البريد للتواصل: drsregeb11@gmail.com

قضايا عقائدية

معنى التَّوحيدِ عندَ السَّلفَ وأَنْوَاعُهُ وشبهَاتُ المُخَالِفين



  • نشر في: 14-10-2022م
  • ساعة: 5:22
  • طباعة

           أنواع التوحيد عند السلف وإبطال شبهُ المنكرين لهذا التقسيم

أ.د صال حسين الرقب

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

     إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدّه الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أنّ لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.

الأول: أنواع التوحيد عند السلف:

     إنَّ تقسيم التوحيد إلى قسمين أو ثلاثة أقسام لم يحدده النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أحدٌ من الصحابة رضي الله عنهم، ولكن عرف من استقراء نصوص الكتاب والسنة. يقول الشيخ بكر أبو زيد: "هذا التقسيم الاستقرائي لدى متقدمي علماء السلف أشار إليه ابن مندة وابن جرير الطبري وغيرهما، وقرره شيخا الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وقرره الزبيدي في تاج العروس، وشيخنا الشنقيطي في أضواء البيان رحم الله الجميع، وهو استقراء تامٌّ لنصوص الشرع، وهو مطرد لدى أهل كلِّ فنٍّ، كما في استقراء النحاة كلام العرب إلى اسم وفعل وحرف، والعرب لم تفه بهذا، ولم يعتب على النحاة في ذلك عاتب، وهكذا من أنواع الاستقراء".([1])

     لقد ذهب السلف إلى أنَّ التوحيدَ نوعان باعتبار ما يجب على العبد المُوَحِّد، وثلاثةُ أنواعٍ باعتبار مُتَعِلقِ التوحيد.

     قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والمقصود هنا أنَّ "التوحيد" الذي أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله وهو المذكور في الكتاب والسنة وهو المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام ليس هو هذه الأمور الثلاثة التي ذكرها هؤلاء المتكلمون، وإن كان فيها ما هو داخل في التوحيد الذي جاء به الرسول، فهم مع زعمهم أنهم "الموحدون" ليس توحيدهم التوحيد الذي ذكر الله ورسوله؛ بل التوحيد الذي يدعون الاختصاص به باطل في الشرع والعقل واللغة؛ وذلك أنَّ توحيد الرسل والمؤمنين هو عبادة الله وحده، فمن عبد الله وحده لم يشرك به شيئاً فقد وحده، ومن عبد من دونه شيئاً من الأشياء فهو مشرك به ليس بموحد مخلص له الدين، وإن كان مع ذلك قائلاً بهذه المقالات التي زعموا أنها التوحيد...". ([2])

    ويقول ابن القيم رحمه الله: " فِي اشْتِمَالِ هَذِهِ السُّورَةِ عَلَى أَنْوَاعِ التَّوْحِيدِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهَا الرُّسُلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ. التَّوْحِيدُ نَوْعَانِ: نَوْعٌ فِي الْعِلْمِ وَالِاعْتِقَادِ، وَنَوْعٌ فِي الْإِرَادَةِ وَالْقَصْدِ، وَيُسَمَّى الْأَوَّلُ: التَّوْحِيدَ الْعِلْمِيَّ، وَالثَّانِي: التَّوْحِيدَ الْقَصْدِيَّ الْإِرَادِيَّ، لِتَعَلُّقِ الْأَوَّلِ بِالْأَخْبَارِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَالثَّانِي بِالْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ، وَهَذَا الثَّانِي أَيْضًا نَوْعَانِ: تَوْحِيدٌ فِي الرُّبُوبِيَّةِ، وَتَوْحِيدٌ فِي الْإِلَهِيَّةِ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ ".([3])

أولاً : التوحيد باعتبار ما يجب على الموحد:

التوحيد باعتبار ما يجب على الموحد نوعان:

1- توحيد في المعرفة والإثبات: وهو التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي، وسمي بذلك لتعلقه بالأخبار المعروفة (الكتاب والسنة)، ولأنَّه مختصٌ بإقرار القلب واعتقاده المحض، ويقول اللسان وإقراره بتعظيم الله وتقديسه وتمجيده، ولأنَّ المطلوبَ من العبد بالنسبة له: هو مجاد العلم والمعرفة والاعتقاد. وهذا النوع من التوحيد يتضمن إثبات حقيقة الرب، وصفاته وأسمائه، وأفعاله، ليس كمثله شيء في ذلك كله، كما أخبر الله تعالى به عن نفسه، وكما أخبر به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم. ويسمى هذا التوحيد بتوحيد الربوبية والأسماء وبالصفات، كما يسمى توحيد الله تعالى بأفعاله. ومن سور القرآن الكريم التي أفصحت عن هذا النوع من التوحيد سورة الإخلاص.

2- توحيد القصد والطلب والإرادة: وهو التوحيد الفعلي القصدي، المتعلق بأفعال الجوارح والقلوب، وسُمي بتوحيد القصد والطلب والإرادة لأنَّه يتضمنُ قصدُ وإرادةُ الله وحدَه بأنواع العبادة، والإخلاصُ في ذلك، ويُسمَّى هذا النوعُ من التوحيد بتوحيدِ الإلهية والعبادة، كما يُسمَّى بتوحيد الله تعالى بأفعال العبيد، فلا يُتخذُّ من دونه تعالى شريكاً ولا نداً في الطاعة والعبودية، ولا يُجعلَ له عدلاً في شيءٍ من الأشياء.([4])

      يقول شارح الطحاوية في بيان أنواع التوحيد باعتبار ما يجب على المُوحِّدِ: "التوحيد الذي دعت إليه رسل الله، ونزلت به كتبه نوعان: توحيدُ في الإثبات والمعرفة، وتوحيدُ في الطلب والقصد.

