه ولعنوُه وتبرَّأُوا من أقواله وأشعاره، ومن هؤلاء عمرو بن عثمان المكي وأبو القاسم الجنيد بن محمد، وأبو يعقوب النهرجوري([19]) الذي زوجه ابنته فلمَّا اطلَّعَ على زندقته نزعها منه. ([20])

   يقول ابن تيمية: "الحلَّاج قُتِلَ على الزندقة التي ثبتت عليه بإقراره وبغير قراره، والأمرُ الذي ثبتَ عليه ممَّا يوجبُ القتلُ باتفاق المسلمين، ومن قال إنَّه قتلُ بغيرِ حقٍ فهو إمَّا منافق ملحد، وإمَّا جاهلٌ ضالٌ، والذي قُتلَ بهِ ممَّا استفاض عنه من أنواع الكفر، وبعضه يوجب قتله، فضلاً عن جميعه".([21])

     ونظراً لزندقة الحلَّاج فقد أعرض مؤرخو الصوفية عن ذكره في مؤلفاتهم، فالقشيري([22]) فلم يُدْرِجْهُ في رسالته، وأبو طالب المكي([23]) لم يشرْ إليه في كتابه "قوت القلوب"، والطوسي أفردَ في كتابه "اللمع" فصلاً خاصاً لدحض نظرية الحلول، وأبو نعيم الأصبهاني([24]) وصف الحلولية في كتابه "حلية الأولياء" بالكفْرِ.([25])

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "مَنْ اعْتَقَدَ مَا يَعْتَقِدُهُ الْحَلاجُ مِنْ الْمَقَالاتِ الَّتِي قُتِلَ الْحَلاجُ عَلَيْهَا فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ; فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ إنَّمَا قَتَلُوهُ عَلَى الْحُلُولِ وَالاتِّحَادِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ مَقَالاتِ أَهْلِ الزَّنْدَقَةِ وَالإِلْحَادِ كَقَوْلِهِ: أَنَا اللَّهُ. وَقَوْلِهِ: إلَهٌ فِي السَّمَاءِ وَإِلَهٌ فِي الأَرْضِ... وَالْحَلاجُ كَانَتْ لَهُ مخاريق وَأَنْوَاعٌ مِنْ السِّحْرِ وَلَهُ كُتُبٌ مَنْسُوبَةٌ إلَيْهِ فِي السِّحْرِ. وَبِالْجُمْلَةِ فَلا خِلافَ بَيْنِ الأُمَّةِ أَنَّ مَنْ قَالَ بِحُلُولِ اللَّهِ فِي الْبَشَرِ وَاتِّحَادِهِ بِهِ وَأَنَّ الْبَشَرَ يَكُونُ إلَهًا وَهَذَا مِنْ الآلِهَةِ : فَهُوَ كَافِرٌ مُبَاحُ الدَّمِ وَعَلَى هَذَا قُتِلَ الْحَلاجُ ". (مجموع الفتاوى 2/480 ( وقال أيضاً: "وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ ذَكَرَ الْحَلاجَ بِخَيْرِ لا مِنْ الْعُلَمَاءِ وَلا مِنْ الْمَشَايِخِ; وَلَكِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَقِفُ فِيهِ; لأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ أَمْرَهُ".)مجموع الفتاوى 2/483) .

 

      وذهب بعض المتكلمين إلى دحضِ آراء الحلَّاج وأقواله الكفرية، فالباقلاني الأشعري أدخلَه في دائرة المشعوذين وأصحاب الحيل والمخاريق،([26]) وأبو علي الجبائي المعتزلي أرجعَ أفعالَ الحلَّاج إلى المخادعة والحيل، وطلبَ من ناقلي أخباره أنْ يطلبوا منه أنْ يدخل منزلاً من منازلهم ليُخرجَ لهم الفواكهَ والأسماكَ كما كان يفعل في بيته، ولمَّا علم الحلَّاج بقول الجبائي، غادرَ الأهواز خشيةَ أنْ يطالبَهَ النَّاسُ بما أخبرهم به الجبائي، فينكشف أمرُه.([27])

     وقد وصف البيروني([28]) الحلَّاج بقوله: "كان رجلاً مشعوذاً ومتصنعاً، مازجاً نفسه بكل إنسان على حسب اعتقادهِ ومذهبهِ، ثمَّ ادعى حلول روح القدس فيه، وتسمى بالإله".([29])

     ولم يكن الحلَّاج الحلولي الوحيد من الصوفية المتقدمين، فهناك غيره ممن نسب إليهم القول بالحلول، والذي يراجع المصادر الصوفية يجد شخصيات صوفية مشهورة عند القوم تقول بالحلول.

 



[1]- انظر ابن تيمية والتصوف د. مصطفى حلمي ص 242.

[2]- انظر ذلك كلَّه: الفرق بين الفرق ص 263.

[3]- انظر المصدر السابق ص 263.

[4]- الطواسین ص 23.

