البريد للتواصل: drsregeb11@gmail.com

قضايا عقائدية

عقيدة الطرق الصوفية ورجالها في الرسول صلى الله عليه وسلم



  • نشر في: 10-11-2022م
  • ساعة: 11:01
  • طباعة
  • عقيدة الطرق الصوفية ورجالها في الرسلمول صلى الله عليه وسلم

           يعتقد الصُّوفِيَّة في الرسول صلى الله عليه وسلم أيضًا عقائد شتَّى، فمنهم من يزعمُ أن الرسول صلى الله عليه وسلم وقف الأنبياءُ بساحلِه‏، ومنهم من يعتقدُ أنَّ الرسولَ محمدٌ هو قبَّةُ الكونِ، وهو الله المستوي على العرشِ، وأنَّ السَّموات والأرض والعرش والكرسي، وكلُّ الكائنات خُلِقِت من نورِه، وأنَّه هو أَوَّلُ موجودٍ، وهو المستوي على عرش الله تعالى، وهذا ما يعرفُ عنهم ب (الحقيقة المُحَمَدِيَّة).

         وهذه عقيدة ابن عربي ومن جاء بعده‏ من الصوفية. ‏ومنهم من لا يعتقدُ بذلك، بل يردُّه ويعتقدُ ببشريتِه ورسالتِه، ولكنَّهم مع ذلك يَستشفِعونَ ويتوسَّلَون بِه صلَّى الله عليه وسلَّم إلى الله تعالى على وجهٍ يُخالفُ عقيدةَ أهل السُّنةِ والجماعة.

         ويذهبُ كثير من الصوفية أنَّ معجزاتِ الرُّسلِ عليهم السَّلام ما هي إلاَّ بعضُ كرامات الصوفية، يفتري الدباغ هذا البهتان، فيقول: "كلُّ ما أُعطِيَه سليمانُ في ملكِه، وما سُخِّرَ لداود، وما أُكرِمَ به عيسى، أعطاهُ اللهُ وزيادةً لأهل التَّصوفِ من أُمَّةِ النَّبيِّ، ومكنَّهم من القُدرةِ على إبراءِ الأكمَهِ، والأبرصِ، وإحياءِ المَوْتَى".([1])

    عقيدة الحقيقة المُحَمَدِيَّة:

     تعريف الحقيقة المُحَمَدِيَّة:([2])

      يعرفها الصوفية بقولهم: "هي الذات مع التعين الأول، ولها الأسماء الحسنى، وهي اسم الله الأعظم" (انظر تحت المادة جامع الأصول في الأولياء للكمشخانلي والتعريفات للجرجاني) فمحمد الصوفية ليس بشراً، ولا رسولاً، وإنما هو الذات الإلهية في أسمى مراتبها!!

    ويقول الدمرداشي :"حقيقة الحقائق هي المرتبة الإنسانية الكمالية الإلهية الجامعة لسائر المراتب كلها، وهي المسماة بحضرة الجميع، وبأحدية الجمع، وبها تتم الدائرة، وهي أول مرتبة تعينت في غيب الذات، وهي الحقيقة المحمدية.([3]) ويقول الكمشخانلي: "صور الحق هو محمد؛ لتحققه بالحقيقة الأحدية والواحدية.([4]) فمحمدٌ عندَهم هو الاسمُ الأعظمُ، فما الاسمُ الأعظمُ؟ إنَّه: "الجامعُ لجميعِ الأسماءِ، أو هوَ اسمُ الذَّاتِ الإلهيَّةِ من حيثُ هيَ هيَ، أي المطلقة.([5])

