البريد للتواصل: drsregeb11@gmail.com

قضايا عقائدية

الصِّلة بين التَّصَوُف والتشيع



  • نشر في: 29-11-2022م
  • ساعة: 8:57
  • طباعة

الصِّلة بين التَّصَوُف والتشيع

 

     إنَّ صلةَ الصُّوفِيَّة بالتَّشيعِ شيءٌ مؤكدٌ, فمرجعهم دائماً من الصحابة رضي الله عنه هو علي بن أبي طالب أو الحسن بن علي "الذي هو أول الأقطاب".([1]) وسلاسل التَّصَوُف كلها ما عدا النادر القليل منها تنتهي إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه دون سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وفي طرق إسنادها إلى علي أسماء أئمة الشيعة المعصومين حسب زعمهم من أولاد علي رضي الله عنه دون غيرهم, وأنَّ رؤساء هذه العصابة يذكر لهم اتصال وثيق, وصلات وطيدة مع أئمة القوم، كما يذكر في تراجمهم وسيرهم وأحوالهم, إضافة إلى ذلك أن الخرقة الصُّوفِيَّة لا يبدأ ذكرها أيضا إلا من علي رضي الله عنه أيضا.([2])

      وقالت الصُّوفِيَّة بالقطب والأبدال، وهذا من أثر الإسماعيلية والشيعة.([3]) وعوامل نشأة الفرقتين وطبيعة كل منها توجبُ أنْ يتقاربَ التَّشيعُ والتَّصَوُفُ, فالشيعة انهزموا في ميدان السياسة, والصُّوفِيَّة انهزموا في ميدان الحياة, وأهل فارس هم أكثر الناس تصوفاً بين الأمم الإسلامية،([4]) وقد أخذ الصُّوفِيَّة فكرة الحياة المستمرة لبعض الأشخاص من الشيعة الذين يقولون بمهدية فلان أو فلان، وأنه حي إلى الآن. قال ابن حزم: "وسلك في هذا السبيل بعض نوكي الصُّوفِيَّة فزعموا أن الخضر وإلياس عليهما السلام حيّـان إلى اليوم".([5])

       وقد اعتمد الصوفي عبد الرحمن السلمي في تفسيره على ما يروى عن جعفر الصادق من تأويلات للقرآن مخالفة للمنهاج الصحيح في التفسير, فإذا قالت الشيعة في تفسير قوله تعالى "وعلى الأعراف رجال" هو علي بن أبي طالب يعرف أنصاره بأسمائهم, قال السلمي: أصحاب المعرفة أصحاب الأعراف, وقال ابن عربي: "رجال هم العرفاء أهل الله وخاصته".([6])

      ويذكر السراج أنَّه "لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه من بين جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خصوصية بمعان جليلة وإشارات لطيفة وألفاظ مفردة وعبارة، وبيان للتوحيد والمعرفة والعلم, تعلَّق وتخلَّق بها أهل الحقائق من الصُّوفِيَّة".([7]) وعلي رضي الله عنه من علماء الصحابة وأفضلهم بعد سابقيه في الخلافة فلماذا هذه الخصوصية ؟

      كما أخذ الصُّوفِيَّة مسألة عصمة الولي من الشيعة الذين يقولون بعصمة الأئمة، ولكنَّهم أخفوها فترة من الزمن فسموها(الحفظ)، ثم صرَّح بها القشيري فقال: "واعلم أن من أجل الكرامات التي تكون للأولياء دوام التوفيق للطاعات والعصمة من المعاصي والمخالفات, ويجوز أن يكون من جملة كرامات ولي الله أن يعلم أنه ولي".([8]) ومن الموافقات الغريبة أن كل زعماء الطرق الصُّوفِيَّة يرجع نسبهم إلى علي بن أبي طالب ويتوارثون زعامة الطريقة كالإمامة عند الشيعة, وإذا كانت المشيخة هي محصول المجاهدة والسلوك فهل ولد الشيخ يجب أن يكون شيخاً؟

   إن الشيخ عبد القادر الجيلاني يرجع نسبه إلى آل البيت، وكذلك الشيخ أحمد الرفاعي والبدوي، وأبو الحسن الشاذلي، والبكتاشي، والسنوسي، والمهدي، وكل زعماء الطرق حتى في البلاد الأعجمية مثل محمد نور بخش، وخواجه اسحق وباليم سلطان.([9])

     والثلاثة الذين اشتهروا في التاريخ الإسلامي باسم الصوفي ولقبه بادئ ذي بدء كان اثنان منهم من الشيعة أو متهمين بالتشيع, كما أنَّ هؤلاء الثلاثة كلهم كانوا من موطن الشيعة آنذاك, وهو الكوفة.

