البريد للتواصل: drsregeb11@gmail.com

قضايا عقائدية

موقف الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة من صفة اليد لله تعالى -عرض ونقض-



  • نشر في: 30-10-2022م
  • ساعة: 2:51
  • طباعة

موقف الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة من صفة اليد لله تعالى -عرض ونقض-

     لقد ثبتتْ صفة اليد لله تعالى على الوجه الذي يليق بذاته المقدسة بالقرآن الكريم والسنة النبوية.

- فمن الآيات القرآنية: قوله تعالى: (وقالت اليهود يدُ الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء) المائدة:1، وقوله مخاطبا إبليس: (ما منعك أنْ تسجد لِمَا خلقت بيدي) ص:75، وقوله تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) الزمر:97، وقوله تعالى: (تبارك الذي بيده الملك) الملك:1، وقوله: (بيده الخير إنَّك على كل شيء قدير) آل عمران:21، وقوله تعالى: (أوَلَم يرَوا أنَّا خلقنا لهم ممَّا عملت أيدينا أنعاماً فهم لها مالكون) سورة يس:71، وقوله تعالى: (يد الله فوق أيديهم) الفتح:10.

- ومن السنة النبوية: ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "احتجَّ آدم وموسى، فقال موسی: یا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، فقال له آدم: أنت موسی اصطفاك الله بكلامه، وخطَّ لك بيده، أتلومني على أمر قدَّره الله عليَّ قبل أنْ يخلقني بأربعين سنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فحجَّ آدم موسی"،([1]) وما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "احتج آدم وموسى عليهما السلام عند ربهما فحجَّ آدم موسی. قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، وأسجد الله لك ملائكته وأسكنك في جنته، ثمَّ أهبطت النَّاس بخطيئته إلى الأرض.. الحديث".([2]) وما رواه أبو موسى الأشعري أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ الله يبسط يده بالنهار ليتوب مُسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مُسيء النهار حتى تطلع الشمس من مغربها.([3])

      ولقد أجمعَ السلفُ على إثباتِ صفة اليد لله تعالى على الحقيقة كما وردت في نصوص الكتاب والسنة من غير تأويل، ولا تعطيل، ولا تحريف، ولا تكييف.([4]) وأمَّا المتكلمون فقد ذهبوا إلى تأويل صفة اليد فزعموا بأنَّه ليس لله تعالى يد على الحقيقة، وأن لفظة "اليد" الواردة في الكتاب والسنة إنَّما أُريدَ بها معنى آخر على سبيل المجاز، إذ لو أرادَ بها اليدَ المعروفة اقتضى ذلك تشبيه الله بخلقه، والله تعالى منزه عن التشبيه والتجسيم.

     ومن خلال دراستنا لمصادر المتكلمین([5]) نجد أنَّهم يقولون اليد بالقدرة، أو القوة، أو النعمة، ولبيان ذلك نذكر بعضَ الأمثلة من تأويلاتهم لنصوص الكتاب والسنة التي جاءت فيها صفة اليد:-

- قوله تعالى: (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) سورة ص:70. لقد أوَّل المعتزلة والأشاعرة الماتريدية([6]) اليدَ في هذه الآية: بالقوة أو القدرة قالوا: إنَّ العقول قضت بأنَّ القدرة هي الصفة التي بها يكون الإيجاد والتكوين، ولمَّا كان المسمى في الآية باليد، عرفنا أنَّ المراد بها ذلك المعنى الذي يكون به الإيجاد والتكوين، وهو القدرة، وقد صحَّ أنْ يقال: إنَّ فلانَ في يدي فلان، إذا كان متعلق قدرته، وتحت حكمه وقبضته، وآدم عليه السلام خلقه الله تعالى بقدرته، إذ هو من جملة الممكنات التي هي متعلقات القدرة، وحمل اليدين على غير القدرة يؤدي إلى الكذب في الآية، لأنَّ الله تعالى أضاف الخلق والإيجاد إليها.([7]) يقول القاضي عبد الجبار: "إنَّ اليدين ههنا بمعنى القوة، وذلك ظاهر في اللغة. يقال: ما لي على هذا الأمر يد، أي قوة".([8])

- قوله تعالى: (يدُ الله فوق أيديهم) سورة الفتح:10، قال البيهقي: المراد تعظيم أمر البيعة. قوله تعالى: (قل إنَّ الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء) آل عمران:73. قال البيهقي: اليد هنا بمعنى الملك والقدرة. قوله تعالى: (أولَمْ يرَوا أنَّا خلقنا لهم ممَّا عملت أيدينا أنْعاماً) يس:71، قال البيهقي: اليدُ هنا جاءت صلةً في الكلام، أي ممَّا عملنا نحن.([9])

- قوله تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) سورة المائدة:14. قال المتكلمون: اليد في هذه الآية: بمعنى النعمة، واستعمال اليد بمعنى النعمة شائع في اللغة.([10])

 - قوله تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) الزمر:67، ذهب كل ابن فورك والرازي إلى أنَّ المراد باليمين في الآية القوة والقدرة. وذهب ابن فورك إلى أنَّ معنى القبضة في الآية الملك، واختار الرازي أنَّ معناها القدرة.([11])

وأما الأحاديث :

  - فمنها: قوله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله خلق آدم، ثمَّ مسح ظهره بيمينه، ثم استخرج منه ذریته، فقال: خلقت مولا تلجئة وبعمل أهل الجنة يعملون ثمَّ مسحَ ظهرَه فاستخرج منه ذريةً، فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون"،([12]) قال الرازي: المراد باليمين في الحديث: القوة والقدرة.([13])

- وقوله عليه الصلاة والسلام: "إنَّ الله يفتح أبواب السماء في ثلث الليل الباقي فيبسط يده.."،([14]) قال الرازي : المراد باليد إفاضة النعمة. وقوله صلى الله عليه وسلم: "خير الله طينة آدم بيده"،([15]) قال الرازي: المراد باليد شدة العناية.([16])