          فحسب عقيدة الحقيقةُ المُحَمَدِيَّة عند الصوفية: أنَّ محمدًا – رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم- هو أوَّلُ المخلوقات، ومبدأُ خلقِ العالم، وهي النُّورُ الذي خلقه الله تعالى قبلَ كلِّ شيءٍ، وخلق منه كلَّ شيءٍ، أو هو العقلُ الإلهِيُّ الذي تجلَّى الحَقُّ فيه لنفسهِ، فكان هذا التَّجلي بمنـزلةِ أوَّلِ مرحلةٍ من مراحلِ التَّنزلِ الإلَهيِّ في صورِ الوجودِ، والحقيقة المُحَمَدِيَّة هيَ الصُّورةُ الكاملةُ للإنسانِ الكاملِ، الذي يجمعُ في نفسِه جميعَ حقائق الوجود. فالحقيقةُ المُحَمَدِيَّة مزيجٌ من الغُلوِّ في رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، والتَّأَثُّرِ بالفلسفةِ اليونانيَّةِ في تقريرِها لأوَّلِ مخلوقٍ, والتأثُّرِ بالنصرانيَّةِ التي أضفت صفاتِ الرُّبوبيَّةِ على المسيح عيسى عليه السلام.

         "ويستحيلُ علينا أنْ نَفهمَ ما يريدُه المُتصوفةُ بقولهم: "‏الحقيقة المُحَمَدِيَّة‏" ‏إلاَّ بمعرفةِ عقيدتِهم في الله تعالى‏.‏ فالنظريَّةُ الصُّوفِيَّةُ الفلسفيَّةُ قد وصلت في نهاية القرن الثالث إلى القول بأنَّ الله هو هذا الوجود القائم المتجدد المُتغيِّرُ، فهو السماوات والأرض والعرش والكرسي والملائكة والإنسان والحيوان والنبات وهو الأزل والأبد- تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا-، وإن كانت عباراتهم تختلف أحيانًا، فمرةً يقولون‏: ‏هو الرُّوحُ السَّاري في الموجوداتِ، ويُشبِّهونَ هذا السَّريانَ بأنَّه كرائحةِ الوردِ في الوردِ‏.‏ ووجودُ الرُّوح في الجسمِ الحيِّ‏.‏ وتارةً: يقولون نفسُ وجود الموجودات هو وجود الله، فليس هناك اثنان في الوجود خالق ومخلوقٌ، بل المخلوقُ هو عينُ الخَّالقِ، والخالقُ هو نفسُ المَخلوقِ. اعتقد بذلك ونشره في النَّاسِ كبارُ الصُّوفِيَّة من أهلِ الزَندَقةِ والإلحاد، كابن عربي، والحلاج، والجيلي، وابن سبعين، ومن على شاكلتِهم، وهؤلاء الصُّوفِيَّةِ أنكروا في كتبِهِم على من يشهدُ بأنَّ الله سبحانَه وتعالى هو الإلُه القائمَ بنفسِه، المستوي على عرشه، البائنِ من خلقِه، والذي هو معتقدُ المسلمين في رَبِّهم سبحانه وتعالى‏.‏ وقد كان هذا المعتقدُ أيضًا هو معتقدُ بعضِ من نَسبَ إلى التَّصَوُف، ولذلك شَدَّد ابنُ عربي عليهم النَّكيرِ أيضًا وخطّأهم، ونسبَهم إلى القُصورِ وعدمِ الفَهمِ".([6])

         وعلى أساس هذه النظرية ندرك مغزى ما يقول البوصيري:

    وكلُّ آيٍ أتَى الرُّسلُ الكرامُ بها         فإنَّما اتصلت من نورِه بِهم

    وكيفَ تدعو إلى الدُنيَا ضرورةُ من        لولاهُ لمْ تَخرجَ الدُّنيا من العدمِ

    وقول ابن نباته المصري:

    لولاه ما كان أرضٌ ولا أُفقٌ     ولا زمانٌ ولا خَلقٌ ولا جبلٌ

          "وابن عربي له كتاب (التجليات) الذي يزعم فيه أنه التقى برجال التَّصَوُف السابقين في البرزخ وناقشهم في عقائدهم هذه في التوحيد، وبيَّنَ لهم خطأهم، وعرَّفَهم في النهاية أنْ لا موجودَ إلاَّ الله، وأنَّ الله والعبد شيء واحد، وأنَّهم أقرُّوا جميعًا بذلك.   