 1- فهناك من قال: إنَّ أوّلَ من عُرِفَ بالصُّوفِي هو أبو هاشم الكوفي ت 150هـ، أو 162هـ بالشَّامِ، بعد أن انتقل إليها، وكان معاصراً لسفيان الثوري ت 155هـ، قال عنه سفيان: "لولا أبو هاشم ما عُرِفت دقائقُ الرياءِ".([10]) وكان معاصراً لجعفر الصادق، وَينسبُ إلى الشِّيعةِ الأوائل، ويسمِّيِهِ الشِّيعةُ مخترعَ الصُّوفِيَّةِ.([11])

    وصرَّح مؤرخُ الصُوفيَّةِ عبدُ الرَّحمن الجامي: "إنَّ أبَا هاشم الكوفي أولُّ من دُعِيَ بالصوفي, ولم يسمَّى أحدٌ قبلَه بهذا الاسم, كما أنَّ أوَّلَ خانقاه بُنِي للصوفية هو ذلك الذي في رملِة الشَّام, والسببُ في ذلك أنَّ الأميرَ النَّصراني كان قد ذهبَ للقنصِ فشاهدَ شخصين من هذه الطَّائفةِ الصُّوفِيَّة سنحَ له لقاؤُهُما، وقد احتضنَ أحدُهما الآخرَ وجلسَا هناك, وتناولا معًا كلَّ ما كانَ معهمَا من طعامٍ, ثمَّ سارَا لشأنِهما, فُسرَّ الأميرُ النَّصرانِيُّ من معاملتهما وأخلاقهما".([12])

     وبعضهم قال: فأبو هاشم الكوفي وإن لم يرم بالتشيع، فقد كان من الكوفة الشيعية, ومتهما بالزندقة والدهرية.

2- يذهب ابن النديم في الفهرست إلى أن جابر بن حيان تلميذ جعفر الصادق والمتوفى سنة 208هـ هو أوَّلُ من تَسَمَّى بالصُّوفي، والشيعةُ تعتبره من أكابرهم، والفلاسفة ينسبونه إليهم. وجابر بن حيان يذكره ماسينيون بقوله: "وورد لفظ الصوفي لقبًا مفردًا لأوَّلِ مرةٍ في التَّاريخِ في النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي، إذ نُعِتَ به جابرُ بن حيان وهو صاحب كيمياء شيعي من أهل الكوفة, وله في الزهد مذهب خاص".([13]) وذكره نيكلسون بقوله: "جابر بن حيان الكيميائي المعروف كان يدعي جابر الصوفي, وأنه تقلد كما تقلد ذو النون المصري علم الباطن الذي يطلق عليه القفطي مذهب المتصوفين من أهل الإسلام".([14])

    ويذكر المستشرقان التشيكوسلاوي بي كراؤس، وم بلسنر أن جابر بن حيان كان من الشيعة الغلاة, ولعله كان من القرامطة أو الإسماعيلية, وكان يرجح مثل النصيرية سلمان على محمد, كما كان يعتقد مثل الغلاة والنصيرية عقيدة تناسخ الأرواح. وهذان المستشرقان ينقلان عن جابر بن حيان نفسه أنه يقول: إنه أخذ جميع علومه عن جعفر الصادق معدن الحكمة, وأنه ليس إلا الناقل المحض والمرتب. ([15])

     والشيعة فيعدونه من أعيانهم، فلقد كتب السيد محسن الأمين الشيعي المشهور في ترجمته أكثر من ثلاثين صفحة في كتابه (أعيان الشيعة) فيقول: "أبو عبد الله, ويقال: أبو موسى جابر بن حيان بن عبد الله الطرطوسي الكوفي المعروف بالصوفي...كان حكيما رياضيا فيلسوفا عالما بالنجوم طبيبا منطقيا رصديا مؤلفا مكثرا في جميع هذه العلوم وغيرها: كالزهد والمواعظ, من أصحاب الإمام جعفر الصادق عليه السلام, وأحد أبوابه, ومن كبار الشيعة, وما يأتي عند تعداد مؤلفاته يدل على أنه كان من عجائب الدنيا ونوادر الدهر,... إذا هو زاهد واعظ مؤلف كتبا في الزهد والمواعظ".([16]) ثم نقل عن عديد من الشيعة أنهم ذكروا في كتبهم الرجالية, وعدّوه من تلامذة جعفر بن الباقر, ثم قال: "يستفاد مما سلف أمور, وهي: تشيعه, وعلمه بصناعة الكيمياء, وتصوفه, وفلسفته, وتلمذته على الصادق عليه السلام, واشتهاره عند أكابر العلماء, واشتهار كتبه بينهم اشتهارا لا مزيد عليه".([17])