- وقوله صلى الله عليه وسلم: "يدُ الله ملأي لا ينقصها نفقةً سخاءَ الليل والنهار مند خلق السموات والأرض، وأنَّ ذلك لم ينقصْ ممَّا في كفِّ الله شیئاً، واليد الأخرى فيها الميزان يخفض ويضع ويرفع"،([17]) أوَّلَ ابن فورك اليد الأولى الواردة في الحديث بالنعمة، والثانية بقوله: "أراد بذلك إشارة إلى العدل والفضل، وأنَّه بسط نعمه وفضله، لم ينقص ممّا في يده شيء .." وأوَّل ابن فوره الكف بالقدرة.([18])

- وقوله صلى الله عليه وسلم: "ما تصدَّق أحدٌ بصدقة من طيبٍ إلاَّ أخدها الرحمن بیمینه، وإنْ كانت تمرة، فتربي في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل"([19])، قال ابن فورك: اليمين هنا: بمعنى النعمة والفضل، والكف بمعنى: القدرة.([20])

- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْأَيْدِي ثَلَاثَةٌ، فَيَدُ اللَّهِ الْعُلْيَا، وَيَدُ الْمُعْطِي الَّتِي تَلِيهَا وَيَدُ السَّائِلِ السُّفْلَى.."،([21]) قال البيهقي: المراد بيد الله معنیً قصد به تعظيم أمر الصدقة، وهو كقوله تعالى: (يد الله فوق أيديهم) أراد تعظيم أمر البيعة.([22])

      ونودُّ أن نُنبِّه هنا إلى أنَّ بعض الأشاعرة ذهبوا إلى إثبات صفة اليد على الحقيقة لله تعالى، وقاموا بالردِّ على المؤولة لها من الجهمية والمعتزلة ومن تابعهم.([23]) وأنَّ بعضهم ذهب إلى إثبات اليد صفة على الحقيقة، مستدلاً ببعض الآيات والأحاديث التي تنصُّ صراحةً على ذلك، وفي نفس الوقت ذهب إلى تأويلها بمعنى الملك والنعمة والفضل، لورودها في بعض الأخبار بما يدلُّ على أنَّ المراد بها صفة لله على الحقيقة.([24])

      وقد علَّل ابن فورك سبب تأويله لليد في بعض الأخبار، فقال: "فأمَّا قوله (کتب بيده على نفسه)،([25]) فقد أوضحنا أنَّا لا نأبي القول بإطلاق يد هي صفة لا نعمة، ولا قدرة، واعتمدنا في ذلك على الكتاب والسنة وإجماع الأمة على إطلاقها. وإضافتها إلى الله عزَّ وجلَّ، والقول مقصور على ما ورد به الخبر، لأنَّ الخبر إذا وورد مقيداً بذكر أشياء مخصوصة مضافة إلى الله تعالى فلا يجوز أنْ يتعدى ما ورد الخبر، لأجلِ أنَّ إطلاق هذه الإضافة والصفة في الخبر لا مجالَ للعقلِ فيه، فكذلك القول في تقييده في الموضع الذي قُيِّد فيه، لا طريق له غير الخبر".([26])

      وأمَّا الأخبار التي تؤول عنده فهي التي وردت مورداً لا يقطع العذر كأخبار الأحاد، إذ هي عنده لا تفيد العلم القاطع، وتجويز الأوصاف في صفات الله تعالى عن طريقها لا يصح.([27])

      وأمَّا البيهقي فقد فرَّق بين النصوص التي جاءت فيها لفظة "اليد"، فإنَّ السياق عنده هو الذي يدلُّ على إثباتها أو تأويلها، فكلُّ آيةٍ أو حدیث جاء ذكر اليد فيها على طريق التخصيص والتفضيل فإنَّه يُحمل على الصفة حقيقةً، وما عدا ذلك فيؤوَّل بمعنى يقتضيه سياق الآية أو الحديث. ([28])

المناقشة:

      إنَّ اثبات اليد صفة لله على الحقيقة كما جاءت بذلك نصوص الكتاب والسنة هو الحق الموافق لما تضمنته هذه النصوص، وعليه إجماع سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين وتابعيهم وغيرهم ممَّن يُحتج بهم، وأمَّا التأويل فهو مذهب مخالف لذلك الإجماع، وليس مع أصحابه دلیلٌ صحیحٌ من الشرع، أو العقل، أو اللغة يعضُدُه. ([29]) وقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع عن أهل السنة والجماعة إيمانهم بالصفات على الحقيقة كما جاءت في الكتاب والسنة، دون تأويل أو تعطيل، وأنَّهم أنكروا بشدِّة على من سلك التأويل، أو التعطيل في الصفات.

     يقول صاحب أبي حنيفة محمد بن الحسن الشيباني: "اتفق الفقهاء كلُّهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب عزَّ وجلَّ، من غير تغيير، ولا وصف، ولا تشبيه، فمن فسَّر اليوم شيئًا من ذلك فقد خرج عمَّا كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وفارق الجماعة، فإنَّهم لم يصفوا، ولم يفسِّروا، ولكن أفتَوا بما في الكتاب والسنة ثمَّ سكتوا.."([30])

      ويقول أبو عمر بن عبد البر: "أهلُ السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلِّها في القرآن والسنة والإيمان بها، وحملِها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنَّهم لا يكيِّفون شيئاً من ذلك، ولا يحدُّون فيه صفةً محصورةً. وأمَّا أهل البدع: الجهمية، والمعتزلة كلُّها، والخوارج، فكلُّهم ينكرها. ولا يُحمل شيئاً منها على الحقيقة، ويزعم أنَّ من أقرَّ بها مشبِّه، وهم عند من أقرَّ بها نافون للمعبود، والحقُّ فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله، وهم أئمة الجماعة".([31])