          والمهم أنَّ هؤلاء المتصوفة الذين نقلوا عقيدة وحدة الوجود عن الفلسفة الأفلاطونية واعتقدوها وجعلوها هي الحقيقة الصُّوفِيَّة وسرُّ الأسرار، وهي معتقدُ أهل الإسلام في زعمهم، نقلوا ما قالَه هؤلاء الفلاسفة في نظرياتهم في بدء الخلق، فقد قال الفلاسفة الأقدمون: إنَّ أوَّل شيء بدأ في الخلق هو الهباء ‏(‏أي الذرات‏)‏ وإنَّ أوَّل موجود وجد هو العقل الأول وسموه ‏(‏العقل الفعال‏)‏، وأنَّه عن هذا العقلِ الأوَّلِ نشأَ العالمُ العلويُّ، السَّمواتُ والكواكبُ، ثمَّ العالمُ السُّفلِيٌّ‏.‏‏.‏الخ‏".([7])‏

         "هذه النظرية الفلسفية القديمة جاء ابن عربي ونقلها هي نفسها إلى الفكر الصوفيِ، ولكنَّه استبدل بدلًا من العقلِ الفَّعالِ عند الفلاسفة مَا أسمَاهُ هو الحقيقة المُحَمَدِيَّة، فزعمَ أنَّ أوَّلَ الخلقِ كان هباءً، وأنَّ أَوَّلَ موجودٍ هو ‏"‏الحقيقة المُحَمَدِيَّة‏"‏ التي زعم ابن عربي أنها أول الموجودات وعلى حد تعبيره أول التعينات، أي أول عين تشكلت وتصورت من الذرات. يتطاول ابن عربي ويقول إن هذه ‏(‏الحقيقة المُحَمَدِيَّة‏)‏ هي التي استوت على العرش الإلهي‏.‏ فيجعل ما حدثنا الله سبحانه وتعالى به عن نفسه من أنه خالق الخلق، وأنه المستوي على العرش‏.‏‏.‏ يلوي ابن عربي كل ذلك ويلبس على المسلمين وينقل لهم كلام الفلاسفة الملحدين في أسلوب جديد بغطاء إسلامي وآيات قرآنية فيقول إن ذات محمد هي أول ذات تكونت من الهباء وهي التي استوت على العرش الإلهي‏.‏ ومن نور هذه الذات خلق الله الخلق جميعًا بعد ذلك فالملائكة والسماوات والأرض كل ذلك قد خلق من نور الذات الأولى".

           "وهي الذات المُحَمَدِيَّة عند ابن عربي، والعقل الفعال في الفكر الفلسفي، وهكذا استطاع ابن عربي أن ينقل ترهات الفلاسفة وتخيلاتهم المريضة إلى دنيا المسلمين وعقائدهم بل جعل هذه العقيدة الإلحادية هي العقيدة الأساسية التي قام الفكر الصوفي كله بعد ذلك عليها، فإذا علمنا ماذا يعنيه المتصوفة المتفلسفون بوحدة الوجود وأن الله عندهم ليس ذاتًا يراها المؤمنون في الآخرة وتستوي على العرش، وإنما هو نفس الوجود بكل درجاته وتناقضاته، فالله عندهم هو عين وجود المَلَك والشيطان والإنس والجان، والحيوان والنبات".([8])

         وتزعمُ الصوفية أنَّ شأنَ محمدٍ هو شأنُ الله تعالى!! يقول الصوفي محمد بهاء الدين البيطار يقول: "شأنً محمدٍ في جميع تصرفاته شأنُ الله، فما في الوجودِ إلاَّ محمدٌ".. ويقول: "لا يُدْرَي لحقيقته غايةٌ، ولا يُعلَمُ لها نهايةٌ، فهو من الغيب الذي نؤمن به".. ويقول: "ولمَّا كانت بشريتُه صلَّى الله عليه وسلَّم نوراً محضاً، كانت فضلاتُه مقدسةً طاهرةً،  ولم يكن لجسمه الشريف ظلٌ كالأجسام الكثيفة، وهذا النُّور المحمدي، هو المعني بروح اللهِ المنفوخ في آدم، فروحُ الله نورُ محمدٍ".([9])