3- يذكر بعض المؤرخين أن عبدك -عبد الكريم أو محمد- المتوفى سنة 210هـ هو أول من تسمى بالصوفي، ويذكر عنه الحارث المحاسبي أنه كان من طائفة نصف شيعية تسمي نفسها صوفية تأسست بالكوفة. بينما يذكر الملطي في (التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع) أن عبدك كان رأس فرقة من الزنادقة الذين زعموا أن الدنيا كلها حرام، لا يحل لأحد منها إلا القوت، حيث ذهب أئمة الهدى، ولا تحل الدنيا إلا بإمام عادل، وإلا فهي حرام، ومعاملة أهلها حرام. وعبْدك أو عبد الله الصوفي فقد هذا ذكره كل من المستشرق ماسينيون، والباحث الإيراني الشيعي الدكتور قاسم غني, والشيعي العراقي الدكتور مصطفى الشيبي وغيرهم, على أنه كان شيعيا مغالياً.

     يقول المستشرق ماسينيون: "أمَّا صيغة الجمع (الصُّوفِيَّة) التي ظهرت عام 199هـ-814م في خبر فتنة قامت بالإسكندرية فكانت تدل– قرابة ذلك العهد فيما يراه المحاسبي والجاحظ–على مذهب من مذاهب التَّصَوُف الإسلامي يكون شيعيا نشأ في الكوفة, وكان عبدك الصوفي آخر أئمته, وهو من القائلين بأن الإمامة بالتعيين, وكان لا يأكل اللحم, وتوفي ببغداد حوالي عام 210هـ- 825م".([18])

     ونقل الدكتور مصطفى الشيبي عن السمعاني صاحب كتاب (الأنساب) أنّه قال: "إن اسم عبدك هو عبد الكريم, وأن حفيده محمد بن علي بن عبدك الشيعي كان مقدم الشيعة... وهكذا يبدو عبدك جامعا لاتجاهات عديدة مختلفة نابعة من التشيع, الممتزجة بالزهد المتأثر بظروف الكوفة التي انتقل منها كثير من سكانها إلى بغداد, بعد أن صارت عاصمة للدولة الجديدة, والمهم في شأن عبدك أنه أول كوفي يطلق عليه اسم صوفي بعد انتقاله إلى بغداد... وقد رأينا أن لبس الصوف قد نبع من بيئة الكوفة التي عرفت بتمسكها بالتشيع ومعارضتها وحربها بالسيف أو بالقول أو بالقلب لمن نكل بالأئمة العلويين, وذلك –إذا صح– يقطع بأن التَّصَوُف في أصوله الأولى كان متصلاً بالتشيع".([19])



[1]- لطائف المنن والأخلاق: الصيادي ص 67.

[2] - التَّصَوُّفُ المنْشَأ وَالمَصَادِر: إحسان إلهي ظهير ص131.

[3]- أبجد العلوم: العلامة صديق حسن خان 2/160.

-[4] التصوف الإسلامي: زكي مبارك 2/28.

[5]- الصلة بين التصوف والتشيع: د. مصطفى الشيبي ص 136.

[6]- المصدر السابق ص 191.

[7]- نفس المصدر ص343.

[8]- ص نفس المصدر ص386.

-[9] المصدر السابق ص 446.

[10]- انظر قول سفيان: اللمع للطوسي ص 42، 43.

[11]- طلائع الصوفية: أبو العزايم جاد الكريم بكير ص 7. الكشف عن حقيقة الصوفية لأول مرة في التاريخ : محمود عبد الرؤوف القاسم، ص745 .

[12]- نفحات الأنس: عبد الرحمن الجامي، ط إيران، ص31, 32.

-[13]  انظر دائرة المعارف الإسلامية أردو 419/6، ط جامعة بنجاب باكستان الطبعة الأولى 1962م, كذلك التصوف لماسينيون ترجمة عربية ص26، ط دار الكتاب اللبناني 1984م.

-[14] نظر كتاب في التصوف الإسلامي وتاريخه ترجمة الدكتور أبي العلاء العفيفي ص 11.

-[15] انظر دائرة المعارف الإسلامية أردو 6/7 مقال بي كراؤس وم بلنسر.

[16]- أعيان الشيعة لمحسن الأمين الشيعي 15/87, 88 ط دار التعارف للمطبوعات بيروت.

[17] - المصدر السابق ص 102.

[18]- التصوف: ماسينيون ص27.  

[19]- الصلة بين التصوف والتشيع 1/293

 

هل أعجبك الموضوع؟