      ويقول القاضي أبو يعلى([32]): "واعلم أنَّه لا يجوز ردُّ هذه الأخبار على ما ذهب إليه جماعة من المعتزلة، ولا التشاغل بتأويلها علي ما ذهب إليه الأشعرية. والواجب حملها على ظاهرها، وأنَّها صفات الله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا نعتقدُ التشبيهَ فيها، لكن على ما روی عن شیخنا وإمامنا أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، وغيره من أئمة أصحاب الحديث، أنَّهم قالوا في هذه الأخبار: أمرُّوها كما جاءت، فحملوها على ظاهرها في أنَّها صفات الله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين".([33]) ويقول: "دليل آخر على إبطال التأويل أنَّ الصحابة ومن بعدهم التابعين حَملُوها على ظاهرها، ولم يتعرضوا لتأويلها، ولا صرفها عن ظاهرها، فلو كان التأویل سائغاً لكانوا أسبق لما فيه من إزالة التشبيه، ورفع الشبهة، بل قد روى عنهم ما دلَّ على إبطاله".([34])

    ويقول ابن القيم رحمه الله" :وَرَدَ لفظ اليد في القرآن، والسنة، وكلام الصحابة والتابعين، في أكثر من مائة موضع ورودًا متنوِّعًا، متصرفًا فيه، مقرونًا بما يدلُّ على أنَّها يدٌ حقيقية، من الإمساك، والطي، والقبض، والبسط، والمصافحة، والحثيات، والنضح باليد، والخلق باليدين، والمباشرة بهما، وكتب التوراة بيده، وغَرس جنَّة عدنٍ بيده، وتخمير طينة آدم بيده، ووقوف العبد بين يديه، وكون المقسطين عن يمينه، وقيام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة عن يمينه، وتخيير آدم بين ما في يديه، فقال: (اخترتُ يمينَ ربي)، وأخذ الصدقة بيمينه يربِّيها لصاحبها، وكتابته بيده على نفسه أنَّ رحمتَه تغلب غضبه، وأنه مَسَحَ ظهرَ آدم بيده، ثمَّ قال له ويداه مقبوضتان: "اختر"، فقال: (اخترتُ يمين ربي)، وكلتا يديه يمين مباركة، وأنَّ يمينه ملأى، لا يغيضها نفقة، سَحَّاء الليل والنهار، وبيده الأخرى القسط، يرفع ويخفض، وأنَّه خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، وأنَّه يطوي السماوات يوم القيامة، ثمَّ يأخذهنَّ بيده اليُمْنَى، ثمَّ يطوي الأرض باليد الأخرى، وأنَّه خَطَّ الألواحَ التي كتبها لموسى بيده".([35])

وللرد على تأويلات المتكلمين لصفة اليد ندكر ما يلي:-

   إنَّ دعوى المجاز في لفظة "اليد" الواردة في الكتاب والسنة باطلةٌ إذ لا دليلَ عليها، فالكلام يبقى على أصله وظاهره، حتى يثبت الدليل الصارف من الحقيقة إلى المجاز، ولابدَّ من وجود القرائن الدَّالةِ على المجاز الذي اختاره المتكلمون يهده اللفظة، ولابدَّ من احتمال سياق النص الخاص لهذا المعنى الخاص الذي أرادوه.

   وممَّا يبيِّن بطلان دعوى المجاز أنَّ لفظةَ "اليد" استعملت مطردةً في أكثر من موضع، ولكل موضع سياقه الخاص الذي يختلف عن غيره.([36]) إنَّه لم يردْ في الكتاب والسنة، أو عن أحد من أئمة المسلمين، أو صریح العقل ما يدلُّ علي أنَّ المراد باليد خلاف ظاهره، وأنَّ الظاهر غير مراد، بل النصوص الشرعية، وأقوال الأئمة متضافرة على إثبات اليد صفة على الحقيقة لله تعالى، كما أنَّه ليس من المعقول أنْ يأتيّ ذكر اليد في الكتاب والسنة بصورة مستفيضة ثمَّ لم يأتِ نصٌ واحدٌ أو دلیلٌ واحدٌ يصرفها عن ظاهرها، وهل من المعقول أنْ يغفل النبي صلى الله عليه وسلم عن بیان ما يدلُّ على أنَّ "اليد" الواردة في كلام الله تعالى لا يراد بها ظاهرها، إنَّما يُراد بها معنى آخر، خاصةً وأَّنَّه عليه الصلاة والسلام علَّم أصحابه كلَّ ما ينفعهم في دينهم ودنياهم. وهل من المعقول أنْ يغفل الصحابة والتابعون وأئمة السلف بيانَ هذا الأمر المتعلق بالاعتقاد.([37])

      وممَّا يدلُّ على إبطال التأويل الكلامي لصفة اليد بمعنى النعمة أنَّه لم يرد في اللغة، ولا في عادة أهل الخطاب أنْ يقال: عملت كذا بيدي، ثمُّ يُعني بذلك النعمة، وأنَّه لا يجوز أنْ يقولَ المرءُ: رفعتُ الشيءَ بيدي، أو وضعته بيدي، أو توليته بيدي وهو يعني بذلك النعمة، كما لا يجوز أنْ يقال: لي عند فلان يدان وهو يعني نعمتين، وإَّنما يقال: لي عنده يدان بيضاوان، فالقول: "يد" لا يعني سوى اليد التي هي صفة لذاتٍ على الحقيقة. ففي قوله تعالى: (لمَا خلقتُ بيدَي) ص:75، أضاف الله تعالى الفعل إلى الفاعل، وعدَّى الفعل إلى اليد بحرف الباء، وما كان كذلك فإنَّه لا يمكن إلاَّ أنْ يكون نص في أنَّه فعل الفعل پیده حقيقة. فعلى هذا تكون الآية نصٌ صريحٌ في إثبات صفة اليد لله تعالى، وعدم جواز تأويلها بالنعمة والقدرة. وإذا كان الله تعالى قد خاطبَ العربَ بلغتها، وما يجري مفهوماً في كلامها، ومعقولاً في خطابها، وكان لا يجوزُ في لسان أهل البيان أنْ يقولَ القائلُ: فعلت بيدي، ويَعني به النعمة، بَطُل أنْ يكون معنى قوله تعالى: "بيدي" النعمة، وإنَّما المراد الصفة على الحقيقة.([38])

     وإنَّ قوله تعالى: (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) ص:75، هو خطاب منه تعالى لإبليس على سبيل التقريع والتوبيخ، لأنَّ إبلیس امتنع عن السجود لآدم الذي خلقه الله تعالی بیده، ولو كان معنى اليد في هذه الآية النِّعمة لمَا كان لآدم مزید فضيلة على إبليس، ولمَّا كان خلق آدم بيد الله تعالى لا بالنعمة كانت الفضيلة لأدم على إبليس، واستحق إبليسُ التوبيخَ لامتناعه عن السجود لآدم المُفضَّل لكونِه مخلوقاً پید الله عزَّ وجلَّ.