فالأول: هو إثبات حقيقة ذات الرب تعالى وصفاته وأفعاله وأسمائه، ليس كمثله شيءٌ في ذلك كلِّه، كما أخبر به عن نفسه، وكما اخبر رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد أفصح القرآن الكريم عن هذا النوع كلَّ الإفصاح، كما في أول " الحديد" و "طه "، وآخر "الحشر"، وأول "ألم تنزيل"، و"السجدة"، وأول "آل عمران"، وسورة الإخلاص بكاملها، وغير ذلك.

والثاني: وهو توحيد الطلب والقصد، مثل ما تضمنته سورة: "قل يا أيها الكافرون" و(قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم) سورة آل عمران:64، وأول سورة" تنزيل الكتاب"([5]) وآخرها، وأول سورة "يونس" وأوسطها وآخرها، وأول سورة "الأعراف" وآخرها، وجملة سورة "الأنعام". وغالب سور القرآن متضمنة لنوعي التوحيد، بل كل سورة في القرآن، فإنَّ القرآنَ إمَّا خبرٌ عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري. وإمَّا دعوةٌ إلى عبادته وحدَه لا شريكَ له، وخَلْعِ ما يُعبدَ من دونه، فهو التوحيدُ الإراديُّ الطلبيُّ".([6])

ثانياً: التوحيد باعتبار متعلقة:

التوحيد باعتبار متعلقة ثلاثة أنواع هي:-

1. توحيد الربوبية.

2. توحيد الألوهية.

3. توحيد الأسماء والصفات.([7])

      قال شارح العقيدة الطحاوية: "فإنَّ التوحيدَ يتضمنُ ثلاثةَ أنواعِ: أحدُها: الكلامُ في الصفات. الثاني: توحيدُ الربوبية، وبيانُ أنَّ الله وحدُه خالقِ كلِّ شيءٍ. الثالث: توحيدُ الإلهية، وهو استحقُاقُه أنْ يُعبدَ وحدَه لا شريكَ له".([8])

     وفي بيان دلالة القرآن الكريم على أنواع التوحيد الثلاثة يقول الشيخ المفسر محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي: "فَقَدْ هَدَى الْقُرْآنُ فِيهِ لِلطَّرِيقِ الَّتِي هِيَ أَقْوَمُ الطُّرُقِ وَأَعْدَلُهَا، وَهِيَ تَوْحِيدُهُ جَلَّ وَعَلَا فِي رُبُوبِيَّتِهِ، وَفِي عِبَادَتِهِ، وَفِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ. وَقَدْ دَلَّ اسْتِقْرَاءُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ عَلَى أَنَّ تَوْحِيدَ اللَّهِ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: تَوْحِيدُهُ فِي رُبُوبِيَّتِهِ..... الثَّانِي: تَوْحِيدُهُ جَلَّ وَعَلَا فِي عِبَادَتِهِ، وَضَابِطُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ التَّوْحِيدِ هُوَ تَحْقِيقُ مَعْنَى "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"...... النَّوْعُ الثَّالِثُ: تَوْحِيدُهُ جَلَّ وَعَلَا فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ....". ([9])

الثاني: شبهُ المنكرين لهذا التقسيم

      أنكرَ بعضُ المخالفين لمذهب السلف في التوحيد تقسيمَ السلف التوحيد إلى توحيدِ الربوبيةِ وتوحيد الألوهيةِ، وقد بَنَوْا هذا الإنكار على ثلاثةِ أسبابٍ، وسوف نذكرُ هذه الشُبَهَ مع الردِّ عليها.

الشبهةُ الأولى:

    أنَّ توحيدَ الربوبية هو نفسُ توحيد الألوهية، ولا يَسلم الفرقُ بينهما، إذ لا فرقَ بين معنى الربِّ ومعنى الإله، فكلمةُ: لا إلهَ إلاَّ الله. معناها: أنَّ اللهَ وحدَه هو الخالقً القادرً على الاختراع.([10])

الشبهة الثانية:

     أنَّ المشركين الذين أُرسل الله إليهم رسلَه عليهم السلام لم يكونوا مقرين بتوحيد الربوبية، بل كانوا منكرين هذا التوحيد، فمشركو العرب مثلاً لم يجعلوه تعالى رباً،([11]) واستدلَّ المخالفون بقوله تعالى: (ولا يأمرُكم أنْ تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً) سورة آل عمران:80، وقوله تعالى: (أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) سورة يوسف:39،  وقوله تعالى: (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ) سورة الرعد:30، وقوله تعالى: (لكنَّا هو الله ربِّي) سورة الكهف:38.

       يقول يوسف الدجوي([12]) بعد استشهاده بتلك الآيات: "فليس عند هؤلاء الكفار توحيدُ الربوبية كما قال ابن تيمية، وما كان عليه السلام يدعوهم إلاَّ إلى توحيد الربوبية، لأنَّه ليس هناك شيء يسمى توحيد الربوبية وشيء آخر يسمى توحيد الألوهية عند يوسف عليه السلام، فهل هم أعرفُ بالتوحيد منه، أمْ يجعلونه مخطئاً في التعبير بالأرباب دون الآلهة".([13])