         وقـد فصَّل هذه العقيدة عبد الكريم الجيلي الصوفي الزنديق في كتابه (الإنسان الكامل).. فالرسول صلى الله عليه وسلم عندهم ليس هو الرسول عندنا بل هو عند أساطينهم ومحققيهم هو الله المستوي على العرش، وعند جهلائهم وأغبيائهم هو المخلوق من نور العرش، أو من نور الله وهؤلاء ربما يعتقدون أن الله موجود قبل الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن العرش مخلوق قبل الرسول صلى الله عليه وسلم.

       ولكن أولئك - المحققين في زعمهم- يعتقدون أن وجود الرسول صلى الله عليه وسلم سابق على وجود العرش بل وجود كل مخلوق لأنه أول (التعينات) أي أوَّلُ من أصبح عيناً أي شيئاً معيناً ومن نوره تخلَّقَت كلُّ الخلائق بعد ذلك. وأمّا المغفلون منهم فيقـول: يا أول خلق الله.. ظانين أنه مخلوق قبل كل البشر، فهو عندهم مخلوق قبل آدم نفسه، وأولئك يقولون: يا أوَّلَ خلقِ الله على الأرض قبل العرش والكرسي والسموات والأرض والجنة والنار، بل كل هذه في زعمهم خلقت من نور الرسول صلى الله عليه وسلم.

         ولا شك أن هذا كفر وهذا كفر، فالرسول صلى الله عليه وسلم قد خُلِق بشَراً كما يُخلق سائر البشر وكان خلقه في وقت تكونه نطفة فعلقة فمضغة.. ووليداً. قال تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليَّ) الكهف:110.

         ولا يخفى أيضاً أن هؤلاء المبتدعين لم يخطئوا فقط في حقيقة النبي صلى الله عليه وسلم، بل كذلك أخطئوا في إعطاء كل ما يجب لله عزَّوجلَّ من كمالاتٍ أعطَوْهَا للرسول صلى الله عليه وسلم، من دعاء له، واستغاثة به، وعبادة بكل معاني العبادة.

         والبوصيري بدأ الحديث عن الحقيقة المُحَمَدِيَّة التي يستعلي المؤمنون بها وبمعجزاتها في صراعهم مع أصحاب الديانات الأخرى. فالرسول صلى الله عليه وسلم هو الأصل الذي ينتسب إليه الأنبياء، وكل معجزاتهم ليست إلا قطرة مستمدة من نظرية النور المحمدي. يقول البوصيري:

    وَكُلُّ آيٍ أَتَى الرُّسْلُ الْكِرَامُ بِها           فَإِنَّمَا اتَّصَلَتْ مِنْ نُورِهِ بِهِمِ

    فَإِنَّهُ شَمْسُ فَضْلِ هُمْ كَوَاكِبُهَا            يُظْهِرْنَ أَنْوَارَهَا لِلنَّاسِ فِي الظُّلَمِ

           وفي ضوء نظرية النور المحمدي فإن الرسول صلى الله عليه وسلم من حيث الحقيقة الروحية قديم أزلي، وجزء من ذات القدس، وهو حي لا يفنى ولا يموت، لكنه من حيث التشخيص الجسماني حادث يمكن أن يضم الترب أعظمه:

    لاَ طِيبَ يَعْدِلُ تُرْباً ضَمَّ أَعْظُمَهُ          طُوبَى لِمُنْتَشِقٍ مِنْهُ وَمُلْتَثِمِ

    نقض مزاعمهم:

       هذا الكلام تلفيق بين اليونانية وفق نظرية الفيض النوراني، وبين الخرافات الهندوكية التي تقول بتناسخ الأرواح، والواقع أنّ ثمة رابطاً قوياً بين نظرية الحقيقة المُحَمَدِيَّة، وبين احتفالهم بالمولد هي أن الحقيقة تجسدت في شخص النبي صلى الله عليه وسلم في مولده، وهذا ما يهم القوم. أما الشريعة التي جاءت بعد البعث فليست لهم؛ لأنّ علمهم لدنيٌّ مستمد من هذه الحقيقة، ولهذا، فهم يقدسون أولياءهم الذين استمدوا من الرسول صلى الله عليه وسلم العلم والتصريف، ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم كما يعتقدون حي في قبره، وأن الحقيقة قد انتقلت إلى مَنْ بَعدَه من الأولياء، فلماذا يُحرق عليه وهو لم يمت؟ ولهذا لا نعجب إذا حدثوا أن الرفاعي (صاحب الطريقة الرفاعية) قد مد له النبي صلى الله عليه وسلم يده من القبر فصافحه وأعطاه العهد، أو قالوا قريباً من ذلك عن البدوي أو الدسوقي أو الشاذلي. لكل هذا فهم يقدسون يوم المولد دون غيره.

         والمشكلة أن هذه التي يسمونها (الحقيقة المُحَمَدِيَّة) هي غموض كاملٌ، وعماءٌ في عماءٍ, ولأنَّها نشأت في الأصل من خيال مريض وأوهام ليس لها أي رصيد في الواقع, ولذلك نلاحظ أن أقوالهم في تعريفها أو الكلام عنها غامضة أيضاً, فالرسول صلى الله عليه وسلم أول موجود وأول مخلوق وهو القطب الذي تدور عليه أفلاك الوجود من أوله إلى آخره.([10]) وهو الذي منه انشقت الأسرار ولا شيء إلا وهو به منوط.([11]), وهو عين الإيمان والسبب في وجود كل إنسان.([12]) وكأن الصُّوفِيَّة لم يستسيغوا أن يقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو كما وصفه القرآن الكريم بشراً رسولاً وقد جعلوا أقطابهم تتصف بما وصف الله سبحانه وتعالى نفسه, فكيف برسول الله صلى الله عليه وسلم فابتدعوا ما أسموه الحقيقة المُحَمَدِيَّة.

       وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخشى على أمته من الغلو فقال صلى الله عليه وسلم محذراً: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم, إنما أنا عبد الله ورسوله".([13]) ولكنَّ الذي فعله هؤلاء هو أكبر من الغلو, إنُّه الشرك والضلال, وإلا كيف تفسر قول الشيخ الدباغ: "إنَّ مجمع نوره لو وضع على العرش لذاب"،([14]) وقول أبي العباس المرسي: "جميع الأنبياء خلقوا من الرحمة ونبينا هو عين الرحمة"، قال تعالى:(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) الأنبياء:107([15]). فانظر إلى هذا الاستنتاج العجيب.

    بطلان عقيدة الحقيقة المُحَمَدِيَّة:

           إنَّ أي مسلم عرَفَ الله تعالى وآمن به، وعرَفَ الرَّسولَ صلَّى الله عليه وسلَّم، وأمنَ بِه، وقرأَ القرآنَ الكريمَ وآمن به، ثُمَّ يَطلِعُ على عقيدة الحقيقة المُحَمَدِيَّة فسوف يعتقدُ اعتقادًا جازمًا بطلانَ عقيدةِ الحقيقة المُحَمَدِيَّة.

    1- فكلُّ مسلمٌ يَؤمنُ بالله تعالى وبرسوله عليه السلام، وبأنَّ الله عزَّ وجلَ قد خصَّ سيدَنا محمداً عليه السلام بخصائص كثيرة، فهو خاتمُ النَّبيين، وأَوَّلُ المبعوثين، وسيِّدُ الخلق أجمعين... ولا يجوزُ أنْ يَخُصُّه بخصائص الربوبية والألوهية، لأنَّها خصائص الرَّبِّ عزَّوجلَّ، وقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم: "لا تطروني كما أطرَت النَّصارى المسيحَ بن مريم، فإنَّما عبدُه، فقولوا عبد الله ورسوله.([16])

    2- معظم كلام غلاة الصُّوفِيَّة من قبيل الرؤى الشيطانية والمكاشفات، التي يشاهدونها في حالة الغيبوبة والسكر... ويعتبرون ذلك هو الحق وما دونه الباطل، وينسخون به القرآن، أو يؤُّولونه على حسب تلك الرؤى والأحوال.. وكلامهم في الحقيقة المُحَمَدِيَّة هو من هذا القبيل والعياذ بالله.