     ولقد جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مفسراً ومؤكداً لمَا خرج به القرآن الكريم من خلق آدم بيده، حيث ثبت عنه عليه السلام أنَّه قال: إنَّ الله خلق آدم بيده، وخلق جنة عدن بيده، وكتبَ التوراة بیده.([39]) وإذا بطل التأويل من جهة المنقول والمعقول واللغة، فأيُ حجة للمتكلمين في تجويزه والاشتغال به،([40])

      يقول أبو الحسن الأشعري: "لو كان معنى قوله عزَّ وجلَّ  "بيدي" نعمتي لكان لا فضيلة آدم عليه السلام على إبليس في ذلك على مذاهب مخالفينا، لأنَّ الله عزَّ وجلَّ  قد ابتدی([41]) إبليس على قولهم، كما ابتدی بذلك آدم عليه السلام، وليس يخلو النعمتان أنْ يكون عنَى بهما بدنَ آدم عليه السلام، أو يكونا عرضيْن خُلقَا في بدن آدم، فلو كان عنی بدن آدم، فالأبدان عند مخالفينا من المعتزلة جنس واحد، وإذا كانت الأبدان عندهم جنساً واحداً فقد حصل في جسد إبليس على مذاهبهم من النعمة ما حصل في جسد آدم عليه السلام. وكذلك إنْ عنی عرضیْن فليس من عرض فعله في بدن آدم من لون، أو حياة، أو قوة، أو غير ذلك إلاَّ وقد فعل من جنسه عندهم في بدن إبليس، وهذا يوجب أنَّه لا فضيلة لآدم عليه السلام على إبليس في ذلك، والله عزَّ وجلَّ  إنَّما احتجَّ على إبلیس بذلك ليريه أنَّ لآدم عليه السلام في ذلك الفضيلة، فدلَّ ما قلناه على أنَّ الله عزَّ وجلَّ  لمَّا قال: (لما خلقت بيدي) لم يعني نعمتي".([42])

     وممَّا يبطل تأويل اليد بالنعمةِ أنَّ الله قال: "بيدَي" بصيغة التثنية، ولفظ اليدين لم يستعمل بهذه الصيغة في النعمة، لأن لفظ الواحد لا يستعمل في الاثنين، ولفظ الاثنين لا يستعمل في الواحد، إنَّما يستعمل الواحد في الجمع، ولفظ الجمع في الواحد، ولفظ الاثنين في الجمع، ولا يجوز أنَّ يكون الله تعالى قد خلق آدم بنعمتین، فإنَّ نعم الله تعالى على آدم وعلى غيره كثيرة، لا تحصی.([43])

- وأمَّا تأويل اليد بالنعمة في قوله تعالى: (بل يداه مبسوطتان) سورة المائدة:14، فقد بيَّن بطلانه ابن خزيمة بقوله: لو كان معنى اليد النعمة لقرئت: بل يداه مبسوطة أو منبسطة، لأنَّ نعم الله أكثر من أنْ تحصى، ومن المحال أنْ تكون نعمتين لا أكثر. إذاً فلله تعالى يدان على الحقيقة كما جاء في الآية الكريمة، وهما مبسوطتان ينفق كيف يشاء. وقد جاءت الآية الكريمة رداً على اليهود لما قالوا: "يد الله مغلولة"، فاليهود لم يريدوا من هذا القول أنَّ نعم الله مغلولة، ولا أراد الله تعالى من قوله: "غلَّت أيديهم" أي غلَّت نعمهم، بل أراد أنْ يردَّ عليهم مقالتهم وكذبهم في قولهم "يد الله مغلولة"، فهو تعالى أراد أيديهم حقيقة كما أرادوا هم يده حقيقة.([44])

   وأمَّا تأويل اليد بالقدرة أو القوة في قوله تعالى: "لما خلقت بيدي" فباطل، لوجوه:

1- منها: أنَّه لو كان المراد باليد في قوله تعالى: "لما خلقت بيدي" القدرة أو القوة لمّا كانت هنالك خصوصية تفضيل لآدم على إبليس، إذ أنَّ إبليس خلقه الله تعالى بقدرته وقوته، كما خلق الله تعالى سائر المخلوقات بقوته وقدرته، ولاحتجَّ إبليس على ربِّه تعالى بقوله: أنا خلقتني بيديك التي هي قدرتك كما خلقت آدم، فلمَّا أرد الله تعالى تفضيل آدم على إبليس بخلقه به بیده، خاطب إبليس موبخا استكباره على آدم أن يسجد له: (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي استكبرت) سورة ص:75، دلَّ هذا على أنَّ اليد صفة لله على الحقيقة، وليس معناها القدرة، لأنَّ الأشياءّ كلَّها مخلوقةٌ بالقدرة،([45]) ومما يبيِّن تخصيص الله آدم بالخلق بیده حديث المحاجة بين موسی وآدم عليهما السلام، إذ ثبت أنَّ موسى قال لآدم: أنت الذي خلقك الله بیده،([46]) وأيضا حديث الشفاعة يوم الموقف العظيم، إذ سأل أهل الموقف آدم الشفاعة قائلين: أنت الذي خلق الله تعالی پیده.([47])