      ويضيف: "ويقول الله تعالى في أخذ الميثاق (ألست بربكم قالوا بلى) سورة الأعراف:172، فهو كان الإقرار بالربوبية غير كافٍ، وكان متحققاً عند المشركين، ولكنه لا ينفعهم كما يقول ابن تيمية، ما صَحَّ أنْ يؤخذَ عليهم الميثاقُ بهذا، ولا صَحَّ أنْ يقولوا يوم القيامة (إنَّا كنَّا عن هذا غافلين) سورة الأعراف:172، وكان الواجب أنْ يُغيَّرَ الله عبارةَ الميثاق إلى ما يوجبُ اعترافهُم بتوحيد الألوهية، حيث إنَّ توحيد الربوبية غيرُ كافِ كما يقول هؤلاء إلى آخر ما لا يمكننا أنْ نتوسَعَ فيه، وهو لا يخفى عليك، وعلى كل حالِ فقد اكتفى منهم بتوحيد الربوبية، ولو لم يكونا متلازمين لطلب إقرارَهم بتوحيد الألوهية أيضاً".([14])

الشبهة الثالثة:

      إنَّ هذا التقسيمَ محدثٌ، لا تدلُّ عليه نصوصُ الكتاب والسنة، ولم يذهب إليه أحدٌ من السلف السابقين ممَّنْ يحتجُّ بقوله أصحابُ هذا التقسيم.([15])

إبطال تلك الشبهات:

     يمكننا تلخيص إبطال على تلك الشبهات فيمت يلي:

أولاً: إنَّ تقسيمَ التوحيد إلى توحيد في الربوبية وتوحيد في الألوهية يعودُ لوجودِ فرقٍ في المعنى بين كلمة (الرب) وكلمة (الإله). يقول الراغبُ الأصفهاني: الربُّ في الأصل التربية، وهو إنشاء الشيء حالاً فحالاً إلى حد التمام. يقول: رَبَّه ورَبَّاه ورَبَبَه. فالربُّ مصدرٌ مستعارٌ مستعملٌ للفاعل، ولا يقال الربَّ مطلقاً إلاَّ لله تعالى، ويقال بالإضافة له ولغيره نحو: (رَبَ العالمين)، و( ورَبَّكم وربُّ آبائكم الأولين)، ويقال ربُّ الدار، وربُّ الفرس لصاحبهما.([16]) وقال ابن الأثير: الربُّ يُطلقُ في اللغة على المالك، السيد، والمدبر، والقيم، والمنعم. والربوبيةُ المختصَّةُ بالله تعالى هي الخلق والرزق والملك والتدبير والتصريف.

     وأمَّا الإلهَ فهو اسمٌ للمعبود بالحق أو بالباطل. فالمعبود بحقٍ هو الله تعالى، وأمَّا الآلهةُ المزعومةُ فهي المعبودةُ بالباطلِ.([17]) وقد وقع هؤلاء المخالفون في الغلط لعدمِ تمييزهم بين معنى كلمتَي الربِّ والإلهِ، حيث فسَّروا أحدَهما بالآخر، فقالوا: الإلهُ هو القادرُ على الاختراعِ.

وللردِّ عليهم يقال: إنْ الربَّ بمعنى الراب، وهو اسمٌ فاعلٍ، بينما الإله بمعنى مألوه، مثل كتاب أي مكتوب، أي اسم مفعول، ومن المعلوم وجود فرق بين اسم الفاعل واسم المفعول، ولا يصحُّ تفسيرَ اسمِ أحدهما باسمِ الآخر.

    وأيضاً: فإنَّ القرآن الكريم قد أخبر عن الكفار أنَّهم كانوا يسمُّون أصنامَهم آلهةً، قالوا: (وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك) سورة هود:53، وقالوا: (أجعلَ الآلهةَ إلهًا واحداً إنَّ هذا لشيءٌ عُجابٌ) سورة ص:5، فلو لم يكنْ هناك فرقٌ بينهما لسَمّوْها أرباباً كما سمّوها آلهةً.

    وأيضاً: فإنَّا نجدُ القرآنَ الكريمَ يُفرِقُ بين كلمَتَي الربِّ والإلهِ، قال تعالى: (قل أعوذ بربِّ الناس ملك الناس إله الناس) سورة الناس:1-3، حيث ذكرَ الله تعالى الربَّ ثمَّ المالكَ ثمَّ الإلَهَ، فلو لم يكن هناك فرقٌ بينهما لكان في الآية تكرارٌ ينبوُ بها عن حدِّ البلاغة.([18])

    وإذا كان هناك فرقٌ بين معنى كلمتي الربِّ والإلهِ، فلابدَّ من وجودِ فرقٍ بين معنى الربوبية وتوحيد الألوهية. يقول الشيخ السهسواني([19]) في ذلك: "عبادُ القبور يقرون بتوحيد الرازق والمحي والمميت، والخالق والمؤثر، والمدبِّر الربِّ، ومع ذلك يدعون غيرَ الله من الأموات خوفاً وطعماً، ويذبحون لهم، وينذرون لهم، ويطوفون بهم ويحلقون لهم، ويخرجون من أموالهم جزءاً لهم، وكون مصداقَ الربِّ عينُ مصداقِ الإلَه في نفس الأمر وعند المسلمين  المخلصين لا يقتضي اتحادُ مفهومُ توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، ولا اتحادُ مصداقِ الربِّ والإلَه عند المشركين من الأمم الماضية وهذه الأمة.