    3- زعم الصُّوفِيَّة أن الرسول عليه السلام يملك الدنيا والآخرة وهو يعلم علم الأولين والآخرين، ومن علومه علم اللوح والقلم، والله عز وجل يقول مخاطباً رسوله صلى الله عليه وسلم (لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ) آل عمران: 128، وقال تعالى: (قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا) الجن:21.  وقال تعالى مبيناً عدم معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم بالغيب: (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) الأعراف:188.

    4- زعمت الصُّوفِيَّة أن محمداً عليه السلام أول الخلق، وخلق قبل القلم، وهذا زعم باطل، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "أول ما خلق الله القلم، قال: له اكتب، فجرى بما هو كائن إلى الأبد".([17]) وقال: "خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة في آخر الخلق وآخر ساعة من النهار، فيما بين العصر إلى الليل".([18]) ونحن نجزم أن سيدنا محمداً من ذرية آدم، وهو ليس أول الخلق بل معلوم عندنا نسبه ومولده الذي كان عام الفيل، وكانت وفاته بعد ثلاث وستين سنة من مولده.

    5- وإذا كانت الدنيا والآخرة هي من جود الرسول صلى الله عليه وسلم فماذا أبقى غلاة الصُّوفِيَّة لله عز وجل، وهو مالك يوم الدين، ورب الدنيا والآخرة.

    6- الرسول صلى الله عليه وسلم من البشر، قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) الكهف:110. وقال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ) فصلت:6. فالله أمره أن يبين للناس أنه بشر مثلهم ولا يمتاز عنهم إلا بالوحي الذي خصه الله وسائر الأنبياء والمرسلين به، وكل خاصية من خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم تابعة لهذا الوحي، كما أمره أن يبين لهم أن إلههم هو الله وحده المختص بخصائص الربوبية والألوهية، المتصف بكل كمال، المنزه عن كل نقص.

    7- زعموا أنه جاء بالوحي من تلقاء نفسـه، وأنـه أبصر فحدث عن بصيرته، وهذا هو زعـم المشركين الأوائل الذين قالوا إن هذا إلا قول البشر، ورد الله تعالى عليهم بقوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) الطور:32. وبيَّن الله عز وجل أنه لو تقول على الله تعالى بغير وحي الله أو من تلقاء نفسه ونسب إلى الله ما لم يقله، لقصمه الله، قال تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيل لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَِ) الحاقة: 45-47.

    كما نفى الله عنه أن يكون ساحراً أو شاعراً أو يأتي بشيء من تلقاء نفسه، وقد انقطع عنه الوحي فترة فكان الرسول صلى الله عليه وسلم في حزن شديد ظـاناً أن ربه قـد تركه وقلاه وخذله حتى تنزَّلت سورة الضحى تنفي ذلك عنه: (وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى) الضحى:1-2. 

    8- زعموا أنه عليه السلام يعلم علوم اللوح والقلم، وقد كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ علوم كل شيء منذ بدءِ الخلق إلى الأبد، وعلم الأولين والآخرين وعلم الدنيا والآخرة، وهذا العلم خاص بالله عز وجل، إلا من علمه الله تعالى شيئاً من علمه قال تعالى: (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) البقرة:256. وكان صلى الله عليه وسلم يُسأل عن أشياء فلا يخبر بها حتى يوحي الله تعالى إليه، ولو كان يعلم علم اللوح والقلم كما يزعمون، لما قبل الفداء في أسرى بدر وقصتهم مشهورة.