2- ومنها: أنَّ المعتزلة لا يثبتون لله تعالى قدرةً واحدةً، فكيف يثبتون له قدرتيْن! إذ أنَّ مذهبهم قائمٌ على إنكار الصفات الذاتية، كما أنَّ الأشاعرة مثبتي صفات المعاني لا يثبتون لله تعالى قدرتیْن، فبطل بذلك مذهب المتكلمين في تأويل " بيدي" بالقدرة.([48])

3- ومنها: إنَّه لا يصحُّ التأويل بالقدرة احتجاجا بقوله تعالى: (والسماء بنیناها بأید) سورة الذاريات:47، وبقوله: (أولى الأيدي والأبصار) سورة ياسين:40، لأنَّ الأيدي أو الأيد ليس جمعاً لليد، والعرب تقول: ما لهم بذلك أيد أي قوة، ولا تقول: ما لهم بذلك يد أو يدان، وقد أخبرنا الله تعالى أنَّه خلق السماء بأید، واليد واليدان غير الأيدي، ولو خلق الله آدم كما خلق السماء بأیدٍ لما قال الله تعالى لإبليس: (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي).([49]) يقول شارح العقيدة الواسطية([50]): "فلفظ اليدين بالتثنية لم يعرف استعماله إلاَّ في اليد الحقيقية، ولم يرد قط بمعنی القدرة أو النعمة، فإنَّه لا یسوغ أنْ يقال خلقه الله بقدرتين أو بنعمتین، على أنَّه لا يجوز إطلاق اليدين بمعنى النعمة أو القدرة أو غيرهما، إلاَّ في حق من اتصف باليدين على الحقيقة، ولذلك لا يقالُ للريحِ يد، ولا للماءِ ید".

4- ومنها: أنَّ لفظ اليدين الوارد في القرآن بصيغة التثنية لم يستعمل في القدرة، فقوله تعالى: "لما خلقت بيدي" لا يجوز أنْ يراد به القدرة، لأنَّ القدرة صفة واحدة، ولا يعبر بالاثنين عن الواحد.([51])     

    وأمَّا إذا قال المتكلمون: نحن نؤول اليد بالقدرة أو النعمة، لأنَّ اليد لا تكون إلاَّ الجارحة، والجوارح من خصائص الأجسام، والله تعالى منزَّه عن التجسيم والتشبيه، فإنَّه يقال لهم: إذا كنتم بنيتم ذلك على الشاهد، وقضيتم به على الله عزَّ وجلَّ، فإنَّ هذا مردود عليكم، إذ من المعلوم أنَّه لم نجد مخلوقاً من الحيوان إلاَّ جسماً مركباً من اللحم والدم، ولم نجد عالماً قادراً من الخلق إلاَّ جسماً، ولا نجد قائماً بذاته في الشاهد إلاَّ جوهراً أو جسماً، فإذا قلتم: نحن نثبت حياً لا کالأحياء، وعالماً قادراً لا كالعالمين القادرين من الأحياء، قيل لكم: ونحن نثبت لله تعالى يداً لا کالأيدي، وهي صفة تناسب ذاته التي تستحق من صفات الكمال ما تستحق الذات، وبهذا لا يجوز لكم أنْ تمنعوا إثبات یدین لیستا نعمتين، ولا جارحتين، وليس في العقل أو السمع ما يمنع ذلك.([52])

     وأمَّا زعم المتكلمين أنَّ الله تعالى ذكر اليد في بعض الآيات بصيغة المفرد، وفي بعضها بصيغة التثنية، وفي البعض الآخر بصيغة الجمع، وبالتالي فلا دليل يخصص إثبات يدين لله حقيقة دون إثبات يد واحدة أو أيدي كثيرة، فإنَّ هذا الزعم باطل، إذا عرف الفرق بين هذه الصيغ. فالفرق بين قوله تعالى: (لما خلقت بيدي) سورة ص:75، وقوله: (بما عملت أيدينا) سورة يس:71، واضح، ذلك أنَّه في الآية الأولى أضاف الفعل إليه تعالى، وعداه بالباء إلى اليدين، وبيَّن أنَّه خلقه بيديه، وفي الآية الثانية أضاف الفعل إلى الأيدي، ولم يعدِّ الفعل بالباء وهو شبيه بقوله تعالى: "بما كسبت أيديكم"، فعلى هذا لا يحتمل قوله تعالى: (لما خلقت بيدي) من المجاز ما یحتمله قوله تعالى: (بما عملت أيدينا)، ومن عادة العرب أنَّهم يضعون اسم الجمع موضع التثنية إذا أمن اللبس، مثال ذلك قوله تعالى: (فقد صغت قلوبكما) سورة التحريم:4، والمراد: قلباكما، وقوله: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديها) سورة المائدة: 38، والمراد: يداهما، كما أنَّ ما يصنع بالاثنيْن قد ينسب إلى الواحد، تقول: رأيت بعيني، وسمعت بأذني، والمراد: عيناي وأذناي.([53])

 5- وممَّا يدلُّ على أنَّ التأويل الكلامي لليد بالقدرة أو النعمة باطل، أنَّ هنالك كثير من النصوص والأخبار وردت بشأن إثبات اليمين، والشمال، والأصابع، والكف، كما أنَّ لفظ اليد ورد في الكتاب والسنة وكلام الصحابة والتابعين أكثر من مائة موضع([54]) مقروناً بما يدلُّ على أنَّها يد حقيقة، فورد الإمساك، والطي، والقبض، والبسط، والمصافحة، والحثيات، والنضح باليد، والخلق باليدين والمباشرة بهما، وكتب التوراة بيده، وغرس الجنة بيده ونحو ذلك.([55])