      أمَا نعقلُ أنَّ لفظَ توحيدَ الربوبية، ولفظَ توحيد الألوهية كلاهما مركبان إضافيان، والمضاف في كليهما، فإنَّ الربوبية والألوهية معنيان مصدريان، منتزعان من الربِّ ولإلهِ، وهما كليان. أمَّا الربُّ فلأنَّ معناه: المالك والسيد والمطاع، والمتصرف للإصلاح، والمصلح والمدبر، والمربي، والجابر، والقائم، والمعبود، وكلُّ واحدٍ ممَّا ذُكر معنى كلي. وأمَّا الإلَهُ فلأنَّ معناه المعبود بحقٍ أو باطلٍ، وهو معنى كلي، فالمنتزعُ منهما أيضاً يكون معنى كلياً، فتوحيد الربوبية اعتقادُ أنَّ الربَّ واحدٌ، سواءٌ كان ذلك الربٌّ عينَ الإله أو غيرَه. وتوحيدُ الألوهية الربِّ واحدٌ، سواءٌ كان ذلك الإلهُ عينَ الربِّ أو غيرِهِ إذا تقَرَّرَ هذا فنقول: يمكنُ أنْ يوجدَ في مادةٍ توحيد الربوبية ولا يوجدُ توحيدُ الألوهية، كمن يعتقدُ أنِّ الربَّ واحدٌ، ولا يعتقدُ أنَّ الإلَه واحدٌ، بل يعبدُ آلهةً كثيرةً. ويمكن أنْ يوجدَ في مادةٍ توحيدِ الألوهية ولا ويوجدُ توحيدُ الربوبية، كمن يعتقدُ أنَّ المستحقَّ للعبادة واحدٌ، ولا يعتقدُ وحدانيةَ الربِّ، بل يقول إنَّ الأربابَ كثيرةٌ متفرقةٌ، ويمكنُ أنْ يجتمعا في مادةٍ واحدةٍ كما يعتقدُ أنَّ الربَّ والإلَهَ واحدٌ، فثبتَ أنَّ مفهومَ توحيد الربوبية مغايرٌ لمفهوم توحيد الألوهية، نعم توحيدُ الربوبية من حيث أنَّ الربَّ مصداقُهُ إنَّما هو الله تعالى لا غير يستلزمُ توحيدَ الألوهية، من حيث إنَّ الإلهَ مصداقُه إنَّما هو الله تعالى لا غير، لكنْ هاتين الحيثيتين زائدتان على نفس مفهومي التوحيدين ثابتين بالبرهان العقلي والنقلي".([20])

ثانيًا: إنَّ كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" التي هي أصل الدين وأساسه قد دلت على أقسام التوحيد الثلاثة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وشهادة أن لا إله إلا الله فيها الإلهيات، وهي الأصول الثلاثة: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات، وهذه الأصول الثلاثة تدور عليها أديان الرسل وما أنزل إليهم، وهي الأصول الكبار التي دلت عليها وشهدت بها العقول والفطر".

    وأما وجه دلالة هذه الكلمة العظيمة على أقسام التوحيد الثلاثة فظاهر تماماً لمن تأملها: فقد دلت على إثبات العبادة لله ونفيها عمن سواه، كما دلت أيضاً على توحيد الربوبية فإنَّ العاجز لا يصلح أن يكون إلهاً، ودلت على توحيد الأسماء والصفات فإنَّ مسلوب الأسماء والصفات ليس بشيء بل هو عدم محض، كما قال بعض العلماء: المشبه يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً، والموحد يعبد إله الأرض والسماء".([21])

ثالثًا: إنَّ مشركي العرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، فلقد كانوا يقرون أنَّ الله تعالى وحده هو الخالق والرازق والمالك والمدبر، وما كان يقرُّ به المشركون فهو أمرٌ مركوزٌ في فطر الناس جميعاً كافرهم ومؤمنهم. ولم يثبت عن المشركين أنَّهم زعموا أنَّ أحداً من آلهتهم المعبودة هم الخالق الرازق، أو هو شريك لله في ربوبية. وقد نصَّ القرآن الكريم صراحةً على هذا الأمر في أكثر من آية. قال تعالى: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ) سورة يونس:31، وقال تعالى: (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) سورة المؤمنون:84-89، وقال تعالى: (ولئن سألتهم من خلاف السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله) سورة العنكبوت:61، وقال تعالى: (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون) سورة الزخرف:87، وقال تعالى: (ولئنْ سأَلتَهُم من خَلَقَ السمواتِ والأرضَ ليَقولُنَّ اللهَ) سورة الزمر:38.

     واضحٌ من هذه الآيات ونحوها أنَّ المشركين مقرُّون بأنَّ الله تعالى وحدُه خالقِ السموات والأرض وما فيهما من الموجودات، وأنَّه تعالى مالكُ كلِّ شيءٍ، وليس له في ذلك شريكٌ. وهذا يعني أنَّهم يؤمنون بربوبية الله تعالى أي توحيد الربوبية، وهذا يًبيِّنً أنَّ شركَهم إنَّما كان بسبب اتخاذهم آلهة يعبدونها من دون الله تعالى، قال تعالى: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلاَّ وهم مشركون) سورة يوسف:106. قالت طائفةٌ من السلف: تسألُهم من خلقَ السموات والأرض فيقولون الله، وهم مع ذلك يعبدون غيرَه. بإيمانهم: هو إقرارهم بتوحيد الربوبية، وشركهم: هو عبادتهم غير الله تعالى، أي شركهم كان في توحيد الألوهية.([22])