          وفي سبب نزول سورة الكهف حين سألته قريش بإيعاز من اليهود عن الفتية الذين طاردهم الملك، وعن الرجل الذي طاف مشارق الأرض ومغاربها، وعن الروح فقال أخبركم غداً ولم يستثن - أي لم يقل إن شاء الله- فانقطع عنه الوحي خمس عشرة ليلة ولا يأتيه جبريل عليه السلام حتى أرجف أهل مكة، وشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جاء جبريل عليه السلام بسورة الكهف يحدثه فيها عن ذلك.([19]) ويعاتبه ربه بقوله: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا) الكهف:24–25

    9 - وزعموا أن الدنيا وما فيها خلقت من أجل محمد صلى الله عليه وسلم متناسين قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) الذاريات:56، فالدنيا وما فيها من إنس وجن خلقت لغاية واحدة وهي عبادة الله عز وجل وحده ومن أجل هذه العبادة خلق محمد صلى الله عليه وسلم وجميع المرسلين ومن اجل ذلك أنزلت الكتب.

     

     


    [1]- الإبريز للدباغ 12/2، نقلاً عن هذه هي الصوفية عبد الرحمن الوكيل ص 76.

    [2]- انظر تعريف الحقيقة المحمدية: هذه هي الصوفية: الشيخ عبد الرحمن الوكيل ص 46.

    [3]- رسالة في معرفة الحقائق السبعة: محمد دمرداش المحمدي الخلوتي الجركسي، شمس الدين أبو عبد الله ص 7.

    [4]- جامع الأصول في الأولياء وأنواعهم: أحمد بن مصطفى بن عبد الله الكمشخانوي ص 107.

    [5]- المصدر السابق ص 92.

    [6]- الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة: عبد الرحمن عبد الخالق ص 175-176.

    [7]- الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة: عبد الرحمن عبد الخالق ص 176.

    [8]- الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة: عبد الرحمن عبد الخالق ص 175-176.

    [9]- النفحات الأقدسية في شرح الصلوات الأحمدية الإدريسية: محمد بهاء الدين البيطار، دار الجيل بيروت ص 9، 11، 13.

    [10]- ظهر الإسلام 4/220. ومعنى القطب الذي تدور عليه الأفلاك أنه المتحكم في حركتها وسكناتها, وهو الذي يدير ما دق وجل من أمورها، وهذه هي حقيقة الألوهية، وهي عن نظرية العقل الفعال المستمدة من الفلسفة اليونانية.

    [11]- هذه هي الصوفية ص 87، والكلام لابن مشيش.

    [12]- التصوف: زكي مبارك 1/233.

    [13]-أخرجه الترمذي في الشمائل المحمدية. انظر: مختصر الشمائل للشيخ الألباني ص 174, وقال عنه:حديث صحيح.

    [14]- هذه هي الصوفية لعبد الرحمن لوكيل ص 87.

    [15]- لطائف المنن ص 12.

    [16]- أخرجه البخاري، انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري، رقمه محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله تعالى واذكر في الكتاب مريم، حديث رقم 3445، 6/478.

    [17]- أخرجه أحمد في المسند 5/317، والترمذي في القدر برقم 2156، وأبو داوود برقم 4700.

    [18]- أخرجه مسلم برقم 2789، وأحمد في مسنده 2/327 برقم 8323، وقد تكلم بعض العلماء في هذا الحديث لأن الله خلق الخلق في ستة أيام والحديث استوعب الأيام السبعة، ولعل الله تعالى خلق الخلق في ستة أيام كما ورد في القرآن ثم خلق آدم يوم الجمعة في آخر الخلق ويزيد الله في الخلق ما يشاء فلا تعارض.

    [19]- انظـر: أسباب النـزول للسيوطي فـي حاشية تفسيـر الجلالين مكتبة العلوم الدينية، بيروت، ص491-493.

هل أعجبك الموضوع؟