    وأمَّا تأويل اليمين والكف والقبضة بالنعمة أو القدرة، فيردُّ عليه: بأنَّ هذا التأويل مخالف صراحة للغة العرب التي أنزل الله بها القرآن الكريم، وغيرها من لغات الأمم، حيث لم يستعمل أحد من أهل اللغة اليمين والكف أو القبضة في النعمة أو القدرة، ثم إن سياق النصوص والأخبار التي وردت فيه هذه الألفاظ لا يمكن أنْ يكونَ لهُ معنى مفهوم إذ أُوِلَّت بالنعمة أو القدرة، فمثلاً في قوله صلى الله عليه وسلم: "المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وُلوا".([56]) لو كانت اليمين هي النعمة، أو القدرة، واليدين أيضاً النعمة، أو القدرة، فهل يستقيم المعنى إذا قيل: نعمة الرحمن، أو قدرة الرحمن! وكلتا قدرتيه أو نعمتیه: قدرتين أو نعمتین!.([57])          

    يقول ابن خزيمة: "وقال الله عزَّ وجلَّ: (والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماء مطويات بيمينه) سورة الزمر:17. ألاَ يعقلُ أهل الإيمان أنَّ الأرض جميعاً لا تكون قبضةَ إحدى نعمتيه يوم القيامة، ولا أنَّ السموات مطويات بالنعمة الأخرى؟. ألاَ يعقلَ ذوو الحجا من المؤمنين أنَّ هذه الدعوى التي يدعيها الجهمية جهل أو تجاهل شرٌّ من الجهل؟!! بل الأرض جميعاً قبضته ربنا جل وعلا بإحدى يديه يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه، وهي اليد الأخرى وكلتا يديه يمين، وأفهم ما أقول من جهة اللغة، تفهم وتستيقن أنّ الجهمية مبدِّلة لكتاب الله لا متأولةَ".([58])

    وقال الإمام أبو الحسن الأشعري بعد ما ذكر أدلةً كثيرةً على إثبات اليدين لله تعالى: "ولا يجوز في لسان العرب، ولا في عادة أهل الخطاب أنْ يقول القائل: "عملت كذا بيدي" ويعنى به النعمة، وإذا كان الله عزَّ وجلَّ إنَّما خاطب العرب بلغتها وما يجري مفهوماً في كلامها، ومعقولاً في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل اللسان أن يقول القائل: "فعلت بيدي" ويَعني به النعمة، بطل أن يكون معنى قوله تعالى( بِيَدَي)َ النعمة. وذلك أنَّه لا يجوز أنْ يقول: القائل: "لي عليه يدي" بمعنى لي عليه نعمتي"، ومن دَفَاعنَا عن استعمال اللغة، ولم يرجع إلى أهل اللسان فيها دوفِع عن أن تكون "اليد" بمعنى "النعمة"، إذ كان لا يمكن أنْ يتعلق في أنَّ "اليد" "النعمة" إلاَّ من جهة اللغة، فإذا دفعَّ اللغة لزمه أنْ لا يفسِّر القرآن من جهتها، وأنْ لا يثبت "اليد" "نعمة" من قبلها، لأنَّه إنْ روجع في تفسير قوله تعالى: (بِيَدَيَّ) بنعمتي؛ فليس المسلمون على ما ادعى متفقين، وإن روجع إلى اللغة فليس في اللغة أنْ يقول القائل: "بيديّ": "نعمتيّ"، وإن لجأَ إلى وجه ثالث وسألناه عنه، ولن يجد له سبيلاً".([59])

     ونقول لهم: في ضوء اعترافهم أنَّ تأويلاتكم لصفة "اليدين" ونحوها، وتحريفها إلى النعمة والقدرة ونحوها، من قبيل تأويلات الباطنية، ولا تساعدها اللغةُ البتة. بل ورود الكف، والأصابع، والقبضة، واليمين، ولفظ اليدين بصيغة التثنية، ولفظة "بيدي" بعد لفظة "خلقت" يمنع إرادة التأويل، ويدفع المجاز، ويعين إرادة الحقيقة بلا شك.

     وأمَّا ما ذهب إليه البيهقي وابن فورك من إثبات صفة اليد حقيقةً احتجاجاً ببعض الأخبار والنصوص، وإلى تأويلها في البعض الأخر، فإنَّه يردُّ عليهما بأنَّ هذا الصنيع مخالف لما عليه السلف الذين أثبتوا صفة اليد على الحقيقة في جميع الأخبار والنصوص التي وردت فيها، ولم يفرِّقوا بينها، فالواجب إذنْ إثبات الصفات، ومنها اليد دون الاشتغال بتأويلها، إثباتٌ بلا تكييف، ولا تمثيل، ولا تأويل. وإذا كنتم ذهبتم إلى إثباتها على الحقيقة في بعض النصوص والأخبار فلا داعي لتأويلها في النصوص والأخبار الأخرى، وإلاَّ كنتم متناقضين مضطربين، وإذا أردتم السلامة من الاعتراض إذ أثبتم الصفات من النصوص والأخبار التي لجئتم إلى تأويلها!، فإنَّ الاعتراض قائمٌ على النصوص والأخبار التي أثبتم الصفات من خلالها. وما تقولونه من أبطال دعوى المجاز في النصوص في نصوص إثبات الصفات على الحقيقة! يقال لكم أيضاً فيما أوَّلتموه، فعلى سبيل المثال إنَّ قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) الفتح:10، يستبعد أنْ تحمل على المجاز، لأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم هو السفير بينه وبين الله تعالى الذي أرسله، ولمَّا كان الله تعالى فوق السموات، وعال على عرشه العظيم، وفوق جميع الخلائق كانت يدهُ فوق أيديهم، كما أنَّه عزَّ وجلَّ  فوقهم. وهل يصحُّ هذا لمن ليس له يدُ على الحقيقة، وإذاً كيف يستقيم أن يكون معنى قدرة الله أو نعمته فوق قدرهم ونعمهم؟.([60])

 

 


[1]- الحديث سبق تخريجه.

[2]- الحديث سبق تخريجه.

[3]- رواه أحمد في المسند 4/44، ومسلم رقم 2709، 4/2113، في التوبة، باب قبول التوبة من الذنب، وقد بلغت أحاديث إثبات اليد مبلغ التواتر. انظر التوحيد لابن خزيمة ص133، شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة لللالكائي 3/412-433، الأسماء والصفات للبيهقي 315-318،  مختصر الصواعق المرسلة 2/153- 173.