       ولقد احتجَّ القرآن الكريم على المشركين في شركهم في توحيد الألوهية بإقرارهم بتوحيد الربوبية، فاحتجَّ بأنَّ من خلق السموات والأرض، ورزقهم من الطيبات، ومن بيده ملكوت كلِّ شيءٍ، هو الإله وحده الذي يجب أنْ يُعبدَ.([23]) يقول المقريزي([24]): "ولا ريبَ أنَّ توحيدَ الربوبية لم ينكره المشركون، بل أقروا بأنَّه سبحانه وحدَه خالقُهم، وخالقُ السموات والأرض، والقائمُ بمصالح العالم كلِّه، وإنَّما أنكروا  توحيدَ الألوهية والمحبة، كما قد حكى الله تعالى عنهم بقوله: (ومن الناس من يتخذُ من دون الله أنداداً يحبونَهم كحبِّ الله والذين آمنوا أشدُّ حباً لله) سورة البقرة:165، فلمَّا سَوَّوْا غيرَه به في هذا التوحيدِ كانوا مشركين كما قال الله تعالى: (الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثمَّ الذين كفروا بربِّهم يعدلون) سورة الأنعام:1.([25])

      ويضيفُ المقريزي: "ويحتَجُّ الربُّ سبحانه وتعالى عليهم بتوحيدهم ربوبيته على توحيد ألوهيته، كما قال تعالى: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَأَنزلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ) سورة النمل: 95-60، وكما ذكر تعالى من آياته جملة من الجمل قال عقبها (أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ) فأبان الله سبحانه وتعالى بذلك أن المشركين إنما كانوا يتوقفون في إثبات توحيد الإلهية لا الربوبية".([26])

     ويقول الصنعاني([27]): إنَّ توحيدَ الربوبية لم ينكره المشركون ولم يجعلوا لله فيه شركاءَ، بل هم مقرُّون به، وجاءت رسل الله تعالى لتقريره لا لدعوة الناس إليه، وممَّا يدلُّ على إقرار المشركين به أن كثيراً من الآيات التي وردت بشأنه جاءت بصيغة الاستفهام التي تفيد التقرير، لكونهم يقرون به ولا ينكرونه. نحو قوله تعالى: (هل من خالق غير الله) سورة فاطر:3، وقوله : (أفمن يخلق كمن لا يخل) سورة النحل:17، قوله : (أفي الله شك فاطر السموات والأرض) سورة إبراهيم:10، وقوله: (قل أغير الله اتخذ وليا فاطر السموات والأرض) سورة الأنعام: 14، وقوله: (هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه) سورة لقمان:11. والمشركون كانوا يتَّخذونَ الأصنامَ والأوثانَ آلهةً يعبدونها لتقربهم إلى الله زلفى، لا من أجل اعتقادهم فيها أنَّها شريكةٌ لله في خلق السموات والأرض وخلقهم.

رابعًا: إنَّ الزعمَ بأنَّ تقسيمَ التوحيدَ محدثٌ مبتدعٌ لا أساسَ له من الصحة، فالتقسيم السلفي للتوحيد – إلى توحيد في الربوبية وتوحيد في الألوهية - تشهدُ له نصوصُ القرآن الكريم، وقد ذكرنا فيما سبقَ طائفةً من هذه  النصوص التي تدلُّ على إقرار المشركين بتوحيد الربوبية، وذكرنا أنَّ شركَهم كان في توحيد الألوهية، وقد دلَّ على ذلك القرآن الكريم، وبالتالي فإنَّ هذا التقسيمَ شرعيٌ، ولقد كان هذا التقسيمُ معروفاً بمعناه ومفهومه لدى سلفِ الأمة. فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "أمرتُ أنْ أقاتلَ النَّاسَ حتى يشهدوا أنْ لا إله إلاَّ الله وأنْ محمداً رسولُ الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءَهم وأموالَهم إلاَّ بحقِّ الإسلام وحسابُهم على الله".([28]) ومن المعلوم أنَّ المشركين ما نازعوه عليه السلام في ربوبية الله تعالى، بل نازعوه وحدانيَة الإلهِ المعبودِ، فقالوا: (أجعل الآلهةَ إلهًا واحداً إنَّ هذا لشيءٌ عُجابٌ) سورة ص:50. وعلى هذا فإنَّه لا يضرُ عدمُ ورود لفظ توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية على لسانه صلى الله عليه وسلم، فإنَّ المعنى كان وارداً على لسانه.([29])

      ولقد لجأ السلفُ إلى هذا التقسيم عند فساد اعتقاد بعض الناس وظهور البدع، ولبعد الناس عن جيل الصحابة رضي الله عنهم الذين عاشوا نزول القرآن الكريم، وتدبروا آياته، وعرفوا معانيه، والتزموا العمل بما فيه. فالصحابة الكرام رضوان الله عليهم يعرفون الفرق بين قوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم) سورة الزخرف:9، وقوله تعالى: (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) سورة الأعراف:59، ذلك أنَّ آباءَهم كانوا مقرين بربوبيته تعالى الشاملة للسموات والأرض ومن فيهن، ومنكرين عبادته وحدَه دونَ غيرهِ من الآلهة.([30])

الشبهة الرابعة: هذا التقسيم لم يكن معروفًا قبل القرن السابع الهجري، وهو من بدعِ شيخ الإسلام ابن تيمية: ([31])

     ولإبطال هذه الشبهة يقال: إنَّ مصنفات علماء السلف الصالح قبل القرن السابع الهجري – وقبل ابن تيمية- مليئة بالتصريح تارة بهذا التقسيمِ، وبالإشارة تارة أخرى. وحسبنا ذكر بعض النصوص من مصنفات أعلام السلف السابقين للقرن السابع المشتملة على ذكر أقسام التوحيد الثلاثة، ليظهر لكل قارئ بطلان هذه الشبهة وتكذيب مزاعم أهلها. ومن ذلك:-