[5]- أخبار الحلاج ص20-21.

[6]- الضمير في "إنه" يعود الى الله تعالى.

[7]- أخبار الحلاج ص 20-21.

[8]- تلبیس إبلیس ص 170، وانظر البداية والنهاية 11/138، تاریخ بغداد للخطيب البغدادي 8/127.

[9]- صوفي من أهل بغداد توفي في القرن الرابع الهجري. انظر طبقات الصوفية ص 99.

[10]- الطواسین ص 134.

[11]- انظر الفرق بين الفرق البغدادي 292، تلبيس إبليس لابن الجوزي ص 170، طبقات الصوفية السلمي 307-311، جامع الرسائل لابن تيمية 1/188-189،191.

[12]- أخبار الحلاج لماسنیون ص 76.

[13]- أخبار الحلاج ص127، الطواسین ص 130.

[14]- الطواسین ص 134.

[15]- الطواسین ص 135، أخبار الحلاج ص 83.

[16]- أخبار الحلاج ص 108.

[17]- الطواسین ص 139.

[18]- أخبار الحلاج ص 50.

[19]- هو: اسحاق بن محمد النهرجوري من أعلام التصوف في القرن الرابع الهجري، قال عنه أبو عثمان المغربي: "ما رأيت من المشايخ أنورَ من أبي يعقوب النهرجوري، ولا أكثر هيبة من أبي الحسن بن الصائغ"، ووصفه الذهبي بأنه: "الأستاذ العارف"، صحب الجُنَيْد وَعَمْرو بن عُثْمَان الْمَكِّيّ وَأَبا يَعْقُوب السُّوسِي وَغَيرهم من الْمَشَايِخ، أَقَامَ بِالحرم في مكة المكرمة سِنِين كَثِيرَة مجاوراً حتى مَاتَ سنة330 هـ. انظر طبقات الصوفية ص 378-381، سير أعلام النبلاء: الذهبي 15/232، المنتظم 6/326، حلية الأولياء 10/307، طبقات الأولياء ص 105.

[20]- انظر الفرق بين الفرق ص 262، المنتظم لابن الجوزي 6/162، تاریخ بغداد 8/121، البداية والنهاية 11/135.

[21]- جامع الرسائل 1/187.

[22]- هو: عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة النيسابوري القشيري، ولد سنة 376م، توفي بنيسابور سنة 465ھ. كان فقيهاً أصولياً، محققاً متكلماً أشعرياً، واعظاً، محدثاً ثقةً. أخذ علم الكلام عن ابن فورك، وأبي اسحاق الإسفرايني، وأخذ التصوف عن أبي علي الدقاق وغيره. من مصنفاته: الرسالة القشيرية، لطائف الإشارات في التفسير، آداب الصوفية، الأربعين في الحديث. انظر وفيات الأعيان 2/375-378، تاریخ بغداد 11/83، تبیین کذب المفتري ص 271، المنتظم 8/280، طبقات الشافعية للسبكي 5/153-164.

[23]- هو: محمد بن علي بن عطية الحارثي المكي، توفي سنة 398، صوفي، متکلم، نشأ بمكة المكرمة، قدم بغداد وتوفي فيها، كان يعظ ويخلط في كلامه. من تصانيفه: قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد في التصوف. انظر تاریخ بغداد 3/89، وفیات الأعيان 3/430، المنتظم 7/189، میزان الاعتدال 3/107، الوافي بالوفيات 4/116.

[24]- هو: أحمد بن عبد الله بن أحمد بن اسحاق بن موسی بن مهران المهراني الأصبهاني، ولد سنة 336ھ، وتوفي سنة 430، صوفي کبیر، محدث مشهور، حافظ ثقة ضبط، واسع الرواية، شافعي المذهب، أشعري الاعتقاد. من مصنفاته: حلية الأولياء وطبقات الاصفياء، دلائل النبوة، ذكر أخبار أصفهان، معرفة الصحابة، الطب النبوي. انظر ذكر أخبار اصفهان 2/93، وفيات الأعيان 1/91، المنتظم  8/100، سير أعلام النبلاء 17/453، البداية والنهاية 12/45.

[25]- اللمع ص 541 وما بعدها، حلية الأولياء 1/4، وانظر بن تيمية والتصوف ص 250-251.

[26]- انظر الفرق بين الفرق ص 261.

[27]- انظر تاریخ بغداد 8/120

[28]- هو: محمد بن أحمد البيروني الخوارزمي، أبو الريحان، ولد سنة 362ه وتوفي سنة 440م، فیلسوف مؤرخ، له تصانیف کثیرة، منها: الآثار الباقية عن القرون الخالية، الاستیعاب في صنعة الأسطرلاب، انظر تاريخ حكماء الإسلام ص 72، اللباب في تهذيب الأنساب 1/160،، بغية الوعاة 1/50-51.

[29]- الآثار الباقية للبيروني ص 211.

 

هل أعجبك الموضوع؟