[4]- انظر الرسالة التدمرية ص 50.

[5]- انظر التمهيد للباقلاني ص299،297، المقالات للأشعري 1/115-2/205، المواقف للإيجي ص 298، الإرشاد للجويني ص141-197، مشكل الحديث وبيانه لابن فوره 173-191، أساس التقديس للرازي ص120،127،134،131، أصول الدين للبغدادي ص111، شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ص 228، متشابه القرآن له أيضاً 1/72.

[6]- انظر موقف الماتريدية: بحر الكلام لأبي المعين النسفي ص 20، شرح المواقف 8/113، إشارات المرام ص 189، نشر الطوالع ص 262.

[7]- انظر الإرشاد ص 191-147، أساس التقديس ص 127-128، غایة المرام ص139-140.

[8]- شرح الأصول الخمسة ص 228.  

[9]- انظر الأسماء والصفات ص 404.

[10]- انطر أساس التقديس ص 121-127، شرح الأصول الخمسة ص 228، متشابه القرآن 231.

[11]- انظر مشكل الحديث وبيانه ص 172، أساس التقديس ص 134، وقد أولَّ الرازي القبضة الواردة في كل الأحاديث كلها بمعنى القدرة.

[12]- رواه مالك في الموطأ رقم 2، 2/898،899، في القدر، باب النهي عن القول بالقدر، والترمذي رقم 3077، 8/233-243، في التفسير، باب ومن سورة الأعراف، وأبو داود رقم 703، 5/80، في السنة باب في القدر، وأحمد في المسند 1/555، والحاکم 1/27 في الإيمان، وصححه، 2/229-230، في التفسير، وقال حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، قال الترمذي: الحديث منقطع الإسناد. لكن الحديث له شواهد كثيرة يتقوى بها، انظر تفسير ابن کثیر 2/261-264، تحفة الأحوذي في شرح سنن أبي داود للمباركفوري هامش 8/456.

[13]- انظر أساس التقديس ص133-134، أوَّل الرازي اليمين الواردة في الأحاديث كلها بالقوة والقدرة.

[14]- الحديث رواه أحمد في المسند 1/447، والدارمي في الرد على الجهمية ص 66، وابن خزيمة في التوحيد ص 58، 134، 135، والالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة 3/449، والآجري في الشريعة ص 312. والحديث ضعيف، لأنَّ في إسناده رجل لا يحتج به، وهو إبراهيم بن مسلم الهجري، الذي ضعفه أئمة أهل الحديث. انظر التهديب 1/164-165، تقریب التهذيب 1/43.

[15]- الحديث لا يوجد في كتب السنة بهذا اللفظ، وقد ورد موقوفا على ابن مسعود بلفظ: إنَّ الله تبارك وتعالى خمر طينة آدم عليه السلام أربعين ليلة، أو أربعين يوماً، ثمَّ ضرب بيده، فما كان من طيب خرج بیمینه، وما كان من خبيث خرج بيده الأخرى.. الخ" الحديث. وقد رواه أبو يعلى في ابطال التأويلات 1/171، والدارمي في الردِّ على المريسي ص 37، والآجري في الشريعة ص 206، والبيهقي في الأسماء والصفات ص 414، وابن سعد في الطبقات الکبری1/27. قال أبو يعلى: هكذا حدثناه موقوفا، وربما وصله بعضهم. قلت: رجال السند ثقات، فهو صحيح، وإن كان موقوفا، فهو في حكم المرفوع

[16]- انظر المصدر السابق ص 129.

[17]- الحديث الذي ذكره ابن فورك لا يوجد في كتب الحديث ولعله ذكره بمعناه، على عادة كثير من المتكلمين، والذي في البخاري قوله صلى الله عليه وسلم: يد الله ملأى لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، وقال أرأيتم وقالَ: أرَأَيْتُمْ ما أنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّماءَ والأرْضَ، فإنَّه لَمْ يَغِضْ ما في يَدِهِ، وكانَ عَرْشُهُ علَى الماءِ، وبِيَدِهِ المِيزانُ يَخْفِضُ ويَرْفَعُ، أخرجه البخاري رقم 4684، واللفظ له، ومسلم  رقم 993.

[18]- انظر مشکل الحديث وبيانه ص 171.

[19]- رواه مسلم رقم 1014، 2/702، في الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها.

[20]- انظر المصدر السابق ص 169.

[21]- رواه أحمد في المسند 1/446، وأبو داود رقم 1649، 2/165، في الزكاة، باب في الاستعفاف، وابن حبان رقم 3351، 5/149، باب صدقة التطوع، ذکر الأخبار بأنَّ اليد السفلى هي السائلة دون الأخذ بغیر سؤال، وابن خزيمة في صحيحه 4/98، في الزكاة، بَابُ فَضْلِ الصَّدَقَةِ عَنِ ظَهْرِ غِنًى يَفْضُلُ عَمَّنْ يَعُولُ الْمُتَصَدِّقُ، والمنذري في الترغيب والترهیب1/585، وقد صححه المناوي في شرح الجامع الصغیر 3/1804.  

[22]- انظر الاسماء والصفات ص 407.

[23]- انظر الإبانة في أصول الديانة للأشعري ص41-45، التمهيد للباقلاني ص 295-298، المواقف للإيجي ص 298.

[24]- انظر مشکل الحديث وبيانه ص 27-32،319-322، الأسماء والصفات ص319-322.

[25]- هذا جزء من حديث رواه الترمذي بلفظ: "إن الله حين خلق الخلق كتب بيده على نفسه أن رحمتي تغلب غضبي، ورقمه 3527،9/169، في أبواب الدعوات، باب رحمة الله غلبت غضبه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحیح غريب، ورواه ابن ماجة رقم في المقدمة، فيما أنكرت الجهمية، وبرقم 4295، 2/1930، في الزهد، باب ما يرجي من رحمة الله يوم القيامة، وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة 2/27.