1- قال الإمام أبو حنيفة (ت150هـ): "والله يدعى من أعلى لا من أسفل؛ لأنَّ الأسفل ليس من وصف الربوبية والألوهية في شيء".([32]) فقوله رحمه الله: "يدعى من أعلى لا من أسفل" فيه إثبات العلو لله، وهو من توحيد الأسماء والصفات، وقوله: "من وصف الربوبية" فيه إثبات توحيد الربوبية. وقوله: "والألوهية" فيه إثبات توحيد الألوهية.([33])

2- قال شيخ المفسرين محمد بن جرير أبو جعفر الطبري: "(فَاعْبُدُوهُ) آل عمران: 51، يَقُولُ: فَاعَبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي هَذِهِ صِفَتُهُ، وَأَخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ، وَأَفْرِدُوا لَهُ الْأُلُوهَةَ وَالرُّبُوبِيَّةَ بِالذِّلَّةِ مِنْكُمْ لَهُ دُونَ أَوْثَانِكُمْ وَسَائِرِ مَا تُشْرِكُونَ مَعَهُ فِي الْعِبَادَةِ".([34]) فواضح من قوله ذكر الأقسام الثلاثة للتوحيد، فقوله: "هَذِهِ صِفَتُهُ" توحيد الصفات. وقوله: "وَأَفْرِدُوا لَهُ الْأُلُوهَةَ" توحيد الألوهية. وقوله: "وَالرُّبُوبِيَّةَ" توحيد الرُّبُوبِيَّة.

3- قال الإمام أبو جعفر الطحاوي (ت321هـ) في مقدمة متنه في العقيدة المشهور بالطحاوية: "نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره …".([35]) فقوله: "إن الله واحد لا شريك له" شامل لأقسام التوحيد الثلاثة، فهو سبحانه واحد لا شريك له في ربوبيته، وواحد لا شريك له في ألوهيته، وواحد لا شريك له في أسمائه وصفاته. وقوله: "ولا شيء مثله" هذا من توحيد الأسماء والصفات. وقوله: "ولا شيء يعجزه" هذا من توحيد الربوبية".([36])

3- الإمام أبي عبد الله عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري المتوفى سنة 387هـ: قال رحمه الله في كتابه "الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة" ما نصه: "وذلك أنَّ أصل الإيمان بالله الذي يجب على الخلق اعتقاده في إثبات الإيمان به ثلاثة أشياء: أحدها: أن يعتقد العبد ربانيته ليكون بذلك مبايناً لمذهب أهل التعطيل الذين لا يثبتون صانعاً. والثاني: أن يعتقد وحدانيته ليكون مبايناً بذلك مذاهب أهل الشرك الذين أقروا بالصانع وأشركوا معه في العبادة غيره. والثالث: أن يعتقده موصوفاً بالصفات التي لا يجوز إلاَّ أنْ يكون موصوفاً بها من العلم والقدرة والحكمة وسائر ما وصف به نفسه في كتابه. إذ قد علمنا أنَّ كثيراً ممَّن يقرُّ بِه ويوحده بالقول المطلق قد يلحد في صفاته، فيكون إلحادُه في صفاته قادحاً في توحيده. ولأنَّا نجدُ الله تعالى قد خاطب عباده بدعائهم إلى اعتقاد كل واحدة من هذه الثلاث، والإيمان بها. فأمَّا دعاؤه إياهم إلى الإقرار بربانيته ووحدانيته فلسنا نذكر هذا هاهنا لطوله وسعة الكلام فيه، ولأنَّ الجهمي يدعي لنفسه الإقرار بهما، وإن كان جحدُه للصفات قد أبطلَ دعوَاه لهمَا".([37])

2- الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن يحيى بن مندة المتوفى سنة 395هـ. صاحب كتاب (كتاب التوحيد ومعرفة أسماء الله عز وجل وصفاته على الاتفاق والتفرد) ذكر أقسام التوحيد واستعرض كثيراً من أدلتها في الكتاب والسنة بشرح وبسط لا مزيد عليه. قال محقق الكتاب الدكتور علي بن ناصر فقيهي في مقدمة تحقيقه لكتاب ابن مندة المتقدم: "ومؤلف هذا الكتاب عاش في القرن الرابع الهجري (310-395هـ)، "وقد اشتمل كتابه على أقسام التوحيد التي ورد ذكرها في كتاب الله تعالى توحيد الربوبية توحيد الألوهية توحيد الأسماء والصفات فبدأ بقسم الوحدانية في الربوبية مستدلاً به على توحيد الله في الألوهية، ثم ذكر عنواناً لتوحيد الأسماء، ومنه دخل في توحيد الألوهية، وذلك من الفصل الثاني والأربعين إلى الفصل الخمسين، ثمَّ عاد لتكميل أسماء الله تعالى، ثم اتبعَه بتوحيد الصفات، حيث بحثه مستقلاً عن أسماء الله عزَّ وجلَّ، ثمَّ عادَ إلى توحيد الربوبية بالتَّصريحِ بذلك في آخر الكتابِ، ولم يخرجْ في استدلاله على ذلك عن كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأقوال السلف، كما يجدُ ذلك القارئ في الكتاب". ([38])

    وأمَّا استدلالُ المخالفين بآيات من القرآن الكريم على صحة زعمهم فيُرَدُّ عليه على النحو التالي:-