[26]- مشكل الحديث وبيانه ص 139.

[27]- انظر المصدر السابق ص 137.

[28]- انظر الأسماء والصفات ص 404، البيهقي وموقفه من الإلهيات - للدكتور أحمد الغامدي ص 200-201.

[29]- انظر مشكل القرآن وبيانه ص 39، التدمرية ص 50.

[30]- شرح أصول الاعتقاد أهل السنة والجماعة لللالكائي 3/432، وانظر مجموع الفتاوی 4/4-5. ومحمد بن الحسن الشيباني محمد بن الحسن الشيباني131 هـ-189 هـ، فقيه، ومحدث، ولغوي، صاحب الإمام أبي حنيفة النعمان، وناشر مذهبه، وفقيه العراق ولد بواسط، ونشأ بالكوفة، وأخذ عن أبي حنيفة بعض الفقه، والقاضي أبي يوسف، وأخذ عن سفيان الثوري والأوزاعي، ورحل إلى مالك بن أنس في المدينة. تولى القضاء زمن هارون الرشيد، وانتهت إليه رياسة الفقهِ بالعراق بعد أبي يوسف. انظر ترجمته: تاريخ بغداد: الخطيب البغدادي2/ 169. وبلوغ الأماني في سيرة محمد بن الحسن الشيباني: محمد زاهد الكوثري ص 4، المكتبة الأزهرية للتراث. والأنساب: أبو سعد السمعاني، 8/200، دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد. وابن الأثير الجزري: اللباب في تهذيب الأنساب 2/219، دار صادر، بيروت.

[31]- التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانید 7/190، وقد نقل هذا الكلام عن ابن عبد البر ابن تيمية في درء التعارض 2/256، مجموع الفتاوی 87/5، بیان تلبيس الجهمية 2/39.

[32]- سبقت ترجمته.

[33]- إبطال التأويلات أخبار الصفات لأبي يعلى 1/43-44.

[34]- المصدر السابق نفسه ص 71.

[35]- مختصر الصواعق المرسلة ص 398.

[36]- مختصر الصواعق المرسلة - بتصرف – 2/103.

[37]- مجموع الفتاوی 6/367-396.

[38]- انظر الإبانة للأشعري ص 41، التمهيد للباقلاني ص 297، مجموعة الرسائل الكبرى -رسالة العقيدة الحموية– 1/461، مجموع الفتاوی 6/371، مختصر الصواعق المرسلة 1/169-170.

[39]- هنالك أكثر من خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفيد ذلك. انظر الشريعة للآجري403، 404، الدارمي في الرد على المريسي ص 30، السنة لعبد الله بن حنبل ص 77، 213، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لللالكائي 3/29 مختصر العلو ص 105، 130، قال الذهبي: اسناده جيد، وقال الألباني: ما أخرجه اللالكائي سنده صحيح على شرط مسلم. وما أخرجه الآجري في الشريعة إسناده صحيح. انظر مختصر العلو ص 105، 130.

[40]- الإبانة - بتصرف– ص41.

[41]- هكذا وردتا، والصواب: ابتدأ.

[42]- الإبانة ص 43.

[43]- انظر التمهيد للباقلاني ص 297، التوحيد لابن خزیمة ص 85، الاعتقاد البيهقي ص 69، مجموع الفتاوی 1/365، مختصر الصواعق المرسلة 2/170.

[44]- التوحيد لابن خزيمة -بتصرف- ص 86-87.

[45]- انظر الإبانة ص 42، التمهید ص 298، الاعتقاد ص 69.

[46]- سبق تخريجه، التوحيد لابن خزيمة ص 54-58.

[47]- البخاري 8/144، في الرقاق، باب صفة الجنة والنار،1/149، في التوحيد، باب قوله تعالى "لما خلقت بيدي"، مسلم رقم 193، 194، 1/180-181، في الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة، وانظر التوحيد لابن خزيمة ص 412، 250، 253.

[48]- انظر الإبانة ص42.

[49]- انظر الإبانة ص 42، التوحيد لابن خزيمة ص87.

[50]- الشيخ محمد خليل هراس ص 67.

[51]- انظر مجموع الفتاوى 1/365.

[52]- انطر الإبانة ص 44، التمهید ص 298 ، مجموع الفتاوی 6/376، مختصر الصواعق المرسلة 2/171.

[53]- انظر مجموع الفتاوی 6/365-366، 370، التدمرية ص 49-50، مختصر الصواعق المرسلة 1/37-338، قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر لصديق حسن خان ص 55، شرح العقيدة الواسطية لهراس ص 67.

[54]- انظر صحيح البخاري 9/143، 150-154، 181، صحیح مسلم 3/1458، 4/2147-2149، سنن أبي داود 5/100، الترمذي 8/262-265، 268-269، مسند أحمد 1/368، 2/418،431، 5/378، رد الدارمي على الجهمية ص29، رد الدارمي على المريسي ص 31-40، 59-63، الشريعة للآجري ص 216-225، التوحيد لابن خزيمة ص76-82، المعتمد في اصول الدين لأبي يعلى ص 56، إبطال التأويلات لأخبار الصفات له أيضا 115-119، 168-190.

[55]- انظر مختصر الصواعق المرسلة 2/171-173.

[56]- أخرجه بلفظه أحمد في المسند 2/190، واللالكائي 3/411/، والبيهقي في الأسماء والصفات ص 10، ونحوه مسلم رقم 2728، 3/1458، في الإمارة ، باب فضيلة الإمام العادل، والنسائي 8/221، في آداب القضاء، باب فضل الحاكم العادل.

[57]- انظر الاسماء والصفات ص 407.

[58]- كتاب التوحيد 86

[59]- الإبانة في أصول الديانة 2/125-128، تحقيق الدكتورة فوقية حسين ص 97-99، تحقيق الأرناؤوط طبعة دار البيان، ص 131-132، طبعة الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة.

[60]- مختصر الصواعق المرسلة –بتصرف- 2/173.

 

هل أعجبك الموضوع؟