1- الردُّ على استدلالهم بقوله تعالى: (وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن) سورة الفرقان: 60. وقوله تعالى: (وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي) سورة الرعد:30، يقال: إن الآيتين الشريفتين لا تفيدان أنَّ المشركين كانوا ينكرون ذاتَ الرب عزَّوجل، بل كانوا يقرُّون به خالقاً مدبراً مالكاً كما حكاه القرآن الكريم عنهم، وإنَّما ينكرونَ أنْ يكونَ الرحمنُ اسماً لله تعالى، بدليل ما جاء في خبر صلح الحديبية أنَّه لما أمرُ الرسولُ صلى الله عليه وسلم بكتابة "بسم الله الرحمن الرحيم"، قال سهيل بن عمرو([39]) نائب قريش في الصلح: أمَّا الرحمنُ فلا نعرفهُ، ولكن اكتبْ باسمكَ اللهم. وقد أجمع مفسرو القرآن الكريم على أنَّ إنكارَ المشركين لاسم ِالرحمن لا لذاته تعالى.([40])

2- الردُّ على استدلالهم بقوله تعالى: (ولا يأمركم أنْ تتخذوا الملائكةَ والنبيين أرباباً) سورة أل عمران:80. وقوله تعالى: (أأربابٌ متفرقون خيرٌ أم اللهٌ الواحدٌ القهارٌ) سورة يوسف:39. يقال: إنَّ المرادَ بالأرباب في هاتين الآيتين الآلهةُ المعبودة من دون الله تعالى. ففي الآية الأولى يبيِّنُ الله تعالى استحالةَ أنْ يأمرَ النبي صلى الله عليه وسلم الناس بعبادة النبيين والملائكة، لأنَّ الدينَ الذي يدعون إيَّاه منافٍ لهذا الكفر، إذ العبودية الكاملة والخضوع التام أنْ يكونَ لله تعالى وحدَه. وممَّا يدلُّ على أنَّ المرادَ بالأرباب هم المعبودين سياقُ الآية التي قبلها، وهي قوله تعالى: (ما كان لبشرٍ أنْ يؤتيَه الله الكتابَ والحكمَ والنبوةَ ثمَّ يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون) سورة آل عمران:79.

      وأيضاً: إنَّ المرادَ بالأرباب في الآية الثانية: الآلهة المعبودة من دون الله بدليل سياق الآية التي بعدها إذ بيَّنت ذلك بوضوح، قال تعالى: (مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) سورة يوسف:40، فيكون المعنى للآية التي استدلَّ بها الخصمُ هو: يا صاحبي السجن أأربابكم المعبودة العاجزة الضعيفة المتفرقة خيرٌ أمِ الله الواحد الأحد الذي له صفات الجلال والكمال، الذي تنقاد كلُّ المخلوقات لسلطانه وقهره، الذي لا شريكَ ولا نظيرَ ولا ندَّ له في وحدانيته وصفاته وأفعاله.([41])

       وبذلك  يتبيَّنُ لنا صحةَ ما ذهب إليه السلف من تقسيم التوحيد إلى توحيد ربوبية وتوحيد ألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وبطلانَ مزاعمِ المخالفين المنكرين لهذا التقسيم.

 

 

 


[1]- التحذير من مختصرات الصابوني في التفسير ص 30.

[2]- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، تحقيق مجموعة من المحققين: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، الطبعة الأولى، 1426هـ، 3/138.

[3]- مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين: محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، تحقيق محمد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي – بيروت- الطبعة الثالثة 1416هـ- 1996م، 1/48.

[4]- انظر تجريد التوحيد للمقريزي ص18-20، منهاج السنة النبوية 3/291-292، اقتضاء الصراط المستقيم 2/552، اجتماع الجيوش الإسلامية ص 93، مدارج السالكين 3/449، زاد المعاد 1/316-317، شرح العقيدة الطحاوية 1/42، الدرر السنية في الأجوبة النجدية لمحمد عبد الوهاب 47،48، 82، الدین الخالص لمحمد صدیق حسن خان 1/61، 82، 83، معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول للحكمي 1/55، دعوة التوحيد لهراس ص17، شرح القصيدة النونية 2/422، دعوة الحق عبد الرحمن الوكيل ص6.

[5]- يقصد سورة الزمر.

[6]- شرح العقيدة الطحاوية 1/42-43.

[7]- انظر منهاج السنة النبوية 3/ 289، شرح العقيدة الطحاوية 1/24، تطهير الجنان والأركان عن الشرك والكفر لابن حجر الطامي ص 18، مجوعة التوحيد ص 10، 346-347، الفتاوي السعدية 1/37، التنبيهات السعدية على العقيدة الوسطية ص 9.

[8]- شرح العقيدة الطحاوية 1/24.

[9]- أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت – لبنان، 1415هـ- 1995م ص 17-20.

[10]- انظر سعادة الدارين في الرد على الفرقتين الوهابية ومقلدة الظاهرية إبراهيم السمنودي 2/20-24، الدرر السنية في الرد على الوهابية لأحمد بن زيني دحلان ص 40،41، مجلة نور الإسلام - المجلد الرابع – ص 255-257، مقال ليوسف الدجوي، دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عرض ونقد عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف ص 329-333.

[11]- انظر المصادر السابقة.

[12]- يوسف بن أحمد بن نصر بن سويلم الدجوي، ولد بقرية دجوة من أعمال مديرية القليوبية بمصر سنة 1287ه، توفي بالقاهرة سنة 1365ه. من علماء الأزهر، من مصنفاته: الجواب المنيف في الرد على مدعي التحريف في الكتاب الشريف، رسائل السلام ورسائل الإسلام، مذكرات في الرد على كتاب الإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرازق. انظر الكنز الثمين لعظماء المصريين لفرج فؤاد سليمان 1/270-272، فهرس الخزانة التيمورية 1/248، 3/97-98، 4/71، الأعلام 9/287، معجم المؤلفين 13/272-273.

[13]- مجلة نور الإسلام - المجلد الرابع- ص 256-257

[14]- المصدر السابق ص 259.

[15]- انظر عقيدة التوحيد في القرآن الكريم لمحمد الملكاوي ص 109، مجلة نور الإسلام - المجلد الرابع - ص 255-256.

[16]- انظر المفردات في غريب القرآن  ص 69.

[17]- انظر الفصل الحاكم بين الوهابيين ومخالفيهم عبد الله القصيمي ص 67-71.

[18]- انظر النهاية في غريب في الحديث والأثر 2/179.

[19]- هو بدر الدين خان محمد بشير بن محمد بدر الدين السهسواني الهندي: عالم بالحديث والتفسير والفقه. من أهل الهند، فمولده في لكهنؤ، ونسبته، ولد سنة 1250ه، وتوفي سنة 1326هـ، من مصنفاته: صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان، والحق الصريح في إثبات حياة المسيح وهو رد على القادياني، والبرهان العجاب في مسألة قراءة الفاتحة خلف الإمام. انظر الأعلام للزركلي 6/278، معجم المؤلفين 9/103.

[20]- صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان: محمد بشير بن محمد بدر الدين السهسواني ص 440-441.

[21]-  انظر التنبيهات السنية على العقيدة الواسطية: الشيخ عبد العزيز بن ناصر الرشيد ص9.

[22]- انظر تفسير الطبري 13/77-79.

[23]- انظر مدارج السالكين: ابن القيم 1/421، معارج القبول: الحكمي 1/255، مذكرة التوحيد: عبد الرزاق عفيفي ص 29.

[24]- المقريزي: أحمد بن علي بن عبد القادر الحسيني العبيدي، المقريزي، أبو العباس، تقي الدين، أصله من بعلبك، ولد في القاهرة سنة 766ھ، وتوفي فيها سنة 845ه، مؤرخ الديار المصرية، ولي في مصر الخطابة والحسية والإمامة. من مصنفاته: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والاثار، السلوك في معرفة دول الملوك، تاریخ الأقباط، تجريد التوحيد المفيد امتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأموال والحفدة والمتاع، الأوزان والأكيال. انظر حسن المحاضرة 1/321، الضوء اللامع 2/20-21، البدر الطالع 1/79-80، شذرات الذهب 7/255.

[25]- تجريد التوحيد المفيد: المقريزي ص20

[26]- المصدر السابق ص 22.

[27]- هو: محمد بن اسماعيل بن صلاح بن محمد الحسني الكحلاني ثم الصنعاني، أبو ابراهيم، عز الدين، المعروف بالأمير الصنعاني، ولد بمدينة كحلان اليمنية سنة 1099ه، وتوفي في صنعاء سنة 1182ه. محدث، متكلم، أصولي، من مصنفاته: تطهير الاعتقاد من أدران الشرك والإلحاد، سبل الاسلام شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام، توضيح الأفكار شرح تنقيح الأنظار، شرح الجامع الصغير للسيوطي، ديوان شعر. انظر البدر الطالع 2/133-139، أبجد العلوم 3/191-193، فهرس الفهارس والإثبات 1/387-388، الأعلام  6/263.

[28]- أخرجه البخاري رقم 25، 1/17، في كتاب الإيمان، باب (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم)، ومسلم في كتاب الإيمان، (باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله)، ومسلم رقم 21، 22، 1/52-53.

[29]- انظر عقيدة التوحيد في القرآن الكريم ص 109.

[30]- انظر أصول الدين عند الإمام أحمد رسالة ماجستير غير مطبوعة، جامعة الإمام محمد بن سعود: الطالب عبد الله الجاسر بقسم العقيدة، عام 1407ه، ص 203-204.

[31]- انظر التنديد بمن عدَّد التوحيد: حسن السقاف ص 3، 10.

[32]- الفقه الأبسط: الإمام أبو حنيفة ص51.

[33]- القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد: عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر، دار ابن القيم، الدمام، المملكة العربية السعودية ، دار ابن عفان، القاهرة، مصر الطبعة الثالثة،1422هـ/2001م ص 42.

[34]-  جامع البيان عن تأويل آي القرآن: محمد بن جرير أبو جعفر الطبري، تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة، دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، الطبعة الأولى، 1422هـ-2001م، 12/114.

[35]- تخريج العقيدة الطحاوية: أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة المعروف بالطحاوي، شرح وتعليق محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي – بيروت- الطبعة الثانية 1414هـ ص 1-3.

[36]- القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد ص 42-43.

[37]- الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية -الكتاب الثالث: الرد على الجهمية-: لابن بطة العكبري 2-172.

[38]- انظر مقدمة كتاب التوحيد لابن مندة للمحقق 1/2728، وانظر ما ذكره المحقق في وصف الكتاب ومباحثه 1/3342.

[39]- هو: سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر أخو بني عامر ابن لؤي القرشي، أبو يزید، أحد سادات قريش في الجاهلية، أسر يوم بدر كافراً، أسلم وحسن إسلامه، كان خطيب قریش، سكن مكة ثم المدينة ثم الشام، مات بطاعون عمواس سنة 18ه. انظر الإصابة في تمييز الصحابة 1/93-94، الاستيعاب في أسماء الأصحاب بهامش الإصابة 1/108-122.

[40]- انظر الفصل الحاسم بین الوهابيين ومن خالفهم لعبد الله القصيمي ص 23-25، وانظر خبر صلح الحديبية في سيرة ابن هشام 2/ 316-319، صحیح مسلم 3/410-413، السيرة النبوية لابن كثير 3/319-322.

[41]- تفسير الطبري 12/ 229-220، تفسير ابن كثير 2/279.

 

هل أعجبك الموضوع؟